النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
سورة البقرة : الآية ٤١
جائزًا - أن يَقولَ قائلٌ: لا تكونوا أولَ رجلٍ قام؟
قيل له : إنما يَجوزُ توحيدُ ما أُضِيف إليه ((أَفَعْل)) وهو خبرٌ لجميع، إذا كان اسمًا
مشتقًّا مِن ((فَعَلَ ويَفْعُلُ))؛ لأنه يؤدِّى عن المرادِ معه المحذوفَ مِن الكلامِ، وهو
((مَن))، ويَقومُ مَقامَه فى الأداءِ عن معنى ما كان يُؤَدِّى عنه ((مَن))، مِن الجمعِ
والتأنيثِ، وهو فى لفظٍ واحدٍ . ألا تَرَى أنك تقولُ: ولا تكونوا أولَ مَن يَكْفُرُ به .
فـ ((مَن)) بمعنى جمع، وهو غيرُ مُتَصَرِّفٍ تَصَرُّفَ الأسماءِ للتثنيةِ والجمع والتأنيثِ ،
فإذا أُقِيم الاسمُ المشتقُّ مِن ((فَعَلَ وَيَفْعُلُ)) مُقامَه، جرَى وهو موخَّدٌ مَجْراه فى الأداءِ
عما كان يُؤَدِّى عنه ((مَنْ)) مِن معنى الجمع والتأنيثِ، كقولك: الجيشُ مُنْهَزِمٌ(١)،
والجُّدُ مُقْبِلٌ(٢). فتُوَحِّدُ الفعلَ لتوحيدِ لفظِ الجيشِ والجندِ ، وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ:
الجيشُ رجلٌ، والجندُ غلامٌ. حتى تقولَ: الجندُ غِلْمانٌ، والجيشُ رجالٌ. لأن
الواحدَ مِن عددِ الأسماءِ التى هى غيرُ مشتقةٍ مِن ((فَعَلَ ويَفْعُلُ)) لا يُؤَدِّى عن معنى
الجماعةِ منهم، ومِن ذلك قولُ الشاعرِ(٣) :
وإذا هُمُ طعِموا فَأَلَمُ طاعِمٍ وإذا هُمُ جاعوا (٢) فشرُ جِياع
فوحَّد مرَّةً على ما وصَفْتُ مِن نيةِ ((مَن))، وإقامةِ الظاهرِ مِن الاسمِ الذى هو
مشتقٌّ مِن ((فَعَلَ ويَفْعُلُ)) مُقامَه، وجمَع أُخرى على الإخراج على عددِ الأسماءِ المخْبَرِ
عنهم، ولو وحَّد حيثُ جمَع أو جمَع حيثُ وحَّد، كان صوابًا جائزًا .
وأما تأويلُ ذلك فإنه يَغْنى به: يا معشرَ أحبارِ أهلِ الكتابِ ، صدِّقوا بما أَنْزَلْتُ
(١) فى م: ((ينهزم)).
(٢) فى م: ((يقبل)).
(٣) ذكره أبو زيد فى النوادر ص ١٥٢، والفراء فى معانى القرآن ٣٣/١.
(٤) فى النوادر: ((عاعوا)). وهى رواية فى البيت.

٦٠٢
سورة البقرة : الآية ٤١
على رسولى محمدٍ عَ لَّهِ مِن القرآنِ المُصَدِّقِ كتابَكم، والذى عندَكم مِن التوراةِ
والإنجيلِ المعهودِ إليكم فيهما أنه رسولى [٧٣/٢و] ونبيَِّ المبعوثُ بالحقِّ، ولا تكونوا
أولَ أُمْتِكم (١) كذَّب به وجحَد أنه مِن عندِى، وعندَكم مِن العلم به ما ليس عندَ
غیر کم .
و کفرهم به مُحودُهم أنه مِن عندِ اللّهِ .
والهاءُ التى فى ﴿بِدٍ﴾ مِن ذكرِ ((ما)) التى مع قوله: ﴿وَءَامِنُواْ بِمَآ
أَنزَلْتُ ﴾ .
كما حدَّثنى القاسمُ ، قال: حدَّثنى الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاج ، قال : قال
ابنُ مجُرَيْجٍ فى قوله: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِه﴾: بالقرآنِ(١) .
ورُوِى عن أبى العاليةِ فى ذلك ما حدَّثنى به المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال :
حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿وَلَا تَكُونُواْ أَوَلَ كَافِرٍ بِ﴾ .
يقولُ: ولا تكونوا أولَ مَن كَفَر بمحمدٍ عَه(١).
/ وقال بعضُهم: ﴿وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِّه ﴾. يعنى: بكتابِكم. ويتَأَوَّلُ أن
فى تكذيبِهم بمحمدٍ عَّمِ تكذيبًا منهم بكتابِهم؛ لأن فى كتابهم الأمرَ باتِّاع
محمد اته .
٢٥٣/١
وهذان القولان مِن ظاهرِ ما تَدُلَّ عليه التِّلاوةُ بعيدانٍ ، وذلك أن اللّهَ جَلَّ ثناؤه
أَمَرِ المخاطَبِين بهذه الآيةِ فى أولِها بالإيمانِ بما أنْزَل على محمدٍ عَلَّه، فقال تعالى
ذكرُه: ﴿وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾. ومَعقولٌ أن الذى أَنْزَلَه اللّهُ فى
(١) فى م: ((من)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/١ إلى المصنف.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٧/١ (٤٤٧) من طريق آدم به .

