النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
سورة البقرة : الآية ٨١
بِهِ، خَطِيئَتُهُ فَأَوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾. قوله:
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ﴾. فكان معلومًا بذلك أن الَّذِين لهم الخلودُ فى النارِ مِن أهلِ
السيئاتِ ، غيرُ الذين لهم الخلودُ فى الجَنَّةِ مِن أهلِ الإيمانِ .
فإن ظنَّ ظاٌّ أن الذين لهم الخلودُ فى الجَنَّةِ مِن الذين آمنوا هم الذين عَمِلوا
الصالحاتِ دونَ الذين عَمِلوا السيئاتِ ، فإن فى إخبارِ اللَّهِ تعالى ذكره بأنَّه مُكفِّرٌ -
باجتنابِنا كبائرَ ما نُنْهى عنه - سيئاتِنا، ومُدْخِلُنا الْمُدْخِلَ الكريمَ ، ما يُنْبِئُ عن صِحَّةٍ
ما قلنا فى تأويلٍ قوله: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. وأن ذلك على خاصٍّ من
السیئاتِ دون عامِها .
فإن قال لنا قائلٌ: فإن اللَّهَ جلَّ ثناؤه إنما ضمِن لنا تكفيرَ سيئاتِنا باجتنابِنا كبائرَ ما
نُنْهَى عنه، فما الدلالةُ على أن الكبائرَ غيرُ داخلةٍ فى قوله: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾؟
قيل: لَّ صحَّ مِن أن الصغائرَ غيرُ داخلةٍ فيه، وأن المَغَنَّ بالآيةِ خاصٍّ دونَ عام ،
ثبت وصحَّ أن القضاءَ والْحُكْمَ بها غيرُ جائزٍ لأحدٍ على أحدٍ إلَّا على من وَقَفَه(٢) اللَّهُ
عليه بدَلالَةٍ مِن خبرٍ قاطع عُذْرَ مَن بَلَغه ، وقد ثبت وصحَّ أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه قد عتَّى
بذلك أهلَ الشركِ والكفرِ به بشهادةِ جميع الأُمةِ ، فوجب بذلك القضاءُ على أن أهلَ
الشركِ والكفرِ مَّن عنَاه اللَّهُ بالآيةِ، فأمَّا أهلُ الكبائرِ فإن الأخبارَ القاطعةَ عُذْرَ مَن بلَغَتْه
قد تظاهرتْ عندَنا بأنهم غيرُ مَعْنِيِّينَ بها ، ومَنْ أنكر ذلك ممّن دافع حُجَّةَ الأخبارِ
المُسْتَفِيضةِ والأنباءِ المتظاهِرةِ ، فاللازِمُ له تَرْكُ قَطْع /الشهادةِ على أهلِ الكبائرِ بالخُلُودِ ٣٨٦/١
فى النارِ بهذه [٢٧/٣ظ] الآيةِ ونظائرِها التى جاءتْ بعُمومِهِم فى الوعيدِ ؛ إذ كان
تأويلُ القرآنِ غيرَ مُدْرَكٍ إِلَّ ببيانٍ مَن جعَل اللَّهُ إِليه بيانَ القرآنِ ، وكانت الآيةُ فيها تأتى
(١) فى الأصل: ((خطيئاته)). وهى قراءة نافع، وقرأ الباقون بالإفراد. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٢.
(٢) فى الأصل: ((وقف)).
١٨٢
سورة البقرة : الآية ٨١
عامًّا فى صِنْفٍ ظاهرُها ، وهى خاصٌّ فى ذلك الصنفِ باطنُها .
ويُسألُ مدافِعر هذا الخبرِ بأن أهلَ الكبائرِ مِن أهلِ الاستثناءِ سؤالَنا مُنْكِرِى(١)
رجمِ الزانى المحصَنِ، وزوالٍ فرضِ الصلاةِ عن الحائضِ فى حالٍ الحيضِ، فإن السؤالَ
عليهم نظيرُ السؤالِ على أُولاءٍ(٢) سواءً.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيِّئَتُهُ﴾.
يعنى بقوله عزَّ وجلّ: ﴿ وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ﴾: اجْتَمَعتْ عليه فمات
عليها قبلَ الإنابةِ والتوبةِ منها . وأصلُ الإحاطةِ بالشىءِ الإِحداقُ به ، بمنزلةِ الحائطِ
الذى تُحاط به الدارُ فتُحْدِقُ به، ومنه قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ
سُرَادِقُهَا ﴾ [الكهف: ٢٩].
فتأويلُ الآيةِ إِذن: مَن أشرَكَ باللَّهِ واقتَرف ذنوبًا جَمَّةً فمات عليها قبلَ الإنابةِ
والتوبةِ ، فأولئك أصحابُ النارِ هم مُخَلَّدون فيها أبدًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك قاله المُتَأَوِّلون .
ذكرُ مَن قال ذلك منهم
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ يمَانٍ، عن سفيانَ، عن الأعْمَشِ، "عن أبى
رَزِينٍ): ﴿وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيِّئَتُهُ﴾. قال: مات بذَتْبِهِ(٤) .
حَدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حَدَّثنا جابرُ بنُ نوح، قال: حَدَّثنا الأعمشُ، عن
أبى رَزِينٍ: ﴿وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيْئَتُهُ﴾. قال: مات بذنبِهْ) .
(١) فى م: ((منكر)).
(٢) فى م: ((هؤلاء)).
(٣ - ٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن أبى روق))، وفى م: ((عن أبى روق، عن الضحاك)).
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٨/١ عقب الأثر (٨٢٨) معلقًا.
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ١، ت٢، ت ٣.
