النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة البقرة : الآية ٦٢
فسأَلاه : ما هذا؟ فقال: الذى يُرِيدُ أن يَعْلَمَ هذا لا يَقِفُ موقفَكما، فإن كنتما
تُرِيدانِ أن تَعْلَما ما فيه فانْزِلا حتى [١٧/٣ و] أَعَلِّمَكما. فنزَلا إليه، فقال لهما : هذا
كتابٌ (١) جاء مِن عندِ اللَّهِ، أمَر فيه بطاعتِه، ونهَى (" فيه عن معصيتِه:(٣) ألا تَزْنِىَ،
ولا تَشْرِقَ، ولا تَأْخُذَ أموالَ الناسِ بالباطلِ - فقصَّ عليهما ما فيه - وهو
الإنجيلُ الذى أَنْزَل اللَّهُ على عيسى. فوقَع فى قلوبِهما وتابَعاه فأسْلَما، وقال
لهما : إن ذبيحةً " قومِكما عليكما" حرامٌ. فلم يَزالا معه كذلك يَتَعَلَّمان منه ،
حتى كان عيدٌ للملكِ، فجعَل(١) طعامًا، ثم جمَع الناسَ والأشرافَ، وأَرْسَل إلى
ابنِ الملكِ، فدعاه إلى صَنِيعِه لِيَأْكُلَ مع الناسِ ، فأتَى الفتى وقال: إنى عنك مَشْغولٌ،
فكلْ أنت وأصحابُك . فلما أكْثَر عليه مِن الرُّسلِ ، أخْبَرَهم أنه لا يَأْكُلُ مِن طعامِهم ،
فبعَث الملكُ إلى اينِه، فدعاه وقال: ما أَمْرُك هذا(٥)؟ قال: إنا لا نَأْكُلُ مِن ذبائِحكم،
إنكم / كفارٌ، ليس تَحِلُّ ذبائحُكم. فقال له الملكُ: مَن أَمَرَك بهذا؟ فأخْبَرَه أن ٣٢٢/١
الراهبَ أُمَرَه ◌ُ(١) بذلك، فدعا الراهبَ فقال: ماذا يَقُولُ ابنى؟ قال: صدَق ابنُك.
قال له : لولا أن الدمَ فينا عظيمٌ لقتَلْتُك، ولكن اخْرُجْ مِن أرضِنا. فَأَجَلَه أجَلًا. قال
سلمانُ : فقمْنا نَبْكِى عليه، فقال لهما : إن كنتما صادقَيْن ، فإنا فى بِيعةٍ بالمؤْصلِ مع
ستين رجلًا نَعْبُدُ اللَّهَ فيها، فاْتونا فيها . فخرَج الراهبُ، وبقِى سَلْمانُ وابنُ الملكِ،
فجعَل سلمانُ يقولُ لابنِ الملكِ: انْطَلِقْ بنا . وابنُ الملكِ يقولُ: نعم. وجعَل ابنُ
(١) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((اللَّه)).
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن معصيته فيه)).
(٣ - ٣) فى الأصل، ت١، ت٢، ت٣: (( قومكم عليكم)).
(٤) جعل هنا: صنع. والجعل والصنع واحد. التاج (ج ع ل).
(٥) سقط من : الأصل .
(٦) فى ت ١: ((أخبره)).

٤٢
سورة البقرة : الآية ٦٢
الملكِ يَبيعُ مَتاعَهُ يُرِيدُ الجهازَ(١)، فلمَّا أَبْطَأُ على سلمانَ ، خرَج سلمانُ حتى أتاهم ،
فنزَل على صاحبِهِ، وهو ربُّ البيعةِ، وكان أهلُ تلك البِيعةِ ( " أفضلَ مرتبةٌ مِنْ"
الُهْبانِ ، فكان سَلْمانُ معه(٢) يَجْتَهِدُ فى العبادةِ، ويُتْعِبُ نفسَه، فقال له الشيخُ :
إِنك غلامٌ حَدَثٌ ، تَكَلَّفُ (٤) مِن العبادةِ ما لا تُطِيقُ، وأنا خائفٌ أَن تَفْتُرَ وَتَعْجِزَ،
فارْفُقْ بنفسِك وخَفِّفْ عنها (٥) . فقال له سلمانُ: أرَأَيْتَ الذى تَأْمُرُنى به، أهو(١)
أفضلُ أو الذى أَصْنَعُ؟ قال: لا(٧)، بل الذى تَصْنَعُ؟ قال: فخلِّ عنى . قال : ثم إن
صاحبَ البِيعةِ دعاه، فقال: أَتَعْلَمُ أن هذه البِيعةَ لى، وأنا أحَقُّ الناسِ بها ، ولو شئتُ
أن أُخْرِجَ هؤلاء منها لَفعَلْتُ! ولكنى رجلٌ أَضْعُفُ عن عبادةِ هؤلاء، وأنا أُرِيدُ أن
أتحوَّلَ مِن هذه البِيعةِ إلى بِيعةٍ أخرى، هم أهونُ عبادةً مِن هؤلاء، فإن شئتَ أن تُقِيمَ
هلهنا فَأَقِمْ، وإن شئتَ أن تَنْطَلِقَ معى فانْطَلِقْ. فقال له سلمانُ : أُّ البِيعَتَيْن أفضلُ
أهلًاً؟ قال: هذه. قال سلمانُ: فأنا أكونُ فى هذه. فأقام سلمانُ بها،
وأوْصَى صاحبُ البِيعةِ [١٧/٣ ظ] عالِمَ البِيعةِ بسَلمانَ، فكان سلمانُ يَتَعَبَّدُ معهم .
ثم إن الشيخَ العالِمَ أراد أن يَأْتِىَ بيت المقدس، ( فدعا سلمانَ، فقال: إنى أُريدُ أن
آتىَ بيتَ المقدسِ، فإن شئتَ أن تَنْطِلِقَ معى فانطلِقْ، وإن شئتَ أن تُقِيمَ فَأَقِمْ . قال
له سلمانُ: أَيُّهما أفضلُ ؛ أَنْطَلِقُ معك أوْ (٩) أُقِيمُ؟ قال: لا ، بل تَنْطَلِقُ معى. فَانْطَلَق
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الجهاد)).
(٢ - ٢) فى م: ((من أفضل))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أفضل من)).
(٣) فى م: (( معهم)).
(٤) فى م: ((تتكلف))، وفى ت ٢: ((فكلف)).
(٥) فى م: ((عليها)) .
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هو)).
(٧) سقط من : م .
(٨ - ٨) فى م: ((فقال لسلمان: إن أردت))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإن شئت)).
(٩) فى م: ((أم)) .

