النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
سورة البقرة : الآية ٨٤
وأمّا سَفْكُ الدمٍ ، فإنه صَبُّه وإراقتُه .
فإن قال قائلٌ: وما معنى قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ
◌ِّن دِيَرِكُمْ﴾. وقال: أوَ كان القومُ يَقْتُلُون أنفسَهم، ويُخْرِجُونَها من ديارِها ،
فيُنْهَوا عن ذلك ؟
قيل : ليس الأمرُ فى ذلك على ما ظَنَنْتَ ، ولكن نُهُوا عن أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا ،
فكان فى قتلِ الرجلِ منهم الرجلَ منهم قتلُ نفسِه، إذ كانت مِلَّتُهما واحدةً ، ودينُهما
واحدًا، وكأنَّ أَهلَ الدينِ الواحدِ فى ولايةِ بعضِهم بعضًا بمنزلةِ رجلٍ واحدٍ ، كما قال
عَلَه : ((إنما المؤمنون فى تَراحُمِهم وتَعَاطُفِهِمِ بينَهم بمنزلةِ ("الجسدِ الواحدِ)، إذا
اشْتَكَى "منه عُضوٌ " تدَاعَى له سائر الجسدِ بالحُمَّى والسَّهَرِ))(١).
وقد يجوزُ أن يكونَ معنى قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ أى: لا يَقْتُلُ الرجلُ
منكم "الرجلَ منكمْ، فَيُقادَ به قِصاصًا، فيكونَ بذلك قاتلًا نفسَه؛ لأنه كان
الذى سبَّب لنفسِه ما استحقَّتْ به القتلَ، فأُضِيف إليه بذلك قتلُ ولىِّ المقتولِ إياه
قِصاصًا بوليّه، كما يقالُ للرجلِ يَرْكَبُ فعلا من الأفعالِ يَسْتَحِقُّ به العقوبةَ
فيعاقَبُ (١) : أنت جَنَيْتَ هذا على نفسِك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١ - ١) سقط من: م.
(٢ - ٢) فى ت ٢: ((رجل واحد)).
(٣ - ٣) فى م: (( بعضه)).
(٤) أخرجه البخارى (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير، وقد ذكره المصنف هنا
بمعناه.
(٥ - ٥) سقط من: ت ٢.
(٦) بعده فى م، ت١: ((العقوبة))، وفى ت٢: ((به العقوبة)).
٢٠٢
سورة البقرة : الآية ٨٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا
مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ [٣٣/٣ ] ◌ِمَآءَكُمْ﴾ أى: لا يقتلُ بعضُكم بعضًا، ﴿وَلَا
تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ﴾ ونفسُك يا بن آدمَ أهلُ مِلَتِك(١).
حدَّثنى المُثَنى، قال: ثنا آدمُ ، قال: ثنا أبو جَعْفَرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ
فى قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ﴾. يقولُ: لا يقتلُ بَعْضُكم
بَعْضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ﴾. يقولُ: لا يُخْرِجُ بعْضُكُم بعضًا من
(٢)
الديارِ (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةً فى قوله: ﴿لَا
تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾. يقولُ: لا يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا .
(٣) حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ:
﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾. يقولُ: لا يقتلُ بعضُكم بعضًا٢) بغيرِ حقٍّ، ﴿ وَلَا
تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ﴾ فتَشْفِك يا بنَ آدَمَ دماءَ أهلِ مَّتِك
ودعوتِك .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ ﴾.
٣٩٥/١
يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ ("أى: أقرَرْتُم٣) بالميثاقِ الذى أَخَذْنا
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣/١ عقب الأثر (٨٥٢) معلقًا.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢/١، ١٦٣ (٨٥١، ٨٥٣) من طريق آدم به .
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
٢٠٣
سورة البقرة : الآية ٨٤
عليكم (ألا تَشْفِكُوا)) دماءَكُم ولا تُخْرِجوا أنفسَكُم مِن دیارِكُم .
كما حدَّثنى المثنى، قال : ثنا آدمُ ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى
العاليةِ: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ . يقولُ : أقررتم بهذا الميثاقِ(٣) .
حُدِّثْت عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع مثلَه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
(٨٤
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهلُ التأويلِ فى من خُوطِب بقولِه: ﴿ وَأَنْتُمْ
تَشْهَدُونَ﴾ ؛ فقال بَعْضُهم: ذلك خطابٌ من اللَّهِ جلّ وعزّ لليهودِ الذين كانوا
بين ظهرانَى مُهاجَرٍ رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ أيامَ هجرتِه إليه مُؤَنِّبًا لهم على تضييعِهم
أحكامَ ما فى أيدِيهم مِن التوراةِ التى كانوا يُقِرُّون بحُكْمِها، فقال اللَّهُ عَّ
أَقْرَرْتُمْ﴾. يعنى بذلك: أقرّ(١) أَوائلُكم وسلفُكم، ﴿ وَأَنْتُمْ
وجل لهم : ﴿مـ
تَشْهَدُونَ﴾ على إقرارِهم بأخذِ الميثاقِ عليهم بأن لا يَشْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجوا
أنفسَهم من ديارِهم، " وتُصَدِّقون" بأنَّ ذلك حقٌّ مِن ميثاقى عليكم). وممن حُكِى
هذا القولُ عنه ابنُ عباسٍ .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنی
محمدُ بنُ أبي محمدٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباس: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا
مِيثَاقَكُمْ [٣٣/٣ظ] لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ
(١ - ١) فى م، ت ٢، ت ٣: (( لا تسفكون)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣/١ (٨٥٥) من طريق آدم به .
(٣) فى م: ((إقرار)).
(٤ - ٤) فى م: ((ويصدقون)).
(٥) فى م: ((عليهم)).
٢٠٤
سورة البقرة : الآية ٨٤
وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: علَى أنَّ هذا حقٌّ من ميثاقِى عليكم(١).
وقال آخرون : بل ذلك خَبرٌ من اللَّهِ جلّ وعزّ عن أوائلِهم، ولكنه تعالى ذكرُه
أخرَج الخبرَ بذلك عنهم مُخْرَجَ المخاطبةِ على النحوِ الذى وَصَفْنا فى سائرِ الآياتِ التى
هى نظائرُها ، التى قد بَيَّا تأويلَها فيما مضَى(١).