١٨٣
سورة البقرة : الآية ٨١
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوح، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبى رَزينِ،
عن الرَّبِيعِ بنِ خُثَيْمِ: ﴿ وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيِّئَتُهُ﴾. قال: فمات عليها(١) .
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، قال : حدَّثنى ابنُ إسْحاقَ ، قال: حدَّثنی
محمدُ بنُ أبي محمدٍ ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَخَطَتْ
بِهِ، خَطِيئَتُهُ﴾. قال: يُحِيطُ كفْرُه بما لَه مِن حسنةٍ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : حدَّثنا عيسى ، عن ابن أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيَّئَتُهُ﴾. قال: (٢٢ ما وعَد اللَّهُ عليه
*(٥)
النارَ .
حدَّثنا المثنى ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيْئَتُهُ﴾. قال": ما أَوْجَب اللَّهُ فيه النارَ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَخَطَتْ
بِهِ، خَطِيئَتُهُ﴾. قال": أمَّ الخطيئةُ فالكبيرةُ المُوجِبةُ(١).
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٧/١٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٨/١ (٨٢٨) من طريق الأعمش به
نحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٨/١ (٨٢٦) من طريق سلمة به. وينظر ص ١٧٨ .
(٣ - ٣) سقط من: ت ١، ت ٢.
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ٣ .
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩/١ عقب الأثر (٨٢٩) معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٨٥/١ إلى عبد بن حميد، وهو فى تفسير مجاهد ص ٢٠٨ بلفظ: الخطيئة يعنى ما يعذب
اللَّه عليها.
(٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩/١ عقب الأثر (٨٢٩) معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/١
إلی عبد بن حمید .
١٨٤
سورة البقرة : الآية ٨١
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ وَأَحَطَتْ بِهِ، خَطِيْئَتُهُ﴾. قال: الخطيئةُ الكبائرُ(٢) .
حدَّثنى المُنى [٣/ ٢٨ و]، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ ويحيى بنُ آدَمَ، عن
سَلَّامِ بنِ مِسْكِينٍ، قال: سأل رجلٌ الحسَنَ عن قوله: ﴿ وَأَخَطَتْ بِهِ،
خَطِيْئَتُهُ﴾. فقال: ما نَدْرِى ما الخطيئةُ يابُنَّ، اثْلُ القرآنَ، فكلُّ آيةٍ وعَد اللَّهُ عليها
النارَ فهى الخطيئةُ(١) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزيَيْرِىُّ، قال: ثنا
٣٨٧/١ سفيانُ، عن منصورٍ، عن / مجاهدٍ فى قوله: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةٌ
وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيَّئَتُهُ﴾. قال: كلُّ ذنبٍ مُحِيطٍ فهو ما أَوْعَدُ(٤) اللَّهُ عليه
(٥)
النارَ().
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعْمَشِ،
عن أبى رَزِينٍ: ﴿ وَأَحَطَتْ بِهِ، خَطِيْئَتُهُ﴾ . قال : مات بخطيئتِه .
حدَّثْنَا الْمُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْم، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا مسعودٌ أبو
رَزِينٍ، عن الربيعِ بنِ خُثَيْم فى قوله: ﴿وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ﴾. قال: هو الذى
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥١.
(٣) فى الأصل: ((المحيطة)).
(٤) فى م، ت١، ت٢: ((وعد)).
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩/١ عقب الأثر (٨٢٩) معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/١
إلی و کیع.
(٦) فى م: ((خيثم)) .
١٨٥
سورة البقرة : الآية ٨١
يموتُ على خطيئته قبلَ أن يتوبَ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: قال وكيعٌ: سمِعْتُ الأعمشَ يقولُ فى
قوله: ﴿ وَأَخَطَتْ بِهِ خَطِيْنَتُهُ﴾: مات بِذُنُوبِهِ (١) .
حُدِّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعْفَرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ :
وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ﴾: الكبيرةُ الموجبةُ(٢) .
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرُو بنُّ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ :
وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيَّئَتُهُ﴾: فمات ولم يَتُبْ(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنی حجاجٌ(٤)، عن ابنٍ مُرَيْجٍ ،
قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿ وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ﴾. قال: الشركُ. ثم تلا: ﴿ وَمَنْ جَآءَ
بِالسَِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠] .
القولُ فى تأويل قولِهِ جَلَّ ثناؤه: ﴿ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ
٨١
يعنى تعالى ذكرُه : فأولئك الذين كسَبُوا السّيئاتِ وأحاطَت بهم خَطِيئَاتُهم
أصحابُ النارِ (٥) .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٨/١ عقب الأثر (٨٢٨) معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/١
إلی و کیع .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩/١ عقب الأثر (٨٢٩) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٨/١ عقب الأثر (٨٢٨) من طريق عمرو به .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حسان)) .
(٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هم فيها خالدون)).
١٨٦
سورة البقرة : الآيتان ٨١، ٨٢
ويعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿ أَصْحَبُ النَّارِ ﴾: أهلُ النارِ. وإنما جعَلهم لها
أصحابًا ؛ الإيثارِهم - كان فى حياتهم الدنيا - مِن الأعمالِ ما يُورِدُهُموها،
ويُصْلِيهم ١ سعيرَها، على الأعمالِ التى تُورِدُهم الجنةَ، فجعَلهم جلّ ذكرُه بإيثارِهم
أسبابَها على أسبابِ الجنةِ لها أصحابًا ، كصاحبِ الرجلِ الذى يَصْحَبُه، مُؤْثِرًا
صُحْبَتَه على صحبةٍ غيرِه حتى يُعْرَفَ به .
﴿هُمْ فِيهَا﴾. [٢٨/٣ظ] يعنى: هم فى النارِ خالدون. ويعنى بقوله:
خَلِدُونَ﴾: مقيمون أبدًا(٢).
