النص المفهرس

صفحات 121-140

,
١٢١
سورة البقرة : الآية ٧٢
مجاهدٍ بمثله سواءً، إلا أنه قال: فادَّعَوْا دمَه عندَهم فانتَفَوْا. ولم يَشُكَّ فيه (١).
حدَّٹنا بشرٌ ، قال : ثنا یزیدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً ، قال : قَتیلٌ كان فی بنی
إسرائيلَ ، فقذف كلَّ سِبْطٍ منهم ، حتى تَفاقَم بينَهم الشرّ ، حتى تَرافَعوا فى ذلك إلى
نبِىٌّ اللَّهِ عِهِ، فأوحَى اللَّهُ إلى موسى أن اذْبَحْ بقرةً، فاضْرِبْه ببعضِها، فذُكر لنا أن
وليّه الذى كان يَطلُبُ بدِه هو الذى قتَله مِن أجلٍ ميراثٍ كان بينَهم (١).
حدَّثْنى ابنُ سعدٍ، ("قال: حدثنى أبى٣)، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى
أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (٤) فى شأنِ البقرة: وذلك أن شيخًا مِن بنى إسرائيلَ على
عهدِ موسى كان مُكَثِرًا مِن المالِ، وكان بنو أخيه فُقراءَ لا مالَ لهم ، وكان الشيخُ لا ولدَ
له، وكان(٢) بنو أخيه ورَثَتَه، فقالوا: ليت عمَّنا قد مات فورِثْنا مالَه. وإنه لما تَطاوَل
عليهم ألا يموتَ عُهم أتاهم الشيطانُ ، فقال: هل لكم إلى أن تَقتُلوا عمَّكم فَتَرِثُوا
مالَه ، وتُغرِموا أهلَ المدينةِ التى لستُم بها دِيَتَه؟ - وذلك أنهما كانتا مدينتَيْن كانوا فى
إحداهما، فكان القتيلُ إذا قُتْل وطُرِح (١) بينَ المدينتَيْن، قِيس ما بينَ القَتيلِ وما بينَ
المدينتَيْن ، فأيُّهما كانت أقربَ إليه غَرِمَتِ الديةَ - وأنهم لما سؤل/ لهم الشيطانُ ذلك، ٣٥٨/١
وتطاوَلَ عليهم ألا يموتَ عتُهم، عَمَدوا إليه فقتلوه، ثم عمَدوا فطرَحوه على بابٍ
المدينةِ التى ليسوا فيها ، فلمّا أصبَح أهلُ المدينةِ جاء بنو أخى الشيخ، فقالوا : عُّنا قُتِل
على بابٍ مدينتِكم(١) ، فواللَّهِ لَتَغْرَمُنَّ لنا دِيَةَ عمِّنا. فقال أهلُ المدينةِ: نُقْسِمُ باللَّهِ ما
(١) تفسير مجاهد ص ٢٠٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤/١ (٧٤٥). وينظر ما تقدم فى ص ٨١.
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ٨٠، ٨١ .
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) بعده فى ت١، ت٢: ((قوله)).
(٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يطرح)).
(٧) فى ت ٢: ((هذه المدينة)).

١٢٢
سورة البقرة : الآية ٧٢
قتَلْنا، ولا علِمْنا قاتلاً، ولا فتَحْنا بابَ مدينتنا منذُ أغلِقَ حتى أصبَحْنا . وإنهم عمَدوا
إلى موسى ، فلمّا أَتَوْا قال بنو أخى الشيخ: عُّنا وجَدناه مقتولًا على بابٍ مدينتِهم.
وقال أهلُ المدينةِ: نُقسِمُ باللَّهِ ما قتَلْناه، (ولا علِمنا قاتلًا)، ولا فتَحْنا بابَ المدينةِ مِن
حينَ أُغلَقْناه حتى أصبَحْنا . وأن جبريلَ جاء بأمرٍ ربّنا السميع العليم إلى موسى ، فقال :
قل لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ ﴾ فَتَضْرِبوه ببعضِها (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا حسينٌ، قال: حدَّثنی حجاجٌ ، عن ابنٍ جريجٍ ، عن
مجاهدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظىِّ ومحمدِ بنِ
قيس - دخَل حديثُ بعضِهم فى حديثٍ بعضٍ - قالوا: إن سِبْطًا مِن بنى إسرائيل لمّاً
رَأَوْا كثرةَ شُرورِ الناسِ بَنَوْا مدينةً فاعتزَلوا شُرُورَ الناسِ ، فكانوا إذا أمسَوْا لم يتركوا
أحدًا منهم [١٠٤/١ظ] خارجًا إلّا أدخلوه، وإذا أصبَحوا قام رئيشهم فنظَر وتشرّف(٢)،
فإذا لم يَرَ شيئًا فتَح المدينةَ فكانوا مع الناسِ حتى يُمْسوا، وكان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ له
مالٌ كثيرٌ، ولم يكن له وارثٌ غيرُ ابنِ (٤) أخيه، فطال عليه حياتُه ، فقتله ليَرِثَه ، ثم حمَله
فوضَعه على بابِ المدينةِ ، ثم كَمَن فى مكانٍ هو وأصحابُه ، قال : فتشرّف رئيسُ المدينةِ
على بابِ المدينةِ فنظَر فلم يَرَشيئًا ، ففتح البابَ ، فلمَّا رأى القتيلَ رَدَّ البابَ فناداه ابنُ
أخىْ) المقتولِ وأصحابُه: هيهاتَ! قتلتُموه ثم تَرُدُّون البابَ. وكان موسى لمَّ رأى
القَتْلَ كثيرًا فى أصحابِهِ بنى إسرائيلَ، كان إذا رأى القتيلَ بين ظَهْرَي القومِ أخذَهم .
(١ - ١) سقط من: م، ت ١.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٥٥، ١٥٦ عن المصنف. وأخرجه ابن أبى الدنيا فى كتاب من عاش بعد الموت
(٥٤) من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس نحوه .
(٣) تشرف الشىء واستشرفه: وضع يده على حاجبه كالذى يستظل من الشمس حتى ببصره ويستبينه .
اللسان ( ش ر ف ).
(٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥ - ٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أخو)).

