النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سورة البقرة : الآية ٦٥ عليه، وحذر العقوبةَ التى حذَّرهم موسى مِن اللَّهِ تعالى، فلما رأوا أن العقوبةَ لا تَحِلُّ بهم عادوا وأخْبَرَ بعضُهم بعضًا بأنهم قد أخَذوا السمكَ ولم يُصِبْهم شىءٌ ، فكثّروا فى ذلك ، وظنُّوا أن ما قال لهم موسى كان باطلًا، وهو قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْ مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ﴾ يقولُ لهؤلاء الذين صادوا السمكَ : فمسَخهم اللَّهُ قِرَدةً بمعصيتِهم . يقولُ: إذن لم يَحْيَوْا فى الأرضِ إلا ثلاثةَ أيامٍ، ولم تَأْكُلْ، ولم تَشْرَبْ، ولم تَنْسُلْ، وقد خلَق اللَّهُ القردةَ والخنازيرَ، وسائرَ الخلقِ فى الستةِ الأيام التى ذكَر اللَّهُ فى كتابِهِ، فمسَخ هؤلاءِ القومَ فى صورةِ القِردةِ، وكذلك يَفْعَلُ بَمَن شاء كما يَشاءُ، ويُحَوَّلُه كما يَشاءُ(). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ ، قال: ثنا محمدُ بنُّ إسحاقَ ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن عِكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: إن اللَّهَ إنما افْتَرَض على بنى إسرائيلَ اليومَ الذى افترض عليكم فى عيدِكم، يومَ الجمعةِ، فخالفوا إلى السبتِ فعظّموه، وترَكوا ما أَمِروا به، فلمَّا أبَوْا إِلا لزومَ السبتِ ابْتَلاهم اللَّهُ فيه، فحرَّم عليهم ما أحَلَّ لهم فى غيرِهِ ، وكانوا فى قريةٍ بينَ أَيْلَةَ والطُّورِ يقالُ لها : مَدْيَنُ. فحرَّم اللَّهُ عليهم فى السبتِ الحيتانَ ؛ صيدَها وأكلَها ، وكانوا إذا كان يومُ السبتِ أَقْتَلَت إليهم شُرَّعًا إلى ساحلِ بَخْرِهم، حتى إذا ذهَب السبتُ ذهَبْنَ ، فلم يَرَوْا حُوتًا صغيرًا ولا كبيرًا، حتى إذا كان يومُ السبتِ أَتَّيْنَ إليهم شُرَّعًا، حتى إذا ذهَب السبتُ ذهَبْنَ، فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأَمَدُ، وقَرِموا(٢) إلى الحيتانِ عمَد رجلٌ منهم ، فأخَذ حوتًا سرًّا يومَ السبتِ، فخَزَمَهُ ) بخيطٍ ، ثم أرْسَله فى (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/١، ١٣٧/٣ إلى المصنف مختصرًا، وذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٥١ عن الضحاك به ، نحوه . (٢) القَرَمُ، بالتحريك: شدة الشهوة إلى اللحم. اللسان ( ق رم). (٣) خزم الشىء يخزمه خزمًا: شكه . اللسان ( خ زم). ٦٢ سورة البقرة : الآية ٦٥ الماءِ، وأَوْتَد له وَتِدًا فى الساحلِ، فأؤْثَقه ثم ترَكه، حتى إذا كان الغدُ جاءٍ فأخَذَه - أى: إنى لم آخُذْه فى يومِ السبتِ - ثم انْطَلَق به فأكَلَه، حتى إذا كان يومُ السبتِ الآخرِ عاد لمثلِ ذلك، ووجَد الناسُ ريحَ الحيتانِ، فقال أهلُ القريةِ: واللَّهِ لقد وجَدْنا ريح الحيتانِ . ثم عثروا على ما صنَع ذلك الرجلُ ، قال: ففعَلوا كما فعَل، وأكَلوا سرًّا زمانًا طويلًا، لم يَعْجَلِ اللَّهُ عليهم بعقوبةٍ حتى صادوها علانيةٌ وباعوها بالأسواق ، وقالت طائفةٌ منهم مِن أهلِ البقيّةِ(١): ويحَكم! اتَّقُوا اللَّهَ. ونهَؤْهم عما كانوا يَصْنَعون. وقالت طائفةٌ أُخرى لم تَأْكُلِ الحيتانَ، ولم تَنْهَ القومَ عما صنعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوَ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لسخطِنا أعمالَهم(١)، وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. ٣٣١/١ قال ابنُ عباسٍ: فبينما هم على ذلك أصْبَحَت تلك البَقِيَّةُ فى أنديَتِهِم ومساجدِهم، وفقَدوا الناسَ فلا يَرَؤْنهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: إن للناسِ لَشأنًا ، فانْظُروا ما هو. فذهَبوا يَنْظُرون فى دُورِهم، فوجَدوها / مُغَلَّقةً عليهم ، قد دخَلوا ليلً ، فغلَّقوها على أنفسِهم، كما يُغَلِّقُ الناسُ على أنفسِهم، فأصْبَحوا فيها قِرَدةً ؛ إنهم لَيَعْرِفون الرجلَ بعينِهِ ، وإنه لَقِرْدٌ ، والمرأةَ بعينِها وإنها لَقِرْدٌ، والصبىَّ بعينِه وإنه لَقِرْدٌ . قال : يقولُ ابنُ عباسٍ: فلولا ما ذكَرِ اللَّهُ أنه أنْجَى الذين نَهَوْا عن السُّوءِ لَقُلْنا: أَهْلَك الجميعَ منهم. قالوا: وهى القريةُ التى قال اللَّهُ لمحمدٍ عَ لِ: ﴿وَسْتَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ اَلَِّى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآية(٣). (١) فى م: ((التقية)). وأهل البقية: هم أهل الفهم والطاعة. قال القتيبى: أولو بقية من دين قوم لهم بقية: إذا کانت بهم مُسکة وفيهم خیر. ینظر اللسان (ب ق ی). (٢) فى ت ٣: ((عليهم)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩٧/٥ - ١٦٠٢ مفرقًا من طريق ابن إسحاق به. وعزاه السيوطى = ٦٣ سورة البقرة : الآية ٦٥ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ آَعْتَّدَوْ مِنكُمْ فِ السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَمْسِينَ﴾ : أُحِلَّت لهم الحيتانُ، وحُرِّمَت عليهم يومَ السبتِ بَلاءٌ مِن اللَّهِ، لِيَعْلَمَ مَن يُطِيعُه مَمَّن يَعْصِيه ، فصار القومُ ثلاثةَ أَصنافٍ؛ فأما صِنفٌ فأمْسَك ونَهَى عن المَغَصيةِ، وَأَمَّا صِنْفٌ فأمْسَك عن