كما حدَّثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال : حدثنى محمدُ بنُ
إسحاقَ ، قال٢: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ ، عن سعيد بنٍ تجبيرٍ ، أو عكرمةَ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾. أى: خالدون أبدًا(٤).
حدّثنى موسى، قال: ثنا عمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿ هُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ﴾: لا يَخْرُجون منها أبدًا(٥) .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ أُوْلَكَ
٨٢
أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. أى: صدَّقوا بما جاء به
محمدٌ عَّه. ويعنى بقولِه: ﴿ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾: أطاعوا اللَّهَ فأقامُوا حدودَه ،
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( يوردهم).
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١ ،ت ٢، ت ٣.
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩/١ (٨٣٠) من طريق سلمة به. وينظر ص ١٧٨.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩/١ عقب الأثر (٨٣٠) من طريق عمرو به .
١٨٧
سورة البقرة: الآيتان ٨٢، ٨٣
وأُدَّوْا فرائضَه، واجْتَنَبوا محارمَه. ويعنى بقوله /: ﴿أُوْلَئِكَ ﴾ الذين هم كذلك، ٣٨٨/١
﴿ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾. يعنى: أهلُها الذين هم أهلُها، ﴿هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾
مقيمون أبدًا .
وإنما هذه الآيةُ والتى قبلَها إخبارٌ مِن اللَّهِ عبادَه عن بقاءِ النارِ وبقاءِ أهلِها
فيها، وبقاءِ الجَنَّةِ وبقاءِ أهلِها فيها)، ودوامٍ ما أَعَدَّ (اللَّهُ عز وجل١) فى كلِّ
واحدةٍ منهما لأهلِها، تكذيبًا مِن اللَّهِ القائلين مِن يهودِ بنى إسرائيلَ أَن النارَلن تَمَسَّهم
إلَّا أيامًا معدودةٌ ، وأنَّهم صائرون بعدَ ذلك إلى الجَنَّةِ . فأخبرَهم بخلودِ كُفَّارِهم فى
النارِ وخلودٍ مؤمنيهم فى الجَنَّةِ .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال :
حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ، أو عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾.
أى: مَن آمَن بما كفَرتم به وعمِل بما تركتُم مِن دينه، فلهم الجنةُ خالدين فيها ،
يُخْبِرُهم أن الثوابَ بالخيرِ والشّرِّ مقيمٌ على أهلِه أبدًا، لا انقطاعَ له أبدًا(٢).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾: محمدٌ عليه السلامُ وأصحابُه، ﴿أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ
هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ .
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىٌّ إِسْرَّهِ يلَ لَا تَعْبُدُونَ
إِلَّا اللَّهَ﴾
٠
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) سيرة ابن هشام ٥٣٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩/١ (٨٣٢) من طريق سلمة به . وتقدم
أوله فى ص ١٧٨.
١٨٨
سورة البقرة : الآية ٨٣
قد دلَّلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن الميثاقَ ((مِفْعَالٌ))، مِن التَوَتُّق
باليمينِ [٢٩/٣و] ونحوِها مِن الأمورِ التى تُؤكدُ القولَ(١).
فمعنى الكلام إذن : واذكُرُوا أيضًا يا معشرَ بنى إسرائيلَ إذ أخذْنا ميثاقكم لا
تعبدون إِلَّ اللَّهَ .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ ، قال:
حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ ، أو عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ :
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَّءِيلَ﴾. أى: ميثاقَكم ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾(١).
والقَرَأَةُ مختلفةٌ فى قراءةٍ قولِهِ: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾؛ فبعضُهم يَقْرَؤُها بالتاءِ ،
وبعضُهم يَقْرَؤُها بالياءِ (١) ، والمعنى فى ذلك واحدٌ ، وإنما جازت القراءةُ بالياءِ والتّاءِ،
وأن يُقالَ: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾، و(لا يَعْبُدون). وهم غَيَبٌ(٤)؛ لأن أخذَ
الميثاقِ بمعنى الاستحلافِ. فكما تقولُ: استَحْلَفْتُ أخاكَ لَيَقومَنَّ. فَتُخْبِرُ عنه خَبَرَكَ
عن الغائبِ لغَيبتِهِ عنك، وتقولُ: اسْتَخْلفتُه لَتَقُومَنَّ. فَتُخْبِرُ عنه خبرَكَ عن
المخاطَبِ؛ لأنك قد كنتَ خاطبتَه بذلك، فيكونُ ذلك صحيحًا جائزًا . فكذلك
قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾. و(لا يَعْبُدون). مَن قَرَأ
٣٨٩/١ ذلك بالتاءِ، فبمعنى الخطابٍ، إذ كان الخطابُ قد كان بذلك، / ومَن قرأ بالياءِ
فلأنهم " كانوا غيرٌ) مخاطَبين بذلك فى وقتِ الخبرِ عنهم.
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٣٩/١، ٤٦/٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩/١ (٨٣٣) من طريق سلمة به .
(٣) قرأ بالتاء نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر، وقرأ بالياء ابن كثير وحمزة والكسائى. ينظر السبعة لابن
مجاهد ص ١٦٢.
(٤) ضبطها فى الأصل بفتح الياء، اسم جمع، ويجمع أيضا ((غُيَّب وغُيَّاب)). ينظر التاج (غ ی ب).
(٥) فى م: ((فمعنى)).
(٦ - ٦) فى م: ((ما كانوا))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كانوا)).