١٢٣
سورة البقرة : الآية ٧٢
فكاد يكونُ بينَ أخى المقتولِ وبين أهلِ المدينةِ قتالٌ ، حتى لبس الفريقان السلاح، ثم
كفَّ بعضُهم عن بعضٍ، فأتَوْا موسى فذكروا له شأنَهم، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ ، إن
هؤلاء قتلوا قتيلًا ثم ردُّوا البابَ . وقال أهلُ المدينةِ: يا رسولَ اللَّهِ ، قد عرَفْتَ اعتزالَنَا
الشرورَ، وبنَيْنا مدينةً - كما رأيتَ - نعتزِلُ شرورَ الناسِ، ما قتَلْنا ولا عَلِمْنا قاتلاً،
فأوحَى اللَّهُ تعالى ذِكْرُه إليه أن يذبحوا بقرةً، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن
تَذْبَحُواْ بَقَرَأُ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن
محمدِ بنِ سيرينَ ، عن عَبيدةً ، قال : كان فى بنى إسرائيل رجلٌ عقيمٌ وله مالٌ كثيرٌ،
فقتَله ابنُ أخ له ، فجرَّه فألقاه على بابٍ ناسٍ آخَرِين ١ ، ثم أصبحوا فادَّعاه عليهم حتى
تسلَّح هؤلاء وهؤلاء، فأرادوا أن يَقتَتِلوا، فقال ذَؤُو النُّهَى منهم: أتقتلون وفيكم نبىُّ
اللَّهِ؟ فأمسكوا حتى أَتَوْا موسى ، فقصُّوا عليه القصةَ، فأمرّهم أن يَذْبَحوا بقرةً فَيَضْرِبوه
ببعضِها، فقالوا: ﴿ أَنَّخِذُنَا هُزُوْ﴾. قال: ﴿ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُنَ مِنَ الَْهِينَ﴾(٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قتيلٌ مِن بنى
إسرائيلَ طُرِح فى سِبْطٍ مِن الأسباطِ فَأتَى أهلُ ذلك السّبْطِ إلى ذلك السبطِ ، فقالوا :
أنتم واللَّهِ قتلتُم صاحبنا. فقالوا: لا واللَّهِ. فأتوا إلى موسى فقالوا: هذا قَتَيلُنا بين
أظهُرِهم، وهم واللَّهِ قتلوه. فقالوا: لا واللَّهِ يانبيَّ اللَّهِ، طُرِح علينا. فقال لهم
موسى عَلَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَهُواْ بَقَرَةٌ
/قال أبو جعفر: فكان اختلافُهم وتنازعُهم وخصامُهم بينَهم فى أمرِ القتيل ٣٥٩/١
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٨١، ٨٢ .
(٢) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أو فى آخرين)).
(٣) تقدم بطوله فى ص ٧٧، ٧٨ .

١٢٤
سورة البقرة : الآيتان ٧٢، ٧٣
الذى ذكرنا أمْرَه على ما رَوَيْنا عن علمائِنا مِن أهلِ التأويل، هو الدَّرْءُ الذى قال اللَّهُ
جل ثناؤه لذُرِّيَّتِهِم وبقايا أولادِهم: ﴿فَأَدَّرَءْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجُ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُونَ﴾ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَاللَّهُ مُخْرِجُ مَا كُنْتُمْ تَكْتُونَ
٧٢
ويعنى بقولِه: ﴿ وَاللَّهُ مُخْرِجُ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُونَ﴾: واللَّهُ مُعْلِقٌ ما كنتم تُسِرُونه
مِن قَتْلِ القتيلِ الذى قتلتم ثم ادَّارَأَتم فيه .
ومعنى ((الإخراج)) فى هذا الموضع: الإظهارُ والإعلانُ لمن خفِى ذلك عنه،
وإِطْلاعُهم عليه، كما قال اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِيعُ الْخَبَْ
فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥]. يعنى بذلك: يُظْهِرُه ويُطْلِعُه مِن مَخْبِه بعدَ
خفائه .
والذى كانوا يَكْتُمونه فأخرجه، هو قَتْلُ القاتلِ القتيلَ، كما كتَم ذلك القاتلُ ومَن
علِمِه مَمَّن شايَعه على ذلك حتى أظهرَه اللَّهُ وأخرَجه، فأَعَلن أمْرَه لَمَن لا يَعلمُ أَمْرَه .
وعنَى جلَّ ذكرُه بقوله : ﴿ تَكْتُمُونَ﴾: تُسِرُّون وتُغَيِّبون .
کما حدّثنا محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿وَالَهُ مُخْرِجُ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُونَ﴾. قال: تُغَيَّون(١).
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿مَا كُنتُمْ تَكْتُونَ﴾: ما كنتم تُغَيِّبون .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ .
يعنى جلَّ ذكرُه بقولهِ: ﴿ فَقُلْنَا﴾: لقومٍ موسى الذين ادَّارَءوا فى القتيلِ -
(١) تفسير مجاهد ص ٢٠٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤/١ (٧٤٨). وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٧٨/١ إلى عبد بن حميد .