وتأوَّلُوا قولَه: ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بمعنى: وأنتم شُهودٌ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفرٍ ، عن الربيع، عن أبى العالیة فی
قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ يقولُ: وأنتم شهودٌ .
وأولى الأقاويلِ فى تأويلِ ذلك بالصوابِ عندِى أن يكونَ ﴿ وَأَنْتُمْ
تَشْهَدُونَ﴾ خبرًا عن أسلافِهم، وداخلًا فيه المخاطَبون به(٣) الذين أَدْرَكُوا رسولَ
اللَّهِ عَظِيمٍ، كما كان قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ﴾ خبرًا عن أسلافِهم وإن(٤) كان
خطابًا للذين أَذْرَ كُوا رسولَ اللَّهِ ◌َهِ؛ لأن اللَّهَ عزّ ذكرُه أَخَذ ميثاقَ الذين كانوا على
٣٩٦/١ عهدِ موسى عليه السلامُ/ من بنى إسرائيلَ على سبيلٍ ما قد بَيّنه لنا فى كِتابِهِ ، فَأَلْزَمَ
جَمِيعَ مَن بعدَهم مِن ذُرِّيَّتِهِم مِن حُكْم التوراةِ مثلَ الذى أَلْزَم منه مَن كان على عهدٍ
موسى عليه السلامُ منهم ، ثم أَنَّب الذين خاطبهم بهذه الآياتِ على نقضِهم ونقضٍ
سلفِهم ذلك الميثاقَ، وتبديلهم(٢) ما وَكّدوا على أنفسِهم له بالوفاءِ من العهودِ بقولِه :
(١) سيرة ابن هشام ١ / ٥٤٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣/١ (٨٥٤) من طريق سلمة به .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٦٤٢/١، ٦٤٣.
(٣) فى م: ((منهم).
(٤) فى م: (( بأن )) .
(٥) فى م، ت ٢: ((تكذيبهم)).
٢٠٥
سورة البقرة : الآيتان ٨٤، ٨٥
ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وإن كان خارجًا على وجهِ الخطابِ للذين كانوا
على عهدٍ نبيِّنا مِّئَلِ منهم، فإنَّه معنىٌ به كلُّ مَن أَقَرُ(١) بالميثاقِ منهم على عهدِ موسى
عليه السلامُ ومَن بعدَه، وكلَّ مَن شَهِد منهم بتصديقٍ ما فى التوراةِ ؛ لأنَّ اللَّهَ جلَّ
ثناؤُه لم يَخْصُصْ بقولِه: ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وما أشبه ذلك من الآي
بعضَهم دون بعضٍ، والآيةُ محتمِلةٌ أن يكونَ أُرِيدَ بها جميعُهم، فإذا كان ذلك
کذلك ، فليس لأحدٍ أن يدّعى أنه أريد بها بعضٌ منهم دون بعضٍ ، و کذلك حكم
الآيةِ التى بعدَها، أعنى قوله: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية ؛ لأنه
قد ذُكِر أن أوائلَهم قد كانوا يفعلُون من ذلك ما كان يفعلُه أواخرُهم الذين أدركوا
عصرَ نبيِّنَا مَ اله .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [٣٤/٣و]
وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
ويَتَّجِهُ قولُه جل ثناؤه: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وجهين؛ أحدُهما ، أن يكونَ أُرِيدَ
به: ثم أنتم يا هؤلاء. فترَك ((يا)) استغناءً بدَلالةِ الكلام عليه، كما قال جلّ ثناؤه :
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. وتأويلُه: يا يوسفُ أَغْرِضْ عن هذا.
ج
فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: ثم أنتم (١) يا معشرَ يهودِ بنى إسرائيلَ ، بعد إقرارِ كم بالميثاقِ
الذى أخذْتُه عليكم "ألا تَشْفِكوا" دماءَكم، ولا تُخْرِجوا(4) أنفسكم من دياركم(٥)،
وبعد شهادتِكم على أنفسِكم بأن ذلك حقٌّ لى عليكم لازمٌّ لكم الوفاءُ لى به - تَقْتلون
(١) فى م: ((واثق)).
(٢) سقط من : الأصل .
(٣ - ٣) فى م: (( لا تسفكون)).
(٤) فى م: ((تخرجون)).
(٥) بعده فى م: (( ثم أقررتم)).
٢٠٦
سورة البقرة : الآية ٨٥
أنفسكم وتُخْرِجون فريقًا منكم من ديارِهم ، متعاونين عليهم فى إخراجِكم إياهم
بالإثم والعدوانِ . والتعاونُ هو التظاهرُ. وإنما قيل للتعاونِ: التظاهرُ. لتقويةِ بعضِهم
ظهرَ بعضٍ، فهو تفاعُلٌ من الظَّهْرِ، وهو مساندةُ بعضِهم ظهرَه إلى ظهرِ بعضٍ.
والوجهُ الآخرُ أن يكونَ معناه : ثم أنتم ، القومَ(٢) ، تَقْتلون أنفسكم ، فیَرْجُ
إلى الخبرِ عن ((أنتم))، وقد اعْتُرِضَ بينهم وبين الخبرِ عنهم بـ ((هؤلاء))، كما تقولُ
العربُ : أنا ذا أقوم ، أنا ذا أجلِسُ . ولو قيل : أنا هذا يجلِسُ. كان صحيحًا جائزًا ،
وكذلك : أنت ذاك تقومُ .
٣٩٧/١
وقد زعم بعضُ البصريين أن قوله: ﴿هَؤُلَاءٍ﴾. فى قوله: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ
هَؤُلاءِ﴾ " تنبية وتوكيدٌ ل﴿أَنْتُمْ﴾. وزعَم/ أنَّ ((أنتم)) وإن كانت كنايةَ أسماء
جماع المخاطَبين، فإنما جاز أن يؤكّدوا بـ ((هؤلاء)) - () و ((هؤلاء)) لا يؤكدُ بها" عن
مخاطَبين - كما قال خُفافُ ابنُ نُدْبةً(٥) :
تأمَّلْ(٢) خُفافًا إنّنِى أنا ذَلكا
أقولُ له والُمْمُ يَأْطِئُ مَثَه
يريد: أنا هذا(٧). وكما قال جلَّ ثناؤه: ﴿حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ
بِهِم بِيج طَيِّبَةٍ﴾ [ يونس: ٢
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى مَن عُنِىَ بهذه الآيةِ نحوَ اختلافِهم فى من عُنِىَ بقولِه :
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((عليه)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((قوم)).
