النص المفهرس

صفحات 1-20

تَفِِّيُ الطَّيُرى
٧
جَامِعُ البَّيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُرآنِ
لأَنِ جَعَفَر محمّد بن جَرِيِ الطَّبَرِيّ
(٢٢٤ هـ - ٣١٠ هـ )
تحقيق
الدكتور/بعدالنَّه بن عبد الحسن التركي
بالتعاون مع
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور/ عبد السنة حسن يام
الجزء الأول
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السند حسن يمامة
مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
ت : ٣٢٥١٠٢٧
مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦

١٩٧٥
تَفسَِّيُ الطُّى
جَامِعُ البَيَنْ عَنْ تأِيلِ آَ القُرآنِ

٥
مقدمة التحقيق
مقدمة التحقيق
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِشَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَُّ عِوَجٌَّ ﴿ قَبِّمَا لِّمُنْذِرَ بَأْسًا
شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّلَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا
٢
مَكِتِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ (١) ، أحمده حمد مقرّ بعظيم إنعامه ، وفيض جوده وإحسانه ،
فله الحمد والثناء كله. جلَّ عن الشبيه والنظير، فلا تحيط به الأفهام ، ولا تدركه
الأبصار، ولا يغيِّره المَلَوان(٢) ، ولا ينهض لمحاكاة بيانه بيان، كلماتُه لا تنفد ، ولا
يُنكر حجته على خلقه إلا من كفر وألحد. أنزل القرآن تبيانًا، وجعله للناس إمامًا ،
فمن اتبعه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلف ظهره زجَّه فى النار ، تحدی اللهُ به
الفصحاءَ فأُلجموا، وسمعه البلغاءُ فأُفحموا ، لم يَمْلِك الأعداءُ إذ سمعوه إلا أن شهدوا
له بالحلاوة ، ولروعة بيانه بالطَّلاوة، ومباينته للشعر والكهانة ، لا يمكن لبشر أن يأتى
من مثله بآية ، ولو بذل فی سبیل ذلك كل غاية ، فلا یضِلِّ هداه إلا من ختم الله على
قلبه وسمعه، وجعل الغشاوة على بصره، فهو للقلوب شفاء، وللأبصار ضياء،
وللظمآن رَواء، فسبحان مَن أحكم آياته، وفَصَّل أحكامه، وجعله لكتبه خاتماً ،
وعليها مهيمنًا ، ولعباده هاديًا ، ويسر لهم حفظه، وأعانهم على فهمه ، فحفظوه فى
صدورهم قبل صحائفهم ، وعملوا بأحكامه فى كل نوازلهم ، فملأت حلاوته منهم
القلوب، واقشعرَّت لجلالته منهم الجلود ، فلا تزال بيوتهم بتلاوته مدوّية ، وأخلاقهم
لنور هدايته محاكية، حتى نالوا من الله الرضوان ، وشملهم بالرحمة والغفران ،
وبشرهم بنعيم الجنان .
(١) سورة الكهف: الآيات من ١ - ٣ .
(٢) الملوان : الليل والنهار .