١٢٥
سورة البقرة : الآية ٧٣
الذى قد تقدَّم وَصْفُنا أمْرَه -: اضرِبوا القتيلَ. والهاءُ التى فى قوله: ﴿أَضْرِبُوهُ﴾ مِن
ذِكْرِ القتيلِ، ﴿ بِبَعْضِهَا﴾ أى: ببعضِ البقرةِ التى أَمرَهم اللَّهُ بذبْحِها فذبَحوها .
ثم اختلف العلماءُ فى البعضِ الذى ضُرِب به القتيلُ مِن البقرةِ ، وأىِّ عُضْوٍ كان
ذلك منها ؛ فقال بعضُهم : ضُرِب بفَخِذِ البقرةِ القتيلُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ ، عن مجاهدٍ ، قال: ضُرِب بفخِذِ البقرةِ فقام حيًّا ، فقال: قتلنى فلانٌ. ثم عاد
(١)
فی مِیتَتِه
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : ضُرِب بفَخِذِ البقرةِ . ثم ذكر مثلَه .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال : ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن النَّصْرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن عكرمةً:
فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. قال: "بفخِذِها، فلمَّا ضُرِب بها" عاش وقال: قتلنى
فلانٌ . ثم عاد إلى حالِه(١) .
/حدَّثنى المُتَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن خالدِ بنِ يزيد، عن ٣٦٠/١
مجاهدٍ ، قال: ضُرب بفخِذِها الرجلُ فقام حيًّا، فقال: قتَلنى فلانٌ. ثم عاد فى
مِيتَتِه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ ، قال :
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٩/١ إلى المصنف وعبد بن حميد .
(٢ - ٢) فى ت ٢: ((ضرب بفخذها)).
(٣) أخرجه وكيع - كما فى الدر المنثور ٧٩/١ - وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٥/١ (٧٥٢) من طريق النضر
ابن عربی به بنحوه .

١٢٦
سورة البقرة : الآية ٧٣
قال أيوبُ ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ : ضرَبوا المقتولَ ببعض لحمِها . وقال معمرٌ:
قال قتادةُ : ضرَبوه بلحم الفخِذِ فعاش، فقال: قتلنى فلانٌ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أنهم
ضرَبوه بفخِذِها فأحياه اللَّهُ ، فأنبأ بقاتلِه الذى قتله وتكلّم ، ثم مات(٢) .
وقال آخرون: الذى ضُرب به منها هو البَضْعةُ(٣) التى بين الكَتِفَيْنِ.
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَقُلْنَا
أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾: فضربوه بالبَضْعةِ التى بين الكتفينِ فعاش ، فسألوه : مَن قتَلك؟
فقال لهم : ابنُ أخى(٤).
وقال آخرون: الذى أُمِرُوا أن يَضرِبوه به منها عظمٌ مِن عظامِها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ ،
قال : أمرّهم موسى أن يأخذوا عظمًا منها فيَضْرِبوا به القتيلَ، ففعلوا، فرجَع إليه
رُوحُه، فسمَّى لهم قاتلَه ثم عاد ميتًا كما كان ، فأُخذ قاتلُه - وهو الذى أُتَی موسی
فشكا إليه - فقتله اللَّهُ على أسْواً عَمَلِه(٥).
(١) تفسير عبد الرزاق ٤٩/١.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٥/١ عقب الأثر (٧٥٢) معلقًا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٩/١
إلی عبد بن حميد .
(٣) البضعة: القطعة من اللحم. اللسان ( ب ض ع). والمراد به غضروف الكتف كما سيأتى فى كلام المصنف.
(٤) تقدم مطولًا فى ص ٨٠ .
(٥) تقدم مطولًا فى ص ٧٨ .

١٢٧
سورة البقرة : الآية ٧٣
وقال آخرون بما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ،
قال: قال ابنُ زيدٍ: ضرَبوا الميتَ ببعضٍ آرابِها (١) ، فإذا هو قاعدٌ ، قالوا: مَن قتَلك ؟
قال: ابنُ(١) أخى. قال: وكان قتله وطرَحه (١) على ذلك السّبْطِ، أراد أن يَأْخُذَ
(٤)
دِيَتَّه(٤) .
والصوابُ مِن القولِ فى تأويلٍ قولِه عندنا: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَاً﴾ . أن
يقالَ: أمرَهم اللَّهُ جل ثناؤه أن يَضرِبوا القتيلَ ببعضِ البقرةِ لِيَحْيا المضروبُ. ولا دَلالةَ
فى الآيةِ ، ولا خبرَ تقومُ به حُجَّةٌ، على أىِّ أبعاضِها التى أُمر القومُ أن يَضرِبوا القتيلَ
به . وجائزٌ أن يكونَ الذى أَمروا أن يَضرِبوه به هو الفَخِذَ ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك
الذَّنَبَ وَغُضْرَوفَ الكَتِفِ وغيرَ ذلك مِن أبعاضِها . ولا يَضُرُّ الجهلُ بأىِّ ذلك ضرَبوا
القتيلَ، ولا ينفَعُ العلمُ به، مع الإقرارِ بأن القومَ قد ضرَبوا القتيلَ ببعضِ البقرةِ بعدَ
ذَبْحِها ، فأحياه اللَّهُ .
فإن قال قائلٌ: وما كان معنى الأُمرِ بضربِ القتيلِ ببعضِها؟
قيل: لِيَحْيا فَيُنِْئَ نبيَّ اللَّهِ موسى عَظله والذين ادَّارءوا فيه مَن قاتِلُه.
فإن قال قائلٌ: وأين الخبر عن أن (١) اللَّهَ جل ثناؤه أمرَهم بذلك لذلك؟ قيل:
تُرك ذلك اكتفاءٌ بدلالةِ ما ذُكر مِن الكلام الدالُ عليه ، نحوَ الذی ذكَرْنا مِن نظائرٍ
ذلك فيما مضَى .
(١) الإرب : العضو، والجمع آراب. اللسان (أ رب).
(٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((طرح)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ٨١، ٨٢ .