(٣ - ٣) فى حاشية الأصل: ((فى الأم: تنبيه لا توكيد)).
(٤ - ٤) فى م: ((وأولى لأنها كناية))، وفى ت١، ت٢: ((وأولى لا يكنى بها)).
(٥) تقدم فى ٢٣٠/١.
(٦) فى م، ت١، ت٢، ت٣: (( تبين).
(٧) فى الأصل: ((هو)).
٢٠٧
سورة البقرة : الآية ٨٥
﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ .
ذكْرُ اختلافِ المختلفين فى ذلك
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال :
حدَّثنی محمدُ بنُ أبی محمدٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ ، أو عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ ،
قال: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ
تَظْهَرُونَ عَلَيْهِم بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: أَى: أَهلَ الشركِ حتى تَسْفِكوا دماءَهم معهم
وتُخْرِجوهم من ديارِهم معهم، فقال: ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بذلك (١) مِن فعلِهم، وقد حَرَّم
عليهم فى التوراةِ سفكَ دمائِهم ، وافترضَ عليهم فيها فداءَ أَشْراهم ، فكانوا فريقَيْن ؛
طائفةٌ منهم بنو قينقاعَ ولِفُّهم حلفاءُ الخزرج، [٣٤/٣ظ] والنضيرُ وقريظةُ ولِفُّهم(٢)
حلفاءُ الأُوسِ، فكانوا إذا كانت بين الأُؤْسِ والخزرج حربٌ خرجتْ بنو قينقاعَ مع
الخزرجِ، وخرجتِ النضيرُ وقريظةُ مع الأوسِ، يُظاهرُ كلُّ واحدٍ من الفريقَيْن حلفاءَه
على إخوانِه حتى يَتَسافكوا دماءَهم بينهم ، وبأيديهم التوراةُ يَعْرفون منها ما عليهم وما
لهم ، والأوسُ والخزرجُ أهلُ شركٍ يَعبدون الأوثانَ لا يَعْرِفون جنة ولا نارًا ، ولا بعثًا ولا
قيامةً ، ولا كتابًا ولا حرامًا ولا حلالاً ، فإذا وَضَعتِ الحربُ أوزارَها افتدَوْا أَسْراهم،
تصديقًا لما فى التوراةِ وأخذًا به بعضُهم من بعضٍ . يَفْتَدِى بنو قينقاعَ ما كان من أشْراهم
فى أيدى الأوسِ ، وتَفْتَدِى النضيرُ وقريظةُ ما كان فى أيدى الخزرج منهم ، ويُطِلُّون(٤)
ما أصابوا من الدماءِ، وقتلوا مَن قتلوا منهم فيما بينهم ، مظاهرةً لأهلِ الشركِ عليهم،
يقولُ اللَّهُ عز وجل حين أَنْبَأَهُم بذلك: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُونَ
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((أنبهم)) .
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٣) سقط من: م. واللِّفُّ: الحزب والطائفة، والقوم المجتمعون. والجمع لُفوف وألفاف . التاج (ل ف ف).
(٤) الطلّ: هدر الدم، وقيل: هو ألا يثأر به أو تقبل ديته. اللسان (ط ل ل).
٢٠٨
سورة البقرة : الآية ٨٥
بِبَعْضَِ﴾ أى: ( يُفادِيه بحُكْمِ التوراةِ، ويقتُلُه، وفى حكمِ التوراةِ ألا يفعَلَ، ويُخرِجُه
من دارِهِ، ويُظاهِرُ عليه مَن يُشرِكُ باللّهِ ويعبدُ الأوثانَ من دونِه ابتغاءَ عَرَضِ الدنيا . ففى
ذلك من فعلهم مع الأوسِ والخزرجِ - فيما بلغنى - نزلتْ هذه القصةُ(٢).
حدَّثْنى موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن
دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. قال: إن اللَّهَ جلَّ ذكرُه أَخَذ على بنى
إسرائيلَ فى التوراةِ أَلا يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، وأيّما عبدٍ أو أمةٍ وجَدْتموه من بنى إسرائيلَ
فاشترُوه بما " قام ثَمَنُه٢) فَأَعْتِقوه، فكانت قريظةُ حلفاءَ الأوسِ، والنضيرُ حلفاءَ
الخزرجِ، فكانوا يَقْتَتِلُون فى حربٍ سُمَيٍْ(٤) ، فتقاتلُ بنو قريظةً مع حلفائِها النضيرَ
وحلفاءَها ، وكانت النضيرُ تُقاتِلُ قريظةً وحلفاءَها ويَغْلِبونَهم، فيُخْرِبون ديارهم
ويُخْرِجونَهم منها، فإذا أُسِر رجلٌ من الفريقَيْن كليهما، جَمَعوا له حتى يَفْدُوه،
٣٩٨/١ فتُعَيِّرُهم العربُ بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتَفْدونهم؟ قالوا: لإنا أُمِرْنا أن
نَفْدِيَهم وحُرِّم علينا قتالُهم. قالوا: فَلِمَ تُقَاتِلُونهم؟ قالوا: إنا نَشْتَحْيِى أن يُستَذَلَّ
حلفاؤُنا . فذلك حين عَيَّرهم اللَّهُ جلَّ وعزَّ، فقال: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تَقْتُلُونَ
أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُذْوَانِ﴾(١).
(١ - ١) فى م: ((تفادونه بحكم التوارةٍ وتقتلونه وفى حكم التوراة ألا يقتل ولا يخرج من ذلك ولا يظاهر)).
(٢) سيرة ابن هشام ١ / ٥٤٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣/١ - ١٦٦ (٨٥٦، ٨٥٩، ٨٦٠،
٨٦٤، ٨٦٧، ٨٧٠) مفرقًا من طريق سلمة به .
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قدم يمينه)) وبما قام ثمنه. يريد: بما بلغه ثمنه . يقال: كم قامت
ناقتك؟ أى كم بلغت . وقد قامت الأمةُ مائةَ دينار . أى بلغ قيمتها مائة دينار. اللسان ( ق وم ).
(٤) سمير: رجل من بنى عمروبن عوف. وينظر خبر هذه الحرب فى الكامل لابن الأثير ١/ ٦٥٨، والأغانى ٣/ ١٨.