١٨٩
سورة البقرة : الآية ٨٣
وأمَّا رفعُ (لا يَعبدون(٢١). فبالياءٍ(٢) التى فى (يَعبدون(٢١). ("ولم تُنْصَبْ» بـ
((أن)) التى كانت تَصْلُحُ أن تَدْخُلَ معَ: (لا يَعبدُونَ(١) إِلَّا اللَّهَ). لأنها إذا صَلَحَ
دخولُها على فعلٍ فخُذِفت ولم تَدْخُلْ، كان وجهُ الكلامِ فيه الرفعَ ؛ كما قال جلَّ
ثناؤُه: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَّنّ(٤) أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. فُرُفِع
﴿أَعْبُدُ﴾ - إذا لم تَدْخُلْ فيها ((أن)) - بالألِفِ الدَّالَّةِ على مَغْنى الاستِقْبالِ، وكما
(٥)
قال الشاعر :
وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَاتِ هل أنتَ مُخْلِدِى
أَلَا أَيُّهذا الزَّاجِرِى أَحْضُرُ الوَغَى
فرفَع ((أَحْضُرُ)) - وإن كان يصلُح دخولُ ((أَنْ)) فيها ، إذ حُذِفت - بالألفِ
التى تأتى بمعنى الاستقبالِ .
وإنما صلَح حذْفُ ((أن)) مِن قوله: (وإذا أَخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ لا
يُعْبُدُونَ). لدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليها، فاكْتُفِى بدلالةِ الظاهرِ عليها
منها .
وقد كان بعضُ نحوِّى أهل البصرةِ يقولُ: معنى قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ
بَنِيّ إِسْرَاءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ﴾ حكايةٌ؛ كأنك قلتَ: استحلفْناهم لا تعبدون .
أى: قلنا لهم: واللَّهِ لا تَعبُدون. أو قالوا: واللَّهِ لا يَعْبُدون.
والذى قال مِن ذلك قريبٌ معناه مِن معنى القولِ الذى قلناه فى ذلك .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تعبدون)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فبالتاء)).
(٣ - ٣) فى م: ((ولا ينصب)).
(٤) فى الأصل: ((تأمروننى)). وهى قراءة ابن عامر. ينظر حجة القراءات ص ٦٢٥.
(٥) هو طرفة بن العبد ، والبيت فى ديوانه ص ٣١ .
١٩٠
سورة البقرة : الآية ٨٣
[٢٩/٣ظ] وبنحوِ التأويل الذى قُلْنا فى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَاءِ يلَ
لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ تأوَلَه أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ من تأوَّل ذلك كذلك
حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن
أبى العاليةِ: أَخَذ مواثيقَهم أن يُخْلِصوا له وألا يعبدوا غيرَه (١) .
حدَّثنا الْمُتَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الربيعِ فى قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَّاءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. قال:
أخذْنا ميثاقَهم أن يُخْلِصوا للَّهِ وألا يعبدوا غيرَه .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْج :
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَءِ يلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. قال: المِيثاقُ الذى أُخَذ
عليهم فى ((المائدةِ))(٢) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ .
وقولُه جلَّ ثناؤه: ﴿وَيِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. عطفٌ على موضع ((أن)) المحذوفةِ
فى ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. فكأنَّ معنى الكلام: وإذا أَخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ بأن
لا تعبدوا إلا اللَّهَ وبالوالدين إحسانا. فرفع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ لمّ حُذِفت ((أن))، ثم
عُطِفِ ﴿ بِالْوَلِدَيْنِ﴾ على موضعِها، كما قال الشاعرُ(١):
فَلَسْنا بالجبالِ ولا الحَدِيدا
مُعَاوِىَ إِنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِعْ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠/١ (٨٣٤) من طريق آدم به بنحوه .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠/١ (٨٣٥) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج .
(٣) قيل : عقيبة بن هبيرة ، وقيل: عبد الله بن الزَّبير الأسدى، وقيل: عمر بن أبى ربيعة . ينظر الأزمنة
والأمكنة ٣١٧/٢، والخزانة ٢/ ٢٦٠، وديوان عبد الله بن الزبير (مجموع) ص ١٤٥، وتنظر حاشيته .
١٩١
سورة البقرة : الآية ٨٣
فنصَب ((الحديدَ)) على العطفِ به على موضع ((الجبالِ))؛ لأنها لو لم تكن
فيها باءٌ خافضةٌ كانت نصبًا، فعطَف بـ ((الحديدِ)) على موضع ( ((الجبالِ)) لا على
لفظِها، فكذلك ما وصَفتُ مِن قوله: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً﴾ .
وأمَّا (الإِحسانُ)) فمنصوبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ يؤدِّى عن (١) معناه قولُه: ﴿وَبِالْوَلِيْنِ
إِحْسَانًا﴾(١). إذ كان مفهومًا معناه، فكأنَّ معنى الكلام لو أَظْهِر / المحذوفُ: وإذ ٣٩٠/١
أَخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ بأن لاتعبدوا إِلَّ اللَّهَ ، وبأن تُحْسِنوا إلى الوالدينِ إِحْسانًا .
فاكْتُفِى [٣٠/٣ق] بقَولِه: ﴿ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحَْانًا﴾ من أن يقالَ: وبأن تُحْسِنُوا إلى
الوالِدَيْن إِحْسَانًا؛ إذ كان مفهومًا أن ذلك معناه بما ظهَر مِن الكلامِ .
وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ فى ذلك أن معناه : وبالوالدين فأحسِنوا إحسانًا .
فجعَل الباءَ التى فى ((الوالِدَين)) من صلةِ ((الإحسانِ)) مقدَّمةٌ عَليه .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ألا تعبدوا إِلَّ اللَّهَ، وأخسِنوا بالوالدينِ إحسانًا .