٦
مقدمة التحقيق
وأُصلّى وأُسلِّمُ على رسول الله محمد ، البشير النذير، والسراج المنير، الذى
أرسله الله رحمة للعالمين، وجعله خاتم النبيين ، وأيَّده بالذكر الحكيم ، فدحض به
حجج المبطلين، وتشكيك المنافقين، فحمل للحق لواءً ما أرفعه، وأزهق باطلًا طال
مرتعه، وبيَّن للأمة القرآن بيانا ما أنصعه، قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾(١). ثم عهد بأمانة التبليغ من بعده إلى
أصحابه فقال: ((نضَّر الله امرأُ سَمِع مِنَّا حديثًا فحفظه حتى يبلِّغه، فرُبَّ حامل فقه
إلى من هو أفقه منه ، ورُبَّ حامل فقه ليس بفقيه))(١) . فأدَّوها إلى تابعیھم ، ولم يزل
الأمر على تلك الحال حتى قيَّض الله لها من فحول العلماء من دوَّن سنته ؛ إذ هى
شرح كتاب الله، وتبيين ما أَجْمل من أحكامه، قال تعالى: ﴿ وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ ﴾ (١). فمن أنكر سنته فقد خاب وخسر، وخلع
رِثقة الإسلام من عنقه ، فصلوات الله وتسليماته عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد؛ فإن كتاب ((جامع البيان عن تأويل آى القرآن))(٤) لأبى جعفر محمد
ابن جرير الطبرى، هو أجل كتب التفسير قاطبة وإمامها ، ليس لأوليته الزمنية
فحسب ؛ بل لأنه فريد فى بابه ، لم يسبق ابن جرير أحد إلى مثله ، وعلى ذلك أجمع
العلماء سلفًا وخلفًا، وما من مفسّر إلا وقد اغترف من تفسير الطبرى، فكان ابن
جرير - بحق - إمام المفسرين وقدوة المتأولين. إذْ جمع فى تفسيره بين الرواية
والدراية ، فمع عنايته الفائقة بالتفسير النقلى عن الصحابة والتابعين بدرجة يستقصى
(١) سورة النحل : الآية ٤٤.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٦٠)، والترمذى (٢٦٥٦)، والنسائى فى الكبرى (٥٨٤٧)، وابن ماجه (٤١٠٥)،
وأحمد (٢١٦٣٠)، والدارمى (٢٣٥)، وابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله (١٨٤، ١٨٥).
(٣) سورة الحشر : الآية (٧) .
(٤) ورد عنوانه فى بعض نسخ مخطوط الأصل ((جامع البيان عن تأويل آى الفرقان))، وهى الأجزاء ٢، ٣،
٨، ٣٦، ٤٧.

٧
مقدمة التحقيق
فيها وجوه الروايات عنهم ، فإنه يُعنى بنفس القدر بالتفسير العقلى الذى يتعرض فيه
لتوجيه الأقوال توجيهًا دقيقا وترجيح بعضها على بعض ، وأيضا فإن ابن جرير يهتم
بالإعراب اهتمام الحذاق به؛ لما فى اختلاف وجوه إعراب آى القرآن من اختلاف
وجوه تأويله .
وقد أخذ الطبرى النحو عن شيوخ مدرستى البصرة والكوفة حتى صار من أفراد
النحاة فى عصره وذلك ظاهرٌ فى تفسيره ، فهو يورد آراء المدرستين فى بيان وجوه
الإعراب المختلفة ، ثم يرجح ما يراه صوابًا فى تأويل الآية .
ولأن القرآن نزل بلغة العرب ، فإن من أوجه تأويله ما كان علمه عند أهل
اللسان الذى نزل به القرآن ، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا يوصل إلى علم
ذلك إلا من قبلهم(١)؛ ومِن ثَمَّ ظهرت فحولة الطبرى أيضًا فى علوم اللغة العربية
صرفًا وتركيبا ودلالة ، فمن اطلع على تفسيره ، ووقف على تبيينه للمعانى وغريبها ،
واستشهاده بأشعار العرب فى الجاهلية والإسلام، يعتقد أن الرجل قد انقطع لهذا
العلم ولم يطلب غيره، فعلى الرغم من نقله عن الفراء فى ((معانى القرآن)) وأبى
عبيدة فى ((مجاز القرآن))، إلا أنه كثيرًا ما يخطئهما ويرد عليهما ويذكر خلاف ما
قالا ، شافعًا ما يذكره بالحجة الدامغة والبرهان الساطع وكلام العرب وأشعارهم،
وهذا يدل على أن الطبرى فارس ميدان وممارس فصاحة وبيان ، نشر التفسير نشرًا
وطار به ذِكرًا، فهو - بحق - إمام المفسرين وقدوة المتأولين .
وقد عاش الطبرى فى القرن الثالث الهجرى، وهو من القرون المشهود لها
بالخيرية ، فإذا اجتمع له مع ذلك ما حباه الله به من قوة الحافظة والحصافة والذكاء،
(١) انظر مقدمة المصنف فى تفسيره ص ٩٢ من النص المحقق.