وسيذكره المصنف مرة أخرى فى تفسير الآية ١٠٣ من سورة آل عمران.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣/١ (٨٥٢، ٨٥٧) عن أبى زرعة ، عن عمرو به .
٢٠٩
سورة البقرة : الآية ٨٥
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كانت قريظةُ
والنضيرُ أخوَيْن، وكانوا بهذه البلدةِ(١) ، وكان الكتابُ بأيديهم، وكانت الأوسُ
والخزرجُ أخوَيْن فافترَقا ، وافترَقَتْ قريظةُ والنضيرُ، فكانت النضِيرُ مع الخزرجِ، وكانت
قريظةُ مع الأوس . قال: فاقْتَتلوا، وكان بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا، فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤه :
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُم مِّن دِيَارِهِمْ﴾ الآية .
[٣٥/٣ظ] وقال آخرون بما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن
الربيع، عن أبى العاليةِ، قال: كان فى بنى إسرائيلَ إذا اسْتَضْعَفوا قومًا أُخْرَجوهم من ديارِهم،
وقد أُخِذ علَيْهم الميثاقُ أَلا يَشْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجوا أنفسَهم من ديارِهم(٦).
وأما العُدْوانُ فهو الفُعْلانُ من التَّعَدِّى، يقالُ منه: عدا فلانٌ فى كذا
يَعْدُو فيه عَدْوًا وَعُدْوانًا، واعْتَدَى فهو يَعْتَدِى اعتداءً. وذلك إذا جاوز حدَّه
ظُلْمًا وَبَغْيًا .
وقد اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ﴿ تَظَهَرُونَ﴾؛ فقرأها بعضُهم: ﴿ تَظْهَرُونَ﴾.
على مثالٍ ((تَفاعَلُون))، بحذفِ التاءِ الزائدة - وهى التاءُ الآخرةُ، وقرأها آخرون :
(تَظَّاهَرُونَ). مُشدَّدةٌ، بتأويلِ (تَتَظاهرون))، غيرَ أنهم أدْغَموا التاءَ الثانيةَ فى الظاءِ
لتقاربِ مخرجَيْهما فصَيَّروهما ظاءً مشددةً(٣) .
وهاتان القراءتان وإن اختلفتْ ألفاظُهما فهما مُتَّفِقَتَا المعنى، فسواءٌ بأىِّ ذلك
قرَأ به القارئُ ؛ لأنهما جميعًا لغتان معروفتان وقراءتان مُسْتَفيضتان فى أمْصارٍ
الإسلامِ بمعنى واحدٍ ، ليس فى إحداهما معنَى تَسْتَحِقُّ به اختيارَها على الأخرى ، إلا
(١) فى م: ((المثابة)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣/١ (٨٥٣) من طريق آدم به.
(٣) وبها قرأ الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائى، وقرأ الباقون ((تظَّاهرون)) بالتشديد. ينظر النشر ٢١٨/٢.
( تفسير الطبرى ١٤/٢ )
٢١٠
سورة البقرة : الآية ٨٥
أن يختارَ مختارٌ ( تَظَّاهَرُونَ ) بالتشديدِ طلبًا منه تتمةَ الكلمةِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ تُحَرَّمُ
عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمَّ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضَِّ﴾ .
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ﴾. اليهودَ،
يُؤْنِّئُهم (١) بذلك، ويُعَرِّفُهم به قبيحَ أفعالهم التى كانوا يَفْعَلونها ، فقال لهم: ثم أنتم ،
بعد إقرارٍ كم بالميثاقِ الذى أخذْتُه عليكم ألا تَشْفِكوا دماء كم ، ولا تُخْرِجوا أنفسكم
من ديارِ كم ، تَقْتُلُونَ أَنفُسَكم - يعنى به: يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا - وأنتم مع قتلِكم مَن
تَقْتلون منكم، إذا وجَدْتم الأسيرَ منكم فى أيدى غيرِ كم من أعدائِكم تَفْدُونهم
ويُخْرِجُ بعضكم بعضًا من دارِه، وقَتْلُكم إياهم وإخرامُكُموهم من ديارهم حرامٌ
عليكم، كما حرامٌ عليكم تَوْكُهم أَسْرى فى أيدى عَدُوّكم، فكيف تَسْتَجِيزونَ
قتلَهم ولا تَسْتَجيزونَ تَرْكَ فدائِهم من عدوّهم ؟ أم كيف لا تَسْتَجيزون تَرْكَ فدائِهم ،
وتَسْتَجيزون قتلَهم، وهما جميعًا فى اللازم لكم من الحكم فيهم سواءٌ؛ لأن الذى
حَرَّمْتُ عليكم مِن قَتْلِهِم وإخراجهم من دورِهم نظيرُ الذى حَرَّمْتُ عليكم من
تَرْكِهم أُسْرَى فى أيدى عدوّهم ، أتؤمنون ببعضِ الكتابِ الذى فرضْتُ عليكم فيه
٣٩٩/١ فرائضى ويَنْتُ لكم فيه محُدُودى وأخذْتُ عليكم (٢) بالعملِ بما /فيه ميثاقى -
فتُصَدِّقون [٣٥/٣] به، فتُفادُون أَسْراكم مِن أيدِى عدوّ كم، وتَكْفُرُونَ بِبَعْضِه،
فَتَجْحَدونه فتَقْتُلُون مَن حرَّمْتُ عليكم قتلَه مِن أهلٍ دينكم ومِن قومِكم،
وتُخْرِجونهم مِن ديارِهم، وقد علِمْتُم أن الكفرَ منكم بتَغْضِه نقضٌ منكم عهدى
ومِیثاقی ؟!
(١) فى م: ((يوبخهم)).
(٢) فى م: ((عليه)).
٢١١
سورة البقرة : الآية ٨٥
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَمُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَّظَهَرُونَ
عَلَيْهِم بِالْإِثِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوَكُمْ ( أُسَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ
إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضَِّ﴾: فادين ، واللَّهِ إِن
فداءَهم لَلْإِيمانٌ ، وإن إخراجهم لَلْكفرُ، فكانوا يُخْرِجونهم مِن ديارِهم ، وإذا رأَؤْهم
أُسارَی فی أیدی عدوهم افتگوهم(٢) .
