النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سورة البقرة : الآية ٣١
قتادةَ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾. قال: علَّمه اسمَ كلِّ شىءٍ، ثم عرَض تلك الأسماءَ على
الملائكة
.(١)
حدثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجرَيْجٍ، عن
مُجاهِدٍ: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾: عرَض أصحابَ الأسماءِ على الملائكةِ(١).
حدثنى علىُّ بنُ الحسنِ ، قال : حدَّثنا مسلمٌ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُصْعَبٍ ،
عن قيسٍ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَّةِ﴾. يعنى:
عرَّض الأسماءَ؛ الحَمامةَ والغرابَ(٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن جَریرِ بنِ
حازمٍ ومباركٍ، عن الحسنِ، وأبى بكرٍ، عن الحسنٍ وقتادةَ، قالا: علَّمه اسمَ كلِّ
شىءٍ ؛ هذه الخيلُ ، وهذه البغالُ ، وما أُشْبَهَ ذلك، وجعَل يُسَمِّ كلِّ شيءٍ باسمِه ،
وعُرِضَت عليه أُمَّةً أُمَّةُ (٤).
/ القولُ فى تأويل قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَقَالَ أَنِْئُونِىِ﴾ .
٢١٨/١
قال أبو جعفرٍ : وتأويلُ قولِه عزّ وجلّ: ﴿أَنْثُونِى﴾: أَخْبِرونى. كما حدَّثنا
أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ [٥٠/٢و] بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبى
رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَنْتُونِ﴾. يقولُ: أَخْبِرونى بأسماءِ
(٥)
هؤلاء(٥).
(١) تقدم تخريجه فى ص ٥١٧ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/١ إلى المصنف .
(٣) تقدم فى ص ٥١٥.
(٤) تقدم بتمامه فى ص ٤٩٣.
(٥) تقدم بتمامه فى ص ٤٨٥ .

٥٢٢
سورة البقرة : الآية ٣١
ومنه قولُ نابغةٍ بنى ذُنْيانَ(١):
حُلُولًا مِن حَرامٍ(٢) أو مجذَامٍ
وأَنبَأه المُبِّئُ أنَّ حيًّا
يعنى بقولِه: أنبأَه: أخْبَرَه وأَعْلَمَه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، قال: حدَّثنا عيسى،
وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنٍ أبى
تَجِيح، عن مُجاهدٍ فى قولهِ: ﴿ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾. قال: بأسماءِ هذه التى حدَّثْتُ
(٣)
بها آدمَ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : حدثنا الحسینُ بن داود ، قال : حدّثنی حجاج ، عن ابنِ
مُجُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿ أَنْتُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ . يقولُ :
بأسماءِ هؤلاءِ التى(٤) حَدَّثتُ بها آدمَ (٣).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٣١
قال أبو جعفرٍ : اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال :
حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾: إن كنتم تَعْلَمون لِمَ أْعَلُ فى الأرضِ
(١) ديوانه ص ١٦٢ .
(٢) فى ت٢: ((حزام))، وفى ت١: ((جذام)). وحرام: بطن من جذام.
(٣) تفسير مجاهد ص ١٩٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١/١ (٣٤٢).
(٤) فى ت١، ت٢: (( الذين)).

٥٢٣
سورة البقرة : الآية ٣١
خليفة
.(١)
؟
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسباطُ ،
عن الشّدِّىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالكٍ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنٍ عباسٍ، وعن
مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النّبِىِّ عَ لَّهِ: ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾
أنَّ بنى آدمَ يُفْسِدون فى الأرضِ ويَشْفِكون الدماءَ(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال : حدَّثنا الحسینُ، قال: حدَّثنی حجّاجٌ، عن جریرِ بنِ
حازِمٍ ومباركٍ، عن الحسن، وأبى بكرٍ ، عن الحسنِ وقتادةً: ﴿فَقَالَ أَنُْونِ بِأَسْمَاءِ
هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ أنى لم (٢) أَخْلُقْ خَلْقًا إلا كُنتم أعلمَ منه، فأخْبِرونى
بأسماءِ هؤلاءٍ إن كنتم صادقين(٤) .
قال أبو جعفرٍ : وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ تأويلُ ابنِ عباسٍ ومَن قال بقولِه .