٨
مقدمة التحقيق
وعلو الهمة فى طلب العلم، فلا غرابة أن يصير ابن جرير الطبرى إمام عصره فى
القراءات والتفسير، والحديث ، والفقه، والتاريخ، واللغة ، وأن يُبحر فى كل علم
من هذه العلوم إبحارَ واثقٍ ، ومن ثمَّ تبرز أهمية تحقيق تفسيره تحقيقًا يسد الخلل الذى
وقع فى الطبعات السابقة ، فهناك مواضع فى تلك الطبعات فيها نقص من نص
الكتاب ، وقد يسر الله لنا الاستعانة بمجموعة من النسخ الخطية سدت هذا الخلل
ورتقت الثقوب ورقَّت الخروق ، ومن أنفس تلك النسخ، نسخة محفوظة بخزانة
جامعة القرويين بفاس ، يرجع تاريخ نسخها إلى نهاية القرن الرابع الهجرى ، ولها
مصورة بمعهد المخطوطات العربية ، سيأتى وصفها إن شاء الله عند الحديث عن
وصف النسخ الخطية ، حيث إنها أضافت العدید من الآثار، وسدت خللًا كبيرًا وقع
فى تلك الطبعات ، منه على سبيل المثال تأويل الآيات السادسة والتسعين والسابعة
والتسعين والثامنة والتسعين من سورة الأعراف ، والذى لم تتضمنه أية طبعة من
طبعات الكتاب السابقة .
وإزاء أهمية هذا التفسير وإبحاره فى جُلٌّ علوم الدين ، وتفرده فى بابه وسمو
لفظه ، وسبقه لكل التفاسير، وغزارة مادته العلمية ، حتى لكأنه ديوان للآثار والتفسير
والقراءات ، والحديث ، والفقه ، واللغة ، والشعر، كان من الواجب شحذ الهمة
والتوجه بها نحو تحقيق هذا الكتاب ، مستعينًا بالله، راجيًا منه القبول والتوفيق
والتيسير ، والله من وراء القصد، وعليه التكلان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

ترجمة ابن جرير الطبرى
اسمه ونسبه وكنيته
P
• مولده ونشأته
● رحلاته فى طلب العلم
· ثناء العلماء عليه
صفاته الخلقية والخُلقية
، أبرز شيوخه
· أبرز تلاميذه
· مصنفاته
• وفاته
منهج الطبرى فى تفسيره
● مصادر الطبرى
طبعات التفسير السابقة
● منهج التحقيق
وصف النسخ الخطية
· الحكم على الأسانيد الدائرة الضعيفة

١١
مقدمة التحقيق
*
ترجمة ابن جرير الطبرى
اسمه ونسبه وكنيته :
هو العالم المجتهد، المُحدِّثُ، الفقيه، المقرئُّ، المؤرخ ، عَلّامة وقته ، محمد بن
جرير بن يزيد بن كثير بن غالب ، أبو جعفر الطبرى ثم الآمُلى . وقيل : يزيد بن خالد
الطبرى. من أهل آمل طبرستان (١) ، وإليها نسبته .
سأل يومًا سائلٌ ابن جرير عن نسبه ، فقال : محمد بن جرير. فقال السائل :
زدنا فى النسب . فأنشده لرؤية(٢) :
قد رفع العَجّاجُ ذِكْرَى فادْعُنى
باسمى إذا الأنسابُ طالتْ يكفِنى
* ترجمته فى: الفهرست لابن النديم: ٣٢٦، ٣٢٧، تاريخ بغداد ١٦٢/٢ - ١٦٩، طبقات الشيرازى
ص ٩٣، الأنساب ٤ /٤٦، ٤٧، المنتظم ٢١٥/١٣ - ٢١٧، معجم الأدباء ٤٠/١٨ - ٩٤، إنباه الرواة
٨٩/٣، ٩٠، مختصر تاريخ دمشق ٥٩/٢٢ - ٦٣، تهذيب الأسماء واللغات ٧٨/١، ٧٩، وفيات
الأعيان ١٩١/٤، ١٩٢، تذكرة الحفاظ ٧١٠/٢ - ٧١٦، العبر ١٤٦/٢، ميزان الاعتدال ٤٩٨/٣،
٤٩٩، سير أعلام النبلاء ١٤ /٢٦٧ - ٢٨٢، طبقات القراء للذهبى ٢١٣/١، الوافي بالوفيات ٢٨٤/٢-
٢٨٧، مرآة الجنان ٢ / ٢٦١، طبقات الشافعية للسبكى ١٢٠/٣ - ١٣٠، البداية والنهاية ٨٤٦/١٤-
٨٥٠، طبقات القراء للجزرى ١٠٦/٢ - ١٠٨، لسان الميزان ٥/ ١٠١ - ١٠٣، النجوم الزاهرة ٢٠٥/٣،
طبقات المفسرين للسيوطى ص ٩٥ - ٩٧، طبقات الحفاظ ص ٣٠٧، ٣٠٨، طبقات المفسرين للداودى ٢/
١٠٦ - ١١٤، شذرات الذهب ٢/ ٢٦٠.
(١) قال السمعانى: سمعت القاضى أبا بكر الأنصارى ببغداد يقول: إنما هى تبرستان ؛ لأن أهلها يحاربون
بالتبر يعنى ((الفأس))، فعُرّب وقيل: طبرستان. الأنساب ٤/ ٤٥.
وذكر أبو حاتم السجستانى سبب تسميتها فقال: لما افتتحت وابتدئ ببنائها كانت أرضًا ذات شجر،
فالتمسوا ما يقطعون به الشجر، فجاءوهم بهذا الطَّر الذى يقطع به الشجر، فسمى الموضع به . انظر معجم
الأدباء ١٨ / ٤٨.
(٢) فى ديوانه ص ١٦٠ .