فزعَموا أن الباءَ التى فى ((الوالدينٍ)) مِن صلةِ المحذوفِ، أعنى مِن(١) ((أَحْسِنوا))،
فجعَلوا ذلك مِن كلامين . وإنما يُصْرَفُ الكلامُ إلى ما ادَّعَوْا مِن ذلك إذا لم يُوجَدْ
الاتّساقِ الكلامِ على كلامٍ واحدٍ وجْهٌ . فأمَّا وللكلامِ وجْةٌ مفهومٌ على اتِّساقٍ(٤) على
كلامٍ واحدٍ ، فلا وجهَ لصرفِه إلى كلامين. وأَخْرَى(٥) أن القولَ فى ذلك لو كان على ما
قالوا لقيل: وإلى الوالدَيْن إِحسانًا. لأنه إنما يقالُ: أحسَنَ فلانٌ إلى والديه. ولا يقالُ:
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((معنى).
(٢) سقط من : م.
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى م: ((اتساقه)).
(٥) فى م: ((أخرى)).
١٩٢
سورة البقرة : الآية ٨٣
أحسَن بوالديه . إلا على استكراهٍ للكلام، ولكنِ القولُ فيه ما قلنا، وهو: وإذ أخذنا
ميثاقَ بنى إسرائيلَ بكذا وبالوالدينٍ إحسانًا. على ما يَنَّا قبلُ، فيكونُ ((الإحسانُ))
حينئذٍ مصدرًا مِن معنى الكلام لا مِن لفظِه، كما قد بيًَّّا فيما مضَى مِن نظائرِه ".
فإن قال قائلٌ: وما ذلك الإحسانُ الذى أخَذ عليهم بالوالدين الميثاقَ ؟
قيل: نظيرُ ما فرَض اللَّهُ على أَمَّتِنا لهما مِن فعلِ المعروفِ بهما، والقولِ
الجميلِ، وخفْضِ جَناح الذُّلِّ رحمةً بهما ، والتَّحَنُّنِ عليهما، والرأفةِ بهما ، والدعاءِ
بالخيرِ لهما ، وما أشبه ذلك مِن الأفعالِ التى ندَبَ اللَّهُ جلَّ وعزَّ عبادَه أن يفعَلوا بهما .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى وَالْمَسَاكِينِ﴾.
يعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿ وَذِى الْقُرْبَى﴾: وبذى القُربى أن يصلُوا قرابتَه
منهم ورحمه .
و ((القُرْنَى)) مصدرٌ على تقديرِ ((فُعْلَى))، من قولِك: قرُبتْ منِّى رَحمُ فلانٍ
قرابةٌ وَقُرْبى (٣)وقُربة٢ٌ) وَقُرْبًا. بمعنى واحدٍ .
وأمَّا ((اليتامى)) فهو جمعُ يتيمٍ، مثلُ أسيرٍ وَأَسارى، ويَدْخُلُ فى اليتامى
الذكورُ منهم والإناثُ .
فَمَعنى ذلك: وإذ أخذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلَّا اللَّهَ وحدَه دونَ
مَا (٤) سواه مِن الأندادٍ ، وبالوالدين إحسانا، وبذى القُرْبَى؛ أن تَصِلوا رَحمَه،
وتَعْرِفُوا حَقَّه، وباليتامى؛ أن تَتَعَطَّفوا عليهم بالرحمةِ والرأفةِ ، وبالمساكينِ؛ أن
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت٣.
(٢) ينظر ما تقدم فى ١٣٧/١.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣ .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من)).
١٩٣
سورة البقرة : الآية ٨٣
تُؤْتُوهم حقوقَهم التى ألزمَها [٣٠/٣ظ] اللَّهُ عزَّ وجلَّ أموالَكم .
و ((المسكينُ)) هو المُتُخَشِّعُ المُتَذَلْلُ مِن الفاقةِ والحاجةِ، وهو ((مِفْعِيلٌ)) مِن
المَسْكَنَةِ ، والمسكنةُ هى ذُلُّ الحاجةِ والفاقةِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ .
إن قال لنا قائلٌ: كَيف قيل: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. فَأُخْرِجِ الكلامُ أمرًا
ولَّ يَتَقَدَّمْه أمرٌ، بل الكلامُ جارٍ مِن أوَّلِ الآيةِ مَجْرَى الخبرِ؟
قيل : إن الكلامَ وإن كان قد جرَى فى أولِ الآيةِ مَجْرَى الخبرِ، فإنه مِمَّا يَحْسُنُ
فى موضعهِ الخطابُ بالأُمرِ والنهي ، فلو كان مكانَ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾، ((لَا
تَعْبُدُوا إِلَّ اللَّهَ)). على وجْهِ النهي مِن اللَّهِ لهم عن عبادةٍ غيرِه - كان حسنًا صوابًا،
وقد ذُكِر أن ذلك كذلك فى قراءةٍ أَتَىِّ بنِ كعبٍ (١٢، وإنما حسن ذلك وجاز لو كان
مقروءًا به؛ لأن أخذَ الميثاقِ قولٌ، فكأنَّ(٢) معنى الكلام - لو كان / مقروءًا كذلك -: ٣٩١/١
وإذ قلنا لبنى إسرائيلَ: لا تعبدوا إلا اللَّهَ. كما قال جلَّ ثناؤه فى موضع آخرَ: ﴿ وَإِذْ
أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ [ البقرة: ٦٣]. فتُلَقِّى
ذلك بالأمرِ، كما تقولُ : قُلنا لهم : خُذوا ما آتينا كم بقوةٍ" . فلما كان حَسَنًا وضعُ
الأمرِ والنهى فى موضع ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ عطَف بقولِه: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ
حُسْنًا﴾ على موضع ﴿ تَعْبُدُونَ﴾(٤) - وإن كان مخالفًا لفظُ (٥) كُلِّ واحدٍ منهما
ومعناه معنى صاحبِه١٢ - لما وصَفنا مِن جوازِ وضع الخطابِ بالأمرِ والنهىِ موضعَ
(١) وهى قراءة شاذة، ينظر البحر المحيط ١/ ٢٨٢.