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنی
محمدُ بنُ أبى محمدٍ ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أو عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِن
يَأْتُوكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ﴾: قد علِمْتُم أن ذلكم عليكم فى دينكم ﴿ وَهُوَ مُحَرَّم
عَلَيْكُمْ﴾ فى كتابِكم ﴿إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ
بِبَعْضِ﴾: أتُفادُونهم مؤمنين بذلك، وتُخْرِجونهم كفرًا بذلك(١) .
حدثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ ﴾ . يقولُ : إن وجدْتَه فى
يدِ غَيْرِكَ فدَيْتِه وأنت تَقْتُلُهُ (٤) بيدِك .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، قال : قال أبو جعفرٍ:
كان قتادةُ يقولُ فى قولِهِ: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍِ﴾ :
فكان إخراجهم كفرًا وفداؤُهم إيمانًا .
حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا آدم، قال : ثنا أبو جعفرٍ ، عن الربيع، عن أبى العالية
(١ - ١) فى الأصل: ((أسرى تقدوهم)). وفى م، ت١، ت٢: ((أسارى تفدوهم))، وهذه قراءات سيذكرها المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦/١ (٨٦٨) من طريق يزيد به .
(٣) تقدم مطولًا فى ص ٢٠٧ .
(٤) بعده فى الأصل: (( أو أنت تقتله)).
٢١٢
سورة البقرة : الآية ٨٥
فى قوله: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية. قال: كان فى بنى
إِشْرائيلَ إذا اسْتَضْعَفوا قومًا أُخْرَجوهم مِن ديارِهم، وقد أَخِذ عليهم الميثاقُ ألا
يَشْفِكوا دماءهم ، ولا يُخْرِجُوا أنفسَهم مِن ديارِهم، وأُخِذ عليهم الميثاقُ إِنْ أُسِر
بعضُهم أن يُفادوهم، فأخرجوهم مِن دیارِهم ، ثم فادوهم، فآمنوا ببعضِ الكتابِ
وكفَروا ببعضٍ، آمنوا بالفِداءِ فقدَوْا، وكفَروا بالإخراجِ مِن الديارِ فَأَخْرَجوا(١).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، قال: ثنا الربيعُ بنُ أنسٍ،
قال : أَخْبَرَنى أبو العاليةِ ، أن عبدَ اللهِ بنَ سَلَامِ مرَّ على رأسِ الجالوتِ بالكوفةِ وهو
يُفادِى مِن النساءِ مَن لم يَقَعْ عليه العربُ ، ولا يُفادِى مَن قد وقَع عليه العربُ ، فقال
له عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ: أما إنه مَكْتوبٌ عندَك فى كتابِك: أن فَادُوهن كلَّهن (٢).
٤٠٠/١
حدَّثنى القاسمُ، قال [٣٦/٣و]: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ:
﴿أَفَتُّؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضَِّ﴾. قال: كفرُهم القتلُ والإْرامجُ،
وإيمانُهم الفِداءُ. قال ابنُ مجُرَيْج: / يقولُ: إذا كانوا عندَكم تَقْتُلونهم،
وتُخْرِجُونهم مِن ديارِهم، وأما إذا أَسِروا تَفْدُونهم؟ وبلَغَنى أن عمرَ بنَ الخطابِ
قال فى قصةِ بنى إسرائيلَ: إن بنى إسرائيلَ قدِ مضَوْا، وإنكم يا أهلَ الإسلامِ
تُعْنَوْن بهذا الحديثِ .
واخْتَلَفت القَرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ﴾؛ فقرَأه
بعضُهم: (أَسْرَى تَفْدُوهم). وبعضُهم: (أَسارَى تُفادُوهم). وبعضُهم:
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٦٥، ١٦٦ (٨٦٦، ٨٧٢) من طريق آدم به.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٧٤/١ عن آدم بن أبى إياس فى تفسيره. مصنف ابن أبى شيبة ١٣/١٣،
وتفسير ابن أبى حاتم ١٦٥/١ (٨٦٥).
(٣ - ٣) فى م: ((أنتم)) .
٢١٣
سورة البقرة : الآية ٨٥
( أُسارَى تَفْدُوهم). وبعضُهم: (أَشْرِى تُفادُوهم)(١).
فمَن قرأْ ذلك: (وإن يأتوكم أسْرَى ). فإنه أراد جمعَ الأسيرِ، إذ كان على
((فَعِيل)) على مثالِ جمع أسماءِ ذَوِى العاهاتِ التى يأتى واحدُها على تقديرٍ
((فَعِيل))؛ إذ كان الأسْرُ شَبيهَ المعنى - فى الأذَى والمكروهِ الداخلِ به على الأسِيرِ -
ببعضِ مَعانى العاهاتِ، وأُلْقِ جَمْعُ المسمى(٢) به بجمعِ ما وصَفْنا، فقيل: أسيرٌ
وأسْرَى. كما قيل : مريضٌ ومَرْضَى، وكَسیرٌ وكَسْرَى، وجَريحٌ وجَرْحَى .
وأما الذين قرَءوا ﴿أُسَرَى﴾ فإنَّهم أخرَجوه على مُخرج جمع (فَعْلان))؛ إِذ
كان جمعُ ((فعلان)) الذى له ((فَعْلَى))، قد يُشاركُ جمعَ ((فعيلٍ))، كما قالوا :
سُكَارِى وسَكْرى، وكُسالى وكَشْلى، فشبَّهوا أسيرًا - إذ جمَعوه مرةً أَسارى،
وأُخرى أَشْرى - بذلك .
وكان بعضُهم يَزْعُمُ أن معنى الأُسْرَى مخالِفٌ معنى الأسارَى، ويَزْعُمُ أن
معنى الأسرَى اسْتِثْسارُ القومِ بغيرِ أسْرٍ مِن الْمُسْتَأْسِرِ لهم، وأن معنى الأسارَى معنى
مَصيرِ القومِ المُشُورِين فى أيدى الآسِرِين بأشْرِهم إياهم وأَخْذِهم قهرًا وغَلَبةً .
قال أبو جعفرٍ : وذلك ما لا وجه له يُفْهَمُ فى لغةٍ أحدٍ مِن العربِ ، ولكنَّ ذلك
على ما وصَفْتُ مِن جمع الأسيرِ مرةً على ((فَعْلَى)) لِمَا بيَنْتُ مِن العلةِ، ومرةً على
((فُعَالَى)) لمَا ذِكَوْتُ مِن تشبيهِهم جمعَه بجمعِ سَكْرانَ وكَسْلانَ وما أَشْبَه ذلك .