١٢
مقدمة التحقيق
مولده ونشأته :
وُلِد فى آخر سنة أربع وعشرين ومائتين ، أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين،
وقد سأله تلميذه القاضى ابن كامل : كيف وقع لك الشك فى ذلك ؟ فقال : لأن
أهل بلدنا يؤرخون بالأحداث دون السنين ، فأرخ مولدى بحدث كان فى البلد ،
فلما نشأتُ سألت عن ذلك الحدث فاختلف المخبرون لى ؛ فقال بعضهم : كان ذلك
فى آخر سنة أربع. وقال آخرون : بل كان فى أول سنة خمس وعشرين ومائتين .
وقد حرص والده على معونته على طلب العلم وهو صبى صغير ، يقول ابن
جرير فى ذلك : حفظتُ القرآن ولى سبع سنين، وصلَّيت بالناس وأنا ابن ثمانى
سنين، وكتبتُ الحديث وأنا ابن تسع سنين، ورأى لى أبى فى النوم أننى بين يدى
رسول اللَّه ◌َِّهٍ وكان معى مِخلاة مملوءةٌ حجارة وأنا أرمى بين يديه. فقال له المُعُبِّر:
إنه إن كبر نصح فى دينه ، وذبَّ عن شريعته. فحرص أبى على معونتى على طلب
العلم وأنا حينئذ صبى صغير .
فأول ما كتب الحديث ببلده، ثم بالرّىِّ وما جاورها ، وأكثر من الشيوخ حتى
حصَّل كثيرًا من العلم .
قال الطبرى : كنا نكتب عند محمد بن حميد الرازى فيخرج إلينا فى الليل
مرات ويسألنا عما كتبناه ويقرؤه علينا. قال: وكنا نمضى إلى أحمد بن حماد
الدولابى وكان فى قرية من قرى الرّىِّ بينها وبين الرى قطعة (١) ، ثم نعدو كالمجانين
حتى نصير إلى ابن حميد فنلحق مجلسه .
(١) القُطْعَة : قطعة من الأرض إذا كانت مفروزة . لسان العرب (ق ط ع).