٦٠٣
سورة البقرة : الآية ٤١
عصرٍ محمدٍ عَ لَّهِ هو القرآنُ لا محمدٌ؛ لأن محمدًا صلواتُ اللهِ عليه رسولٌ مُوسَلٌ
لا تَنْزِيلٌ مُنْزَلٌ ، والمُزَلُ هو الكتابُ، ثم نهاهم أن يكونوا أولَ مَن يَكْفُرُ بالذى أمَرهم
بالإِيمانِ به فى أولِ الآيةِ - مِن أهلِ الكتابِ، فذلك هو الظاهرُ المفهومُ ، ولم يَجْرِ
لمحمدٍ عَِّ فى هذه الآيةِ ذكرٌ ظاهرٌ فيُعادَ عليه بذكرِهِ مَكْنِيًّا فى قوله: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ
اَوَّلَ كَافِرٍ بِّ ﴾ . وإن کان غیر مُحالٍ فی الکلام أن يُذ کرَ مَکنُ اسم لم يَجْرِ له ذ کرٌ
ظاهرٌ فى الكلامِ .
وكذلك لا معنى لقولٍ مَن زعم أن العائدَ مِن الذِّكْرِ فى ﴿بِدٍ﴾ على ((ما))
التى فى قولِه: ﴿لِّمَا مَعَكُمْ﴾. لأن ذلك وإن كان مُخْتَمِلًا ظاهرَ الكلام، فإنه بعيدٌ
مما يَدُلُّ عليه ظاهرُ التِّلاوةِ والتنزيل؛ لما وصَفْنا قبلُ مِن أن الأمرَ(١) بالإِيمانِ به فى أولٍ
الآيةِ هو القرآنُ ، فكذلك الواجبُ أن يكونَ النهى عن الكفرِ به فى آخرِها هو القرآنَ .
فأما أن يكونَ المأمورُ بالإيمانِ به غيرَ المنهىِّ عن الكفرِ به فى كلامٍ واحدٍ وآيةٍ واحدةٍ ،
فذلك غيرُ الأشهرِ الأظهرِ فى الكلامِ، هذا مع بُعْدِ معناه فى التأويلِ .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبی
محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنٍ [٧٣/٢ظ]
عباسٍ: ﴿ وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِّ﴾:
وعندَ كم فيه مِن العلمِ ما ليس عندَ غيرِ كم (١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه : ﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِقَابَتِي ثَنَّا قَلِيلًا ﴾
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال :
حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِتَابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا ﴾ .
(١) فى م: ((المأمور)).
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٧/١ (٤٤٦) من طريق سلمة به.

٦٠٤
سورة البقرة : الآية ٤١
يقولُ: لا تَأْخُذوا عليه أجرًا. قال: وهو مَكتوبٌ عندَهم فى الكتابِ الأُولِ: يا بنَ
آدمَ، علِّمْ مَجَانًا كما عُلِّمْتَ مَجَانًا (١).
وقال آخَرون بما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال : حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال :
حدَّثنا أَسْباطُ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِتَابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا﴾. يَقولُ: لا تَأْخُذوا
طَمِعًا قليلًا وَتَكْتُموا اسمَ اللَّهِ، فذلك الطَّمَعُ هو الثمنُ(٢).
فتأويلُ الآيةِ إذن : لا تَبِيعوا ما آتيْتُكم مِن العلم بكتابى وآياتِه بثمنٍ خَسيسٍٍ
وعَرَضٍ مِن الدنيا قليلٍ. وبيعُهم إياه تركُهم إبانةَ ما فى كتابهم من أمرٍ محمدٍ ئام
للناسِ وأنه مكتوبٌ فيه أنه النبىُّ الأمىُّ الذى يَجِدونه مَكتوبًا عندَهم فى التوراةِ
والإنجيلِ ، بثمنٍ قليلٍ، وهو رِضاهم بالرِّياسةِ على أتباعِهم مِن أهلِ ملَّتِهم ودينهم ،
وأخذِهم الأجرَ ثَمَّن بيّنوا له ذلك على ما بيَّتوا له منه .
وإنما قلْنا : معنى ذلك: لا تَبِيعوا؛ لأن مُشْتَرِىَ الثمنِ القليلِ بآيَاتِ اللهِ بائعٌ
٢٥٤/١ الآياتِ بالثمن، فكلَّ واحدٍ مِن / الثمنِ والمُثُمَّنِ مَبِيعٌ لصاحبِهِ ، وصاحبُه به مُشْتَرِ .
وأما معنى ذلك على ما تأؤَّله أبو العاليةِ: فبيّنوا للناسِ أمرَ محمدٍ عَّهِ، ولا
تَبْتَغوا عليه منهم أجرًا. فيكونُ حينئذٍ نهيُه عن أخذِ الأُجرِ على تَبيينِه هو النهىَ عن
شراءٍ الثمن القليلِ بآياتِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ وعز: ﴿ وَإِنَنَ فَأَنَّقُونِ
(٤١
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٧/١ (٤٤٩) والخطيب فى الكفاية ص ١٥٣ من طريق آدم به . وأخرجه
ابن عدى ١٠٢٣/٣ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ١٧٩/١٨ -، وأبو نعيم فى الحلیة ٢/ ٢٢٠،
والخطيب ص١٥٤ من طريق أبى جعفر به نحوه. وأخرجه أبو خيثمة فى العلم (٦٨) عن إسحاق بن سليمان
الرازى عن أبى جعفر عن الربيع قوله .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٧/١ (٤٥١) من طريق عمرو به .
(٣) فى الأصل: ((مُشْتَرَى)).

٦٠٥
سورة البقرة : الآيتان ٤١، ٤٢
قال أبو جعفرٍ : يقولُ : فاتَّقونِ فى بيعِكم آياتى بالخَسِيسِ مِن الثمنِ ، وشرائِكم
بها القليلَ مِن العِوضِ (١)، وكفرِكم بما أَنْزَلْتُ على رسولى، وجحودِكم نبؤَّةَ
نبيِّى(٢) - أن أُحِلَّ بكم ما أحْلَلْتُ بأسلافِكم(١) الذين سلكوا سبيلَكم مِن المَثُلاتِ
والنَّقِماتِ .
[٧٤/٢ و] القولُ فى تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿ وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى بقوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُوا﴾: لا تَخْلِطوا. واللَّبْسُ هو الخَلْطُ،
يقالُ منه : لَتَسْتُ عليه هذا الأمرَ أَلْبِسُه لَبْسًا، إذا خَلَطْتَه عليه (٤).
كما حُدِّثْنا عن المنْجابِ ، عن بشرٍ، عن أبى رَؤْقٍ ، عن الضَّخَّاكِ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قولِهِ: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. يقولُ: لخلَطْنا عليهم ما
يَخْلِطون(٥).
ومنه قولُ العَجَاجِ(٢) :
لَمَّا لَبَسْنَ الحَقَّ بالتَّجَنِّى
غَنِينَ واسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّى
يعنى بقوله : لبَسْنَ: خلَطْنَ. وأما اللُّبْسُ فإنه يقالُ منه: لبِئْتُه ألبَسُه ◌ُبْسًا
ومَلْبَسًا . وذلك فى الكِشوةِ يَكْتَسِيها فيَلْبَسُها .
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((العرض)).
(٢) فی م: ( نبيه)).
(٣) فى م: ((بأخلافكم)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عليهم)) .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٧/٤ (٧١٣٤) عن أبى زرعة ، عن منجاب به .
(٦) ديوانه ص ١٨٥.