١٢٨
سورة البقرة : الآ يتان ٧٣، ٧٤
ومعنى الكلام : فقُلْنا : اضْرِبوه ببعضها لیخیا . فضربوه فحیی - کما قال جل
٣٦١/١ ثناؤه: ﴿أَنِ اضْرِبِ بِّعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَأَنْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]. والمعنى: /فضُرب
فانفَلَق - يدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿ كَذَلِكَ يُحِى اَللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحِى اَللَّهُ الْمَوْنَى﴾ .
وقولُه: ﴿ كَذَلِكَ يُحِى اَللَّهُ الْمَوْنَى﴾. مُخاطبةٌ مِن اللَّهِ عبادَه المؤمنين،
واحتجاجٌ منه على المشركين المكذِّبين بالبعثِ، وأمرهم بالاعتبارِ بما كان منه جل
ثناؤه مِن إحياءٍ قتيلِ بنى إسرائيلَ بعد ◌َماتِه فى الدنيا ، فقال لهم تعالى ذكره : أيُّها
المكذِّبون بالبعثِ بعد المماتِ ، اعتَبِروا بإحيائى هذا القتيلَ بعد ◌َماتِه، فإنى كما
أحببتُه فى الدنيا فكذلك أَخيِى الموتى بعد مماتِهم، فأبعثُهم يومَ البعثِ .
فإنما احتجَّ جل ذكرُه بذلك على مُشْرِكى العربِ وهم قومٌ أَمْيُّون لا كتابَ
لهم؛ لأن الذين كانوا يعلمون علْمَ ذلك مِن بنى إسرائيلَ كانوا بين أظهُرِهم وفيهم
نزلتْ هذه الآياتُ ، فأخبَرهم جل ذكره بذلك ليتعرَّفوا عِلْمَ مَن قِبَلَهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
٧٣
يعنى جلَّ ذِكْرُه: ويُرِيكم اللَّهُ أيُّها الكافرون المُكذِّبون بمحمدٍ عَلَّهِ، وبما جاء
به مِن عندِ اللَّهِ مِن آياتِه - وآياته: أعلامُه وحُجَجُه الدالَّةُ على نُبُوتِه - لِتَعْقِلوا وتَفْهَموا
أنه مُحِقٌّ صادقٌ فتؤمنوا به وتَتَّبِعوه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾.
(١ - ١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وأمر منهم بالاختبار)).

١٢٩
سورة البقرة : الآية ٧٤
يعنى بذلك كُفَّارَ بنى إسرائيلَ، وهم - فيما ذُكر - بنو أُخى المقتولِ ، فقال
لهم: ثم قسَتْ قلوبُكم. أى: جَفَتْ وغلُظتْ وعَسَتْ، كما قال الراجزُ(١):
وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسا لُدَّتى(٣)
يُقالُ: قسا وعسا وعتا ، بمعنَّى واحدٍ ، وذلك إذا جفا وغلُظ وصلُب. يُقالُ
منه : قسا قلبُه يَقسُو قَسْوًا وقَسوةً وقَساوةً وقَساءً .
ويعنى بقوله: ﴿مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكَ ﴾: مِن بعدِ أن أحيا المقتولَ لهم الذى ادَّارءوا فى
قتْلِهِ ، فأخبرَهم بقاتلِهِ ، وما السببُ الذى مِن أَجْلِه قتله. كما قد وصَفْنا قبلُ على ما
جاءت به (٢) الآثارُ والأخبارُ، وفصَل اللَّهُ تعالى ذكرُه بخبرِه بين المُحقٌّ منهم والمتْطِلِ.
وكانت قساوةُ قلوبهم التى وصَفهم اللَّهُ بها أنهم - فيما بلَغَنا - أنكروا أن يَكُونوا
هم قتلوا القتيلَ الذى أحياه اللَّهُ، فأخبَر بنى إسرائيلَ بأنهم كانوا قَتَلَتَه بعدَ إخبارِهِ
إيّاهم بذلك، وبعدَ مِتَتِهِ الثانيةِ .
کما حدثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدثنى أبى ، قال : حدثنى عمِّى ، قال :
حدثنى أبى، عن أبيه، /عن ابن عباسٍ، قال: لمّ ضُرِب المقتولُ ببعضِها - يعنى ٣٦٢/١
بعضِ البقرة - جلَس حيًّا (٤) ، فقيل له: مَن قتَلك؟ فقال: بنو أخى قتَلونى. ثم
قُبِض ، فقال بنو أخيه حينَ قُبِض: واللَّهِ ما قتَلْناه. فكذَّبوا بالحقِّ بعدَ إذ رأَوْه، فقال
اللَّهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ﴾: يعنى بنى أخى [١٠٤/١ ظ] الشيخ، ﴿فَهِىَ
كَالِحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ ﴾(٥).
(١) مجاز القرآن ١/ ١٥٨.
(٢) فى النسخ: ((لدنى)). والمثبت من مجاز القرآن، واللدة: التُرب، وهو الذى يولد معك فى وقت واحد.
التاج ( و ل د ).
(٣) سقط من : م، ت ٢.
(٤) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ما كان قط)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٢/١ عن عطية العوفى به .
( تفسير الطبرى ٩/٢ )

١٣٠
سورة البقرة : الآية ٧٤
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ
مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما أراهم اللَّهُ مِن إحياء الموتى، وبعدَ ما أراهم مِن أَمْرِ
<
القَتيلِ ما أراهم، ﴿ فَهِىَ كَالِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ
﴾(١).
" حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة
فى قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: من بعدِ هذه الآيةِ، ﴿فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ ﴾(١).
" حدَّثنى المثنَّى، قال: حدثنا آدمُ، قال : حدثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى
العاليةِ فى قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنُ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ ﴾
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَهِىَ كَالِحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ
يعنى بقوله: ﴿فَهِىَ﴾. قلوبكم، يقولُ: ثم صلُبتْ قلوبُكم - بعدَ إذ رأيتُم
الحقَّ فتبيَنْتُموه وعَرَقْتُموه - عن الخُضوع له والإذعانِ لواجبٍ حقِّ اللَّهِ عليكم،
فقلوبُكم كالحجارةِ صلابةً ويُنْسًا، وغِلَظًا وشِدَّةً ، أو أشدُّ صلابةً - يعنى قلوبكم -
عن الإذعانِ لواجبٍ حقِّ اللَّهِ عليهم، والإقرارِ له باللازمٍ مِن حقوقِه لهم من
الحجارةِ .
فإن سأل سائلٌ فقال: وما وجهُ قولِه: ﴿ فَهِىَ كَالْحِجَارَةٍ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ
و ((أوْ)) عند أهلِ العربيةِ إنما تأتى فى الكلام لمعنى الشكِّ، واللَّهُ تعالى جل ذكره غیرُ
جائزٍ فى خبرِهِ الشكُّ ؟
قيل : إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذى توهَّمْتَه مِن أنه شكٌّ مِن اللهِ جل ذكره فيما
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٦/١ (٧٥٧) من طريق شيبان ، عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٨١/١ إلی عبد بن حميد .
(٢ - ٢) سقط من: م، ت٢. والأثر فى تفسير عبد الرزاق ٥٠/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/
١٤٦ (٧٥٨) عن الحسن بن يحيى به .
(٣ - ٣) سقط من : م .
١