١٣
مقدمة التحقيق
رحلاته فى طلب العلم :
رحل ابن جرير من مدينة آمُل لما ترعرعَ، وسَمَح له أبوه بالسفر ، وكان عمره
عشرين سنة ، وكان أبوه طول حياته ينفذ إليه بالشىء بعد الشىء إلى البلدان .
فدخل أبو جعفر مدينة السلام، وكان فى نفسه أن يسمع من أبى عبد الله
أحمد بن حنبل فلم يتفق ذلك لموته قبيل دخوله إليها ، وقد كان أبو عبد الله قطع
الحديث قبل ذلك بسنين ، فأقام أبو جعفر بمدينة السلام وكتب عن شيوخها فأكثر،
ثم انحدر إلى البصرة فسمع ممَّن کان بقى من شيوخها فى وقته كمحمد بن موسى
الحرشى، وعماد بن موسى القزاز، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعانى ، وبشر بن
معاذ، وأبى الأشعث، ومحمد بن بشار، بُندار، وغيرهم، فأكثر، وكتب فى
طريقه عن شيوخه الواسطيين ، ثم صار إلى الكوفة فكتب فيها عن أبى كريب محمد
ابن العلاء الهمذانى ، وهناد بن السرى ، وإسماعيل بن موسى وغيرهم .
ثم عاد إلى مدينة السلام، فكتب بها وتفقه ولزم المقام بها ، وأخذ فى علوم
القرآن ، ثم غَرَّب فخرج إلى مصر، وأخذ فى طريقه من المشايخ بأجناد الشام
والسواحل والثغور وأكثر منها، ثم صار إلى الفسطاط (١) فى سنة ثلاث وخمسين
ومائتين، وكان بها بقية من الشيوخ وأهل العلم فأكثر عنهم الكتابة من علوم مالك
والشافعى وابن وهب وغيرهم، ثم عاد إلى الشام، ثم رجع إلى مصر، وقال : لما
دخلت مصر لم يبق أحد من أهل العلم إلا لقينى وامتحننى فى العلم الذى يتحقق به .
ثم رجع إلى مدينة السلام وكتب أيضا ، ثم رجع إلى طبرستان وهى العودة
الأولى له إليها ، وكانت الثانية فى سنة تسعين ومائتين، ثم رجع إلى بغداد فنزل فى
(١) الفسطاط: مجتمع أهل الكورة وعلم مصر العتيقة التى بناها عمرو بن العاص . القاموس المحيط (ف س ط).

١٤
مقدمة التحقيق
قنطرة البَرَدان ، واشتهر اسمه فى العلم وشاع خبره بالفهم والتقدم واستقر بها إلى
أن مات .
وقد حصَّل الطبرى بهذا التَّطواف علمًا لم يحصل لأحد فى عصره ، فصار به
عالم عصره وفقيه زمانه ، فأخذ فقه الشافعى عن الربيع بن سليمان بمصر، وعن
الحسن بن محمد الزعفرانى ببغداد ، وأخذ فقه مالك عن يونس بن عبد الأعلى وبنى
عبد الحكم محمد وعبد الرحمن وسعد ، وابن أخى وهب، وأخذ فقه العراق عن
أبى مقاتل بالرى، وأدرك الأسانيد العالية بمصر والشام والعراق والكوفة والبصرة
والرى، فصار متفننًا فى جميع العلوم؛ علم القرآن ، والحديث، والفقه ، والنحو ،
والشعر، واللغة، حاذقًا فى جميعها .
ثناء العلماء عليه :
اجتمع لابن جرير الطبرى من الصفات الخلقية والخلقية ما جعله من العلماء
الربانيين، الذين يشار إليهم بالبنان ، فشهد له أفذاذ العلماء بالسبق والريادة ، وسعة العلم
مع التواضع وقوة الحفظ والذكاء، وتؤَّج هذا كله ما تحلى به من زهد ، وعفة ، وورع .
قال عنه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادى : كان أحد أئمة العلماء، يحكم
بقوله ، ويرجع إلى رأيه ؛ لمعرفته وفضله ، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه
أحد من أهل عصره، وكان حافظا للكتاب، عارفًا بالقراءات ، بصيرًا بالمعانى،
فقيها فى أحكام القرآن ، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها ، وناسخها
ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين فى
الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب
(١) قنطرة البَرَدان : القنطرة: الجسر وما ارتفع من البنيان ، وقنطرة البردان: محلة ببغداد . القاموس (ق ن طـ ر).
؟