٦٠٦
سورة البقرة : الآية ٤٢
ومن اللُّبْسِ قولُ الأخطلِ (١) :
حتى تَجَلَّل رأسى الشَّيْبُ واشْتَعَلا
ولقد لبِشْتُ لهذا الدهرِ أَغْصُرَه
ومِن اللَّبْسِ قولُ اللّهِ جل ثناؤُه: ﴿وَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ ﴾
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف كانوا يَلْبِسون الحقَّ بالباطلِ وهم كفارٌ؟ وأُّ حقِّ
كانوا عليه مع كفرِهم باللّهِ؟
قيل : إنه كان فيهم مُنافِقون منهم يُظْهِرون التَّصْدِيقَ بمحمدٍ عَ اله ويَسْتَبْطِنون
الكفرَ به، وكان عُظْمُهم يَقُولون : محمدٌ نبىٌّ مبعوثٌ ، إلا أنه مبعوثٌ إلى غيرِنا.
فكان لَبْسُ المنافقِ منهم الحقَّ بالباطلِ إظهارَه الحقَّ بلسانه وإقراره بمحمد النمه وبما
جاء به جِهارًا، وخلْطَه ذلك الظاهرَ مِن الحقِّ بالباطلِ الذى يَسْتَبْطِئُه، وكان لَبْسُ
المُقِرٌّ منهم بأنه مَبعوثٌ إلى غيرِهم ، الجاحدِ أنه مبعوثٌ إليهم ، إقرارَه بأنه مبعوثٌ إِلى
غيرِهم - وهو الحقُّ - وجحودَه أنه مَبْعوثٌ إليهم وهو الباطلُ، وقد بعثه اللّهُ إلى
الخلقِ كافَّةً ، فذلك خلْطُهم الحقَّ بالباطلِ ولَيْسُهم إياه به .
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ
عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ
بِالْبَطِلِ﴾. قال: لا تَخْلِطوا الصدقَ بالكذبِ(٢) .
حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى
٢٥٥/١ العاليةِ: ﴿وَلَ / تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾. يقولُ: لا تَخْلِطوا الحقَّ بالباطلِ، وأَدُّوا
(١) شرح ديوان الأخطل ص ٣٤٧.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/١ إلى المصنف.

٦٠٧
سورة البقرة : الآية ٤٢
النَّصيحةَ لعبادِ اللّهِ فى أمرِ محمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ (١).
[٢/ ٧٤ظ] حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاج ، قال :
قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿ وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾: اليهوديةَ والنصرانيةَ
بالإسلام.
وحدّثنی یونُسُ بنُ عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زیدِ فی
قولِهِ: ﴿ وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾. قال: الحقُّ التوراةُ التى أَنْزَل اللّهُ تعالى ذكرُه
على موسى ، والباطلُ الذى كتبوه بأيديهم (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه : ﴿ وَتَكْتُهُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٤٢
قال أبو جعفرٍ: وفى قوله: ﴿ وَتَكْثُمُواْ الْحَقَّ﴾ وجهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما:
أن يكونَ اللَّهُ تعالى ذكرُه نهاهم عن أن يَكْتُموا الحقَّ، كما نهاهم عن أن
يَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ. فيكونُ تأويلُ ذلك حينئذٍ : ولا تَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ،
ولا تكْتُموا الحقَّ. ويَكونُ قولُه: ﴿وَتَكْتُواْ﴾ عندَ ذلك مَجْزومًا بما جُزِم به
﴿تَلْبِسُوا﴾ عَطْفًا عليه .
والوجهُ الآخرُ منهما : أن يَكونَ النهىُ مِن اللّهِ تعالى ذكرُه لهم عن أن يَلْبِسوا
الحقَّ بالباطلِ، ويكونَ قولُه: ﴿ وَتَكْتُواْ الْحَقَّ﴾ خبرًا منه عنهم بكِتمانِهم الحقَّ
الذى يَعْلَمونه. فيَكونُ قولُه حينئذٍ: ﴿ وَتَكْتُهُواْ﴾ منصوبًا لانصرافِه عن معنى
قولِهِ: ﴿ وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾. إذ كان قولُه: ﴿ وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ﴾
نهيًا، وقولُه: ﴿وَتَكْثُمُوا﴾ خبرًا معطوفًا عليه غيرَ جائزٍ أن يُعادَ عليه ما عمِل فى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٨/١ (٤٥٤) من طريق آدم به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/١ إلى المصنف.

٦٠٨
سورة البقرة : الآية ٤٢
قوله: ﴿ تَلْبِسُواْ﴾ مِن الحرفِ الجازم، وذلك هو المعنى الذى يُسَمِّيه النَّحْويون
صَرْفًا(١) . ونظيرُ ذلك فى المعنى والإعرابِ قولُ الشاعرِ(٢):
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأْتِىَ مثلَه عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
فنصَب ((تأتى)) على التأويلِ الذى قلْنا فى قوله: ﴿ وَتَكْثُواْ﴾؛ لأنه لم يَرِدْ:
لا تَنْهَ عن خلقٍ ولا تأتِ مثلَه. وإنما معناه: لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وأنت تَأْتى مثلَه . فكان
الأُولُ نهيًا والثانى خبرًا ، إذ عطَفه على غيرِ شكلِه .
فأما الوجهُ الأولُ مِن هذين الوجهين اللذين ذكَرْنا أن الآية تَحْتَمِلُهما ،
فهو على مذهبِ ابنِ عباسٍ الذى حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ
ابنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَكْثُواْ الْحَقَّ﴾. يقولُ: لا تَكْثُموا الحقَّ وأنتم
تَعْلَمون(٣) .
حدَّثنا [٢/ ٧٥و] ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنٍ إسحاقَ ،
عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولى زيد بن ثابتٍ ، عن عكرمةَ ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ﴾. أى: ولا تَكْتُموا الحقَّ .
وأما الوجهُ الثانى منهما، فهو على مذهبٍ أبى العاليةِ ومُجاهدٍ .
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن
(١) ينظر تعريف المصنف للصرف فى ٦/ ٩٢، وينظر المصطلح الكوفى ص ١٠٥ وما بعدها .
(٢) البيت مختلف فى نسبته؛ فقال صاحب الخزانة ٥٦٤/٨: المشهور أنه لأبى الأسود الدؤلى .
ونسبه سيبويه فى الكتاب ٤٢/٣ للأخطل. وقد نسبه الآمدى فى المؤتلف والمختلف ص ٢٧٣
للمتوكل الليثى .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/١ إلى المصنف.