٤٣
سورة البقرة : الآية ٦٢
معه ، فمرُّوا بُقْعَدٍ على ظهرِ الطريقِ مُلْقَّى، فلما رآهما نادَى : يا سيدَ الُّهْبانِ ،
ارْحَمْنى رحِمك (١) اللَّهُ. فلم يُكَلِّمْه، ولم يَنْظُرْ إليه، وانْطَلَقا حتى أتَيًا بيتَ المقدسِ ،
فقال الشيخُ لسلمانَ : اخْرُجْ فاطْلُبِ العلمَ ، فإنه يَحْضُرُ هذا المسجدَ عُلماءُ أهلِ
الأرضِ . فخرَج سلمانُ يَسْمَعُ منهم ، فرجَع يومًا حَزينًا ، فقال له الشيخُ : ما لك يا
سلمانُ؟ قال: أَرَى الخيرَ كلَّه قد ذهَب به مَن كان قبلَنا مِن الأنبياءِ وأتباعِهم . قال له
الشيخُ : يا سلمانُ ، لا تَحْزَنْ ، فإنه قد بقِى نبىٌّ ليس مِن نبيِّ أُفضلَ تَبَعًا منه، وهذا
زمانُه الذى يَخْرُجُ فيه ، ولا أَرَانِى أَدْرِكُه ، وأما أنت فشابٌّ فلعلك أن تُدْرِ كَه ، وهو
يَخْرُجُ فى أرضِ العربِ، فإن أدْرَ كْتَه فَآمِنْ به واتَِّعْه. فقال له سلمانُ: فأخْبِرْنى عن
علامتِه بشىءٍ . قال : نعم ، هو مَحْتُومٌ فى ظهرِهِ بخاتم النُّبُوةِ ، وهو يَأْكُلُ الهَديَّةَ ، ولا
يَأْكُلُ الصدقةَ. ثم رجَعا حتى بلغا مكانَ المُفْعَدِ ، فناداهما فقال: يا سيدَ الرُّهْبانِ ،
ارْحَمْنى رحِمك(١) اللَّهُ. فعطَف إليه حمارَه، وأخَذ بيدِه فَرَفَعه، وضرَب به
الأرضَ، ودعا له، وقال: قُمْ بإذنِ اللَّهِ. فقام صحيحًا يَشْتَدُّ(٢). فجعَل سلمانُ
يَتَعَجَّبُ وهو يَنْظُرُ إِليهِ يَشْتَدُّ، وسار الراهبُ، فتغَيَّب عن سلمانَ ، ولا يَعْلَمُ سَلْمانُ .
ثم إِن سلمانَ فِع، فطلَب الراهبَ، "فلقِى رجلين" مِن العربِ مِن كَلْبٍ،
فسأَلهما : هل رأيتُما الراهبَ؟ فأناخ أحدُهما راحلتَه، قال: نِعْمَ راعى الصِّرْمةِ
هذا(٥)! فحمَله فانْطَلَق به إلى المدينةِ . قال سلمانُ : فأصابَنى مِن الحزنِ شىءٌ لم
يُصِبْنى مثلُه قطُّ. فاشْتَرَتْه امرأةٌ مِن جُهَيْنَةَ، فكان يَرْعَى عليها هو وغلامٌ لها
يَتَرَاوَحان الغنمَ ، هذا يومًا وهذا يومًا، وكان سلمانُ يَجْمَعُ الدراهمَ يَنْتَظِرُ خروجَ
(١) فى م: ((يرحمك)).
(٢) يشتد : يسرع ويعدو. اللسان (ش د د).
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فلقيه رجلان)).
(٤) الصرمة: القطيع من الإبل والغنم. انظر اللسان (ص رم).
(٥) فى ت ١، ت ٢: ((هذه)).

٤٤
سورة البقرة : الآية ٦٢
٣٢٣/١
محمدٍ عَ لَّه؛ /فبينا هو يومًا يَوْعَى، إذ أتاه صاحبُه الذى يَعْقُبُه، فقال له (١).
أَشَعَوْتَ أنه (٢) قدِمِ اليومَ المدينةَ رجلٌ يَزْعُمُ أنه نبيٌّ؟ فقال له سلمانُ : أَقِمْ فى
الغنم حتى آتِيَك. فهبَط سلمانُ إلى المدينةِ، فنظَر إلى النبيِّ عَلَّهِ ودار حوله،
فلمَّا [١٨/٣ و] رآه النبيُّ عَ لِّ عرَف ما يُرِيدُ، فَأَرْسَل ثوبَه، حتى خرَج خاتمُه،
فلمَّا رَآه أتاه وكلَّمه، ثم انْطَلَق، فاشْتَرَى بدينارٍ، ببعضِه شاةً فشواها(١)،
وببعضِه خبزًا ، ثم أتاه به، فقال: ((ما هذا؟)) قال سلمانُ: هذه صدقةٌ ، قال:
(( لا حاجةً لى بها، فأخْرِجْها فلْيَأْكُلْها الْمُسْلِمون)). ثم انْطَلَق فاشْتَرَى بدينارٍ
آخرَ خبزًا ولحمًا، فَأتَى به النبيَّ عَِّ، فقال: ((ما هذا؟)) قال: هذه هديَّةٌ.
قال: ((فاقْعُدْ فَكُلْ(٢))). فقعَد فأكَلا جميعًا منها، فبينا هو يُحَدِّثُه إذ ذكَر
أصحابَه، فَأَخْبَرَه خبرَهم، فقال: كانوا يَصُومون ويُصَلُّون ويُؤْمِنون بك،
ويَشْهَدون أنك ستُبْعَثُ نبيًّا. فلما فرَغ سلمانُ مِن ثنائِه عليهم قال له نبىُ اللَّهِ :
((يا سَلْمانُ، هم مِن أَهلِ النارِ )). فاشْتَدَّ ذلك على سلمانَ، وقد كان قال له
سلمانُ: لو أدرَكوك صدَّقوك واتََّعوك. فَأَنْزَل اللّهُ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالضَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ﴾.
فكان إيمانُ اليهودِ أنه مَن تَمَسَّك بالتَّوراةِ وسنةِ موسى كان مؤمناً ، حتى جاء
عيسى، فلما جاء عيسى كان مَن تَمَتَك بالتَّوْراةِ وأخَذ بسنةِ موسى فلم يَدَعْها ، و(١)
يَتَبِعْ عيسى كان مالكًا. وإيمانُ النصارى أنه مَن تَمَسَّك بالإنجيلِ منهم وشرائعٍ
عيسى، كان مؤمنًا مَقْبولًا منه، حتى جاء محمدٌ عَ لَهِ، فمن لم يَتَّبِعْ محمدًا عَلَه
(١) سقط من م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٣: ((قد ).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) بعده فى م: ((لم)).