(٢) فى م: ((فكان)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( لا تعبدون)).
(٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ما فيه)).
:
( تفسير الطبرى ١٣/٢ )
١٩٤
سورة البقرة : الآية ٨٣
﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾. فكأنه قيل: وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيلَ لا تعبدوا إلا اللَّهَ،
وقولوا للناسٍ حسنًا. وهو نظيرُ ما قدَّمنا البيانَ عنه، مِن أن العربَ تَجْتَدِئُ الكلامَ
أحيانًا على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ فى مواضع الحكاياتِ عَمّا (١) أُخْبَرَتْ عنه، ثم تعودُ
إلى الخبرِ على وجهِ الخطابِ، وتَتَدِئُ أحيانًا على وجهِ الخطابِ، ثم تعودُ إلى
الإخبارِ على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ ، لما فى الحكايةِ مِن الْمَغْنَيْنِ، كما قال الشاعرُ(٢).
لَدَيْنا وَلَا مَقْلِيةٌ إِنْ تَقَلَّتِ
أَسِيئِی بِنا أَوْ أَحْسِنِى لا مَلُومَةٌ
يعنى : تقلَّيْتِ .
وأمَّا((الحُسْنُ)) فإن القَرَأَةَ اخْتَلَفت فى قراءتِه؛ فقرَأَتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ غيرَ
عاصمٍ: (وقُولُوا للنّاسِ حَسَنًا) بفتحِ الحاءِ والسينِ().
وقرأتْه عامَّةُ قَرَأَةٍ أَهلِ المدينةِ: ﴿حُسْنًا﴾ بضمُّ الحاءِ وتسكينِ السينِ ".
وقد رُوِى عن بعضِ القَرَأَةِ أنه كان يقرؤُها : (وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْنَى).
على مثالٍ ((فُعْلَى))(٥) .
واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى فرقٍ ما بينَ معنى قوله: (حَسَنًا)، و﴿ حُسْنًا﴾؛
فقال بعضُ البصريِّين: هو على أحدٍ وجهينٍ؛ إمَّا أن يكونَ يُرادُ بـ ((الحُسْنِ)):
((الحَسَنُ))، لكنها(٢) لغةٌ، كما [٣١/٣و] تقولُ: ((البُخْلُ)) و((البَخَلُ)). وإمَّا أن
يكونَ جُعِلَ ((الحُسْنُ)) هو ((الحَسَنَ)) فى التشبيهِ، وذلك أن الحُسنَ مصدرٌ،
(١) فى م: (( كما)).
(٢) هو كثير عزة ، والبيت فى ديوانه ( مجموع ) ص ١٠١ .
(٣) وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٢ .
(٤) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو ونافع وعاصم وابن عامر . السابق .
(٥) وهى قراءة أبى وطلحة بن مصرف. البحر المحيط ١/ ٢٨٤، ٢٨٥. وهى قراءة شاذة.
(٦) فى م: ((كلاهما))، وفى ت ٢: ((كلهما))، وفى ت ١، ت ٣: ((وكلها)).
١٩٥
سورة البقرة : الآية ٨٣
و ((الحَسَنَ)) هو الشىءُ الحَسَنُ، فيكونُ ذلك حينئذٍ كقولك: إنما أنت أَكْلٌ
وشُرْبٌ. كما(١) قال الشاعر(٢) :
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ(١) لَهَا بِخَيْلٍ
تَجِيَّةُ بينهم ضَرْبٌ وَجِيعُ
فجعَل التحيةَ ضربًا .
وقال آخَرُ: بل (( الحُسْنُ)) هو الاسمُ العامُّ الجامعُ جميعَ معانى الحُسْنِ،
و ((الحَسَنُ)) هو البعضُ مِن معانى ((الحُسْنِ)). قال: وكذلك(٤) قال جلَّ ثناؤُه إِذْ
أوصَى بالوالدينِ: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيَّهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]. يعنى بذلك أنه
وصَّاه فيهما بجميع معانى ((الحُسْنِ))، وأمَره فى سائرِ الناسِ ببعضِ الذى أمره به
فى والديْه، فقال: ( وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حَسَنًا). يعنى بذلك بعضَ معانى الحُسْنِ.
والذى قاله هذا القائلُ فى معنى ((الحُسْنِ)) - بضم الحاءِ وسكونِ السين - غيرُ
بعيدٍ مِن الصوابِ، وأنه اسم لنوعِه الذى سُمِّىَ به. وأَمَّا ((الحَسَنُ)) فهو
صفةٌ " ونَعْت٢ْ لما وُصِف به، وذلك يَقَعُ لخاصِّ(). وإذا كان الأمر كذلك،
فالصوابُ مِن القراءةِ فى قوله: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: (حَسَنًا)؛ لأن القومَ
إنما أُمِروا - فى هذا العهدِ الذى قيل لهم: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ - باستعمالٍ
الحَسَنِ من القولِ دونَ سائرٍ معانى الحُسْنِ، الذى يكونُ بغيرِ القولِ، وذلك نَعْتُ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((وكما).
(٢) هو عمرو بن معديكرب، والبيت فى ديوانه المجموع ص ١٣٠ .
(٣) دلفت : مشيت .
(٤) فى م، ت ١، ت ١، ت٣: ((لذلك)).
(٥) فى الأصل، ت ٢، ت ٣: (( فيه).
(٦ - ٦) فى م: ((وقعت)).
(٧) فى م، ت ٢، ت ٣: ((بخاص)).