٦٠٩
سورة البقرة : الآية ٤٢
أبى العاليةِ: ﴿وَتَكْثُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: كتَموا نَعْتَ (١) محمدٍ
(٢)
عد اتهم (١).
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمونٍ، ٢٥٦/١
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ نحوه (١).
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: حدَّثنا أبو محذَيفةً، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيحِ،
عن مُجاهدٍ نحوَه .
وأما تأويلُ الحقِّ الذی کتموه وهم یَعْلَمونه ، فإنه ما حدَّثنا به ابنُ حمیدٍ ، قال :
حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولی زيدٍ ، عن عكرمةَ ،
أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَكْثُمُواْ الْحَقَ﴾. يقولُ: لا تَكْتُموا ما
عندَكم مِن المعرفةِ برسولى، وما جاء به، وأنتم تَجِدونه عندَ كم فيما تَعْلَمون مِن
الكتب التی بأیدیکم(٤) .
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ،
عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَتَكْتُهُواْ الْحَقَّ﴾ . يقولُ : إنكم قد
علِمْتُم أن محمدًا رسولُ اللّهِ عَ ليِ ، فنهاهم عن ذلك.
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال: حدّثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عیسی ، عن ابنٍ
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَتَكْثُمُواْ أَلْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: يَكْتُمُ أهلُ الكتابِ
(١) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢: ((بعث)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٨/١ (٤٥٦) من طريق آدم به .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٩/١ عقب الأثر (٤٥٨) معلقا .
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٨/١ (٤٥٧) من طريق سلمة به .
(تقسب الطبى، ٣٩/١)

٦١٠
سورة البقرة : الآية ٤٢
محمدًا ◌َ لله وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ والإنجيلِ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ ، عن ابنٍ أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿ وَتَكْثُمُواْ أَلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: الحقُّ هو محمدٌ عََّهِ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى
العاليةِ: ﴿ وَتَكْنُواْ أَلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: كتَمُوا نَعْتَ محمدٍ عَلَّه وهم
یچدونہ مکتوبا عندهم (١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ(١)، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ،
عن مُجاهِدٍ: تَكْتُمون محمدًا وأنتم تَعْلَمون، وأنتم تَجِدونه عندَكم فى التوراةِ
والإنجيلِ .
فتأويلُ الآيةِ [٧٥/٢ظ] إذن: ولا تَخْلِطوا على الناسِ أيُّها الأحبارُ مِن أهلِ
الكتابِ فى أمرٍ محمدٍ عَ لَّهِ وما جاء به مِن عندِ ربِّه، وتزعموا أنه مَبْعوثٌ
إلى ) بعضٍ أَجْناسِ الأممِ دون بعضٍ، أو تُنافِقوا فى أمرِه، وقد علِمْتُم أنه مَبْعوثٌ إِلىّ"
جميعكم، وجميع الأمم غيرِكم، فتَخْلِطوا بذلك الصدقَ بالكذبِ، وتَكْتُموا به ما
تَجِدونه فى كتابِكم مِن نعْتِه وصفتِه، وأنه رسولى إلى الناسِ كافَّةً ، وأنتم تَعْلَمون أنه
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٩/١ (٤٥٨) عن أبى زرعة، عن عمرو به .
(٢) تقدم مختصرا فى ص ٦٣٣ .
(٣) فى ر، ت ١، ت ٢: ((الحسن)).
(٤ - ٤) سقط من: ص .

٦١١
سورة البقرة : الآيتان ٤٢، ٤٣
رسولى ، وأن ما جاء به إليكم فمِن عندى ، وتَعْرِفون أن مِن عهدى الذى أَخَذْتُ عليكم
فی کتاپکم الإيمان به وما جاء به والتصدیقَ به .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ
اُلَّكِعِينَ
٤٣
٢٥٧/١
/ قال أبو جعفر: ذُكِر أن أحبارَ اليهودِ والمنافِقِين كانوا يَأْمُرون الناسَ بإقام
الصلاة وإيتاءِ الزكاةِ ولا يَفْعَلونه، فأمَرهم اللّهُ تعالى ذكرُه بإقام الصلاةِ مع المسلمين
المُصدِّقِين بمحمدٍ عَ لَه، وبما جاء به، وإيتاءِ زكاةٍ أموالهم معهم، وأن يَخْضَعوا للّهِ
تبارك وتعالى ولرسوله كما خضَعوا .
کما حُدِّثْتُ عن عمارٍ بن الحسنِ، قال : حدّثنا ابنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
قَتَادةَ فى قولِه: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ﴾ . قال : فَرِيضتان واجبتان ،
فأدُوهما إلى اللّهِ جلّ ثناؤه .
وقد بيَّنا معنى إقامة الصلاةِ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، فكرِهْنا إعادته فى هذا
الموضعِ(١).
وأما إيتاءُ الزكاةِ فهو أداءُ الصدقةِ المفروضةِ، وأصلُ الزكاةِ نَماءُ المالٍ وتَثْمِيرُه
وزيادتُه . ومِن ذلك قيل: زكا الزرعُ، إذا كثُر ما أخْرَج اللّهُ جلّ وعزّ منه، وزكَتٍ
النفقةُ ، إذا گثُرت . وقیل : ز کا الفردُ ، إذا صار زوجًا بزيادة الزائدِ علیه حتى صار به
شَفْعًا، كما قال الشاعرُ :
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٢٤٧ .
(٢) البيت فى اللسان (خ س ی).