وأولى القراءات (٢) بالصوابِ فى ذلك (٤) قراءةُ مَن قرأ: ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أَسْرَى ) ؛
(١) القراءة الأولى قرأ بها حمزة ، والثانية قرأ بها الكسائى وعاصم ونافع وأبو جعفر، والثالثة قرأ بها ابن كثير
وأبو عمرو وابن عامر وخلف ، والرابعة قراءة شاذة مما فوق العشرة. انظر النشر ٢١٨/٢.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المستلحق)).
(٣) سقط من : م .
(٤) القراءات المتواترة لا تفاضل بينها ، قال أبو عمرو الدانى: وأئمة القراء لا يعمل فى شىء من حروف القرآن =
٢١٤
سورة البقرة : الآية ٨٥
لأن ((فُعَالى)) فى جمع ((فَعِيل)) غيرُ مُشْتَفيضٍ فى كلامِ العربِ ، فإذ كان ذلك غيرَ.
مُسْتَفِيضٍ فى كلامِهم، وكان مُسْتَفِيضًا فاشيًا فيهم جمعُ ما كان مِن الصفاتِ -
التى بمعنى الآلامِ والزَّمَانةِ - واحدُه على تقديرِ ((فَعيلٍ)) على ((فَعْلَى)) كالذى وصَفْنا
قبلُ، وكان أحدُ ذلك الأسيرَ - كان الواجبُ أن يُلْحَقَ بنَظائرِهِ وأَشْكالِهِ فِيُجْمَعَ
جمعَها دونَ غيرِها [٣٦/٣ ظ] ثمّن خالَفَها .
وأما مَن قرأ: ﴿ تُفَدُوهُمْ﴾. فإنه أراد: إنكم تَفْدُونهم ممن ١ أسرَهم،
ويُقْدَى منكم الذين أسَرُوهم؛ ففادُوكم بهم أشْراهم منكم " .
وأما مَن قرَأُ ذلك: (تَفْدؤُهُمْ) فإنه أراد أنكم يا معشرَ اليهودِ إن أتاكم الذين
أُخْرَ جْتُموهم منكم مِن ديارِهم أسْرَى، فَدَيْتُموهم فاسْتَنْقَذْتُموهم .
وهذه القراءةُ أعجبُ إلىَّ مِن الأولى - أغْنِى: (أُسْرَى تَفْدُوهم) - لأن الذى على
اليهودِ فى دينهم فِداءُ أَشْراهم بكلِّ حالٍ، فَدَى الآسِرون أشْراهم منهم أم لم يَفْدُوهم .
وأمّا قولُه: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ فإن فى قوله: ﴿ وَهُوَ﴾
وجهين مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أن يكونَ كِنايةً عن الإخراج الذى تَقَدَّم ذكرُه، فكأنه
قال: وتُخْرِجون فريقًا منكم مِن ديارِهم، وإخراجهم مُحَرَّمٌ عليكم. ثم كرَّر
الإِخْراجَ الذى بعدَ ﴿وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ﴾ تكريرًا على ((هو))، لمَّ حال بينَ
((الإخراجِ)) و﴿ هُوَ﴾ كلامٌ.
والتأويلُ الثانى: أن يَكونَ عِمادًا(٢) لمّا كانت الواؤُ التى مع ﴿وَهُوَ﴾ تَقْتَضِى
= على الأفشى فى اللغة والأقيس فى العربية، بل على الأثبت فى الأثر والأصح فى النقل ، والرواية إذا ثبتت عنهم
لم يردها قياس عربية ولا فشوّ لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. النشر ١٦/١.
(١) فى م: ((من)).
(٢ - ٢) فى م: ((أمراكم منهم)).
(٣) هو ضمير الفصل ويسميه الكوفيون عمادا، لكونه حافظا لما بعده حتى لا يسقط عن الخبرية ، أو كأنه =
٢١٥
سورة البقرة : الآية ٨٥
اسمًا يَلِيها دونَ/ الفعلِ(١)، فلما قدَّم الفعلَ قبلَ الاسم - الذى تَقْتَضِيه الواوُ أن يَلِيَها - ٤٠١/١
أَوْلِيَت ((هو))؛ لأنه اسمٌ، كما تَقولُ فى الكلام: أتَيْتُك، وهو قائمٌ أبوك . بمعنى
وأبوك قائمٌ؛ إذ كانت الواوُ تَقْتَضِى اسمًا، فعُمِدَت بـ ((هو))؛ إذ سبق الفعلُ الاسمَ
لِيَصْلُحَ الكلامُ به، كما قال الشاعرُ:
على العِيسِ فى آبَاطِها عَرَقٌ يَتْسُ
فأَبْلِغْ أبا يحيى إذا ما لقِيتَه
أَميرَ الحِمَی قد باع حَقِّی بنی عَبْسٍ
بأنَّ السَّلامىَّ الذى بضَرِيَّةٍ(٣
فهل هو مرفوعٌ بما هلهنا راسُ
بثوبٍ ودينارٍ وَشاةٍ وَدِرْهَم
فَأُوْلِيَت ((هل))(٤) لطلِها الاسمَ العِمادَ.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا
خِرِىٌ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاً
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾: فليس لمن
قتل منکم قتيلاً - فكفَر بقتلِه إياه ( ببعض حکم ) اللهِ الذی حكم به علیه فى
الثَّوْراةِ، وأخْرَج منكم فريقًا مِن ديارِهم مُظاهِرًا (١) عليهم أعداءَهم مِن أهلِ الشركِ
ظُلمًا وعُدْوانًا، وخلافًا لما أَمَرَه اللهُ به فى كتابِهِ الذى أَنْزَله إلى موسى - ﴿جَزَآءُ﴾،
يعنى بـ((الجزاءِ)) الثوابَ، وهو العِوَضُ مما فعَل مِن ذلك والأجرُ عليه، ﴿إِلَّا خِزِىٌ
= عمد الاسم وقواه بتحقيق الخبر. شرح المفصل ٣/ ١١٠، شرح الرضى على الكافية ٢/ ٢٤، ٢٥.
(١) المراد بالفعل هنا: المشتقات التى تعمل عمل الفعل. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ٥٢ - ٥٤.