١٣١
سورة البقرة : الآية ٧٤
أَخبَر عنه ، ولكنه خبرٌ منه عن قلوبهم القاسيةِ أنها - عند عبادِه الذين هم أصحابُها
الذين كذَّبوا بالحقِّ بعد ما رأوا العظيمَ مِن آياتِ اللَّهِ - كالحجارةِ قسوةً أو أشدُّ مِن
الحجارةِ عندهم وعند مَن عرَف شأنَهم ، وقد قال فى ذلك جماعةٌ من أهلِ العربيةِ
أقوالًا؛ فقال بعضُهم: إنما أراد اللَّهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَهِىَ كَالِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ
قَسْوَةٌ ﴾. وما أشبه ذلك من الأخبارِ التى تأتى بـ ((أو)) كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِأْئَةٍ
أَلّفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. وكقولِ اللَّهِ جلَّ ذكرُه: ﴿ وَإِنَّآ أَوْ
إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. فهو عالمٌ أُّ ذلك كان .
قالوا : ونظيرُ ذلك قولُ القائلِ: أكلتُ بُشْرَةٌ أَوْ رُطَبَةً. وهو عالمٌ أىَّ ذلك أكّل،
ولكنَّه أبْهَم على المخاطَبِ، كما قال أبو الأسودِ الدِّيلىُّ(١):
وعَبَّاسًا وحَمْزَةَ وَالوَصِيّا
أُحِبُ مُحَمّدًا حُبّا شَدِيدًا
وَلَسْتُ بِمُخْطِئَّ إِنْ كانَ غَيّا
فإِنْ يَكُ حُبُهُمْ رَشَدًا أَصِبْه
قالوا : ولا شكَّ أن أبا الأسودِ لم يكن شاكًا فى أن حُبَّ مَن سمَّى رَشَدٌ ، ولكنه
أَبْهَم على مَن خاطَبه به . وقد ذُكِرَ عن أبى الأسودِ أنه لما قال هذه الأبياتَ قيل له :
شكَكتَ؟ فقال: كلَّا واللّهِ. ثم انتزَعُ(٢) بقولِ اللَّهِ عزّ وجل: ﴿وَإِنَّآ أَوَ لِيَّاكُمْ
لَعَلَى هُدَى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴾. فقال: أوَ كان شاكًّا مَن أخبر بهذا فى الهادى
من الضلالِ ؟!
وقال بعضُهم: ذلك كقولِ القائل: ما أطعمتُك إِلَّ محُلْوًا أَوْ حامضًا. وقد
أُطعَمه النوعين جميعًا. /فقالوا: فقائلُ ذلك لم يكنْ شاًا أنه قد أطعَم صاحبه الحُلْوَ ٣٦٣/١
والحامضَ كليهما ، ولكنه أراد الخبرَ عمَّا أطعمه إيَّاه أنه لم يَخرجْ عن هذين النوعين .
(١) ديوانه ( نفائس المخطوطات) ص ٣٢، ٣٣ .
(٢) انتزع: تمثل . التاج . ( ن ز ع ).

١٣٢
سورة البقرة : الآية ٧٤
قالوا: فكذلك قولُه: ﴿ فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾. إنما معناه: فقلوبُهم لا
تَخرُجُ من أحدٍ هذين المثَّلِيْنِ؛ إمّا أن تكونَ مَثلًا للحجارةِ فى القسوةِ، وإما أن تكونَ
أشدَّ منها قسوةً . ومعنى ذلك على هذا التأويلِ: فبعضُها كالحجارةِ قسوةً ، وبعضُها
أشدُّ قسوةً من الحجارةِ .
وقال بعضُهم: ((أو)) فى قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾. بمعنى: وأشدُّ قسوةً . كما
قال تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. بمعنى:
وكفورًا. وكما قال جريرُ بنُّ عطيةً (١):
نال الخلافةَ أُوْ كانَتْ له قَدَرًا كمَا أتَى رَبَّهُ موسى على قَدَرِ
يعنى : نال الخلافةَ وكانت له قَدَرًا. وكما قال النابغةُ(٢):
قالَتْ "ألا لَيْتَمَا هَذَا الحَمامُ لَنا إلى حَمَامَتِنا أوْ(٤) نِصْفُهُ فَقَدٍ (*)
يريدُ : ونصفُه .
وقال آخرون: ((أو)) فى هذا الموضع بمعنى ((بل)). فكان تأويلُه عندَهم: فهى
كالحجارةِ بل أشدُّ قسوةً. كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ
يَزِيدُونَ﴾. بمعنى: بل يزيدون(٦).
(١) تقدم البيت فى ١/ ٣٥٥.
(٢) ديوانه ص ١٦.
(٣ - ٣) فى الديوان: ((فياليتما)).
(٤) فى الديوان: ((و)).
(٥) فقد : حسب . اللسان (ق د د).
(٦) ينظر معانى القرآن للفراء ٧٢/١ .