٦١٢
سورة البقرة : الآية ٤٣
(٢)
لم يُخْلَقوا ومحدودُ(١) الناسِ تَغْتَلُِ
كانوا حَسًا أو زَكًا مِن دونٍ أربعةٍ
"قال أبو جعفر: خسًا: الوترُ، وزكًا: الشَّفْعُ" .
وقال الرّاجزُ(٤):
فلا خَسًا عَدِيدُه ولا زَكا
كما شِرارُ البَقْلِ أطرافُ السَّفَا
قال أبو جعفرٍ: السفا: شَوكُ البُهْمَى، والبُهْمى: الذى يكونُ مُدَوَّرًا فى
الشُلَّاءِ) . يعنى بقولِه: ولا زكًا [٢/ ٧٦و]: لم يُصَيِّرْهم شَفْعًا مِن وِتْرٍ بحدوثِه فيهم.
وإنما قيل للزكاةِ : زكاةٌ، وهى مالٌ تَخْرُجُ مِن مالٍ ؛ لتثميرِ اللّهِ جلَّ وعزّ -
بإخراجِها مما أَخْرِجَت منه - ما بقى عندَ ربِّ المالِ مِن مالِه. وقد يَحْتَمِلُ أن تَكونَ
سُمِّيت زكاةً لأنها تطهيرٌ لما بقِى مِن مالِ الرجلِ، وتخليصٌ له مِن أن تكونَ فيه
مَظْلِمٌ لأهلِ السُّهْمانِ ، كما قال اللَّهُ جل ثناؤه مخبرًا عن نبيّه موسى صلواتُ اللهِ
عليه: ﴿ أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ ﴾ [الكهف: ٧٤]. يعنى: بريئةً مِن الذنوبِ طاهرةً . وكما
يقالُ للرجلِ : هو عَدْلٌ زَكِىٌ. بذلك المعنى.
قال أبو جعفرٍ : وهذا الوجهُ أعجبُ إلىّ فى تأويلِ زكاةِ المالِ مِن الوجهِ الأولِ،
(١) جدود: حظوظ. اللسان (ج - د) .
(٢) تعتلج: تتصارع. اللسان (ع ل ج).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢.
(٤) هو هريم بن جواس التميمى، والرجز بروايات مختلفة فى الأغانى ٢١/ ٣٠، وطبقات فحول الشعراء
٧٣٩/٢، ومعجم الشعراء ص ٤٧٣.
(٥) فى النسخ: ((السلى)). والصواب ما أثبتناه. والسلاء: جمع سلاءة وهو شوك النخل. اللسان
(س ل أ). وينظر تعليق الشيخ شاكر.

٦١٣
سورة البقرة : الآيتان ٤٣ ، ٤٤
وإن كان الوجهُ الأولُ مقولًاً(١) فى تأويلها. وإيتاؤُها: إعطاؤها أهلَها .
وأما الركوعُ، فهو الخضوعُ للهِ جلّ ثناؤه بالطاعةِ ، يُقالُ منه: ركَع فلانٌ لكذا
وكذا إذا خضَع له . ومنه قولُ الشاعرٍ (٢) :
بِيعَت بكَسْرٍ لَئِيم واسْتَغاث بها مِن الهُزالِ أبوها بعدَما رَكَعا
يعنى : بعدَ ما خضَع مِن شدةِ الحاجةِ والْجَهْدِ .
وهذا أمرٌ مِن اللّهِ تعالى ذكرُه لمن ذكَر مِن أحبارِ بنى إسرائيلَ ومُنافقِيها -
بالإنابةِ(٢) والتوبة إليه، وياقام الصلاة وإيتاءِ الزكاةٍ، والدخول مع المسلمين فى
الإسلامِ، والخضوع له بالطاعةِ، ونَهْىٌّ منه لهم عن كِتْمانِ ما قد علِموا مِن نبوّةِ
محمدٍ عَِّ بعدَ تَظاهُرِ حُجَجِه عليهم، مما قد وصَفْنا قبلُ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا ،
وبعدَ الإِغْذارِ إليهم والإنذارِ، وبعدَ تذكيرِهم نعمَه إليهم وإلى أسلافِهم ؛ تَعَطُّفًا منه
بذلك عليهم وإبلاغًا إليهم فى المَغَذِرةِ .
/القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾. ٢٥٨/١
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ((البِرّ)) الذى كان المخاطَبون بهذه
الآيةِ يَأْمُرون الناسَ به ، ويَنْسَوْن أنفسَهم، بعدَ إجماع جميعِهم على أن كلَّ طاعةٍ للّهِ
فھی تُسَمَّی بِرًّا .
فرُوِى عن ابنِ عباسٍ ما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثَنَا سَلَمةُ، عن ابنٍ
إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ ، عن عِكْرمةً ، أو عن سعيدِ بنِ مُبَيْرٍ ، عن ابنِ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت، س: ((مقبولا)).
(٢) هو عصام بن عبيد الزمانى. والبيت فى الوحشيات لأبى تمام ص ٨٦، والحيوان للجاحظ ٤/ ٢٨١،
بیعت بو کس قليل فاستقل بها
والشطر الأول فيهما :
(٣) فى م: (( بالإبانة)).

٦١٤
سورة البقرة : الآية ٤٤
عباسٍ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [٧٦/٢ظ] وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ﴾. أى: تَنْهَوْن الناسَ عن الكفرِ بما عندَكم مِن النبوةِ والعهدِ مِن التوراةِ ،
وتَتْؤُكون أنفسكم وأنتم تَكْفُرون بما فيها مِن عَهْدی إليكم فى تصديقٍ رسولی ،
وتَنْقُضون مِیثاقى، وتَجْحَدون ما تَعْلَمون مِن کتابی (١).
وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ،
عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِآلْبِّ﴾.
يقولُ: أَتَأْمُرُون الناسَ بالدخول فى دينٍ محمدٍ عَ ◌ّهِ وغيرِ ذلك مما أُمِرْتُم به مِن إِقام
الصلاةِ " وإيتاءِ الزكاةِ"، ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ (١).
وقال آخرون بما حدَّثنی به موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنی عمرُو بنُ حمادٍ ،
قال: حدَّثنا أسباطُ، عن الشّدِّىِّ: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ .
قال: كانوا يَأْمُرُون الناسَ بطاعةِ اللّهِ وهم يَعْصُونه(٤) .
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
قَتَادةَ فى قولِه: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: كان بنو إسرائيلَ
يَأْمُرون الناسَ بطاعةِ اللّهِ وبتَقْواه وبالبرّ ويُخالِفون، فعيَّرهم اللّهُ جلّ ثناؤه(٥).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا الحجاج، قال: قال ابنُ
مُجْرَيْجِ: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِ﴾: أهلُ الكتابِ والمنافقون كانوا يَأْمُرون الناسَ
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٠١، ١٠٢ (٤٧٣، ٤٧٦، ٤٧٩) من
طريق سلمة به .
(٢ - ٢) سقط من: ص، ر، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/١ إلى المصنف ، وسيأتى تمامه فى ص ٦١٦، ٦١٧.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤٧٨) من طريق عمرو به .
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٤. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠١/١ (٤٧٧) عن الحسن بن يحيى به .