١٥
مقدمة التحقيق
المشهور فى تاريخ الأمم والملوك، وكتاب فى التفسير لم يصنف أحد مثله ، وكتاب
سماه ((تهذيب الآثار)) لم أر سواه فى معناه إلا أنه لم يتمه، وله فى أصول الفقه
وفروعه كتب كثيرة ، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه(١).
وقال ابن خزيمة بعد استعارته كتاب ((جامع البيان)) من أبى بكر بن بالويه وردّه
بعد سنين : قد نظرتُ فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن
(٢)
جرير(٢).
وقال الحسين بن على التميمى : لما رجعت من بغداد إلى نيسابور سألنى ابن
خزيمة ، فقال لى: ممن سمعت ببغداد ؟ فذكرت له جماعة ممن سمعت منهم،
فقال : هل سمعت من محمد بن جرير شيئًا؟ فقلت له : لا ، فقال : لو سمعت منه
لكان خيرًا لك من جميع من سمعت منه سواه (١) .
وقال أبو حامد الإسفرايينى : لو سافر رجل إلى الصين ، حتى يحصل له كتاب
تفسیر محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا (١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما التفاسير التى فى أيدى الناس
فأصحها ((تفسير محمد بن جرير الطبرى))؛ فإنه يذكر مقالات السلف
بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير
(٤)
والكلبى(4) .
وقال الحافظ جلال الدين السيوطى عن تفسير الطبرى : وكتابه أجلّ التفاسير
(١) تاريخ بغداد ١٦٣/٢.
(٢) المرجع السابق ١٦٤/٢ .
(٣) طبقات الشافعية ١٢٣/٣.
(٤) مجموع الفتاوى ٣٨٥/١٣.

١٦
مقدمة التحقيق
وأعظمها ... فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض ، والإعراب
والاستنباط ، فهو يفوقها بذلك(١) .
وقد أثنى العلماء على سعة علمه وعلو همته، التى كلّتْ معها همم تلامذته
عن تدوين كتبه، فحدث أبو القاسم بن عقيل الورّاق أن أبا جعفر الطبرى قال
لأصحابه : هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا ؟ قالوا: كم قدره ؟ فذكر
نحو ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه ! فقال: إنا لله ! ماتت
الهمم. فاختصر ذلك فى نحو ثلاثة آلاف ورقة ، ولما أراد أن يُمْلِىَ التفسير قال لهم
نحوًا من ذلك ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ .
وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازى فى ((طبقات الفقهاء)) فى جملة
(٢)
المجتهدين(١).
وقال عنه الذهبى : كان من أفراد الدهر علما وذكاء، وكثرة تصانيف ، قل أن
ترى العيون مثله، كان ثقة، صادقًا، حافظا، رأسًا فى التفسير، إمامًا فى الفقه
والإجماع والاختلاف ، علامة فى التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة ،
وغير ذلك(٣).
وذُكِر أن أبا العباس بن سريج كان يقول : محمد بن جرير الطبرى فقيه
(٤)
وقال أبو بكر بن الخطيب : حدثنى أبو القاسم الأزهرى ، قال : حكى لنا أبو
العالَمِ (٤) .
(١) الإتقان ٢٤٢/٤.
(٢) طبقات الفقهاء ٩٣ .
(٣) سير أعلام النبلاء ٢٦٧/١٤، ٢٧٠.
(٤) طبقات الشافعية ١٢٣/٣ .