حزمةِ اللَّهِ ، وأما صِنفٌ فانْتَهَك محرمةَ اللَّهِ ومرَد على المعصيةِ ، فلما أَبَوْا إلا الاعْتِداءَ إلى ما نُهُوا عنه، قال اللَّهُ لهم: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ﴾. فصاروا قِرَدةً لها أذْنابٌ تَعاوَى، بعدَ ما كانوا رجالاً ونساءً(١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْ مِنكُمْ فِ السَّبْتِ ﴾. قال: نُهُوا عن صيدِ الحيتانِ يومَ السبتِ ، فكانت تَشْرَعُ إليهم يومَ السبتِ ، وبُلُوا بذلك فاعْتَدَوْا فاصْطادُوها ، فجعَلَهم اللَّهُ قِرَدةً خاسِئِين (١). حدَّثنى موسى قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ﴾. قال: فهم أهلُ أَيْلَةَ ، وهى القريةُ التى كانت حاضرةَ البحرِ ، فكانت الحيتانُ إذا كان يومُ السبتِ - وقد حرَّم اللَّهُ على اليهودِ أن يَعْمَلوا فى السبتِ شيئًا - لم يَئِقَ فى البحرِ حُوتٌ إلا خرَج حتى يُخْرِجْنَ خَراطِيمَهن مِن الماءِ ، فإذا كان يومُ الأُحدِ لزِمْنَ سُفْلَ البحرِ ، فلم يُرَ منهن شىءٌ حتى يكونَ يومُ السبتِ ، فذلك قوله: ﴿ وَسْئَلَّهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى = فى الدر المنثور ١٣٧/٣ إلى أبى الشيخ . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/١ إلى المصنف وعبد بن حميد. وأخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣/١ (٦٧١) من طريق شيبان ، عن قتادة . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢/١ (٦٦٧) عن الحسن بن يحيى به. وهو فى تفسير عبد الرزاق ٤٧/١، ٤٨ عن قتادة والكلبى . ٦٤ سورة البقرة : الآية ٦٥ كَانَتْ حَاضِرَةَ أَلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًاْ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِزَّ﴾. فاشْتَهَى بعضُهم السمكَ ، فجعَل الرجلُ يَخْفِرُ الحَفِيرةَ، ويَجْعَلُ لها نهرًا إلى البحرِ ، فإذا كان يومُ السبتِ فتَح النهرَ ، فأقْبَل الموجُ بالحيتانِ يَضْرِبُها حتى يُلْقِيّها فى الحَفَيرةِ ، ويُرِيدُ الحوتُ أن يَخْرُجَ فلا يُطِيقَ مِن أجلِ قلةِ ماءِ النهرِ، فيَمْكُثُ ، فإذا كان يومُ الأحدِ جاء فأخَذَه، فجعَل الرجلُ يَشْوِى السَّمكَ ، فَيَجِدُ جارُه رِيحَه، فيَسْأَلُهُ فِيُخْبِرُه، فَيَصْنَعُ مثلَ ما صنَع جارُه، حتى إذا فشَا فيهم أكلُ السمكِ قال لهم علماؤهم : ويحكم إنما تَصْطادون السمكَ يومَ السبتِ، وهو لا يَحِلُّ لكم. فقالوا: إنما صِدْناه يومَ الأحدِ حينَ أَخَذْناه . فقال الفقهاءُ: لا ، ولكنكم صِدْتُمُوه يومَ فتَحْتُم له الماءَ، فدخَل. فقالوا : لا. وعَتَوْا أن يَنْتَهُوا، فقال بعضُ الذين نهَوْهم لبعضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾. يقولُ: لمَ تَعِظُونهم وقد وعَظْتُموهم فلم يُطِيعوكم. فقال بعضُهم: ﴿ مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فلما أبَوْا قال المسلمون : واللَّهِ لا نُساكِنُكم فى قريةٍ واحدةٍ. فقسَموا القريةَ بجدارٍ، ففتَح ٣٣٢/١ المسلمون بابًا والمُعْتَدون فى السبتِ /بابًا، ولعنهم داودُ، فجعَل المسلمون يَخْرُجون مِن بابِهم ، والكفارُ مِن بابِهِم، فخرَج المسلمون ذاتَ يومٍ، ولم يَفْتَحِ الكفارُ بابَهم ، فلمَّا أبْطَئُوا عليهم تسَوَّر المسلمون عليهم الحائطَ ، فإذا هم قِرَدةٌ يَيِبُ بعضُهم على بعضٍ، ففتَحوا عنهم، فذهَبوا فى الأرضِ، فذلك قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن ◌َّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَمُْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]. فذلك حينَ يقولُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمُ﴾ [المائدة: ٧٨]. فهم القردةُ(١). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢/١ (٦٦٩) من طريق عمرو بن حماد به، إلى قوله: حتى يكون = ٦٥ سورة البقرة : الآية ٦٥ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مُجاهِدٍ فى قولِهِ: ﴿ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾. قال: لم يُمْسَخوا، إنما هو مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لهم، مِثْلَ ما ضرَب مَثَلَ الحمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا(١) . حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن مُجاهدٍ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْ مِنْكُمْ فِ السَّْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ﴾. قال: مُسِخَت قلوبُهم، ولم يُمْسَخوا قِرَدةً، وإنما هو مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لهم، كمثل الحمارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا(٢) . وهذا القولُ الذى قاله مُجاهِدٌ قولٌ لظاهرٍ ما دل عليه كتابُ اللَّهِ مُخالِفٌ ، وذلك أن اللَّهَ أَخْبَر فى كتابِه أنه جعَل منهم القِرَدةَ والخَازِيرَ وعَبَدَ الطاغوتَ ، كما أَخْبَر عنهم أنهم قالوا لنبيُّهم: ﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]. وأن اللَّه تعالى ذكرُه أَصْعَقَهم عندَ مَسألتِهم ذلك ربَّهم ، وأنهم عبَدوا العِجْلَ، فجعَل توبتهم قتلَ أنفسِهم، وأنهم أَمِروا بدُخولِ الأرضِ المقدسةِ، فقالوا لنبيّهم: ﴿ أَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. فابْتَلاهم بالتِّيهِ، فسواءٌ قال قائلٌ): هم لم يَمْسَخُهم قردةً. وقد أخْبَر جلَّ ذكرُه أنه جعَل منهم قِرِدةً وخنازيرَ - وآخرُ قال: لم يَكُنْ شىءٌ مما أخْبَرِ اللَّهُ عن بنى إسرائيلَ أنه كان منهم؛ مِن الخلافِ = يوم السبت. وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٥٢/١، ١٥٣ عن السدى بتمامه . (١) تفسير مجاهد ص ٢٠٥ بنحوه . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣/١ (٦٧٢) عن أبيه، عن أبى حذيفة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/١ إلى ابن المنذر، وانظر التاريخ الكبير لابن أبى خيثمة (١٨٤). (٣ - ٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال قائلهم)). ( تفسير الطبرى ٥/٢ ) ٦٦ سورة البقرة : الآية ٦٥ على أنبيائهم ، والعقوباتِ والأنكالِ التى أَحَلَّها اللَّهُ بهم. ومَن أَنْكَر شيئًا مِن ذلك وأقرّ بآخرَ منه ، سُئِل البرهانَ على قولِه، وتُورِض - فيما أَنْكَر مِن ذلك - بما أقرَّ به ، ثم يُسْأَلُ الفَرْقَ مِن خبرٍ مُسْتَقِيضٍ أو أثرٍ صحيحٍ، هذا مع خلافٍ قولٍ مجاهدٍ قولَ جميع الحُجّةِ التى لا يجوزُ عليها الخطأَ والكذبُ فيما نقَلَتْه مُجْمِعَةً عليه، وكفَی دليلاً على فسادٍ قولٍ إجماعُها على تخطئتِه . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةٌ خَسِينَ ٦٥ يعنى بقولِه: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ﴾. أى: فقلنا للذين اعتدوا فى السبتِ - یعنی فی يومٍ السبتِ - وأصلُ السَّبْتِ الهُدُوُّ والسكونُ فى راحةٍ ودَعَةٍ ، ولذلك قيل للنائم : مَسْبُوتٌ . لهدوِّه وسكونٍ جسدِه واستراحتِه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا ﴾ [النبأ: ٩]. أى: راحةً لأجسادِ كم، وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: سَبَت فلانٌ يَسْبُتُ سَبْتًا . وقد قيل : إنه سُمِّى سَبْتًا؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه فرَغ يومَ الجمعةِ - وهو اليومُ الذى قبلَه - مِن خلقٍ جميعٍ خلقِه . وقوله: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ﴾ . أى: صِيرُوا كذلك. والخاسِئُ المُعَدُ المَطْرُودُ، كما يَخْسَأُ الكلبُ، يُقالُ منه: حَسَأْتُه أَحْسَؤُه خَسْئًا وخُسوءًا، وهو يَحْسَأُ حُسوءًا. قال: ويقال: حَسَأَتُه فخَسَأ وانْخَسَأ. ومنه قولُ الراجِ(١): / كالكلب إن قلتَ له احْسَأُ الْخَسَأْ ٣٣٣/١ (١) اللسان (خ س أ)، وفيه: إن قيل له . بدل: إن قلت له . ٦٧ سورة البقرة : الآية ٦٥ يعنى: إن طرَّدْتَهَ انْطَرَدِ ذَليلًا صاغرًا. فكذلك معنى قوله: ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ﴾. أى: مُبْعَدِين مِن الخيرِ أذِلَّاءَ صُغَراءَ . كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾. قال: صاغِرِين(١) حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه . حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو محذَيْفةً، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه . حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿ خَسِينَ﴾ . قال : صاغِرِين(٣) . حدَّثنى المثنى ، قال : حدَّثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيعِ فى قوله: ﴿ كُونُواْ قِرَدَةٌ خَسِئِينَ﴾. أى: أَذِلَّةً صاغِرِين(٤). وحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ : خاسًِا: يعنى ذَلِيلًا(٥). (١) سقط من النسخ: وهو محمد بن بشار، وقد سبق مرارًا . (٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣/١ عقب الأثر (٦٧٤)، معلقًا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٧٦ إلى المصنف . (٣) تفسير عبد الرزاق ٤٨/١. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣/١ عقب الأثر (٦٧٤) من طريق ابن أبى جعفر به. (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٦/١، ٢٤٨/٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . وعزاه أيضًا فى ٧٦/١ إلى ابن المنذر بلفظ : صاغرين . ٦٨ سورة البقرة : الآية ٦٦ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ ◌َعَلْتَهَا ﴾ . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ الهاءِ والأَلفِ فى قوله: ﴿ ◌َعَلْنَهَا﴾. وعلامَ هی عائدةٌ؟ فژُوِی عن ابنِ عباسٍ فيها قولان : أحدُهما ، ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعیدٍ ، قال: حدّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ : ◌َجَعَلْنَهَا﴾: فجعَلْنا تلك العقوبةَ، وهى المَسْخَةُ، نَكالًا(١). فالهاءُ والألفُ من قولِه: ﴿ فَجَعَلْنَهَا﴾. على قولِ ابنِ عباسٍ هذا، كنايةٌ عن المَشْخةِ ، وهى ((فَعْلةٌ)) مِن: مسَخهم اللَّهُ مَشْخةٌ. فمعنى الكلام على هذا التأويلِ: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ﴾ : فصاروا قردةً تَمْسُوخِين. ﴿َجَعَلْتَهَا﴾(١): فجعَلْنا عُقوبتَنَا ومَسْخَنا إياهم ﴿ نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةُ لِلْمُثَّقِينَ﴾ . والقولُ الآخَرُ مِن قولَی ابنِ عباسٍ ما حدَّثنی به محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدّثنی أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ◌َجَعَلْنَهَا﴾ : يعنى الحِيتانَ . والهاءُ والألفُ على هذا القولِ مِن ذكرِ الحيتانِ ، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ، ولكن لما كان فى الخبرِ دلالةٌ كنَى عن ذكرِها ، والدلالةُ على ذلك قولُه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ آَعْتَدَوْا مِنكُمْ فِ السَّبْتِ﴾ . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٦/١ إلى المصنف. (٢) سقط من: ت ٢. ٦٩ سورة البقرة : الآية ٦٦ وقال آخرون: فجعَلْنا القريةَ التى اعْتَدَى أهلُها فى السبتِ . فالهاءُ والألفُ فى قولٍ هؤلاءِ كِنايةٌ عن قريةِ القومِ الذين مُسِخوا . / وقال آخرون: معنى ذلك: فجعَلْنا القِرَدةَ الذين مُسِخوا نَكالًا لما بينَ يديها ٣٣٤/١ وما خلفَها. فجعَلوا الهاءَ والألفَ كنايةً عن القردةِ . ءِ وقال آخرون: ﴿لَجَعَلْنَهَا﴾ يعنى به : فجعَلْنا الأمةَ التى اعْتَدَتْ فى السبتِ كالًا . القولُ فى تأويلٍ قولِه : ﴿ نَكَلًا﴾ . والنَّكالُ مصدرٌ مِن قولِ القائل: نكّل فلانٌ بفلانٍ تَنْكيلاً ونَكالًا. وأصلُ النَّكالِ العقوبةُ ، كما قال عدىُّ بنُ زيدِ العِبادىُّ(١) : لا " يُشْخِطُ المليك٢َ) ما يسعُ(٢) الـ عبدَ ولا فى نَكالِه تَنْكيرُ وبمثل الذى قلْنا فى ذلك رُوِى الخبرُ عن ابنِ عباسٍ. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿نَكَلًا﴾. يقولُ: .(٤) عقوبةً(٤) . حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنى إسحاقُ ، قال: حدَّثنی ابنُ أبى جعفر، عن أبيه، (١) التبيان ١/ ٢٩٢. (٢ - ٢) فى م: ((يحط الضليل))، وفى ت ١، ت ٢: ((تسحه العبيك))، وفى ت ٣: ((تسخط العبليك)). والمثبت من التبيان . وينظر تعليق الشيخ شاكر. (٣) فى م: ((يصنع)). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٦/١ إلى المصنف. ٧٠ سورة البقرة : الآية ٦٦ عن الربيعِ فى قوله: ﴿فَجَعَلْنَهَا نَكَلًا﴾. أى: عقوبةً(١). القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به أبو كُرَيْبِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾. يقولُ: لِيَخْذَرَ مَن بعدَهم عُقوبتى، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا﴾. يقولُ: الذين كانوا بقُوا معهم(٢). حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن الربيعِ: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: لِمَ خلا لهم مِن الذَّنوبِ، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا﴾. أى: عِبْرةً لمن بقِى مِن الناسِ(١) . وقال آخَرون بما حدَّثنى ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ ، قال: حدَّثنی ابنُ إسحاقَ ، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍٍ ، قال : قال ابنُ عباسٍ : ◌َعَلْنَهَا نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. أى مِن الْقُرَى(٤). وقال آخَرون بما حدَّثنا به بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ ، قال: حدّثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: قال اللّهُ: ﴿َجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: مِن ذُنوبِ القوم، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا﴾ أى : للحِيتانِ التى أصابوا . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤/١ عقب الأثر (٦٧٧) من طريق ابن أبى جعفر به. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٦/١ إلى المصنف. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤/١ عقب الأثر (٦٧٧، ٦٨١) من طريق ابن أبى جعفر به. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣/١، ١٣٤ (٦٧٦، ٦٨٠) من طريق ابن إسحاق به . ٧١ سورة البقرة : الآية ٦٦ عن قتادةً فى قوله: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: مِن ذنوبِها، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا﴾: مِن (١) الحيتانِ(١) . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، قال : حدَّثنى عيسى ، عن ابنِ أبى نُجيح، عن مُجاهِدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: ما مضَى مِن خَطاياهم إلى أن هلكوا به . ٣٣٥/١ / حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ ، قال : حدثنا شِئْلٌ ، عن ابنِ أبی نُجیح ، عن مُجاهِدٍ : ﴿نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. يقولُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: ما مضَى مِن خَطاياهم، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا﴾: خَطاياهم التى هلكوا بها(٢). حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه، إلا أنه قال: ﴿ وَمَا خَلْفَهَا﴾ : خطيئتُهم التى هلكوا بها . وقال آخرون بما حدَّثنی به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن الشّدِّىِّ: ﴿َجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ . قال: أما ما ﴿بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: فما سلَف مِن عملِهِم، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا﴾: فمَن كان بعدَهم مِن الأمم أن يَعْصُوا، فَيَصْنَعَ اللَّهُ بهم مثلَ ذلك(٣) . وقال آخرون بما حدّثنی به ابنُ سعدٍ ، قال : حدّثنی ابی ، قال: حدَّثنی عمى ، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: يعنى الحِيتانَ جعَلها نَكالًا لما بينَ يديها وما خلفَها مِن الذنوبِ التى (١) تفسير عبد الرزاق ٤٨/١. وينظر تفسير ابن أبى حاتم ١٣٤/١ (٦٧٧، ٦٧٨، ٦٨٢). (٢) تفسير مجاهد ص ٢٠٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤/١ (٦٨٢). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤/١ عقب الأثر (٦٧٧) من طريق عمرو به نحوه. ٧٢ سورة البقرة : الآية ٦٦ عمِلوا قبلَ الحِيتانِ، وما عمِلوا بعدَ الحِيتانِ، فذلك قوله: ﴿ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ﴾(١). وأولَی هذه التأويلاتِ بتأويلٍ الآيةِ ما رواه الضُّحَّاكُ عن ابن عباس، وذلك لما وصَفْنا مِن أن الهاءَ والألفَ فى قوله: ﴿ لَجَعَلْتَهَا نَكَلًا﴾ . بأن تكونَ مِن ذِكْرِ العقوبةِ والمَشْخةِ التى مُسِخها القومُ أولى منها بأن تكونَ مِن ذكرٍ غيرِها ؛ مِن أجلِ أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إِنما يُحَذِّرُ خلقَه بأسَه وسَطْوتَه، وبذلك يُخَوِّفُهم ، وفى إبانتِه عزَّ ذکرُه بقوله: ﴿نَكَلًا﴾. أنه عنَى به العقوبةَ التى أُحَلَّها بالقوم - ما يُعْلِمُ أنه عنَى بقولِه: ◌َجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. فجعَلْنا عقوبتنا التى أحْلَلْناها بهم عُقوبةً لما بينَ يديها وما خلفَها ، دونَ غيرِهِ مِن المعانى. وإذا كانت الهاءُ والألفُ بأن تكونَ مِن ذكرِ المَسْخةِ والعُقوبةِ أولى منها بأن تكونَ مِن ذكرٍ غيرِها ، فكذلك العائدُ فى قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. مِن الهاءِ والأَلفِ ، أن يكونَ مِن ذکرِ الھاءِ والألفِ اللتين فى قوله: ﴿لَجَعَلْنَهَا﴾. أولى مِن أن يَكونَ مِن غيرِه. فتأويلُ الكلام - إذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا - : فقلنا لهم: كونوا قردةً خاسِئِين . فجعَلْنا عُقوبتنا لهم عقوبةً لما بينَ يديها مِن ذنوبهم السالفةِ منهم ، مَسْخَنا إياهم، وعقوبتَنا لهم، ولما خلْفَ عقوبتِنا لهم مِن أمثالٍ ذنوبِهم، أن يَعْمَلَ بها عاملٌ ، فيُمْسَخوا مثلَ ما مُسِخوا، وأن يَحِلّ بهم مثلُ الذى حلَّ بهم. تَحْذِيرًا مِن اللَّهِ تعالى ذكره عبادَه أن يَأْتوا مِن مَعاصِيه، مثلَ الذى أتَى المَمْسُوخون فيُعاقَبوا عقوبتَهم . وأما الذى قال فى تأويل ذلك ﴿فَجَعَلْنَهَا﴾: يعنى الحِيتانَ؛ عُقوبةً لما بينَ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٦/١ إلى المصنف بنحوه . ٧٣ سورة البقرة : الآية ٦٦ يدى الحِيتانِ مِن ذنوبِ القوم وما بعدَها مِن ذنوبِهم . فإنه أَبْعَدَ فى الانْتِزاع؛ وذلك أن الحِيتانَ لم يَجْرِ لها ذكرٌ فِيُقالَ: ﴿لَجَعَلْنَهَا﴾ . فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك جائزٌ وإن لم يكنْ جرَى للحيتانِ ذكرٌ؛ لأن العربَ قد تَكْنِى عن الاسم ولم يَجْرِ له ذكرٌ، فإن ذلك وإن كان كذلك، فغيرُ جائزٍ أَن يُتْرَكَ المفهومُ مِن ظاهرِ الكتابِ - والمعقولُ به ظاهرٌ فى الخطابِ والتنزيلِ - إلى باطنٍ لا دلالةَ عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرٍ عن الرسولِ عَ لِ منقولٍ ، ولا فيه مِن الحجةِ إجماعٌ مُسْتَفِيضٌ . / وأما تأويلُ مَن تأوَّل ذلك: لما بينَ يديها مِن القُرَى، وما خلفَها. فيُنْظَرُ إلى تأويلٍ مَن تأوَّل ذلك : بما بينَ يدى الحِيتانِ وما خلفَها . ٣٣٦/١ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَوْعِظَةٌ﴾ . والموعظةُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: وعَظْتُ الرجلَ أَعِظُه وَعْظًا ومَوْعِظةً. إذا ذكَّرْتَه. فتأويلُ الآيةِ : فجعَلْناها نَكالا لمّا بينَ يديها وما خلفَها وتَذْكِرةٌ للمتقين، ليَّعِظوا بها ويَعْتَبِرُوا وَيَتَذَكَّروا بها . كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾. يقولُ: وتذكرةً وعِبْرةً للمتقين(١) . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ ٦٦ وأما الْمُتَّقُون فهم الذين اتَّقَوْا بأداءِ فرائضِه واجْتِنابِ مَعاصِيه . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٦/١ إلى المصنف. ٧٤ سورة البقرة : الآية ٦٦ كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، قال : ثنا أبو رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: للمؤمنين الذين يَتَّقُون الشِّركَ، ويَعْمَلون بطاعتى . فجعَل تعالى ذكرُه ما أُحَلَّ بالذين اعْتَدَوْا فى السبتِ مِن عقوبتِهِ مَوْعِظةً للمتقين خاصَّةٌ، وعِبْرةً للمؤمنين دون الكافرين به إلى يومِ القيامةِ . كالذى حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: حدَّثنی ابنُ إسحاقَ ، عن داودَ بنِ الحصينِ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ فى قوله : ﴿ وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾: إلى يومِ القيامةِ. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمَوْعِظَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. أى: بعدَهم(٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن (٤) قتادةَ مثلَهُ(٤) . حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: أما ﴿ مَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾: فهم أمةٌ محمدٍ عَهِ(٥). حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ: وَمَوْعِظَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال: فكانت موعظةً للمتقين خاصَّةً (٦). (١) تقدم فى ٢٣٨/١، ٢٣٩. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم ١٣٥/١ (٦٨٤) من طريق ابن إسحاق به. (٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥/١ عقب الأثر (٦٨٦) معلقا . (٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٨. (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥/١ (٦٨٨) عن أبى زرعة ، عن عمرو بن حماد به . (٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥/١ (٦٨٥) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية . ٧٥ سورة البقرة : الآيات ٦٦ - ٦٨ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ فى قوله: ﴿وَمَوْعِظَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. أى: لمن بعدَهم . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْ بَحُواْ بَقَرَّةٌ قَالُواْ أَنَتَّخِذُنَا هُزُوَأْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ ﴿٣) قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِنِ لَنَا مَا هِىَّ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌّ فَاَفْعَلُواْ مَا تُؤْمُرُونَ ٦٨ /وهذه الآيةُ مما وبَّخ اللَّهُ بها المخاطَبِين [٩٨/١] مِن بنى إسرائيلَ فى نَقْض ٣٣٧/١ أوائلِهم الميثاقَ الذى أخَذه اللَّهُ عليهم بالطاعةِ لأنْبيائِه، فقال لهم: واذْكُروا أيضًا مِن نَكْثِكُم مِیثاقى، ﴿ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ - وقومُه بنو إسرائيلَ، إذ ادَّارَهُوا فى القَتيلِ الذى قُتِل فيهم إليه -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَنَّخِذُنَا هُوَأَ﴾. والُزُؤُ: اللَّعِبُ والسُّخْرِيةُ، كما قال الراجزُ(١) : قد هزِئَتْ منِى أُمُ طَيْسَلَةْ قالَتْ أَرَاهُ مُعْدِمًا لا شىءَ لَهْ يعنى بقولِه: قد هَزِئَت : قد سخِرَت ولعِبَت . ولا يَنْبَغِى أَن يَكونَ مِن أَنْبياءِ اللَّهِ - فيما أخْبَرَتْ عن اللَّهِ مِن أمرٍ أو نهى - هُزُؤٌ أو لعبٌّ ، فظنُّوا بموسى أنه فى أمرِه إياهم - عن أمرِ اللَّهِ تعالى ذكرُه بذبح البقرةِ عندَ تَدَارُئِهم فى القتيلِ إليه (٢) - هازئٌ لاعبٌ، ولم يَكُنْ لهم أن يَظُنُّوا ذلك بنبيِّ اللَّهِ ، وهو يُخْبِرُهم أن اللَّهَ هو الذى أمَرَهم بذبحِ البقرةِ . (١) هو صخير بن عميرٍ التميمى، والرجز فى الأصمعيات ص ٢٣٤، وأمالى القالى ٢/ ٢٨٤، وسمط اللآلى ص ٩٣٠، واللسان ( ط س ل ) على اختلاف فى روايته . (٢) بعده فى م: ((أنه)) . ٧٦ سورة البقرة : الآيتان ٦٧، ٦٨ وحُذِفَت الفاءُ مِن قوله: ﴿ أَنَتَّخِذُنَا هُزُوَأْ﴾ . وهو جوابٌ، لاسْتِغْناءِ ما قبلَه مِن الكلامِ عنه، وحُسْنِ السكوتِ على قولِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةُ فجاز لذلك إسقاطُ الفاءِ مِن قوله: ﴿أَنَتَّخِذُنَا هُزُوَأْ﴾. كما جاز وحَسُن إسقاطُها قَالُواْ إِنَّا أُزْسِلْنَآَ ﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨، مِن قوله: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ والذاريات: ٣١، ٣٢]. ولم يَقُلْ: ((فقالوا: إنا أَرْسِلْنا)). ولو قيل: ((فقالوا)). كان حسنًا أيضًا جائزًا. ولو كان ذلك على كلمةٍ واحدةٍ لم تُشْقَطْ منه الفاءُ، وذلك أنك إذا قلتَ: قمتُ وفعَلتُ كذا وكذا. لم(١) تَقُلْ: قمتُ فعلتُ كذا وكذا؛ لأنها عطفٌ لا استفهامٌ يُوقَفُ عليه . فأخْبَرَهم موسى - إذا قالوا له ما قالوا - أن المخْبِرَ عن اللَّهِ جل ثناؤه بالهُزْءِ والسخريةِ مِن الجاهِلِين، وبَّأْ نفسَه مما ظنُّوا به مِن ذلك، فقال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾. يعنى: مِن السفهاءِ الذين تَرْؤُون عن اللَّهِ الكذبَ والباطلَ. وكان سببَ قيلٍ موسى لهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ ﴾ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُغْتَمِرُ بنُ سليمانَ ، قال : سمِعْتُ أيوبَ ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن عُبيدةً ، قال : كان فى بنى إسرائيلَ رجلٌ عَقِيمٌ - أو عاقرٌ - قال: فقتله ولِيُّه، ثم احْتَمَله، فألقاه فى سِبْطٍ غيرِ سِبْطِه . قال: فوقَع بينَهم فيه الشرُ، حتى أخَذوا السلاحَ، قال: فقال أولو النُّهَى: أَتَقْتَتِلون وفيكم رسولُ اللَّهِ؟ قال: فأتوا نبيَّ اللَّهِ، فقال: اذْبَحوا بقرةً. فقالوا: ﴿ أَنَتَّخِذُنَا هُزُواْ﴾. قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾. قالوا: ﴿ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنٍ لَنَا مَا هِىَّ﴾. قال: ﴿ إِنَُّ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ﴾. إلى قوله: ﴿ فَذَبَحُوْهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾. قال: فَضُرِب ، فأخْبَرَهم بقاتلِهِ . قال: ولم تُؤْخَذِ البقرةُ إلا بوزنها ذهبًا. قال : ولو أنهم (١) فى النسخ: ((ولم)). والصواب ما أثبت . ٧٧ سورة البقرة : الآيتان ٦٨،٦٧ أَخَذُوا أدنى بقرةٍ لَأَعْزَأَت عنهم. فلم يُوَرَّثْ قاتلٌ بعدَ ذلك(١). حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا آدمُ ، قال: حدَّثنى أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾ قال: كان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ، وكان غَنِيًّا، ولم يَكُنْ له ولدٌ ، وكان له قريبٌ، وكان وارثَه، فقتله لِيَرِثَه ، ثم ألْقاه على مَجْمَع الطريقِ، وأَتَّى موسى ، فقال له : إن قريبى قُتْل، وأُتِى(٢) إلىّ أمرٌ عظيمٌ، وإنى لا أَجِدُ أحدًا يُبَيِّنُ لى مَن(٢) قتله غيرَك يا نبيَّ اللَّهِ. قال: فنادَى/ موسى فى ٣٣٨/١ الناسِ: أَنْشُدُ اللَّهَ مَن كان عندَه مِن هذا علمٌ إلا بيَّته لنا. فلم يَكُنْ عندَهم علمُه، فَأَقْبَل القاتلُ على موسى، فقال: أنت نبىُ اللَّهِ، فاسْأَلْ لنا ربَّك أن يُبَيِّنَ لنا. فسأَلَ ربّه، فأْحَى اللَّهُ إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةُّ ﴾. فعجِبوا وقالوا: ﴿ أَنَتَّخِذُنَا هُزُوا﴾. قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾. قالوا: ﴿ آدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنٍ لَنَا مَا هِىَّ﴾. قال: ﴿ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ﴾ - يعنى: لا هَرِمةٌ - ﴿ وَلَا بِكْرٌ﴾ - يعنى: ولا صغيرةٌ - ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ - أى: نَصَفٌ بينَ البِكْرِ والهَرِمةِ - قالوا ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَاَ﴾. قال: ﴿ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ - أى: صافٍ لونُها - ﴿ تَسُرُّ النَّظِرِينَ﴾ - أى: تُعْجِبُ الناظِرِين - قالوا: ﴿ آدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيْنِ أَنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. قال: ﴿ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ﴾ - أى: لم يُذَلِلْها العملُ - ﴿ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ - يعنى: ليستْ بِذَلولٍ فَتُثِيرَ الأرضَ - ﴿ وَلَا تَسْقِى (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٤٨/١ عن معمر، عن أيوب به . وأخرجه آدم بن أبى إياس وعبد بن حميد فى تفسيرهما - كما فى تفسير ابن كثير ١٥٤/١ - وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦/١ (٦٩٠)، والبيهقى ٦/ ٢٢٠ من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٦/١ إلى ابن المنذر. (٢) فى تفسير ابن كثير: (( وإنی )) . (٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣. ٧٨ سورة البقرة : الآيتان ٦٨،٦٧ الَْثَ﴾ - يقولُ: ولا تَعْمَلُ فى الحَرَثِ - ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ - يعنى: مُسَلَّمَةٌ مِن العيوبِ - ﴿لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾ - يقولُ: لا بَيَاضَ فيها- قالوا: ﴿الْثَنَ جِئْتَ بِالْحَقِ﴾. ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾. قال: ولو أن القومَ حينَ أُمِرُوا أن يَذْبَحوا بقرةً اسْتَغْرَضوا بقرةً مِن البقرِ فذبَحوها ، لَكانت إياها ، ولكنَّهم شدَّدوا على أنفسِهم فشدَّد اللَّهُ عليهم، ولولا أن القومَ اسْتَثْنَوْا فقالوا: ﴿ وَإِنَّا إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. لما هُدُوا إليها أبدًا، فبلَغَنا أنهم لم يَجِدوا البقرةَ التى نُعِتَت لهم إلا عندَ عَجوزٍ عندَها يَتَامَى ، وهى القَيِّمةُ عليهم، فلما عِلِمَت أنهم لا يَزْكو(١) لهم غيرُها أَضْعَفَت عليهم الثمنَ، فأتَوْا موسى فأخْبَروه أنهم لم يَجِدوا هذا النعتَ إلا عندَ فلانةَ ، وأنها سأَلَتْهم أضعافَ ثمنها ، فقال لهم موسى: إن اللَّهَ قد كان خفَّف عليكم فشدَّدَتُم على أنفسِكم، فأعطُوها رِضاها ومحُكْمَها . ففعلوا واشْتَرَوْها ، فذبحوها ، فأمَرَهم موسى أن يَأْخُذوا عَظْمًا منها فيَضْرِبوا به القَتِيلَ، ففعلوا ، فرجَع إليه رُوحُه ، فسمَّى لهم قاتلَه، ثم عاد ميتًا كما كان ، فأخَذوا قاتلَه [٩٩/١و] - وهو الذى كان أتَى موسى فشكا إليه - فقتله اللَّهُ على أسوأْ عملِه(٢) . حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُ كُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ ﴾. قال: كان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ مُكْثِرًا مِن المالِ، وكانت له ابنةٌ ، وكان له ابنُ أخ محتاجٌ، فخطَب إليه ابنُ أخيه ابنتَه ، فأتَى أَن يُزَوِّجَه إياها، فغضِب الفتى، وقال: واللَّهِ لأقْتُلَنَّ عمِّى، ولآخُذَنَّ (١) أى لا يصلح. (٢) أخرجه آدم بن أبى إياس فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ١٥٤/١- ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠/١ عقب الأثر (٧١٦)، ١٤١/١، ١٤٢ (٧٢٤، ٧٢٩، ٧٣٠) مفرقا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/١، ٧٩ إلى المصنف مختصرًا . ٧٩ سورة البقرة : الآيتان ٦٨،٦٧ مالَه، ولأَنْكِحَنَّ ابنتَه ، ولَ كُلَنَّ دِيتَه . فأتاه الفتى، وقد قَدِم تجارٌ فى بعضٍ أَسْباطٍ بنى إسرائيلَ، فقال: يا عمِّ ، انْطَلِقْ معى، فخُذْ لى مِن تجارةِ هؤلاء القوم لعلى أَصِيبُ فيها(١)، فإنهم إذا رأَوْك معى أعْطَوْنى. فخْرَج العُّ مع الفتى ليلاً، فلمَّا بلَغ الشيخُ ذلك السِّبطَ قتَله الفتى ، ثم رجع إلى أهلِه، فلما أصْبَح جاء كأنه يَطْلُبُ عمَّه، كأنه لا يَدْرِى أين هو ، فلم يَجِدْه، فانْطَلَق نحوَه، فإذا هو بذلك السِّبطِ مُجْتَمِعِين عليه، فأخَذَهم وقال : قتَلْتُم عمِّى، فأَدُّوا إِلىَّ دِيَتَه . وجعَل يَتْكِى، ويَحْتُو الترابَ على رأسِه ، ويُنادِى : واعمَّاه! فرفَعَهم إلى موسى، فقضَى عليهم بالذيةِ ، فقالوا له : يا رسولَ اللَّهِ ، ادْعُ لنا حتى يَتَبَّيَّنَ له مَن صاحبُه، فيُؤْخَذَ صاحبُ الجَرِيمَةِ(٢) ، فواللَّهِ إِن ديتَه علينا لَهَيِّنَةٌ ، ولكنا نَسْتَحِى أن نُعَيَّرَ به. فذلك حينَ يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَلْتُمْ نَفْسًا فَدَّارَءْ تُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُونَ﴾. فقال لهم موسى: ﴿إِنَّا اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ ٣٣٩/١ بَقَرَةٌ﴾. قالوا: نَسْأَلُك عن القَتيلِ، وعمَّن قتله، وتَقولُ: اذْبَحوا بقرةً ! أَتَهْزَأُ بنا؟ قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: فلو اعْتَرَضوا بقرةً فذبَحوها لأجْزَأَت عنهم ، ولكنهم شدَّدُوا وتعَثَّثُوا موسى، فشدَّد اللَّهُ عليهم، فقالوا: ﴿ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَّ﴾. قال: ﴿ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُّ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ - والفارِضُ: الهَرِمةُ التى لا تَلِدُ ، والبِكْرُ: التى لم تَلِدْ إلا ولدًا واحدًا ، والعَوانُ: النَّصَفُ التى بينَ ذلك، التى قد وَلَدَت وولَد ولدُها - ﴿فَأَفْعَلُواْ مَا تُؤْمِّرُونَ﴾. قالوا: ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن ◌َّنَا مَا لَوْنُهَا﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّظِرِينَ﴾ - قال: تُعْجِبُ الناظرين - قالوا: ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِنِ لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ اَلْبَقَّرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. قال: ﴿ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا (١) فى تفسير ابن كثير: (( منها)). (٢) فى ت ١، ت ٣: ((الفرجة))، وفى ت ٢: ((المرحة)). ٨٠ سورة البقرة : الآيتان ٦٧، ٦٨ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾ - مِن بَيَاضِ، ولا سَوادٍ، ولا حُمْرةٍ - قالوا: ﴿ الْتَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. فطلَبوها فلم يَقْدِروا عليها . وكان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ مِن أَبَرّ الناسِ بأبيه، وأن رجلاً مرَّ به معه لؤلؤٌ تَبِيعُه، فكان أبوه نائمًا تحتَ رأسِه المِفْتَاحُ، فقال له الرجلُ: تَشْتَرِى منى هذا اللؤلؤَ بسبعين ألفًا؟ فقال له الفتى: كما أنت حتى يَسْتَئِقِظَ أبى، فآخُذَه بثمانين ألفًا. فقال له الآخرُ: أَيْقِظْ أباك، وهو لك بستين ألفًا. فجعَل التاجرُ يَخُطُّ له حتى بلَغ ثلاثين ألفًا، وزاد الآخرُ على أن يَنْتَظِرَ حتى يَسْتَشِقِظَ أبوه، حتى بلَغ مائةَ ألفٍ ، فلما أكْثَر عليه قال : لا واللَّهِ ، لا أَشْتَرِيه منك بشىءٍ أبدًا. وأتى أن يُوقِظَ أباه، فعوَّضه اللَّهُ مِن ذلك اللؤلؤِ أن جعَل له تلك البقرةَ، فمرّت به بنو إسرائيلَ يَطْلُبون البقرةَ، فَأَبْصَروا البقرةَ عندَه ، فسألوه أن تَبِيعَهم إياها بقرةً ببقرةٍ ، فَأَتَى. فأَعْطَوْهِ ثُنْتَئِن فَأَتَى ، فزادُوه حتى بلغوا عشرًا فأتى، فقالوا: واللَّهِ لا نَتْرُكُك حتى نَأْخُذَها منك. فانْطَلَقوا به إلى موسى، فقالوا: يا نبيَّ اللَّهِ ، إنا وجَدْنا البقرةَ عندَ هذا، فأتَى أَن يُعْطِيَنَاها ، وقد أَعْطَيْناه ثمنًا. فقال له موسى: أَعْطِهم بقرتَك. فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أنا أحَقُّ بمالى. فقال: صدَقْتَ . وقال للقوم: أرْضُوا صاحبَكم . فأعْطَوْه وزنَها ذهبًا فأتَى، فَأَضْعَفوا له مثلَ ما أَعْطَوْه وزنَها ، حتى أَعْطَوْه وزنَها عشْرَ مراتٍ ، فباعَهم إياها ، وأخَذ ثمنَها ، فقال: اذْبَحوها . فذبَحوها ، فقال : اضْرِبوه ببعضِها، فضرَبوه بالبَضْعةِ التى بينَ الكَتِفَيْن فعاش، فسألوه : مَن قتَلك؟ فقال لهم: ابنُ أُخرى، قال: أَقْتُه، وآخُذُ مالَه، وأَنْكِحُ ابنته. فأخَذوا الغلامَ ، فقتلوهُ(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، وحدَّثنى يونُسُ، قال : (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦/١ - ١٤٣ (٦٩١، ٦٩٢، ٦٩٣، ٦٩٨، ٧٠٠، ٧١٦، ٧٢٨، ٧٣٨) مفرقا من طريق عمرو بن حماد به .