٠
٦١٥
سورة البقرة : الآية ٤٤
بالصومِ والصلاةِ ، ويَدَعُون العملَ بما يَأْمُرون به الناسَ، فعيَّرهم اللّهُ جلّ ثناؤه بذلك،
فمن أمَر بخيرٍ فَلْيَكُنْ أشدَّ الناسِ فيه مُسارَعةٌ(١).
وقال آخرون بما حدَّثنى به يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ،
قال : قال ابنُ زيدٍ : هؤلاء اليهودُ كان إذا جاء الرجلُ يَسْأَلُهم ما ليس فيه حقٌّ ولا
رِشْوةٌ ولا شىءٌ، أمَروه بالحقِّ، فقال اللّهُ جلّ ثناؤه لهم: ﴿أَتَأْمُونَ النَّاسَ بِالْبِرِ
(٢)
وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(١).
وحدَّثنى علىُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمٌ الجَزَمِىُّ، قال: حدَّثنَا مَخْلَدُ
ابنُّ الحسينِ، عن أيوبَ السَّخْتِيانيّ، عن أبى قِلَابةً فى قولِ اللّهِ: ﴿أَتَأْمُونَ
النَّاسَ بِالْبِرِ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ﴾. قال: قال أبو الدَّرْداءِ: لا
يَفْقَهُ الرجلُ كلَّ الفقهِ حتى يمقُتَ الناسَ فى ذاتِ اللّهِ ، ثم يَرْجِعَ إلى نفسِه فيَكونَ لها
.(٣)
أشدَّ مَقْتًا(٣).
/ قال أبو جعفرٍ : وجمیثُ الذى قال فى تأويل هذه الآية من ذگونا قوله متقاربُ
المعنى؛ لأنهم وإن اخْتَلَفوا فى صفةِ ((البِرّ)) الذى كان القومُ يَأْمُرون به غيرَهم الذين
وصَفَهم اللّهُ جل ثناؤه بما وصَفَهم به، فهم مُتَّفِقون فى أنهم [ ٢/ ٧٧و] كانوا يَأْمُرُون
الناسَ بما للّهِ فيه رضًا مِن القول والعملِ، ويُخالِفون ما أَمَروهم به مِن ذلك إلى غيرِه
بأفعالهم .
٢٥٩/١
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢١/١ عن ابن جريج .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢١/١ عن ابن زيد .
(٣) أخرجه معمر فى جامعه (٢٠٤٧٣)، وابن أبى شيبة ١٣/ ٣٠٦، والخطابى فى العزلة ص ٨٢، وأبو نعيم
فى الحلية ١/ ٢١١، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٦١٩) من طريق أيوب به بنحوه. وزاد معمر فى
أوله: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهًا كثيرة. وأبو قلابة لم يدرك أبا الدرداء ، قال الحافظ فى
الفتح ٣٨٣/١٣ : رجاله ثقات إلا أنه منقطع .

٦١٦
سورة البقرة : الآية ٤٤
فالتأويلُ الذى يَدُلُّ على صحتِهِ ظاهرُ التِّلاوةِ إذن: أَتَأْمُرون الناسَ بطاعةِ اللّهِ
وتَتْرُكون أنفسَكم تَعْصِيه؟ فهلَّا تَأْمُرونها بما تَأْمُرُون به الناسَ مِن طاعةِ ربِّكم جلّ
وعز؟ مُعَيِّرَهم بذلك ومقبّحًا ( لهم قبيحَ() ما أتوا به (٢).
ومعنى نسيانِهم أنفسَهم فى هذا الموضع نظيرُ النسيانِ الذى قال جل ثناؤه :
﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. بمعنى: ترَكوا طاعةَ اللّهِ فترَكهم اللّهُ مِن ثوابِهِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿نَتْلُونَ الْكِتَبَّ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: يعنى بقولِه: ﴿نَتْلُونَ الْكِتَبَّ﴾: تَدْرُسون وتَقْرَءون.
کما حدّثنا أبو گُرْب ، قال: حدّثنا عثمانُ بنُ سعیدٍ ، قال : حدثنا بشر ، عن
أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ﴾. يقُولُ:
تَدْرُسون الكتابَ بذلك(٣).
ويعنى بـ ﴿ الْكِتَبَّ﴾: التَّوْراةَ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه : ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
(٤٤
١.
قال أبو جعفرٍ: يعنى بقولِه: ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ : أفلا تَفْقَهون وتَفْهَمون قُبْحَ ما
تَأْتُون مِن معصيتِكم ربّكم التى تأمُرون الناسَ بخِلافِها وتَنْهَؤْنهم عن رُكوبِها ، وأنتم
راكبُوها، وأنتم تَعْلَمون أن الذى عليكم مِن حقِّ اللهِ وطاعته فى اتباع محمدٍ عَ ◌ّه
والإيمانِ به وبما جاء به، مثلُ الذى على مَن تَأْمُرونه باتِّباعِه .
كما حدَّثنا به محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا
(١ - ١) فى الأصل: ((لهم قبح))، وفى م: ((إليهم)).
(٢) فى ص: ( منه)) .
(٣) تقدم أوله فى ص ٦١٤ .