١٩٦
سورة البقرة : الآية ٨٣
الخاصِّ مِن معانى الحُسْنِ وهو القولُ ، فلذلك اخترتُ قراءتَه بفتح الحاءِ والسين، على
قراءته بضمِّ الحاءِ وسكونِ السينِ (١) .
وأمَّا الذى قرَأَ ذلك: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ مُسْنَى). فإنه خالَف بقراءتِهِ إِيَّاه كذلك
قراءةَ أَهلِ الإِسلام ، وكفَى شاهدًا على خطأً القراءةِ بها كذلك خروجها مِن قراءةِ
٣٩٢/١ أهلِ الإِسلام لو لم يكنْ على خطئِها شاهدٌ غيرُه. /فكيف وهى مع ذلك خارجةٌ مِن
المعروفِ مِن كلامِ العربِ، وذلك أن العربَ لا تَكادُ أن تَتَكَلَّمَ بـ ((فُعْلَى)) و ((أَفْعَلَ)) إلا
بالألفِ واللام أو بالإضافةِ ، لا تقولُ : جاءنى أحسنُ. حتى يَقُولوا: الأحسنُ. ولا :
أجملُ. حتى يَقولُوا: الأجملُ. وذلك أن ((الأفْعَل)) و ((الفُعْلَى)) لا يَكادان يُوجَدان
صفةً إلا لمغهودٍ معروفٍ، كما تقولُ: بل أخوك الأحسنُ، و: بل أختُك الحُشْتَى .
وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ : امرأةٌ حُسْنَى، ورجلٌ أحسنُ .
وأمّا تأويلُ القولِ الحَسَنِ الذى أمَر اللَّهُ به جلَّ ثناؤُه الذين وصَف أمْرَهم مِن بنى
إسرائيلَ فى هذه الآيةِ أن(١) يَقُولوه للناسِ، فهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا
عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضَّحَّاكِ ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أُمَرَهم أيضًا بعدَ هذا الخُلُقِ أن يَقُولوا للناسِ
حسنًا؛ أن يَأْمُرُوا بـ ((لا إلهَ إلا اللَّهُ) مَن لم يَقُلْها ورغِب عنها، حتى يَقُولوها كما
قالوها ، فإن ذلك قُرْبٌ لهم مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه. "قال: والحسَنُ(٣) أيضًا(٤) لَيِّن القولِ،
مِن الأدبِ الحسنِ الجميلِ، والْخُلُقِ الكريمِ، وهو مما ارْتَضاه اللَّهُ وأحَبَه (٥).
.
(١) القراءات واختياراتها لا تثبت بمثل هذا التعليل وإنما تثبت بالتواتر والنقل الصحيح عن النبى عنهـ
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لأن)).
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وقال الحسن)).
(٤) بعده فى الأصل: ((من)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/١ إلى المصنف نحوه مختصرا، وأخرج ابن أبى حاتم فى تفسيره
١٦١/١ (٨٤٦) نحو آخره عن الحسن.
١٩٧
سورة البقرة : الآية ٨٣
حدَّثنا [٣١/٣ظ] المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى
العاليةِ: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: يَقولُ: قولوا للناسِ معروفًا(١).
حدثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ مُرَيْجٍ، فى
قوله: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: صِدقًا فى شأنٍ محمدٍ عَه(١).
حُدِّثْتُ عن يزيدَ بنِ هارونَ ، قال: سَمعْتُ سفيانَ الثَّوْرِىَّ يقولُ فى قولِه :
وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: مُرُوهم بالمعروفِ، وانْهَوْهم عن المنكرِ(٣).
حدَّثنى هارونُ بنُ إدريسَ الأَصَمُّ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحارِيئُّ،
قال : ثنا عبدُ الملكِ بنُ أبى سُليمانَ ، قال: سأَلْتُ عطاءَ بنَ أبى رباح عن قولِ اللَّهِ:
﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: مَن لَقِيتَ مِن الناسِ ، فَقُلْ له حَسَنًا مِن القولِ.
قال : وسأَلْتُ أبا جعفرٍ فقال مثلَ ذلك.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ(٤)، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن أبى
جعفرٍ وعطاءِ بنِ أبى رَباح فى قوله: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ . قال: للناسِ
(٥)
كلِّهم(٥).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن
(٦)
عَطاءٍ مثلَهُ(٢) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦١/١ (٨٤٣) من طريق آدم به.
(٢) ذكره ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٣٢ معلقًا .
(٣) ذكره النحاس فى ناسخه ص ١٠٣ معلقًا .
(٤) فى م: ((القاسم))، وفى ت ٢: (( نعيم)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦١/١ (٨٤٤)، وابن أبى الدنيا فى الصمت (٣٠٤) من طريق عبد
الملك بن سليمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/١ إلى عبد بن حميد .
(٦) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الصمت (٣٠٨)، وفى مداراة الناس (١٠٦) من طريق عبد الملك به.
١٩٨
سورة البقرة : الآية ٨٣
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَأَقِمُواْ الصََّلَوَةَ﴾: أَدُّوها بحدودِها (١) الواجبةِ
علیکم فيها .
كما حدثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، عن بشرِ بنِ عُمارةً ، عن أبى
رَوْقٍ، عن الضَّخَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ (١)، قال: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾: " فى هذه
الأخلاقِ ٢٢، وإقامةُ الصلاةِ تمامُ الركوع والسجودِ والتّلاوةِ والخشوع، والإقبالُ
عليها فيها(٤) .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾.
قد بيًَّا فيما مضى قبلُ معنى الزكاةِ وما أصلُها(٥) .