(٢) معانى القرآن للفراء ٥٢/١.
(٣) ضرية: أرض بنجد وينسب إليها حمى ضرية ينزلها حاج البصرة . معجم البلدان ٢٧٢/٣.
(٤) أى: أوليت هل الضمير ((هو)).
(٥ - ٥) فى م، ت١، ت٢: ((بنقض عهد)).
(٦) فى الأصل: ((مظاهرة)).
٢١٦
سورة البقرة : الآية ٨٥
فِى الْحَيَوَةِ [٣٧/٣ و] الذُّنْيَاً﴾. والخِزْىُ الذُّلُّ والصَّغارُ. يقالُ منه: قد خَزِى الرجلُ
يَخْرَى خِزْيًا ﴿فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾، يعنى: فى عاجلِ الدنيا قبلَ الآخِرةِ.
ثم اختُلِف فى الخِزى الذى جزاهم ) اللهُ بما سلَف منهمٌ مِن معصيتهم إياه ؛
فقال بعضُهم: ذلك هو حُكْمُ اللهِ الذى أَنْزَلَه إلى نبيِّه محمدٍ عَ لَه مِن أَخْذِ القاتلِ يَنْ
قتَل والقَوَدِ به قِصاصًا، والانتقامِ للمظلومِ مِن الظالم .
وقال آخرون: بل ذلك هو أخْذُ الجزيةِ منهم ما أقاموا على دينهم ذِلَّةٌ لهم
وصَغارًا .
وقال آخرون: بل ذلك الخِزْىُ الذى جُوزُوا به فى الدنيا إخراج رسولِ اللهِ صَ لِّ
التَّضِيرَ عن ديارهم لأولِ الحَشْرِ ، وقَتْلُ مُقاتِلةِ قُرَيْظَةَ وسَبْئُ ذَراريِّهم ، فكان ذلك لهم
خِزْيًا فى الدنيا، ولهم فى الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَيَوْمَ اُلْقِيَامَةِ يُّرَدُّونَ إِلَ أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ .
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَّ أَشَدِ الْعَذَابِ ﴾ : ويومَ
تَقومُ (١٢) الساعةُ، يُرَدُّ مَن يَفْعَلُ ذلك منكم بعدَ الخَزَّي الذى يَحِلّ به فى الدنيا جَزاءً
على معصيتِه اللهَ ، إلى أشدِّ العذابِ الذى أعَدَّه اللهُ لأعْدائِه.
وقد قال بعضُهم : معنى ذلك: ثم يومَ القيامةِ يُرَدُّونَ إلى أشدِّ مِن عذابِ الدنيا .
ولا معنى لقولٍ قائلِ ذلك؛ لأن الله جل ثناؤه إنما أُخْبَر أنهم يُرَدُّون إلى أشدِ
معانى العذابٍ ، ولذلك أدْخَل فيه الألفَ واللامَ؛ لأنه عَنَى به جنسَ العذابِ كلِّه
دون نوعٍ منه .
(١) فى م: ((أخزاهم)).
(٢) سقط من : م .
(٣) سقط من : الأصل .
٢١٧
سورة البقرة : الآية ٨٥
٨٥
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَا تَعْمَلُونَ
اخْتَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَه بعضُهم : ( وما اللهُ بغافلٍ عما يعملون ).
بالياءِ (١) على وجهِ الإخبارِ / عنهم، فكأنَّهم نحَوْا بقراءتهم معنى: ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن ٤٠٢/١
يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِىٌ فِى الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا﴾ ويومَ القيامةِ يُرَدُّ من يفعلُ ذلك
منكم إلى أشدِّ العذابِ (وما اللهُ بغافل عما يَعْمَلُونَ) يعنى: عَمَّا يَعْمَلُه الذين أخبَرَ اللهُ
عنهم أنه ليس لهم جزاءٌ على فعلِهم إلّ الخِزْىُ فى الحياةِ الدنيا، ومرجِعُهم فى الآخرةِ إلى
أشدِّ العذابِ .
وقرأه آخرون: ﴿وَمَا اللّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاءِ على وجهِ المخاطبةِ .
قال: فكأنَّهم نَحَوْا بقراءتِهم: أفتؤ منون ببعضِ الكتابِ وتكفُرون ببعض، [٣٧/٣ظ]
وما اللَّهُ بغافلٍ يا معشرَ اليهودِ عما تعملون أنتم .
وأَعْجَبُ القراءتينِ فى ذلك إلىَّ قراءةُ من قرأ بالياءِ إِتباعًا لقولِه: ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن
يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ ولقولِه: ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ﴾؛ لأن قولَه: (وما اللهُ
بغافل عما يَعْمَلُون ). إلى ذلك أقربُ منه إلى قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ
وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍِّ﴾ فإتباعُه الأقربَ إليه أَوْلَى مِن إلحاقِه بالأبعدِ منه .
والوجهُ الآخَرُ غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ .
وتأويلُ قولِه: ﴿وَمَا ◌َللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وما اللهُ بساهٍ عن
أعمالِهم الخبيثةِ ، بل هو مُخْصٍ لها ، وحافظُها عليهم حتى يُجَازِيَهم بها فى الآخرةِ،
ويُخْزِيَهم فى الدنيا فَيُذِلَّهم ويَفْضَحَهم بها(١).
(١) قرأ بها نافع وابن كثير وأبو بكر ويعقوب، وقرأ بقية العشرة بالتاء، وكلتا القراءتين متواترة. النشر ٢/ ٢١٨.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٢١٨
سورة البقرة : الآية ٨٦
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوَا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ
٨٦
فَلَ يُخَفَفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُصَرُونَ
٠
يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ الذين أخبَر عنهم أنهم يُؤمنون ببعضٍ
الكتابِ فيُفَادُون أسراهم مِن اليهودِ ، ويَكْفُرون ببعضٍ فِيَقْتُلون مَن حَرَّم اللهُ عليهم
قتلَه مِن أَهلِ مِلَّتِهم ، ويُخْرِجُون مِن دارِهِ مَن حَرَّم اللهُ عليهم إخراجَه مِن دارِهِ ، نقضًا
لعهدِ اللهِ وميثاقِهِ فى التوراةِ إليهم ، فأخبرَ جل ثناؤه أن هؤلاء هم الذين اشتَرَوْا رياسةً
الحياةِ الدنيا على الضعفاءِ وأهلِ الجهلِ والغباءِ مِن أهلِ مِلَتِهم، وابتاعُوا المآكلَ
الخَسِيسةَ الرديئةَ فيها بالإِيمانِ الذى كان يكونُ لهم به فى الآخرةِ - لو كانوا أَتَوْا به
مكانَ الكفرِ - الخلودُ فى الجنَانِ . وإنما وصَفهم اللهُ جل ثناؤه بأنهم اشترَوْا الحياةَ
الدنيا بالآخرةِ؛ لأنهم رَضُوا بالدنيا - بكُفْرِهم باللهِ فيها - عوضًا مِن نعيم الآخرةِ
الذى أعدّه اللهُ للمؤمنين، فجعَل تركَهم (١) حُظُوظَهم مِن نعيم الآخرةِ بكفرِهم باللهِ
ثمنًا لما ابتاعوه به مِن خسیسٍ الدنیا .