[٠/٢ ٥ظ] ومعنى ذلك: فقال: أَنْبِئونى بأسماءِ مَن عَرَضْتُه عليكم أيتُها
الملائكةُ القائلون: أَجَعَلُ ("فى الأرضِ°) مَن يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدمَاءَ، مِن غيرِنا أم
منا ، فنحن نُسَبِّحُ بحمدِك ونُقَدِّسُ لك؟ إن كنتم صادقين فى قِيلِكم أنى إن جعَلْتُ
خليفتى فى الأرضِ مِن غيرٍ كم، عَصَانى ذريتُه وأَفْسَدوا فيها وسفَكوا الدماءَ، وإن
جعَلْتُكم فيها ، أَطَعْتُمونى واتَّبَعْتُم أمرى، بالتعظيم لى والتقديسٍ ، فإنكم إذ كنتم
لا تَعْلَمون أسماءَ هؤلاء الذين عرَضْتُهم عليكم مِن خَلْقى، وهم مَخْلوقون
(١) تقدم بتمامه فى ص ٤٨٥ .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٥/١ عن السدى به. وتقدم بتمامه فى ص ٤٨٨.
(٣) فى الأصل: ((لن)).
(٤) تقدم فى ص ٤٩٣ .
(٥ - ٥) فى ص، م: ((فيها)).

٥٢٤
سورة البقرة : الآية ٣١
موجودون ترؤْنھم وتُعاینونھم ، وعَلِمه غیرُ کم بتعلیمِی إیاہ ، فأنتم بما هو غيرُ موجود
مِن الأمورِ الكائِنَةِ التى لم توجَدْ بعدُ، وبما هو مُتَستِّرٌ من الأمورِ - التى هى
٢١٩/١ موجودةٌ - عن أعينكم ، / أخرَى أن تكونوا غیرَ عالمین ، فلا تسألونی ما ليس لكم به
علمٌ ، فإنى أعلمُ بما يُصْلِحُكم ويُصْلِحُ خَلْقَى .
وهذا الفعلُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه بملائكتِهِ الذين قالوا له: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن
يُفْسِدُ فِيهَا﴾. مِن جهةٍ عِتابِه تعالى ذِكرُه إياهم - نظيرُ قولِه لنبيِّه نوح صلّى اللَّهُ
عليه، إذ قال: ﴿رَبِّ إِنَّ أَبْنِ مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَعَكُمُ الْحَكِينَ﴾-
فَلَ نَسْخَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَّ إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [ هود: ٤٥، ٤٦
فكذلك الملائكةُ سأَلت ربَّها أن تكونَ خُلفاءَه فى الأرضِ ليُسَبِّحوه ويُقَدِّسوه فيها ؛
إذا كان ذريةُ مَن أُخْبَرهم أنه جاعلُه فى الأرضِ خليفةً يُفْسِدون فيها ويَسْفِكون
الدماءَ، فقال لهم تعالى ذكره: ﴿إِنِّّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ . يعنى بذلك: إنى
أَعْلَمُ أن بعضَكم فاتحُ المعاصى وخائِمُها. وهو إبليسُ، مُنْكِرًا بذلكُ(١) تعالى
ذِكرُه قولَهم. ثم عرَّفهم موضِعَ هَفْوتِهم، فى قِيلهم ما قالوا مِن ذلك،
بتعريفِهم قُصورَ علمِهم عمّا هم له شاهِدون عِيانًا - فكيف بما لم يَرَؤْه ولم
يُخْبَروا عنه؟ - بعرْضِه ما عرَض عليهم مِن خلقِه الموجودين يومَئذٍ، وقيلِه
لهم: ﴿ أَنُِونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أنكم إن اسْتَخْلَفْتُكم فى
أرضى سبَّخْتمونى وقدَّسْتُمونى، وإن اسْتَخْلَفْتُ فيها غيرَ كم عَصانى ذُرِيتُه وأَفْسَدوا
وسَفَكوا الدماءَ . فلمَّا اتَّضَح لهم موضِعُ خطأً قيلِهم ، وبَدَت لهم هفوةُ زَلَّتِهم ، أنابوا
إلى اللَّهِ بالتوبةِ فقالوا: ﴿ سُبْحَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَآَ﴾. فسارَعوا الرَّجْعَةَ مِن
(١) فى ت١، ت٢: ((بعد ذلك)).