٤٥
سورة البقرة : الآية ٦٢
منهم ويَدَعْ ما كان عليه مِن سنةٍ عيسى والإنجيل، كان هالكًا (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْج،
عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ الآية. قال: سأل(٢) سلمانُ
الفارسىُّ النبيَّ(١) عَّهِ عن أولئك النصارى وما رأَى مِن أعمالهم، قال: ((لم يَمُوتوا
على الإسلام)). قال سلمانُ: فَأَظْلَمَت علىَّ الأرضُ، وذكرتُ(٤) اجتهادَهم).
فنزَلَت هذه الآيةُ، فدعا سلمانَ فقال: ((نَزَلَت هذه الآيةُ فى أصحابِك)). ثم قال النبىّ
بَِّ: (( مَن مات على دينٍ عيسى، ومن (١) مات على دينِ الإسلامِ قبلَ أن يَسْمَعَ بی ،
فهو على خيرٍ، ومَن سمِعِ بِىَ اليومَ ولم يُؤْمِنْ بى فقد هلَك)) (١).
وقال ابنُ عباسٍ بما حدَّثنى به المُنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى
مُعاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ [١٨/٣ظ]
وَاُلَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَِّئِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فَأَنْزَل
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/١ إلى المصنف - بلفظه - وابن أبى حاتم. وهو عند ابن أبى حاتم فى
تفسيره ١٢٧/١ (٦٣٦)، والواحدى فى أسباب النزول ص ١٦ من طريق عمرو بن حماد به، مختصرا .
وأخرجه الواحدى - أيضا - وابن عساكر فى تاريخه ٤١٨/٢١، ٤١٩ من طريق عمرو، عن أسباط ، عن
السدى، عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول
اللَّه عَلِ، مختصرا. وذكره الذهبى فى السير ٥٢٢/١ - ٥٢٥ من طريق عمرو به عن السدى بإسناده ، مطولا.
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((للنبى)).
(٤) فى م، ت ١: ((ذكر)).
(٥) فى الأصل: (( أخبارهم )) .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/١ إلى المصنف. وأخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ١٥ من طريق
ابن جريج، عن عبد اللَّه بن كثير، عن مجاهد، قال: لما قص سلمان ... وأخرجه ابن أبى عمر المدنى فى
مسنده - كما فى الدر المنثور ٧٣/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦/١ (٦٣٤) من طريق ابن أبى
نجيح ، عن مجاهد ، قال : قال سلمان :... ومجاهد لم يسمع من سلمان .

٤٦
سورة البقرة : الآيتان ٦٢، ٦٣
اللَّهُ جلَّ ثناؤه بعدَ هذا: ﴿ وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ أَلْإِسْلَِمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى
اُلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
٢ حدَّثنا ابنُ البَرْقِيِّ قال: حدَّثنا عمرُو بنُّ أبى سلمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ
فى قولِ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ مَنْ
ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ﴾. قال: هى منسوخةٌ، نسخَتها: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيّرَ
اُلْإِسْلَمِ دِينًا ﴾.
وهذا الخبرُ يَدُلُّ على أن ابنَ عباسٍ كان يَرَى أن اللّه تعالى ذكرُه قد كان وعَد
مَن عمِل صالحاً مِن اليهودِ والنصارى والصابئين على عمله فى الآخرةِ الجنةَ ، ثم نسخ
ذلك بقوله: ﴿ وَمَن يَبْتَعْ غَيّرَ الْإِسْلَكِمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ .
٣٢٤/١
فتأويلُ الآيةِ إذن على ما ذكَّرْنا عن مجاهدٍ والسدىِّ : إن الذين آمنوا مِن هذه
الأمةِ ، والذين هادُوا / والنصارى والصابئين - مَن آمَن مِن اليهود والنصارى والصابئين
باللّهِ واليومِ الآخرِ - فلهم أجرهم عندَ ربّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون .
والذى قلْنا مِن التأويلِ الأولِ أَشْبَهُ بظاهرِ التَّتزيلِ؛ لأن اللَّه تعالى ذِكرُه لم يَخْصُصْ
بالأجرِ على العملِ الصالح مع الإيمانِ بعضَ خلقِه دونَ بعضٍ منهم ، والخبرُ بقوله: ﴿مَنْ
ءَامَنَ بِلّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ﴾. عن جميعٍ مَن(٣) ذكَر فى أولِ الآيةِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَّكُمْ﴾ .
الميثاقُ المِفْعالُ، مِن الوثيقةِ؛ إِما بيمينٍ ، وإما بعهدٍ ، أو غيرِ ذلك مِن الوَثائقِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦/١ (٦٣٥)، وابن الجوزى فى ناسخه ص ١٣٠ من طريق أبى
صالح به .
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) سقط من: ت ١، وفى م، ت ٢، ت٣: ((ما)).