:
١٣٣
سورة البقرة : الآية ٧٤
وقال آخرون : معنى ذلك : فهى كالحجارةِ أو أشدُّ قسوةً عندَكم .
قال أبو جعفر: ولكلٍّ مما قيل مِن هذه الأقوالِ التى حكَيْنا وجهٌ ومَخرَجٌ فى
كلامِ العربِ، غيرَ أن أعجبَ الأقوالِ إِلىّ(١) فى ذلك ما قلْناه أوَّلا ، ثم القولُ الذى
ذكرناه عمَّن وجَّه ذلك إلى أنه بمعنى : فهى أوْجُة فى القسوة من أن تكونَ كالحجارةِ أو
أشدَّ. على تأويلٍ أن منها كالحجارةِ، ومنها أشدَّ قسوةً؛ لأن ((أو)) وإن استُعمِلتْ
فى أماكنَ مِن أماكنِ ((الواوِ)) حتى يَلْتبِسَ معناها ومعنى ((الواوٍ)) - لتقارُبِ
معنيَيْهما فى بعضِ تلك الأماكنِ - فإن أصلَها أن تأتىَ بمعنى أحدِ الاثنينِ،
فتوجيهُها إلى أصلِها - "مَن وجَد) إلى ذلك سبيلاً - أعجبُ إلىَّ مِن إخراجِها عن
أصلِها ومعناها المعروفِ لها .
قال: وأمّا الرفعُ فى قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ ﴾. فمِن وجهينِ؛ أحدُهما:
أن يكونَ عطفًا على معنى الكافِ التى فى قوله: ﴿كَلِجَارَةِ﴾. لأن معناها
الرفعُ؛ وذلك أن معناها معنى ((مِثْل)»: فهى مثلُ الحجارةِ أو أشدُّ قسوةً من
الحجارةِ .
والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ مرفوعًا على معنى تكريرِ (هى)) عليه، فيكونَ تأويلُ
ذلك : فهى كالحجارةِ أو هى أشدُّ قسوةً مِن الحجارةِ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ
الْأَنْهَرٌ﴾ .
يعنى بقوله جلّ ذكرُه: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَرُّ﴾: وإن
(١) فى ت١، ت٢، ت٣: ((التى)).
(٢ - ٢) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: ما وجدنا ، أو: متى وجدنا.

١٣٤
سورة البقرة : الآية ٧٤
مِن الحجارةِ لحجارةً (١) يتَفجّرُ منها الماءُ الذى تكونُ منه الأنهارُ. فاسْتُغْنِى بذكْرِ
الأنهارِ عن ذكْرِ الماءِ، وإِنما ذُكِّر فقيل: ﴿مِنْهُ﴾ للفظِ ((ما)).
والتفُّرُ التفتُّلُ مِن: تفجّر (١) الماءُ، وذلك إذا تنزَّل خارجًا مِن منبعِه، وكلَّ
سائل شخص خارجا من موضعِه ومكانه فقد [١٠٦/٣ و] انفجر ، ماءً كان ذلك أو دمًا
أو صديدًا أو غيرَ ذلك، ومنه قولُ عُمرَ بنِ لَجَأَ (٤) :
أَبَى ذُو بَطْنِهِ "إلّا انْفِجارَا"
٣٦٤/١ /وَلَّا أَنْ قُرِنْتُ(٥) إلى جَرِيرٍ
يعنى : إلّا خُروجًا وسَيَلانًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءَّ﴾ ..
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: وإن مِن الحجارةِ لَحِجارةٌ تَشَّقَّقُ. وتَشَقُّقُها
تَصَدُّعُها، وإنما هى: لمَا يَتَشَقَّقُ، ولكنَّ التاءَ أَدْغِمَتْ فى الشِّين فصارتْ شِيئًا
مُشَدَّدً .
وقولُه: ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَةٌ﴾. (" يقولُ: فيخرُجُ منه الماءُ) فيكونُ عينًا
نابعةٌ ()وأنهارًاً) جاريةٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشِيَةِ اللَّهُ﴾
(١) فى م: (( حجارة)).
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٣: ((بذكر الماء عن ذكر الأنهار)).
(٣) فى النسخ: ((فجر)). والمثبت هو الصواب.
(٤) البيت فى طبقات فحول الشعراء ١/ ٤٣٢، والأغانى ٧٢/٨.
(٥) فى النسخ: ((قربت)). والمثبت من مصدرى التخريج.
(٦ - ٦) فى مصدرى التخريج: ((إلا انحدارا)).
(٧ - ٧) سقط من: م، ت ٣.
(٨ - ٨) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لا أنهارًا)).
1

١٣٥
سورة البقرة : الآية ٧٤
قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وإن مِن الحجارةِ لَّا(١) يَهْبِطُ - أى:
يَتَرَدَّى - مِن رأسِ الجبلِ إلى الأرضِ والسَّفْح مِن خوفِ اللَّهِ وخشيتِه. وقد دلَّنا على
معنى الهبوطِ فيما مضى بما أغنَى عن إِعادتِه فى هذا الموضعِ .
(٢)
وأُدْخِلَتْ هذه اللََّماتُ اللواتى فى ((ما)) توكيدًا للخَبرِ.
وإِنما وصَف اللَّهُ تعالى ذكرُه الحجارةَ بما وصفَها به - مِن أن منها) المتفجّرَ
منه(٤) الأنهارُ، وأن منها المتشقِّقَ بالماءِ، وأن منها الهابطَ مِن خشيةِ اللَّهِ ، بعدَ الذى
جعَل منها لقلوبِ الذين أُخبّر عن قسوةٍ قلوبهم مِن بنى إسرائيل مَثَلًا - معذرةً منه
جلَّ ثناؤه لها دونَ الذين أخبر عن قسوةٍ قلوبهم من بنى إسرائيل ؛ إذ كانوا بالصفةٍ
التى وصفَهم اللَّهُ بها من التكذيبِ برُسُلِه والجُحودِ لآياتِه بعد الذى أراهم من الآياتِ
والعِبَرِ ، وعايَنوا مِن عجائبِ الأدلةِ والحُتَج، مع ما أعطاهم تعالى ذكرُه مِن صحةٍ
العقول ، ومَنَّ به عليهم من سلامةِ النفوسِ التى لم يُعْطِها الحَجَرَ والمَدَرَ، ثم هو مع
ذلك منه ما يَتفجّرُ بالأنهارِ، ومنه ما يتَشَقَّقُ بالماءِ، ومنه ما يَهِطُ مِن خشيةِ اللَّهِ،
فأخبر تعالى ذِكْرُه أن مِن الحجارةِ ما هو أَلْيَنُ من قلوبِهم لِمَا(٥) يُدْعَوْن إليه مِن الحقِّ .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ (١) .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لحجارة)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ١ / ٥٧١
(٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منها)).
(٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عما)).
(٦) سيرة ابن هشام ٥٣٦/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨١/١ إلى المصنف وابن إسحاق وابن أبى
حاتم . وهو عند ابن أبى حاتم ١٤٧/١ (٧٦٥) من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبى محمد ،
عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٦٢.