١٧
مقدمة التحقيق
الحسن بن زرقويه عن أبى على الطومارى، قال : كنت أحمل القنديل فى شهر
رمضان بين يدى أبى بكر بن مجاهد إلى المسجد لصلاة التراويح، فخرج ليلة من
لیالی العشر الأواخر من داره ، واجتاز علی مسجده فلم يدخله وأنا معه ، وسار حتى
انتهى إلى آخر سوق العطش فوقف بباب مسجد محمد بن جرير، ومحمد يقرأ
سورة الرحمن ، فاستمع قراءته طويلًا ثم انصرف ، فقلت له : يا أستاذ تركت الناس
ينتظرونك وجئت تسمع قراءة هذا؟! فقال : يا أبا على دع هذا عنك ، ما ظننت أن
الله تعالى خلق بشرًا يحسن يقرأ هذه القراءة(١).
وذُكِر أن المكتفى الخليفة قال الحسن بن العباس: أريد أن أوقِف وقفًا ، تجتمع
أقاويل العلماء على صحّته، ويسلم من الخلاف . فقيل له : لا يقدر على استحضار
هذا إلا محمد بن جرير. وطلب منه ذلك فكتبها ، فاستدعاه الخليفة إليه . وقال له :
سل حاجتك ، قال : لا حاجة لى . فقال : لابد أن تسألنى شيئًا . فقال : أسأل أمير
المؤمنين أن يتقدم إلى الشُّرَّطِ أن يمنعوا السؤال من دخول المقصورة يوم الجمعة ، فتقدم
بذلك وعظُم فى نفوسهم (٢).
وحكى على بن عبيد الله بن عبد الغفار اللغوى أن محمد بن جرير مكث
أربعين سنة يكتب فى كل يوم منها أربعين ورقة(٣).
وقال هارون بن عبد العزيز: قال أبو جعفر: لما دخلتُ مصر لم يبق أحد من
أهل العلم إلا لقينى ، وامتحننى فى العلم الذى يتحقق به ، فجاءنى يومًا رجل فسألنى
عن شىء من العروض ولم أكن نشطت له قبل ذلك ، فقلت له : علىَّ قولٌ ألا أتكلم
(١) تاريخ بغداد ١٦٤/٢.
(٢) طبقات الشافعية ١٢٤/٣، والبداية والنهاية ٨٤٨/١٤.
(٣) المنتظم ٢١٦/١٣ .
( مقدمة التحقيق ١/٢)

١٨
مقدمة التحقيق
اليوم فى شىء من العروض، فإذا كان فى غدٍ فصر إلىَّ، وطلبتُ من صديق لى
العروض للخليل بن أحمد فجاء به، فنظرت فيه ليلتى فأمسيتُ غير عروضى
وأصبحت عروضًا(١).
وقال أبو محمد عبد العزيز بن محمد الطبرى : كان أبو جعفر من الفضل
والعلم والذكاء والحفظ على ما لا يجهله أحد عَرَفه؛ لجمعه من علوم الإسلام مالم
نعلمه اجتمع لأحد من هذه الأمة(٢).
صفاته الخلقية والخُلقية :
فإن كانت المكانة العلمية لابن جرير محل ثناء العلماء وتقديرهم ، فإن الناحية
الأخلاقية كانت منه بالمنزل نفسه ، فقد كان عفيف النفس ، زاهدًا، ورعًا، كريمًا،
قال مخلد بن جعفر الدقاق : أنشدنا محمد بن جرير لنفسه :
وأستغنى فيستغنى صديقى
إذا أَعْسَرْتُ لم يَعْلَمْ رفيقى
ورفْقى فى مطالبتى رفيقى
حيائى حافِظٌ لى ماءَ وجهى
لكنت إلى العلى سهل الطريق
ولو أنى سمحتُ بماءٍ وجهى
قال : وأنشدنا أيضًا :
خُلُقان لا أرضى طريقهما
بطرُ الغنى ومذلةُ الفقر
وإذا افتقرت فته على الدهر (٢)
فإذا غنيت فلا تكن بَطرًا
قال الفرغانى : سمعته يقول : أبطأتْ عنى نفقة والدى ، واضطررت إلى أن
(١) معجم الأدباء ٥٦/١٨ .
(٢) المرجع السابق ٥٩/١٨ .
(٣) ((تاريخ بغداد)) ١٦٥/٢، والمنتظم لابن الجوزى ٢١٦/١٣، سير أعلام النبلاء ٢٧٦/١٤.