٤٧
سورة البقرة : الآية ٦٣
ويعنى بقولِه: ﴿ وَإِذْأَ خَذْنَا مِيثَقَكُمْ﴾. الميثاقَ الذى أَخْبَرِ اللَّهُ تعالى ذكره أنه
أخَذ منهم فى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِىّ إِسْرَّءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣- ٨٥]. الآيات التى ذكَر معها .
وكان سببَ أخذِ الميثاقِ عليهم فيما ذكر ابنُ زيدٍ ما حدَّثنى يونُسُ بنُ
عبدِ الأعلى ، قال : أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : لما رجَع موسى مِن عندِ ربِّه
بالألواح قال لقومه بنى إسرائيلَ: إن هذه الألواحَ فيها كتابُ اللهِ ، وأمْرُه الذى أمَرَكم
به ، ونَهْيُه الذى نها كم عنه. فقالوا: ومَن يَأْخُذُه بقولِك أنت؟ لا واللَّهِ حتى نَرَى اللَّهَ
جَهْرةٌ، حتى يَطْلُعَ اللَّهُ إِلينا(١) فيقولَ: هذا كتابى فخُذُوه. فما لَه لا يُكَلِّمُنا كما
كلَّمَك أنت يا موسى! فيقولُ: هذا كتابى فخُذُوه. قال: فجاءت غَضْبةٌ مِن اللَّهِ،
فجاءَتهم صاعقةٌ فصَعَقَتْهم ، فماتوا أجْمَعون . قال : ثم أحیاهم اللهُ مِن بعدٍ موتِهم ،
فقال لهم موسى : [١٩/٣ و] خُذُوا كتابَ اللَّهِ . فقالوا: لا . قال: أىُّ شىءٍ أصابكم ؟
قالوا: مِثْناثم حَيِينا. قال: خُذُوا كتابَ اللَّهِ. قالوا: لا. فبعَث اللَّهُ ملائكةٌ، فَنتَقَت: أَبِ .. هـ
الجبلَ فوقَهم. " وقرَأ: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلُّوَرَ بِمِيثَقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤]. قال:
فرُفِع فوقَهم . فقيل لهم: أَتَعْرِفون هذا؟ قالوا: نعم، هذا الطُّورُ. قال: خُذُوا
الكتابَ ، وإلا طرَخْناه عليكم. قال: فأخَذوه بالميثاقِ . وقرَأ قولَ اللَّهِ تعالى ذكره :
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. حتى
بلَغ: ﴿ وَمَا اَللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. قال: ولو كانوا أخَذُوه أولَ مرةٍ لَأخَذوه
بغيرِ مِيثاقٍ(٢) .
(١) فى م: ((علينا)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) تقدم هذا الأثر فى ١/ ٦٩٦.

٤٨
سورة البقرة : الآية ٦٣
القولُ فى تأويل قوله جلُّ ثناؤُه: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلْتُلُورَ﴾.
(١).
أُمَّا الطُّورُ فإِنه الجبلُ فى كلامِ العربِ، ومنه قولُ العَجَّاجُ
٠
۔۔۔
دانَى جناحَيْهِ(٢) مِن الطُّورِ فَمَرّ
تَقَضِّىَ(٣) البازِى إذا البازِى كَسَوُ(٤)
وقيل : إنه اسمُ جبلٍ بعينه. وذكروا (٥) أنه الجبلُ الذى ناجَى اللَّهُ عليه موسى.
وقيل : إنه مِن الجبالِ ما أَنْبَتَ دون ما لم يُتْبِتْ .
٣٢٥/١
/ذكرُ مَن قال: هو الجبلُ كائنًا ما كان
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: حدّثنا أبو عاصم، عن عیسی ، عن ابنٍ أبی
نَجيح، عن مُجاهِدٍ ، قال: أمَر موسى قومَه أن يَدْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وَيَقُولوا: حِطَّةٌ .
وطُؤْطِئ لهم(١) البابُ ليَسْجُدوا، فلم يَشْجُدوا ودخلوا على أدبارِهم، وقالوا :
حِنْطٌ . فنتَق فوقَهم الجبلَ - يقولُ: أَخْرَجَ أَصْلَ الجبلِ مِن الأرضِ، فرفَعه فوقَهم
كالظُّلَّةِ - والطُّورُ بالسُّزيانيةِ الجبلُ - تخويفًا، فدخلوا سُجَّدًا على خوفٍ - أو
حَرْفٍ ، شكَّ أبو عاصم٢٢ - أعينُهم إلى الجبلِ، وهو الجبلُ الذى تَجَلَّى له ربُّه(٨).
(١) ديوانه ص ٢٨.
(٢) دانى جناحيه : ضمهما .
(٣) تقضى : أصلها: تقضِّض، فقلب الضاد الأخيرة ياء استثقالاً. وتقضض الطائر: هوى فى طيرانه يريد
الوقوع. تاج العروس ( ق ض ض ).
(٤) كسر: إذا ضم من جناحيه شيئا وهو يريد الوقوع أو الانقضاض. التاج (ك س ر).
(٥) فى م: ((ذكر)).
(٦) فى الأصل: ((عليهم)) .
(٧ - ٧) فى م: ((أو خوفا، شك أبو عاصم، فدخلوا سجدا على خوف)).
(٨) تفسير مجاهد ص ٢٠٣، ٢٠٤، وتقدم أوله فى ١ / ٧١٤.

٤٩
سورة البقرة : الآية ٦٣
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ،
[١٩/٣ ظ] عن مُجاهِدٍ، قال: رُفِع الجبلُ فوقَهم كالظُلَّةِ(١)، كالسَّحابةِ، فقيل لهم:
لْتُؤْمِنُنَّ أَو لِيَقَعَنَّ عليكم . فَآمَنوا . والجبلُ بالشُّرْيانيةِ الطُّورُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ قولَه:
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الُْوَرَ ﴾. قال: الطورُ جبلٌ(٢) كانوا بأصلِه،
فرُفِع عليهم فوقَ رءوسِهم ، فقال: لتَأْخُذُنَّ أمْرِى، أو لأَرْمِيَنَّكم به(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قَتَادةَ: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلُوَرَ ﴾. قال: الطورُ الجبلُ ، اقْتَلَعه اللَّهُ، فرفَعه فوقَهم،
فقال: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ . فَأَقَرُّوا بذلك (٤) .
حدَّثنى المُنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى
العاليةِ: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلُوَرَ ﴾. قال: رفَع فوقَهم الجبلَ، يُخَوَّفْهم به (٢) .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى ، عن النَّصْرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن عِكْرمةَ، قال :
و (٦)
الطُّورُ الجبلُ(١).
حدَّثنا موسى ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن الشُّدىِّ: لما قال
اللَّهُ تعالى ذكرُه لهم: ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ ﴾. فَأَبَوْا أن يَسْجُدوا ،
وأمَر اللَّهُ جلَّ ذكرُه الجبلَ أن يَقَعَ عليهم ، فنظَروا إليه وقد غشِيّهم، فسقَطوا سُجَّدًا ،
(١) سقط من: م.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الجبل)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩/١ عقب الأثر (٦٥٢) من طريق أبى جعفر، عن الربيع من قوله .
(٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩/١ عقب الأثر (٦٥٢) معلقًا .
( تفسير الطبرى ٤/٢ )