٦١٧
سورة البقرة : الآيتان ٤٤، ٤٥
بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضَّحَّاكِ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ .
يقولُ : أفلا تَفقهون. فنهاهم عن هذا الخُلُقِ القَبِيحِ(١) .
وهذا يَدُلُّ على صحةٍ ما قلْنا مِن أمرٍ أخبارٍ يهودٍ بنى إسرائيلَ غيرَهم باتِّباع
محمدٍ مَّ الِ، وأنهم كانوا يَقُولون: هو مَبْعوثٌ إلى غيرِنا. كما ذكَرْنا قبلُ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأَسْتَعِنُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: [٧٧/٢ظ] يعنى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ﴾:
واسْتَعِينوا على الوفاءِ بعهدى الذى عاهَدْتُمونى فى كتابِكم - مِن طاعتى واتباعٍ
أمرى، وتركِ ما تَهْوَوْنه مِن الرِّياسةِ وحبِّ الدنيا ، إلى ما تَكَرَهونه مِن التسليم
الأمْرِى، واتباعٍ رسولى محمدٍ عَلَّهِ - بالصبرِ عليه والصلاةِ .
وقد قيل : إن معنى الصبرِ فى هذا الموضعِ الصومُ، والصومُ بعضُ معانى
الصبرِ " عندَنا، بل تأويلُ" ذلك عندَنا أن اللّه تعالى ذكرُه أمَرهم بالصبرِ على كُلِّ ما
كرِهَتْه نفوسُهم مِن طاعةِ اللهِ وتركِ مَعاصِيه .
وأصلُ الصبرِ منعُ النفسِ مَحابَّها وكفُّها عن هَواها ؛ ولذلك قيل للصابرِ على
المصيبةِ: صابرٌ، لكفِّه نفسَه عن / الجَزَّع . وقيل لشهرِ رمضانَ: شهرُ الصَّبرِ، لصبرٍ ٢٦٠/١
صائميه عن المَطاعِم والمشارِبِ نهارًا . وصَبْرُه إياهم عن ذلك: حَبْسُه لهم وكفُّه
إياهم عنه ، كما تَصْبِرُ الرجلَ المسى ءَ للقتلِ، فَتَحْبِسُه عليه حتى تَقْتُلَه ، ولذلك قيل :
قتَل فلانٌ فلانًا صَبْرًا . يعنى به: حبَسه عليه حتى قتله، فالمقتولُ مَصْبورٌ ، والقاتلُ صابرٌ .
وأما الصلاةُ فقد ذكَوْنا معناها فيما مضَى (١).
(١) تقدم أوله فى ص ٦١٤ .
(٢ - ٢) فى ص: ((عند تأويل من تأول)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ص ٢٤٨، ٢٤٩.

٦١٨
سورة البقرة : الآية ٤٥
فإن قال قائلٌ: قد علِمْنا معنى الأُمرِ بالاستعانةِ بالصبرِ على الوَفاءِ بالعهدِ
والمحافظةِ على الطاعةِ، فما معنى الأمرِ بالاستعانةِ بالصلاةِ على طاعةِ اللهِ وتركِ
مَعاصِيه، والتَّعَرِّى عن الرِّياسةِ وتزكِ الدنيا ؟
قيل: إن الصلاةَ فيها تلاوةُ كتابِ اللّهِ جل ثناؤه، الداعيةِ آياتهُ إلى رفضٍ
الدنيا ، وهجرٍ نَعيمِها ، المُسَلِّيةِ النفوسَ عن زينتِها وغُرورِها، المُذَكِّرةِ الآخرةَ وما أعدَّ
اللهُ فيها لأهلِها ، ففى الاعتبارِ بها المعونةُ لأُهلِ طاعةِ اللهِ جلَّ جلالُه على الجِدِّ فيها ،
كما رُوِى عن نبيِّنا ◌َّمِ أنه كان إذا حزَبَه أمرٌ فزع إلى الصلاةِ.
حدَّثنى بذلك إسماعيلُ بنُ موسى الفَزاريُّ، قال: أخبرنا الحسينُ(٢) بنُ زيادٍ(٣)
الهَمْدانُ، عن ابن جريج ، عن عكرمةً بن عمارٍ، عن محمد بنِ عُبیدِ بنِ أبی
قُدامةَ، عن عبدِ العزيزِ بنِ اليمَانِ، عن حُذيفةً، قال: كان رسولُ اللّهِ عَ ه إذا حزَبه أمرٌ
فزِع إلى الصلاةِ(٥) .
(١) حزّبه أمر: أى إذا نزل به مُهِمّ أو أصابه غم. النهاية ٣٧٧/١.
(٢) كذا فى النسخ، والصواب: الحسن . كما فى الثقات ١٦٨/٨ والمصادر، ولعله : الحسن بن زياد
اللؤلؤی، وهو ضعيف، والله أعلم.
(٣) سقط من: ر، وفى م: ((رتاق)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، وفی م، ر: ((عن ابن جرير)).
(٥) إسناده ضعيف؛ عبد العزيز بن اليمان مجهول. وأخرجه ابن قانع فى معجمه ١٨٩/٢ عن العنزى -
هو الحسن بن عليل - عن إسماعيل به . وأخرجه ابن قانع أيضا، وابن منده - كما فى أسد الغابة ٣/
٥٠٦، ٥٠٧ - من طريق عمر بن إبراهيم ومحمد بن إسحاق الثقفى، عن إسماعيل به ، ولم يذكرا فى
إسناده حذيفة. وهكذا ذكره ابن حبان فى الثقات ١٦٨/٨، والمزى فى التحفة ٥٠/٣ . ووقع فى أسد
الغابة ، والتحفة : محمد بن عبد الله بن أبى قدامة. وينظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على المسند ٥٧/١٠
(٦٥٤٨) .
وأخرجه البخارى فى الكبير ١٧٢/١ معلقا عن النضر بن محمد الجرشى، عن عكرمة به موصولا .