٥٢٥
سورة البقرة : الآية ٣١
الهَفْوةِ ، وبادَروا الإنابةَ مِن الزَّلَّةِ، كما قال نوح عليه السلامُ حِين عوتِب فى مسألتِهِ،
فقيل له : ﴿ فَلَا تََّلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ﴾ -: ﴿رَبِّ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا
لَيْسَ لِى بِهِ، عِلٌَّ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾(١) [هود:
٤٦، ٤٧]. وكذلك فعلُ كلِّ مُسَدَّدٍ للحقِّ مُوَفَّقٍ له، سَريعةٌ [٢/ ٥١و] إلى الحقِّ
إِنابتُه ، قريبةٌ إليه أوْبتُه .
وقد زعم بعضُ نخونِى أهلِ البصرةِ أن قوله: ﴿أَنْبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ إِن
كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾. لم يكنْ ذلك لأن الملائكةَ ادَّعَوْا شيئًا، إنما أخْبَر عن جهْلِهم بعلم
الغيبِ وعلمِه بذلك وفضلِه، فقال: أنْبئونى إن كنتم صادقين. كما يقولُ الرجلُ
للرجلِ : أنْبِشْنى بهذا إن كنتَ تَعْلَمُ. وهو يَعْلَمُ أنه لا يَعْلَمُ ، يُرِيدُ أنه جاهِلٌ .
وهذا قولٌ إذا تدَبَّره متَدَيَّ عَلِم أن بعضَه مفْسِدٌ بعضًا، وذلك أن قائلَه زعَم
أن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال للملائكةِ - إذ عرَض عليهم أهلَ الأسماءِ -: ﴿أَنْتُونِى
بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾. وهو يَعْلَمُ أنهم لا يَعْلَمون ذلك(٢)، ولا هم ادَّعَوْا " علمَ شىء
يوجِبُ أن يوبَّخوا بهذا القولِ. وزعم أن قوله: ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾
نظيرُ قولِ القائل): أَنْبِئْنِى بهذا إن كنتَ تَعْلَمُ. وهو يَعْلَمُ أنه لا يَعْلمُ، يُرِيدُ أنه
جاهلٌ. ولا شكَّ أن معنى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ . إنما هو: إن كنتم
صادقينَ؛ إِمّا فى قولِكم، وإمّا فى فعلِكم؛ لأن الصدقَ فى كلامِ العربِ إنما هو
صِدقٌ فى الخبرِ لا فى العلم ، وذلك أنه غيرُ معقولٍ فى لغةٍ مِن اللغاتِ أن يُقالَ : صدَق
(١) سقطت هذه الآية من: ص، م، ت١، ت٢.
(٢) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.
(٣ - ٣) فى ص: ((شيئًا)).
(٤) فى ر، م: ((الرجل للرجل)).

٥٢٦
سورة البقرة : الآيتان ٣٢،٣١
الرجلُ . بمعنى: عَلِم . فإذا كان ذلك كذلك، فقد وجَب أن يكونَ اللَّهُ تعالى ذكرُه
قال للملائكة - على تأويل قولٍ هذا الذى حكَيْنا قولَه فى هذه الآية - : ﴿ أَنَُّونِى
بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وهو يَعْلَمُ أنهم غيرُ صادقين، يُرِيدُ بذلك أنهم
كاذِبون، وذلك هو عينُ ما أنْكره ؛ لأنه زعم أن الملائكةَ لم تَدَّع شيئًا ، فکیف جاز
أن / يقالَ لها(١): إن كنتم صادقين فأنبئونى بأسماءِ هؤلاء؟ مع خروج هذا القول
الذى حكَينا عن صاحبِهِ، مِن أقوالِ جميع المتَقَدِّمِين والمتأخّرِين مِن أهلِ التأويلِ
والتفسير .
٢٢٠/١
وقد حُكِى عن بعضِ أهلِ التفسيرِ أنه كان يَتَأوَّلُ قولَه: ﴿إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾ . بمعنى : إذ كنتم صادقين .