٥٠
سورة البقرة : الآية ٦٣
فسجدوا(١) على شِقٍّ، ونظَروا بالشقِّ الآخَرِ، فرحِمَهم اللَّهُ، فكشَفه عنهم، فقالوا:
ما سجدةٌ أحبَّ إلى اللَّهِ مِن سجدةٍ كشَف بها العذابَ عنكم. فهم يسجدون لذلك
على شق١ِّ)، وذلك قولُه: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا الْجَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ [الأعراف: ١٧١] .
وقولُه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوَقَكُمُ اُلْتُوَرَ ﴾(١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : الجبلُ بالسُّريانيةِ
الطُّورُ، "وهو بالعربيةِ الجبلُ) .
وقال آخرون : الطورُ اسم للجبلِ الذى ناجَى اللَّهُ جلَّ جلالُه عليه موسى عليه
السلامُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَّيْجٍ ،
قال : قال ابنُ عباس : الطّورُ الجبلُ الذى أَنْزِلَت عليه - يعنى على موسى - الثَّوْراةُ ،
وكانت بنو إسرائيلَ أسفلَ منه (٥). قال ابنُ مجرَيْجٍ: قال لى عَطاءٌ: رفَع [٢٠/٣و] الجبلَ
على بنى إسرائيلَ، فقال: لتُؤْمِنُنَّ به أو ليَقَعَنَّ عليكم. فذاك قولُه: ﴿كَأَنَّهُ
ظُلَّةٌ﴾(٦).
وقال آخرون : الطُّورُ مِن الجبالِ ما أنْبَتَ خاصَّةٌ .
(١) سقط من : م.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠/١ (٦٥٤) من طريق عمرو بن حماد به .
(٤ - ٤) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/١ إلى المصنف .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩/١ (٦٥٣) من طريق حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء .

٠٠
٥١
سورة البقرة : الآية ٦٣
٣٢٦/١
/ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن
الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿الُوَرَ﴾ قال : الطورُ مِن الجبالِ ما أنْبَت ، وما
لم يُتْبِتْ فليس بِطُورٍ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ .
اخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى تأويل ذلك ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ : هو مما اسْتُغْنِى
بدلالةِ الظاهرِ المذكورِ عما تُرِك ذكرُه منه (١) ، وذلك أن معنى الكلام: ورفَغنا فوقَكم
الطُّورَ، وقلْنا لكم: خُذُوا ما آتَيْناكم بقوةٍ ، وإلا قذَفْناه عليكم .
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: أخْذُ الميثاقِ قولٌ ، فلا حاجةَ بالكلامِ إلى إضمارِ
قولٍ فيه، فيكونَ مِن كلامَيْن، غيرَ أنه يَنْبَغِى لكلِّ ما خالَف القولَ مِن الكلام الذى .
هو بمعنى القولِ أن تكونَ معه ((أن))، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ أَزْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [ نوح: ١]. قال: ويجوزُ بحذْفٍ(٣) ((أن)).
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا أن كلِّ كلام نُطِق به ،
مفهومٌ به معنى ما أُرِيد منه (٤) ، ففيه الكِغايةُ مِن غيرِهِ .
ويعنى بقوله: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ﴾: ما أمَرْناكم به فى الثَّوْراةِ. وأصلُ
الإيتاءِ الإعطاء .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩/١ (٦٥١) عن أبى زرعة، عن المنجاب به .
(٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت٣، وفى م: ((له)).
(٣) فى م: ((أن تحذف)).
(٤) سقط من : الأصل ، م، ت ١، ت٢ .
م.

٥٢
سورة البقرة : الآية ٦٣
ويعنى بقوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بحِدٍّ، و(١) تأديةِ ما (" أُمِرْتم به٢) فيه وافْتُرِض عليكم .
كما "حدَّثنا عبدُ الكريم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ
عُيَيْنَةَ، قال: (* حدَّثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِقُوَّقٍ﴾ قال: بجدٍّ(١) .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال) : حدَّثنا أبو عاصم، قال: حدَّثنا عيسى ، عن
ابن أبى تَجِيحِ، عن مُجاهِدٍ: ﴿ خُذُ واْمَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ﴾. قال: بِعَمَلٍ (٦) بما فيه(٧).
حدَّثنى المثنَّى ، قال: حدَّثنا أبو محذَيفةً، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى
نجيح، [٢٠/٣ظ] عن مُجاهِدٍ مثلَه .
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى
العاليةِ: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. (أى: بطاعةِ اللَّهِ(٩).
٠
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازم الغِفارىُّ، قال: أخبرنا عبيدُ اللَّهِ ، عن أبى جعفرٍ، عن
الربيع: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَّيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ﴾(١). قال: بطاعةٍ(١٠).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
(١) فى م: ((فى)).
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أمركم)).
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حدثت عن)).
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ٦ ٣.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/١ إلى المصنف.
(٦) فى م: ((تعملوا))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يعمل)).
(٧) تفسير مجاهد ص ٢٠٥، ومن طريقه عبد بن حميد - كما فى تغليق التعليق ١٧٣/٤ - وابن أبى حاتم
فى تفسيره ١٣٠/١ (٦٥٧).
(٨ - ٨) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٩) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠/١ (٦٥٦) من طريق آدم به .
(١٠) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠/١ عقب الأثر (٦٥٦) من طريق أبى جعفر به.

٥٣
سورة البقرة : الآية ٦٣
قَتَادَةَ: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. قال: القوةُ الجِدُّ، وإلا قَذَقْتُهُ(١) عليكم. قال:
فَأَقَرُوا بذلك أنهم يَأْخُذُون ما أُوتُوا بقوةٍ(٢) .
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ :
بِقُوَّةٍ﴾: يعنى بجِدٍّ واجْتِهادٍ(٣) .
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ ، وسألْتُه عن قولِ اللَّهِ
تعالى ذكرُه: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ﴾. قال: خُذُوا الكتابَ الذى جاء به
موسى بصدقٍ وحقٌّ .
(* حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ ، قال : قال ابنُ
جريج: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ﴾. قال: كتابُكم، لتأْخُذُنَّه أو لَيَقعَنَّ عليكم الطُّورُ.
قالوا: نأخُذُه. وأَقَرُّوا ثم نقَضُوا الميثاقَ بعدَ ذلك).
فتأويلُ الآيةِ إذن : خُذُوا ما افْتَرَضْنا عليكم فى كتابِنا مِن الفرائضِ فَاقْتَلوه ،
واعْمَلوا باجتهادٍ منكم فى أدائِه ، مِن غيرٍ تَقْصيرٍ ولا تَوانٍ . وذلك هو معنى أخْذِهم
إياه بقوةٍ وبجِدٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
٦٣
يعنى تعالى ذكره : واذْكُروا ما فيما آتَيْناكم مِن كتابِنا مِن وعدٍ ووعيدٍ ،
(٥)
وتَرْغيبٍ وتَرْهيبٍ ، / فاتْلُوه واعْتَبِروا به، وتَدَبَّروه، كى إذا فعَلْتم ذلك تَتَّقونى، ٣٢٧/١
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قذفه)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٤٧/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠/١ (٦٥٨) عن الحسن بن يحيى به.
(٣) عزاه الحافظ فى الفتح ١٦١/٨ إلى المصنف .
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩/١ (٦٥٣) من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء ، نحوه .
(٥) بعده فى م، ت ٢: ((شديد)) .
(٦ - ٦) فى م: ((إذا فعلتم ذلك كى تتقوا)).