كما حدَّثنا " بشر بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُشْتَرَوُاْ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ﴾ : استحُّوا قليلَ الدنيا على كثيرٍ
الآخرةِ (٣).
ثم أخبرَ اللهُ جل ثناؤه أنهم إذ(٤) باعوا حظوظَهم مِن نعيم الآخرةِ بتزكِهم
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت٢، ت ٣.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٧/١ (٨٧٧) من طريق يزيد به .
(٤) فى م: ((إذا)).
٢١٩
سورة البقرة : الآيتان ٨٦، ٨٧
طاعتَه، وإيثارِهم الكفرَ به والخسيسَ مِن الدنيا عليه، فلا(١) حَظَّ لهم فى نعيم الآخرةِ،
وأن الذى لهم فى الآخرةِ العذابُ ، غيرُ مُخَفَّفٍ عنهم فيها العقابُ؛ لأن الذى يُخَفَّفُ
عنه فيها مِن العذابِ هو الذى له حَظٌّ فى نَعِيمِها، ولا حَظَّ لهؤلاءٍ لاشترائِهم (١ - كان
فى الدنيا(٢) - دنياهم بآخرتهم .
وأمَّا [٣/ ٣٨ و] قولُه: ﴿وَلَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. فإنه أخبر عنهم أنهم لا يَنْصُرُهم فى
الآخرةِ أحدٌ فَيَدْفَعَ عنهم بنُصْرَتِه عذابَ اللهِ، لا بقوَّةٍ )، ولا بشفاعةٍ ولا غيرِهما .
/القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ ٤٠٣/١
بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ ﴾ .
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾: أنزلناه إليه .
وقد بيَّنَّا أن معنى الإِيتاءِ الإعطاءُ، فيما مضَى قبلُ(٦) .
والكتابُ الذى آتاه اللهُ موسى عليه السلامُ هو التوراةُ .
وأمَّا قولُه: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾. فإنه يعنى: وأَرْدَفْنا وأَتْبَعْنا بعضَهم خلفَ بعضٍ،
كما يَقْفُو الرجلُ الرجلَ إذا سار فى أَثَرِهِ مِن ورائِه ، وأصلُه مِن القَفَا ، يقالُ منه: قَفَوْتُ
فلانّا : إذا صِرْتَ خلفَ قفاه، كما يقالُ : دَبَرْتُه : إذا صِرْتَ فى دُبُرِه .
ويعنى بقولِه: ﴿ مِنْ بَعْدِهِ،﴾: مِن بعدِ موسى.
ويعنى: ﴿ بِالرُّسُلِّ﴾: الأنبياءَ، وهم جَمْعُ رسولٍ، يقالُ: هو رسولٌ، وهم
(١) فى م: ((لا)).
(٢) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((الذى)).
(٣) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣: (( و)).
(٤) فى م: (( بقوته)) .
(٥) فى م: ( بشفاعته)).
(٦) ينظر ما تقدم فى ص ٥١.
:
٢٢٠
سورة البقرة : الآية ٨٧
رُسُلٌ. كما يقالُ: هو رَجُلٌ صبورٌ، وهم قومٌ صُبُرٌ، وهو رَجُلٌ شَكورٌ، وهم قومٌ
◌ُكُرْ.
وإنما يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ﴾. أى: أَتْبَعْنا
بعضهم بعضًا على مِنهاج واحدٍ وشريعةٍ واحدةٍ ؛ لأن كلِّ مَن بعثه اللهُ نبيًا بعدَ موسى
٥
صلَوَاتُ اللهِ عليه إلى أزمانِ عيسى ابنٍ مريمَ، فإنما بعَثه يَأْمُرُ بنى إسرائيلَ بإقامةِ التوراةِ
والعمَلِ بما فيها والدعاءِ إلى ما فيها، فلذلك قيل: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ﴾
يعنى : على مِنهاجِه وشريعته، والعملِ بما كان يَعْمَلُ به .
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اُلْبَهِنَتِ
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ﴾: أعطينا عيسى ابنَ مريمَ .
ويعنى بـ ((البيّناتِ)) التى آتاه اللهُ إِيَّها، ما أَظْهَرَ على يديه مِن الحُجَج له١١ ، والدلالةِ
على نُوَّتِه؛ مِن إحياءِ الموتى، وإبراءِ الأَكْمَهِ " والأبْرَصِ) ، ونحو ذلك مِن الآياتِ
التى أبانتْ منزلتَه مِن اللهِ ، ودَلَّت على صدقِه وصِحَّةِ نُبُوَّتِه .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ ، قال : ثنى
محمدُ بنُ أبي محمدٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَءَاتَيْنَا
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَغِنَتِ﴾. أى: الآياتِ التى وضَع على يديه؛ مِن إحياء الموتى،
وخلْقِهِ مِن الطين كهيئةِ الطيرِ، ثم ينفُخُ فيه [٣٨/٣ظ] فيكونُ طائرًا بإذنِ اللهِ ، وإبراءِ
الأسقام ، والخبرِ بكثيرٍ مِن الغُيُوبِ مِمَّا يَدَّخِرون فى بيوتِهم ، وما رَدَّ عليهم مِن التوراةِ
مع الإنجيلِ الذى أُحدَثَ اللهُ إليه(٢) .
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) سيرة ابن هشام ٥٤١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨/١، ٤٨٣/٢ (٨٨١، ٢٥٥٥) من
طريق سلمة به .