ولو كانت ﴿إِن﴾ بمعنى ((إذ)) فى هذا الموضع، لَوجَب أن تكونَ قراءتُها بفتح
ألفِها؛ لأن ((إِذ)) إذا تقَدَّمها فعلٌ مُستَقبَلٌ، صارت علةً للفعل وسبًا له، وذلك
كقولِ القائلِ: أقومُ إذ قمتَ. فمعناه: أقومُ مِن أجلِ أنك قمتَ. والأمرُ بمعنى
الاستقبالِ. فمعنى الكلام لو كانت ﴿إِن﴾ بمعنى ((إذ)): أنبئونى بأسماءِ هؤلاءٍ مِن
أجلٍ أنكم صادِقون. فإذا وُضِعَت ((إن)) مكان(١) ذلك، قيل : أنبئونى بأسماء
هؤلاءٍ أن كنتم صادقين. مفتوحةَ الألفِ. وفى إجماع جميع قَرأةٍ [٥١/٢ظ] أهلٍ
الإسلامِ على كسرِ الألفِ مِن ﴿إِن﴾ دليلٌ واضحٌ على خطاً تأويلِ مَن تأوَّل
﴿إِن﴾ بمعنى ((إذ) فى هذا الموضعِ.
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿ قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَّا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّ إِنَّكَ
(١) سقط من: ت١، ت٢، وفى م: ((لهم)).
(٢) بعده فى م، ت١، ت٢: ((هذا)).
(٣) فى ص: (( فى موضع)).

٥٢٧
سورة البقرة : الآية ٣٢
أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٣٢
قال أبو جعفر : وهذا خبرٌ مِن الله تعالى ذكره عن ملائكته بالأزْبةِ إليه ، وتسلیم
عِلْمٍ ما ( عَلِم ممّا) لم يَعْلَموه له، وتَرِّهم(١٢) مِن أن يَعْلَموا أو يَعْلَمَ أحدٌ شيئًا إلا ما علَّمه
تعالی ذِ کژه .
وفى هذه الآياتِ الثلاثِ العِبْرةُ لمن اعْتَبر، والذكْرَى لمن اذَّكَر، والبيانُ لمن كان
له قلبٌ أو ألقَى السمعَ وهو شهيدٌ ، عما أوْدَع اللَّهُ تعالى ذكرُه آىَ هذا القرآنِ مِن
لَطائفِ الحِكَم التى تَعْجِزُ عن أوصافِها الألسنُ. وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه احْتَجَّ فيها
النبيِّه عَلَِّ على مَن كان بين ظهرانَيْه مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، بإطلاعِه إياه مِن علومِ
الغَيْبِ التى لم يكنْ تعالى ذكرُه أَطْلَع عليها مِن خلقِه إلا خاصًّا، ولم يكنْ مُدْرَ كًا علمُه
إلا بالإنباءِ والإخبارِ؛ لتَتَقَرَّرَ عندَهم صحةُ نبوته ، ويَعْلَموا أن ما أتاهم به فمِن عندِه ،
ودلَّ فيها على أن كلَّ مُخْبِرٍ خبرًا عماقد كان، أو عما هو كائنٌ مما لم يكنْ ولمّا يَأْتِهِ به
خبرٌ، ولم يُوضَعْ له على صحتِهِ بُرهانٌ، فمُتَقَوِّلْ ما يَشْتَوْجِبُ به مِن ربِّه العقوبةَ.
ألا " تَرَى أنّ اللَّهَ ردَّ على ملائكتِهِ قِيلَهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ .
وعرّفهم أن قِيلَ ذلك لم يكنْ جائزًا لهم، بما عرّفهم مِن قُصورِ علمِهم عندَ عَرْضِه ما
عرَض عليهم مِن أهلِ الأسماءِ، فقال: ﴿أَنْبِئُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُمْ
صَدِقِينَ﴾. فلم يَكَنْ لهم مَفْزَعٌ إلا الإقرارُ بالعجزِ والتََّرِّى إليه أن يعلَموا إلّ مَا
علَّمَهم بقولِهم: ﴿ سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآَ﴾. فكان فى ذلك أوضحُ
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢: ((إن)).
(٢) فى ت ١، ت ٢: ((تنزيههم)).
(٣ - ٣) فى ر: ((تسمعون))، وفى ت ١، ت ٢: ((يسمعون)).

٥٢٨
سورة البقرة : الآية ٣٢
الدلالةِ وأبينُ الحُجَّةِ على كذبٍ مَقالةٍ كلُّ مَن اذَّعَى شيئًا مِن علومِ الغيبِ ، مِن
الحُزَاةِ(١) والكَهَنةِ والعافَةِ(٢) والمُتَجِمةِ.