وأما الزكاةُ التى كان اللَّهُ جلَّ ثناؤه أمَر بها بنى إسرائيلَ الذين ذكَر أَمْرَهم فى
٣٩٣/١ هذه الآيةِ، فهى ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا/ عثمانُ، عن بشرٍ، عن أبى رَوْقٍ،
عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾. قال: إيتاءُ الزكاةِ ما كان
اللَّهُ فرَض عليهم فى أموالِهم مِن الزكاةِ، وهى سُنَّةٌ كانت لهم غيرُ سُنَّةِ محمدٍ مَِّ،
كانت زكاةُ أموالِهِم قُرْبَانًا تَهْبِطُ إليه [٣٢/٣ و] نارٌ فَتَحْمِلُها، فكان ذلك تَقَبْلَه، ومَن
لم تَفْعَلِ النارُ به ذلك كان غيرَ مُتَقَبَّلٍ، وكان الذى قرَّب مِن مَكْسَبٍ لا يَحِلُّ مِن ظُلْم
أو غَشْم، أو أخذٍ بغيرِ ما أمَره اللَّهُ عز وجل به وبيَّنه له .
(١) فى م: (( بحقوقها)).
(٢) فى م: ((مسعود)).
(٣ - ٣) فى م: ((هذه))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى هذه)) ثم بياض بمقدار كلمة.
(٤) تقدم تخريجه فى ٢٤٨/١ .
(٥) ينظر ما تقدم فى ٦١١/١ .
١٩٩
سورة البقرة : الآية ٨٣
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى مُعاويةُ بنُ صالح،
عن عليّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ﴾: يعنى بالزكاةِ طاعةً
اللَّهِ تعالى ذكرُه والإخلاصَ ().
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنْتُم
مُعْرِضُونَ
٨٣
وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن يهودِ بنى إسرائيلَ، أنهم نكثوا عهده ،
ونقضوا ميثاقَه، بعدَ ما أخَذ مِيثاقَهم على الوفاءِ له بأن لا يَعْبُدوا غيرَه، وبأن يُخْسِنوا
إلى الآباء والأمهاتِ، ويَصِلوا الأَرْحامَ، ويَتَعَطَّفوا على الأَيْتَامِ، وَيُؤَدُّوا حُقوقَ أهلِ
المَشْكَنةِ إليهم، ويَأْمُرُوا عبادَه بما أمَرَهم اللَّهُ به، ويَحُثُّوهم على طاعتِه، ويُقِيموا
الصلاةَ بحُدودِها وفَرائضِها، ويُؤْتوا زَكَواتِ أموالِهم، فخالَفوا أمْرَه فى ذلك كلِّه،
وتوَلَّوْا عنه مُعْرِضِين، إلا مَن عصَم اللَّهُ منهم، فوَفَى للَّهِ بعهدِه وميثاقِه .
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن بشرٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن
الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: لما فرَض اللَّهُ عليهم - يعنى على هؤلاء الذين
وصَف اللَّهُ أمْرَهم فى كتابِهِ مِن بنى إسرائيلَ - هذا الذى ذكر أنه أَخَذ مِيثاقَهم به ،
أَعْرَضوا عنه اسْتِثْقالًا لَه(٢) وكراهيةً، وطلبوا ما خَفّ عليهم، إلا قليلاً منهم، وهم
الذين استثْنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه فقال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. يقولُ: أَعْرَضْتُم عن طاعتى
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ﴾. قال : القَلِيلُ الذين اخْتَرْتُهم لطاعتى، وسيَحِلُّ عِقابى
بَنْ تَوَلَّى وَأَعْرَض عنها. يقولُ: ترَكها اسْتِخْفافًا بها(١).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٩/١ (٤٦٤) من طريق أبى صالح به .
(٢) سقط من : م.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/١ إلى المصنف.
٢٠٠
سورة البقرة : الآيتان ٨٣، ٨٤
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال): حدَّثنی
محمدُ بنُ أبي محمدٍ ، عن سعيدِ بنِ جُبِيرٍ، أو عِكْرمةَ، عن ابنِ عباس: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ
إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُم مُعْرِضُونَ﴾: أى: تَرَكْتُم ذلك كلّه(٢).
وقال بعضُهم: عنَى اللَّهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَأَنْتُم مُعْرِضُونَ﴾ اليهودَ الذين
كانوا على عهدِ رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ، وعنَى بسائرِ الآيةِ أُسْلافَهم. كأنه ذهَب إلى أن
معنى الكلامِ: ثم تولَّيتم إلا قليلاً [٣٢/٣] منكم، ثم توَلَّى سَلَفْكم إلا قليلًا منهم.
ولكنه ◌ُجُعِل خطابًا لبقايا نَسْلِهم - على ما قد ذكَرْناه فيما مضى قبلُ (١) - ثم قال :
وأنتم معشرَ بَقاياهم مُعْرِضون أيضًا عن الميثاقِ الذى أخَذْتُه عليكم بذلك ، وتارٍ كوه
تَوْكَ أَوائِلِكم .
وقال آخرون: بل قولُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْثُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنْتُم
٣٩٤/١ ◌ُعْرِضُونَ﴾ خطابٌ لَمن / كان بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرٍ رسولِ اللَّهِ الله من يهود بنى
٦
إسرائيلَ، وذٌَ لهم بنقضِهم الميثاقَ الذى أُخِذ عليهم فى التوراةِ وتبديلِهم أمرَ اللَّهِ
ور کوبهم معاصيه .
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ وَلَا
تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ﴾ .
وقولُه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾. فى المعنى والإعرابِ
نظيرُ قولِهِ: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرََّءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾.
(١ - ١) سقط من الأصل.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢/١ (٨٥٠) من طريق سلمة به.
(٣) تقدم فى ٦٤٢/١ - ٦٤٣ .