١٣٦
سورة البقرة : الآية ٧٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی نجیح ، عن مجاهدٍ فی
قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ
مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَُّ مِنْهُ الْأَنْهَدُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخُْجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا
لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَيْشَةِ اللَّهِ﴾. قال: كلُّ حجَرٍ يتفجَّرُ منه الماءُ، أو يَتَشَقَّقُ عن ماءٍ، أو
يَتَرَدَّى مِن رأسٍ جَبَلٍ، فهو مِن خشيةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، نزَل بذلك القرآنُ(١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبى نجيح ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنى بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ فَهِىَ
كَالِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾. ثم عذر الحجارةَ ولم يَعْذِرْ شَقیَّ ابنِ آدمَ، فقال: ﴿ وَإِنَّ
مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَرُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا
لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ مثلَه .
٣٦٥/١
/حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال:
حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: ثم عذَر اللَّهُ الحجارةَ فقال: ﴿ وَإِنَّ مِنَ
الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَدُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآَةُ﴾(١).
(١) تفسير مجاهد ص ٢٠٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٧/١ (٧٦٤)، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٨١/١ إلی عبد بن حميد .
(٢) تقدم أوله فى ص ١٣٠ .
(٣) تقدم أوله منه فى ص ١٢٩.

١٣٧
سورة البقرة : الآية ٧٤
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنٍ جريج أنه قال
فيها : كلُّ حجرٍ انفجَر منه ماءٌ، أو تشقَّقَ عن ماءٍ ، أو تردّى من جبلٍ ، فمن خشيةٍ
اللَّه ، نزَل به القرآنُ .
ثم اختلف أهلُ النحوِ فى معنى شُبُوطِ ما هبَط مِن الحجارةِ مِن خَشيةِ اللَّهِ .
فقال بعضُهم: إن هبوطَ ما هبَط منها من خشيةِ اللَّهِ: تَفَيُُّ ظلالِه(١).
وقال آخرون: ذلك الجبلُ الذى صار دًا إذ تجلَّى له ربُّه(٢).
وقال بعضُهم : ذلك كان منه، ويكونُ بأن اللَّهَ جلَّ ذكره أعطَى بعضَ الحجارةِ
المعرِفَةَ والفَهمَ ، فعقَل طاعةَ اللَّهِ فأطاعه، كالذى رُوِى عن الجِذْع الذى كان يَسْتَنِدُ
إليه رسولُ اللَّه ◌َ لَّهِ إِذا خطَب، فلمَّا تحوَّل عنه حَنَّ(١). وكالذى رُوِى عن النبيِّ عَ لَّه
أنه قال: ((إِنَّ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ فى الجاهلِيَّةِ، إنِّى لَأَعْرِفُهُ الآنَ)) (٤).
وقال آخرون: بل قولُه: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهُ﴾. كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ
يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]. ولا إرادةَ له. قالوا: وإنما أُرِيدَ بذلك أنه مِن عِظَم أمْرِ اللَّهِ
يُرَى كأنه هابطٌ خاشِعٌ مِن ذُلِّ خشيةِ اللَّهِ، كما قال زيدُ الخَلِ (٥) :
يجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ فى حَجَرَاتِهِ تَرَىَ الأُكْمَ فِيها سُجَّدًا للحَوَافِ
(١) يشير إلى الآية ٤٨ من سورة النحل ٤٨.
(٢) يعنى الآية ١٤٣ من سورة الأعراف .
(٣) أخرجه أحمد ١٨٧،١١٧/٢٢ (١٤٢٠٦، ١٤٢٨٢)، والبخارى (٣٥٨٤) من حديث جابر. وينظر
البداية والنهاية ٨ / ٦٧٩.
(٤) أخرجه الطيالسى (٨١٨)، وأحمد ٨٩/٥ (الميمنية)، ومسلم (٢٢٧٧) من حديث جابر بن سمرة .
وينظر البداية والنهاية ٨/ ٦٩٤.
(٥) تقدم البيت فى ١/ ٧١٥.