وذكّر [٢/ ٥٢و] بها الذين وصَفْنا أمرَهم مِن أهلِ الكتابِ، سَوالفَ نعمِه على
آبائِهم، وأياديَه عندَ أسلافِهم، عندَ إنابتهم إليه ، وإقبالِهم إلى طاعتهِ، مُسْتَعْطِفَهم
٢٢١/١ بذلك إلى الرَّشادِ، ومُسْتَعْتِبَهم به إلى النجاة، وحذّرهم - بالإصرارِ والتمادى / فى
الغَىُِّ) والضَّلالِ - حلولَ العِقابِ بهم، نظيرَ ما أحلّ بعدوِّه إبليسَ، إذ تمادَى فى
الغَىِّ(٣) والخَسَارِ(٤).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَّا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآَ﴾. فهو كما حدَّثنا
أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى
رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ﴾ تَنْزِيهًا للَّهِ مِن أن يكونَ
أحدٌ يَعْلَمُ الغيبَ غيرَه، تُبْنَا إِليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ﴾ تَبَرِّيًّا منهم مِن علم
الغيبِ، إلَّا ما علَّمتنا كما علَّمْتَ آدمَ(٥).
و((سبحانَ)) مصدرٌ لا تصَرُّفَ له، ومعناه: تسبيحَكَ(١). كأنهم قالوا:
نُسَبِّحُك تَسْبيحًا، ونُنَزِّهُك تَنْزِيهًا، ونُرِّئُك مِن أن نَعْلَمَ شيئًا غيرَ ما علَّمْتَنَا .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٣٢
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك : إنك أنت يا ربَّنا العليمُ - مِن غيرِ تَعْليم -
(١) الحزاة: جمع حاز، وهو الذى يحزر الأشياء ويقدرها بظنه. النهاية ٣٨٠/١.
(٢) فى الأصل، م: ((القافة)). والعافة: جمع عائف، وهو المتكهن بالطير أو غيرها. التاج (ع ى ف).
(٣) فى م: ((البغى)).
(٤) بعده فى ص، ر، م: ((قال)).
(٥) تقدم بتمامه فى ص ٤٨٥ .
(٦) فى ص، م، ت١، ت٢: ((نسبحك)).

٥٢٩
سورة البقرة : الآيتان ٣٢، ٣٣
بجميع ٢ ما قد كان، وما هو كائنٌ، والعالمُ للغُيوبِ دون جميع خلقِك . وذلك أنهم
نفَوْا عن أنفسِهم بقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَّ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّآ﴾. أن يكونَ لهم علمٌ إلا ما
عَّمهم ربّهم ، وأَثْتُوا ما نَفَوْا عن أنفسِهم مِن ذلك لربِّهم بقولهم: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ
الْحَكِيمُ﴾. يَعْنون بذلك العالمَ مِن غيرِ تعليم؛ إذ كان مَن سواك لا يَعْلَمُ شيئًا إلا
بتعليم غيرِه إياه .
اَلْحَكِيمُ﴾: هو ذو الحِكْمةِ، كما حدَّثْنى به المُثُنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ ،
قال: حدَّثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍٍ : العليمُ الذى قد كمُّل فى علمِه ،
والحكيمُ الذى قد كمُل فى حِكْمتِه (٢).
وقد قيل: إن معنى ﴿الْحَكِيمُ﴾ الحاكمُ، كما العليمُ بمعنى العالم، والخبيرُ
بمعنى الخابرِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ يَدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَاءِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ
بِأَسْمِّهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: إن اللَّه تعالى ذكرُه عرّف ملائكته [٥٢/٢ظ] الذين سألوه أن
يَجْعَلَهم الخلفاءَ فى الأرضِ ووصَفوا أنفسَهم بطاعتهِ والخضوع لأمرِه ، دون غيرهم
الذين يفْسِدون فيها ويَسْفِكون الدماءَ - أنهم مِن الجهلِ بمواقع تدبيرِه ومحَلِّ قَضائِه،
قبلَ إِطْلاعِه إياهم عليه، على نحوٍ جهلِهم بأسماءِ الذين عرَضهم عليهم ، إذ كان
ذلك مما لم يُعَلِّمْهم فيَعْلَموه، وأنهم وغيرَهم مِن العبادٍ لا يَعْلَمون مِن العلم إلا ما
(١) فى الأصل: ((لجميع )).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى مجموع الفتاوى ٢٢٠/١٧ - وأبو الشيخ فى العظمة (٩٨)
من طريق عبد الله بن صالح به مطولا . وسيأتى فى تفسير قوله: ﴿الصمد﴾.
(٣) بعده فى م: ((أن)).