٥٤
سورة البقرة : الآية ٦٣ ، ٦٤
وتَخافوا عقابى، بإِصْرارٍكم على ضَلالِكم، فتُنيئُوا إلى طاعتى، وتَنْزِعوا عما أنتم
عليه مِن مَعصيتى .
كما حدَّثنا ابنُّ حُميدٍ ، قال : حدَّثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن داودَ بنِ
الحُصينِ، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾. قال: تَنْزِعون عما أنتم
(١)
عليه(١).
والذى آتاهم اللهُ تعالى ذكرُه هو التوراةُ، كما حدَّثنی المثنَّى، قال: حدَّثنا
آدمُ، قال: حدَّثنا [٢١/٣ و] أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿وَأَذْكُرُواْ مَا
فِيهِ﴾. يقولُ: واذْكُروا ما فى التوراةِ (" واعمَلُوا به؟ .
مُحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الربيعِ فى قوله: ﴿وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾. يقولُ: (اقرءوا ما) فى التَّوراةِ(٤).
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : سأَلْتُ ابنَ زيدٍ عن قولِ اللَّهِ تعالى
ذكرُه: ﴿ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾. قال : اعْمَلوا بما فيه بطاعةِ اللَّهِ تعالى ذكرُه وصدقٍ .
قال: وقال: اذكُرُوا (٥) ما فيه، ولا (٦) تَنْسَوْه ولا تُغْفِلوه.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ وعز: ﴿ثُمَّ تَوَلَيْتُم مِّرْ بَعْدٍ ذَلِكٌ﴾
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: ثم أَعْرَضْتُم. وإنما هو ((تفَعَلْتُم))،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/١ إلى المصنف وابن إسحاق.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠/١(٦٥٩) من طريق آدم به بنحوه. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٥٠.
(٣ - ٣) فى م: ((أمروا بما))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أمروا ما)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠/١ عقب الأثر (٦٥٩) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((واذكروا)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((لا)).

٥٥
سورة البقرة : الآية ٦٤
مِن قولهم: ولِّانى فلانٌ دُبُرَه. إذا اسْتَدْبَر عنه وخلَّفه خلفَ ظهرِهِ، ثم يُسْتَعْمَلُ ذلك
فى كلِّ تاركٍ طاعةً أَمْرٍ، ( وهاجرِ خِلٌ (١)، ومُغْرِضٍ بوجهٍ(٢) ، فيقالُ: فلانٌ قد تَوَلَّى
عن طاعةِ فلانٍ، وتؤَلَّى عن مُواصلتِهِ. ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿ فَلَّآ ءَاتَّلُهُم
مِن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُم مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦] . يعنى بذلك: خالَفوا ما
كانوا وعَدوا اللَّهَ مِن قولهم: ﴿لَبِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّذَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ
الصَّلِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥]. ونبذوا ذلك وراءَ ظُهورِهم.
ومِن شأنِ العربِ استعارةُ الكلمةِ ووضعُها مكانَ نَظيرتِها ، كما قال أبو
ذُؤَيْبٍ(٢) الهُذَلُّ:
ولكن أحاطَتْ بالرّقابِ السَّلاسِلُ
فليس كعَهْدِ ) الدارِ يا أمَّ مالك
سوى العَدْلِ (١) شيئًا واسْتَراح العَواذِلُ
وعاد الفتى كالكَهْلِ ليس بقائِلٍ
يعنى بقولِه : أحاطَت بالرّقابِ السَّلاسلُ. أن الإسلام صار فى منعِه إيانا ما كنا
تَأْتِيه فى الجاهليةِ مما حرَّمه اللَّهُ علينا فى الإسلام ، بمنزلةِ السَّلاسلِ المحيطةِ برِقابِنا التى
تَحُولُ بينَ مَن كانت فى رقبتِه، مع الغُلِّ الذى فى يدِه، وبينَ ما حاول أن يَتَناوَلَه .
ونَظائرُ ذلك فى كلام العربِ أكثرُ مِن أن تُحْصَى. فكذلك قولُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم
مِرْ بَعْدٍ ذَلِكٌ﴾. يعنى بذلك أنكم ترَكْثُم العملَ بما أخَذْنا ميثاقكم وعهودَكم على
العملِ به بجدِّ واجتهادٍ ، بعدَ إِعطائِكم ربَّكم المواثيقَ على العملِ به، والقيامِ بما
-
(١ - ١) فى م: ((بها عز وجل)).
(٢) فى م: ((بوجهه)).
(٣) كذا فى النسخ، وكذا قال ابن قتيبة فى تأويل مشكل القرآن ص ١١٢، والبيتان من قصيدة لأبى خراش
الهذلى يرثى بها زهير ابن العجوة. ديوان الهذليين ٢/ ١٥٠.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لعهد)).
(٥) فى الأصل: ((العدل))، وفى م: ((الحق)). وينظر شرح أشعار الهذليين ١٢٢٣/٣.