٠١٣٨
سورة البقرة : الآية ٧٤
وكما قال سُوَيْدُ بنُ أبى كاهِلٍ يَصِفُ عَدُوًّا له تُرِيدُ أنه ذَلِيلٌ(١) :
خَاشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ(١) المُسْتَمَغْ
ساجِدَ الَتَّخَرِ إذْ يَرْفَعُهُ
وكما قال جريرُ بنُ عطيةً(٣):
سُورُ المَدِينَةِ والجبالُ الخُشَّخُ
لَّ أتى خَبَرُ الرَّسُولِ تَضَعْضَعَتْ
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿ يَهْبِطُ مِنْ خَشِيَةِ اللهِ ﴾. أى: يُوجِبُ الخشيةَ
لغيرِهِ بدلالتِه [١٠٦/١ظ] على صانعِه، كما قيل: ناقةٌ تاجرةٌ : إذا كانت مِن نَجابتها
وفراهتِها تدعو الناسَ إلى الرغبةِ فيها، كما قال جريرُ بنُّ عطيةَ(٤) :
وأَعوَرَ مِن نَبْهانَ أمّا نَهارُه فأعْمَى وأمّا لَيْلُه فِبَصِيرُ
فجعَل الصفةً للیلِ والنهارِ ، وهو ◌ُرِيدُ بذلك صاحبه النّبهانى الذى يَهْجُوه مِن
أجل أنه فيهما كان ما وصفه به .
وهذه الأقوالُ وإن كانت غيرَ بعيداتِ المعنى ممّا تَحْتُمِلُه الآيةُ من التأويلِ، فإن
تأويلَ أهلِ التأويلِ مِن علماءِ سلَفِ الأُمةِ بخلافِها ، فلذلك لم نَسْتَجِزْ صوْفَ تأويلٍ
الآيةِ إلى معنَى منها .
وقد دلَّلْنا فيما مضى على معنى الخشيةِ، وأنها الرهبةُ والمخافةُ ، فكرِهْنا إعادةَ
ذلك فى هذا الموضعِ(٥).
٧٤
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
(١) البيت فى المفضليات ص ٢٠١، والأضداد لابن الأنبارى ص ٢٩٥.
(٢) فى ت ٢، ت٣: ((أذل)).
(٣) تقدم البيت فى ٦٢٣/١، والرواية هناك: ((خبر الزبير تواضعت)). وكذا فى الديوان.
(٤) تقدم البيت فى ٣٣٢/١.
(٥) تقدم البيت فى ٥٩٨/١.

١٣٩
سورة البقرة : الآيتان ٧٤، ٧٥
يعنى بقوله: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وما اللَّهُ بغافلٍ - يا معشرَ
المكذِّبِينَ بآياتِه، والجاحدينَ / نبوّةَ رسوله محمدٍ عَ لَه، والمتقوّلِين عليه الأباطيلَ من ٣٦٦/١
بنى إسرائيلَ وأحبارِ اليهودِ - عما تعملون من أعمالِكم الخبيثةِ ، وأفعالِكم الرديئةِ ،
ولكنه يُحصِيها عليكم ، فيجازِيكم بها فى الآخرةِ أو يعاقِيُكم بها فى الدنيا .
وأصلُ الغَفْلةِ عن الشىءِ تَرْكُه على وجهِ السهوِ عنه والنسيانِ له . فأخبرهم تعالى
ذكرُه أنه غيرُ غافلِ عن أفعالهم الخبيثةِ ولا ساهٍ عنها ، بل هو لها مُخْصٍ ، ولها حافظٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَطَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿أَفَظَمَعُونَ﴾. أصحابَ (١) محمدٍ. ( يقولُ:
﴿أَفَظَمَعُونَ﴾(١) أى: أَفْتَرْجُونَ يا معشرَ المؤمنين بمحمدٍ عَظِلّه، والمصَدِّقِين ما جاءكم
به مِن عندِ اللَّهِ، أن يُؤْمِنَ لكم يهودُ بنى إسرائيلَ .
ويعنى بقولِه: ﴿أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾: أن يُصَدِّقوكم بما جاءكم به نبيُّكُم عَّه
محمدٌ مِن عندٍ ربّکم .
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ فى
قولِه: ﴿أَفَظَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾: يعنى أصحابَ محمدٍ عَلِّ أن يُؤْمِنوا لكم،
يقولُ: أفْتَطْمَعونَ أن يُؤْمِنَ لكم اليهودُ(١)؟
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَفَطَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ
لَكُمْ﴾ الآية . قال: هم اليهودُ (٤).
(١) فى م: ((يا أصحاب)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨/١ (٧٦٩) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨١/١ إلى عبد بن حميد.

١٤٠
سورة البقرة : الآية ٧٥
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ .
1
قال أبو جعفرٍ: أما ((الفريقُ)) فَجَمْعٌ، كالطائفةِ، لا واحدَ له مِن لفظِه، وهو
((فَعِيلٌ)) مِن ((التَّفَرُقِ))، سُمِّىَ به الجِماعُ كما سُمِّيَت الجماعةُ بـ ((الحِزْبِ)) مِن
((التَّحُّبِ))، وما أشْبَهَ ذلك، ومنه قولُ أَعْشَى بنى ثَعْلبةَ(١):
أَجَدُّوا (٢) فلمَّا خِفْتُ أنْ يَتَفَرَّقُوا
فَرِيقَيْن مِنْهُمْ مُصْعِدٌ وَمُصَوِّبُ (٣)
يعنى بقوله: ﴿مِّنْهُمْ﴾: مِن بنى إسرائيلَ. وإنما جعَل اللَّهُ الذين كانوا على
عهدِ موسى ومَن بعدَهم مِن بنى إسرائيلَ ، مِن اليهودِ الذين قال اللّهُ لأصحاب
محمدٍ عَ الهِ: ﴿أَفَظَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾. لأنهم كانوا آباءَهم وأسْلافَهم،
فجعَلهم منهم إذ كانوا عَشائرَهم وفَرَطَهم وأسْلافَهم، كما يَذْكُرُ الرجلُ اليومَ
الرجلَ ، وقد مضى على مِنهاج الذاكرِ وطريقتِه، وكان مِن قومِه وعَشيرتِه ، فيقولُ :
كان منا فلانٌ . يعنى أنه كان مِن أهلِ طريقتِه ومذهبِهِ، أو مِن قومِه وعَشيرتِه،
فكذلك قولُه ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ .
/القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَمَ اُللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا
٧٥
٣٦٧/١
عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
اخْتَلَف أهلُ التأويل فى الذين عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ
كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ فقال بعضُهم بما
حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
(١) ديوان الأعشى ص ٢٠١.
(٢) فى م: ((أخذوا)). وأجد فى السير: أسرع فيه. اللسان (ج د د).
(٣) التصويب : الانحدار وهو خلاف التصعيد . اللسان (ص و ب ).