( تفسير الطبرى ٣٤/١ )

٥٣٠
سورة البقرة : الآية ٣٣
علَّمَهم إياه ربُّهم ، وأنه يَخُصُّ بما شاء مِن العلم مَن شاء مِن الخلقِ، وَيَمْنَعُه منهم مَن شاء،
كما علَّم آدمَ أسماءَ من عرَض على الملائكةِ، ومنَعهم علمَها إلا بعدَ تعليمِه إياهم.
فأما تأويلُ قولِه: ﴿ قَالَ يَقَدَمُ أَنْبِشْهُمْ﴾: ( قال اللَّهُ: يا آدمُ أنِثْهم). يقولُ:
أَخْبِرِ الملائكةَ. والهاءُ والميمُ فى قولِه: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ عائدتان على الملائكةِ. وقولُه :
بِأَسْمَاءِهِمّ﴾ يعنى: بأسماءِ الذين عرَضهم على الملائكةِ. والهاءُ والميمُ اللتان فى
بِأَسْمَاءِهِمْ﴾ كنايةٌ عن ذكرٍ ﴿ هَؤُلاءِ﴾ التى فى قوله: ﴿ أَنِِّئُونِ بِأَسْمَاءِ
هَؤُلَاءٍ﴾. ﴿فَلَمَّ أَنْبَهُمْ﴾ يقولُ: فلمّا أُخْبَر آدمُ الملائكةَ بأسماءِ الذين عرَضهم
عليهم، فلم يَعْرِفوا أسماءَهم، وأَتْقَنوا خطأ قِيلِهِم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الذِمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِّسُ لك﴾. وأنهم قد هفَوْا(١) فى ذلك،
/ وقالوا ما لا يَعْلَمون كيفيَّةً وقوعٍ قَضاءِ ربِّهم فى ذلك، لو وقَع على ما نطَقوا به -
قال لهم ربُّهم: ﴿ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. والغيبُ : هو
ما غاب عن أبصارِهم فلم يُعاينوه. تَوبيخًا مِن اللَّهِ جلَّ وعزَّ لهم بذلك على ما سلَف
مِن قيلِهم، وفرَط منهم مِن خطاً مسألتِهم .
٢٢٢/١
كما حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا بشرٌ
ابنُ عُمارة، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباس: ﴿قَالَ يَدَمُ أَنْبِهُم
بِأَسْمَاءِهِمْ﴾. يقولُ: أَخْبِرُهم بأسمائِهِم، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَاءِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ﴾
أيُّها الملائكةُ خاصةً: ﴿ إِّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولا يَعْلَمُه غيرى(١) .
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قصةِ الملائكةِ
(١ - ١) سقط من: م، وفى ص: ((يقول أخبرهم)).
(٢) بعده فى ص: ((عنده)) .
(٣) تقدم بتمامه فى ص ٤٨٥.

٥٣١
سورة البقرة : الآية ٣٣
وآدمَ: فقال اللَّهُ للملائكة: كما لم تَعْلَموا هذه الأسماءَ، فليس لكم علم أنما (١)
أرَدْتُ أن أَجْعَلَهم لِيُفْسدوا فيها، هذا عِندِى(٢) قد علِمْتُه، فكذلك أحْفَيْتُ عنكم
أنى أَجْعَلُ فيها مَن يَعْصِينى ومَن يُطِيعُنى. قال: وسبق مِن اللَّهِ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ
اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [ هود: ١١٩]. قال: ولم تَعْلَم الملائكةُ ذلك ولم يَدْرُوه .
قال : فلما رأَوْا ما أعْطَى اللَّهُ آدمَ مِن العلمِ، أَقْرُّوا لآدمَ بالفضلِ(١).
[٥٣/٢و] القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ
تَكْتُمُونَ
٣٣
قال أبو جعفر : اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك ؛ فرُوِى عن ابنِ عباسٍ فى
ذلك ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُّ
عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ﴾ .
يقولُ: ما تُظْهِرون، ﴿ وَمَا كُمْ تَكْتُمُونَ ﴾. يقولُ: أَعْلَمُ السرَّ كما أَعْلَمُ العَلانيةَ.