٦١٩
سورة البقرة : الآية ٤٥
وحدَّثنى سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ ، قال: حدَّثنا خلفُ بنُ الوليدِ الأَزْدىُّ، قال:
حدَّثنا يحيى بنُ زكريا، عن عكرمةَ بنِ عمارٍ ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللّهِ الدُّؤَلىِ، قال :
قال عبدُ العزيزِ أخو حُذَيْفةَ: قال حذيفةُ: كان رسولُ اللّهِ عَ لَّهِ إذا حزبه أمرٌ
﴾ (١)
صلَّى(١).
وكذلك رُوِى عنه [٢/ ٧٨و] عَّ القلم أنه رأى أبا هريرة مُنْتَطِحًا على بطنِه فقال له:
((اشكَتْب دَرْد))(٢). قال: نعم. قال: ((قُمْ فَصَلِّ فإِنَّ فِى الصَّلاةِ شِفَاءً))(١) .
(١) أخرجه أحمد ٣٨٨/٥ (الميمنية) عن خلف بن الوليد به . وأخرجه أحمد - أيضا - وأبو داود
(١٣١٩)، والخطيب ٢٧٤/٦ من طريق يحيى بن زكريا بن أبى زائدة به. ووقع عند أبى داود : ابن أخى
حذيفة .
وأخرجه ابن قانع فى معجمه ١٨٩/٢، وأبو نعيم - كما فى أسد الغابة ٥٠٧/٣ - من طريق سريج بن
يونس ، عن ابن أبى زائدة به، ولم يذكر فى إسناده حذيفة . وهكذا ذكره المزى فى التحفة ٣/ ٥٠. ووقع فى أسد
الغابة : ابن أخى حذيفة. وصوبه أبو نعيم ، والحافظ فى الإصابة ٥/ ٢٥٠.
والصواب أنه أخو حذيفة . وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبى إسحاق الحوينى ٣٥٦/٢.
(٢) فى الأصل: ((اشتکیت ذرنا)). وفى المسند: ((اشکنب ذرد)) وفی سنن ابن ماجه: ((اشکمت درد)»،
وفى التاريخ الصغير: ((أشكم درد)). وهى كلمة فارسية تعنى: أتشتكى بطنك؟ ينظر الذيل على النهاية
ص ٢٧٤، والمعجم الذهبى ص ٣٧٥، وفيه (( شكم درد: مغص)).
(٣) حديث منكر، والصواب أنه موقوف. وأخرجه أحمد ٢٨/١٥، ٢٩، ١٣١ (٩٠٦٦، ٩٢٤٠)، وابن
ماجه (٣٤٥٨)، والعقيلى ٢/ ٤٨، وابن عدى فى الكامل ٣/ ٩٨٥، وأبو الشيخ فى أخلاق النبى مئلم ص
٢٧٥، وابن شاهين فى الجزء الخامس من الأفراد (٦٥)، وتمام فى الفوائد (١١٤٣ - الروض البسام)، وابن
الجوزى فى العلل المتناهية ١/ ١٧٠، ١٧١، وغيرهم من طريق ذوَّاد بن علبة ، عن ليث بن أبى سليم ، عن
مجاهد ، عن أبى هريرة ، مرفوعا . وذوَّاد ضعيف، وقال ابن حبان : منكر الحديث جدا .
ورواه الصلت بن الحجاج عن ليث مثل رواية ذؤَّاد بن علبة. أخرجه أبو الشيخ ص ٢٧٦ ، وابن عدى
١٤٠٠/٤، وابن الجوزى ١/ ١٧١.
وقال ابن عدى: هذا معروف بذؤَّاد بن علبة عن ليث ، أسنده، وغيره أوقفه على أبى هريرة. وهذا الصلت بن
الحجاج رواه أيضا كما رواه ذوَّاد مرفوعا ... والصلت فى بعض أحاديثه ما ينكر عليه ، بل عامته كذلك .
وقال ابن الجوزى : ولعله أخذه من ذواد ... وقد رُوى هذا الحديث عن أبى هريرة موقوفا، وهو أصح .
والموقوف أخرجه البخارى فى الصغير ٢٣٥/٢ - وعنه العقيلى، وابن عدى، وابن الجوزى ١٧٢/١ - =

٦٢٠
سورة البقرة : الآية ٤٥
فأمَر اللهُ جلَّ ثناؤُه الذين وصَف أمرَهم مِن أخبارِ بنى إسرائيلَ أن يَجْعَلوا
مَفْزَعَهم - فى الوفاءِ بعهدِ اللهِ الذى عاهَدوه - إلى الاستعانةِ بالصبرِ والصلاةِ كما
أمَر نبيَّه محمدًاً مَ ◌ّهِ بذلك، فقال له: ﴿فَأَصْبِرِ﴾ يا محمدُ ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِها وَمِنْ ءَنَآٍ اَلَّيْلِ فَسَيِحْ وَأَطْرَافَ اَلنََّارِ لَعَلَّكَ
تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠]. فأمَره جل ثناؤُه فى نَوائِبِه بالفزَع إلى الصبرِ والصلاةِ.
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ قالا: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، قال :
حدَّثنا عُبَيْنَةُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، أن ابنَ عباس نُعِى إليه أخوه قُثَمُ وهو فى
سفرٍ، فاسْتَرْجَع ثم تنَخَّى عن الطريقِ ، فأناخ فصلَّى ركعتَيْ ، أطال فيهما الجلوسَ ،
ثم قام يَمْشِى إلى راحلتهِ وهو يقولُ: ﴿ وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا
عَلَى الْخَشِعِينَ﴾(١).
وأما أبو العاليةِ فإنه كان يَقولُ بما حدَّثنى به المثنى بنُ إبراهيمُ ، قال: حدَّثنا آدمُ،
قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
= عن ابن الأصبهانى ، عن المحاربى ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبى هريرة ، موقوفا .
وقال ابن الأصبهانی : رفعه ذوّاد ، وليس له أصل ، أبو هريرة لم يكن فارسیا ، إنما مجاهد فارسی .
وأخرجه العقيلى ، وابن عدى - أيضا - من طريقين آخرين عن ليث به موقوفا . وليث ضعيف . وينظر
التحدیث بما قیل : لا یصح فيه حديث ص ١٣٩.
(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣١ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى فى الشعب (٩٦٨٢) - عن ابن
علية به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/١ إلى ابن المنذر.
وأخرجه سعيد أيضا (١٨٩، ٢٣٢) عن هشيم، عن خالد بن صفوان، عن زيد بن على، عن ابن عباس،
وفيه : نعی إلیه ابن له .
وأخرجه البخارى فى الكبير ١٥٦/٣ من طريق هشيم به عن ابن عباس ، أنه أصابته مصيبة فصلى .
وأخرجه الحاكم ٢٦٩/٢، ٢٧٠ - وعنه البيهقى فى الشعب (٩٦٨١) - من طريق هشيم، عن خالد، عن
زید ، عن أبيه ، عن ابن عباس أنه جاءه نعی بعض أهله .