٥٦
سورة البقرة : الآية ٦٤
أمَرَكم به فى كتابِكم، فنبَذْ تُمُوه [٢١/٣ظ] وراءَ ظهورٍ كم .
وكنَى بقولِه: ﴿ ذَلِكٌ﴾. عن جميع ما قبلَه فى الآيةِ المتقدمةِ ، أعنى قوله:
-
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْقُوَرَ ﴾ الآية.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾.
٣٢٨/١
/ يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾. فلولا أن اللَّهَ
تفَضَّل عليكم بالتوبةِ بعدَ نَكَئِكِمُ (١) الميثاقَ الذى واثَقْتُموه - إذ رفَع فوقَكم الطورَ -
بأنكم تَجْتُهِدون فى طاعتِهِ، وأداءِ فَرائضِه، والقيام بما أمَرَكم به ، والانْتِهاءِ عما
نَهاكم عنه فى الكتابِ الذى آتاكم، فأنْعَم عليكم بالإسلامِ، ورحمتُه التى رحِمَكم
بها ، فتَجاوَز عنكم خطيئتكم التى ركِبتُموها ، بمراجعتِكم طاعةَ ربِّكم - لكنتم مِن
الخاسرين .
وهذا وإن كان خطابًا لمن كان بينَ ظهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللَّهِ مَّ لَه مِن أَهلِ
الكتابِ أَيامَ رسولِ اللَّهِ عَ ◌ّهِ، فإنما هو خبرٌ عن أسلافِهم، فأُخْرِج(٢) مُخْرَجَ الخَِّ(٣)
عنهم، على نحوٍ ما قد بيَّنَّا فيما مضى، مِن أن القَبيلةَ مِن العربِ تُخاطِبُ القَبيلةَ عندَ
الفَخارِ أو غيرِهِ ، بما مضَى مِن فِعلِ أُسْلافِ المخاطِبِ بأَسْلافِ المخاطَبِ ، فتُضِيفُ فِعْلَ
أَسْلافِ المُخَاطِبِ إلى أنفسِها، فتقولُ: فَعَلْنَا(٤) وفعَلْنَا(٤). (°وما فُعِل بأسلافٍ
المخاطَبِ إلى المخاطِبِ لهم بقولهم: فعلنا بكم ) ( وفعلْنا بكم) . وقد ذكَوْنا بعضَ
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((نقضكم))، وفى ت ١: ((نبذكم)).
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الخبر)).
(٣) فى م: ((المخبر)).
(٤) بعده فى م: ((بكم)) .
(٥ - ٥) سقط من: م.
(٦ - ٦) زيادة من: ت ١، ت ٢، ت ٣.

٥٧
سورة البقرة : الآية ٦٤
الشواهِدِ فى ذلك مِن شعرِهم فيما مضَى (١).
وقد زعم بعضُهم أن الخطابَ فى هذه الآياتِ إنما أُخْرِج بإضافةِ الفعلِ إلى
المُخَاطَبِين، والفعلُ لغيرِهم؛ لأن المخاطَبِين بذلك كانوا يَتَوَلَّوْن مَن كان فعَل ذلك مِن
أوائلٍ بنى إسرائيلَ، فصيَّرهم اللَّهُ منهم مِن أجلٍ ولايتهم لهم.
وقال بعضُهم: إنما قيل ذلك كذلك؛ لأن سامِعيه كانوا عالمين - وإن كان
الخطابُ خرَج خطابًا للأحياءِ مِن بنى إسرائيلَ وأهلِ الكتابِ - أن(٢) المعنى فى ذلك
إنما هو خبرٌ عما " قد مضَى٢ مِن أَنْباءِ أُسلافِهم ، فاسْتُغْنِى بعلم السامِعِین بذلك عن
ذكرٍ أُسْلافِهم [٢٢/٣ و]° بأعْيانِهم. ومثّل ذلك بقولِ الشاعرٍ ():
إذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْنِى لَئِيمَةٌ ولم تَجِدِى مِن أن تُقِرِّى به بُدًّا
فقال: إذا انْتَسَبْنا. و((إذا)) تَقْتَضِى مِن الفعلِ مُسْتَقْبلًا، ثم قال: لم تَلِذْنى
لَئِيمٌ. فَأُخْبَر عن ماضٍ مِن الفعلِ ، وذلك أن الولادةَ قد مَضَت وتقدَّمَت، وإنما فعَل
ذلك - عندَ المحتَجِّ به - لأن السامعَ قد فهِم معناه .
فجعَل ما ذكَرْنا مِن خطابِ اللَّهِ أهلَ الكتابِ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَیْ مُهاجَرٍ
رسولِ اللهِ عَهِ أيامَ رسولِ اللَّه عَلَه، بإضافةِ أفعالٍ أَسْلافِهم إليهم - نظيرَ ذلك.
والأولُ الذى قُلْنا هو المُشْتَفِيضُ فى (٥) كلامِ العربِ وخِطابِها .
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٤٢/١، ٦٤٣.
(٢) فى م: ((إذ)).
(٣ - ٣) فى م: ((قص الله)).
* من هنا يبدأ خرم فى المخطوطة الأصل وينتهى فى ص ١٥٩.
(٤) معانى القرآن ٦١/١، وفى حاشية الأمير على مغنى اللبيب ٢٥/١: فى حاشية السيوطى: قائله زائدة بن
صعصعة الفقعسى . ولم ينسبه السيوطى فى شرحه على شواهد المغنى ١/ ٨٩.
(٥) فى م: ((من)).

٥٨
سورة البقرة : الآية ٦٤ ، ٦٥
وكان أبو العاليةِ يقولُ فى قولِه: ﴿فَلَوَلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ - فيما
ذُكِر لنا - نحوَ القولِ الذى قُلْناه .
حدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفرٍ ، عن الربيعِ،
عن أبى العاليةِ: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾. قال: فضلُ اللَّهِ الإِسلامُ،
ورحمتُه القرآنُ(٢) .
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، (" عن أبيه، عن الربيعِ
(٤)
بمثله .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ لَكُنْتُم مِّنَ الْخَسِينَ
(٦٤
قال أبو جعفرٍ: فلولا فَضْلُ اللَّهِ عليكم ورَحْمَتُه إياكم ، بإنقاذِه إياكم بالتوبةِ
عليكم مِن خَطيئتِكم ومُزْمِكم، لكنتم الباخِسِين أنفسَكم حُظوظَها دائمًا،
الهالِكِين بما اجْتَرَمْتُم مِن نَقْضٍ ميثاقِكم، وخلافِكم أمرَه وطاعته .
وقد تقَدَّم بيانُنا قبلُ بالشَّواهدِ عن(٥) معنى الخَسارِ، بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا
(٦)
الموضع().
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا
٦٥
لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ
٣٢٩/١
(١) فى النسخ: ((النصر)). وهو من الأسانيد الدائرة.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١/١ عقب الأثر (٦٦٢) من طريق آدم به .
(٣ - ٣) سقط من النسخ، وهو من الأسانيد الدائرة .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١/١ عقب الأثر (٦٦٢، ٦٦٤) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٥) فى ت ٢: ((على)).
(٦) ينظر ما تقدم فى ١/ ٤٤٢.