١٩
مقدمة التحقيق
فتقتُ كُمَّى القميص ، فبعتهما(١)
وقال الفرغانى أيضا : كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه فى الله لومة لائم ، مع
عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات ، من جاهل وحاسد، ومُلحد ، فأما أهل العلم
والدين فغير منكرين علمه ، وزهده فى الدنيا ، ورفضه لها ، وقناعته بما كان يرد عليه
من حصة خلفها له أبوه بطبر ستان يسيرة، ولما تقلد الخاقانى الوزارة وجه إليه بمال
كثير، فأبى أن يقبله ، فعرض عليه القضاء، فامتنع ، فعاتبه أصحابه ، وقالوا له : لك
فى هذا ثواب ، وتحبى سنة قد درست . وطمعوا فى أن يقبل ولاية المظالم،
فانتهرهم، وقال: قد كنتُ أظن أنى لو رغبت فى ذلك لنهيتمونى عنه (١.
وقال عبد العزيز بن محمد : كان عازفًا عن الدنيا ، تاركًا لها ولأهلها ، يرفع
نفسه عن التماسها، وكان كالقارئ الذى لا يعرف إلا القرآن، وكالمحدِّث الذى لا
يعرف إلا الحديث ، وكالفقيه الذى لا يعرف إلا الفقه ، وكالنحوى الذى لا يعرف
إلا النحو، وكالحاسب الذى لا يعرف إلا الحساب ، وكان عالماً بالعبادات ، جامعًا
للعلوم، وإذا جمعت بين كتبه وكتب غيره وجدت لكتبه فضلاً على غيرها(٢).
وقد مدح العلماء تواضعه وسمو خلقه ، قال أبو بكر بن مجاهد: بلغنا أنه التقى
مع المزنى ، فلا تسأل كيف استظهاره عليه ، والشافعيون حضور يسمعونه، ولم
يذكر مما جرى بينهما شيئًا. قال أبو بكر بن كامل : سألتُ أبا جعفر عن المسألة التى
تناظر فيها هو والمزنى فلم يذكرها ؛ لأنه كان أفضل من أن يرفع نفسه وأن يذكر ظفره
على خصم فى مسألة ، وكان أبو جعفر يُفضِّل المزنى فيطريه ويذكر دينه (٤).
(١) سير أعلام النبلاء ٢٧٦/١٤، ٢٧٧، طبقات الشافعية ١٢٥/٣.
(٢) طبقات الشافعية ١٢٥/٣ .
(٣) معجم الأدباء : ٦١/١٨ .
(٤) المرجع السابق ٥٤/١٨ .

٢٠
مقدمة التحقيق
وقال عبد العزيز بن محمد : كان أبو جعفر ظريفًا فى ظاهره ، نظيفًا فى باطنه ،
حسن العشرة لمجالسيه ، متفقدًا لأحوال أصحابه ، مُهذبًا فى جميع أحواله، جميل
الأدب فى مأكله وملبسه ، وما يخصه فى أحوال نفسه ، منبسطًا مع إخوانه ، حتى
ربما داعبهم أحسن مداعبة ، وربما جىء بین یدیه بشىء من الفاكهة فیجری فی ذلك
الْمَغْنَى مالا يخرج من العلم والفقه والمسائل ، حتى يكون كأجد جدٍّ وأحسن علم ،
وكان إذا أهدى إليه مُهدٍ هدية مما يمكنه المكافأة عليه قَبِلها وكافأه ، وإن كانت مما لا
يمكنه المكافأة عليه ردها واعتذر إلى مهديها (١).
ولو تُتبعت أقوال العلماء فى الثناء عليه لطال الأمر جدًّا، ولكن فى ذلك
الكفاية لمن أراد أن يقف على ما تحلى به هذا الإمام ؛ من العلم، والورع، والزهد ،
والتواضع، وحسن المعاشرة، ويكفيه أن هناك علومًا ثلاثة لا يذكر الطبرى إلا مقرونًا
بها : التفسير والتاريخ والفقه ، فقد تفوق فيها على من سبقوه ومن لحقوه ، فصار
إمامًا لهذه العلوم من غير منازع ، فنسأل الله أن يجزيه عن الإسلام خير الجزاء .
أبرز شيوخه :
أخذ ابن جرير عن فضلاء الشيوخ فى الحديث ، والفقه، والقراءات ، واللغة ،
وطوَّف الأقاليم فى سبيل ذلك ، فسمِع ببلده وبلاد الأعاجم والعراق والشام ومصر
والحجاز الجمّ الغفير. ومن أبرزهم:
١ - إبراهيم بن سعيد البغدادى الجوهرى ) . صاحب المسند الأكبر، أصله
من طبرستان ، ولد بعد السبعين ومائة ، سمع من سفيان بن عيينة، ومحمد بن
(١) المرجع السابق ٨٦/١٨، ٨٧.
(٢) الجرح والتعديل ١٠٤/٢، تاريخ بغداد ٩٣/٦، تهذيب الكمال ٩٥/٢، طبقات الحنابلة ٩٤/١، سير
أعلام النبلاء ١٤٩/١٢ .