٥٩
سورة البقرة : الآية ٦٥
يعنى بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُ﴾: ولقد عرَفْتُم، كقولك: قد عَلِمْتُ أخاك،
ولم أَكُنْ أَعْلَمُه. يعنى: عرَفْتُه ولم أَكُنْ أَعْرِفُه. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَءَاخَرِينَ مِن
دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ﴾ [الأنفال: ٦٠]. يعنى: لا تَعْرِفونهم ، اللَّهُ يَعْرِفُهم.
وقولُه: ﴿ الَّذِينَ أَعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى السَّبْتِ ﴾. أى: الذين تَّجَاوَزُوا حَدِّى،
وركبوا ما نهَيْتُهم عنه فى يومٍ السبتِ ، وعصَوْا أُمْرى .
وقد دلَّلْتُ فيما مضى على أن الاعْتِداءَ أَصلُه تَجاوزُ الحدِّ فى كلِّ شىءٍ، بما أَغْنَى
عن إعادتِه فى هذا الموضعِ(١).
قال : وهذه الآيةُ وَآياتٌ بعدَها تَتْلُوها ، مما عدَّد جلَّ ثناؤه فيها على بنى إسرائيلَ -
الذين كانوا بينَ خِلالِ دُورِ الأنصارِ زمانَ النبيِّ عَّهِ، الذين ابْتَدَأُ بذكرِهم فى أولِ هذه
السورةِ مِن نَكْثِ أسْلافِهم عهدَ اللَّهِ ومِيثاقَه - ما كانوا يُثْرِمون مِن العقودِ، وحذّر
المُخاطَبين بها أن يَحِلَّ بهم - بإصرارِهم على كفرِهم ومُقامِهم على جُحودٍ نبوةٍ
محمدٍ عَظ له، وتركهم اتباعَه والتصديقَ بما جاءَهم به مِن عندِ ربِّه - مثلُ الذى حلَّ
بأوائلهم مِن المَسْخِ والرَّجْفِ والصَّعْقِ، وما لا قِبَلَ لهم به مِن غَضَبِ اللَّهِ وسَخَطِه .
كالذى حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال : ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا بشرُ بنُ
عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْهُ الَّذِينَ أُعْتَدَوْاْ
مِنْكُمْ فِ السَّبْتِ ﴾ يقولُ: ولقد عرَفْتُم. وهذا تحذيرٌ لهم مِن المعصيةِ، يقولُ:
اخْذَرُوا أن يُصِيبَكم ما أصاب أصحابَ السبتِ إذ عصَوْنى، ﴿اُعْتَدَوْاْ﴾، يقولُ:
اجْتَرَءوا، ﴿فِ السَّبْتِ﴾. قال: لم يَبْعَثِ اللَّهُ نبيًّا إِلا أَمَره بالجُمُعةِ، وأَخْبَرَه بفضلِها
وعِظَمِها فى السَّماواتِ وعندَ الملائكةِ ، وأنَّ الساعةَ تَقُومُ فيها ، فمَنِ اتََّع الأنبياءَ فيما
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٣٢.

٦٠
سورة البقرة : الآية ٦٥
مضَى، كما اتَّبَعَتْ أَمةُ محمدٍ عَظَلِ محمدًا، قَبِل الجُمُعةَ، وسمِع وأطاع وعرَف
فضلَها، وثبت عليها بما أمَره اللَّهُ تعالى به ونبيُّه ◌َّله، ومَن لم يَفْعَلْ ذلك كان بمنزلةٍ
الذين ذكَر اللَّهُ فى كتابِهِ، فقال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ مِنْكُمْ فِ السَّبْتِ فَقُلْنَا
لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾ . وذلك أن اليهودَ قالت لموسى حين أمَرَهم بالجمعةِ ،
وأخْبَرَهم بفضلها: يا موسى، كيف تَأْمُرُنا بالجُمُعةِ وتُفَضِّلُها على الأيامِ كلِّها،
والسبتُ أفضلُ الأيام كلِّها؛ لأن اللَّهَ خَلَق السماواتِ والأرضَ والأَقْواتَ فى ستةِ
أيامٍ، وسبَت(١) له كلُّ شيءٍ مُطِيعًا يومَ السبتِ، وكان آخرَ الستةِ؟
قال : وكذلك قالت النصارَى لعيسى ابنِ مريمَ حينَ أمَرَهم بالجُمُعةِ ، قالوا له :
كيف تَأْمُرْنا بالجمعةِ، وأولُ الأيامِ أفضلُها وسيِّدُها، والأولُ أفضلُ، واللَّهُ واحدٌ ،
والواحدُ الأولُ أفضلُ؟ فأؤْحَى اللَّهُ إلى عيسى أنْ دَعْهم والأحدَ ، ولكن ليَفْعَلوا فيه
كذا وكذا مما أمَرَهم به، فلم يَفْعَلوا، فقصَّ اللَّهُ تعالى قَصَصَهم فى الكتابِ
بمعصيتهم .
قال : وكذلك قال اللَّهُ لموسى حينَ قالت له اليهودُ ما قالوا فى أمرِ السبتِ أنْ
٣٣٠/١ دَعْهم والسبتَ فلا يَصِيدوا /فيه سمكًا ولا غيرَه ، ولا يَعْمَلوا شيئًا، كما قالوا . قال:
فكان إذا كان السبتُ ظهَرَتِ الحِيتانُ على الماءِ، فهو قولُه: ﴿إِذْ تَأْتِهِمْ
حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: ١٦٣]. يقولُ: ظاهرةً على الماءِ -
ذلك لمعصيتهم موسى - وإذا كان غيرُ يوم السبتِ صارت صيدًا كسائرِ الأيامِ ، فهو
قولُه: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ . ففعَلَت الحيتانُ ذلك ما شاء اللَّهُ، فلما
رَأَوْها كذلك طمِعوا فى أُخْذِها، وخافوا العقوبةَ، فتناول بعضُهم منها ، فلم تَمْتَنِعْ
(١) سبت له: سكن وخشع وانقطع إلا عن العبادة. ينظر التاج (س ب ت).