يعنى ما كتَم إبليسُ فى نفسِه مِن الكِبْرِ والاغْتِرارِ (١).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن
الشُّدِّىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباس ، وعن مُؤَّةَ ،
عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ◌ِ لَّهِ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ
تَكْتُونَ﴾. قال: قولُهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ الدِّمَآَ﴾. فهذا
الذى أَبْدَوْا، ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَكْثُمُونَ﴾. يَعْنِى ما أسَرَّ إبليسُ فى نفسِه مِن الكترِ (*).
(١) فى ص: ((بما)).
(٢) فى ص، ر: ((عبدى)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٧/١ عن المصنف .
(٤) تقدم بتمامه فى ص ٤٨٥ .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٦/١ عن السدی به .

٥٣٢
سورة البقرة : الآية ٣٣
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ قال: حدَّثنا أبو أحمد الزُّیثرىُّ قال : حدَّثنا
عمرُو بنُّ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولَه: ﴿ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُمْ
تَكْتُمُونَ﴾. قال: ما أسَوَّ إبليسُ فى نفسِه١ُ .
حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ فى قوله: ﴿ وَأَعْلَمُ
مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْثُمُونَ﴾. قال: ما أسَرَّ إبليسُ فى نفسِه مِن الكِبرِ أَلَّا يَسْجُدَ
(٢)
لآدمَ(٢).
حدَّثنى المُنُنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ الأنماطىُّ، قال: حدَّثْنا مَهْدىُّ بنُ مَيْمونٍ ،
قال سمِعْتُ الحسنَ بنَ دينارٍ قال للحسنِ ونحن جلوسٌ عندَه فى منزله : يا أبا
سعيدٍ ، أرأيْتَ قولَ اللَّهِ للملائكةِ: ﴿ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُونَ﴾. فما
٢٢٣/١ الذى كتَمَت الملائكةُ؟ فقال الحسنُ: إن اللَّهَ لَّ خلَق / آدمَ، رأَتِ الملائكةُ خلقًا
عَجبًا، فكأنهم دخَلَهم مِن ذلك شىءٌ، فأقبَل بعضُهم إلى بعضٍ، وأسرُوا ذلك
بينَهم ، فقالوا: ما يُهِمُّكم من هذا المخلوقِ! إِن اللَّهَ لن يَخْلُقَ خلقًا إلا كُنَّا أكرمَ عليه
(٣)
منه(٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
قَتَادةَ فى قوله : ﴿ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُونَ﴾. قال : أَسَرُّوا بينَهم فقالوا :
= وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة.
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢/١ (٣٥٤) من طريق الفضل بن خالد، عن عبيد بن سليمان ، عن
الضحاك عن ابن عباس بنحوه .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣/١ عقب الأثر (٣٥٧) معلقا. وعمرو بن ثابت ضعيف.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٦/١ عن الثورى .
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٨٥ - تفسير) من طريق مهدى بن ميمون به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/١ إلى عبد بن حميد.

٥٣٣
سورة البقرة : الآية ٣٣
يَخْلُقُ اللَّهُ ما ( يَشاءُ أَن يَخْلُق١َ)، فلن يَخْلُقَ خلقًا إلَّ ونحن أكرمُ عليه منه(٢).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن
أبيه، عن الربيع بنٍ أنسٍ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾: فكان الذى
أَبْدَوا [٥٣/٢ظ] حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ . وكان الذى كتَموا
بينَهم قولُهم : لن يَخْلُقَ ربَّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلَمَ منه وأكرمَ . فعرفوا أن اللَّهَ فضَّل
آدمَ عليهم فى العلمِ والكرم(٣).
قال أبو جعفرٍ : وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما قاله ابنُ عباسٍ ، وهو أن معنى
قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ ﴾: وأعلمُ - مع علمِى غيبَ السماواتِ والأرضِ - ما
تُظهِرون بألسنتِكم، ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: وما كنتم تُخْفُونه فى أنفسكم ، فلا
يَخْفَى علىَّ شىءٌ، سواءٌ عندى سَرائرُكم وعَلانيتُكم . والذى أَظْهَروه بألسنتهم ما
أخبَرَ اللَّهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم قالوه، وهو قولُهُ(١): ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الذِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾. والذى كانوا يَكْتُمونه ما كان
عليه منطويًا إبليسُ مِن الخلافِ على اللَّهِ فى أمرِهِ، والتَّكَثُرِ عن طاعته؛ لأنه لاخلافَ
بينَ جميع أهلِ التأويلِ أن تأويلَ ذلك غيرُ خارجٍ مِن أحدِ الوجهَيْن اللذين وصَفْتُ ،
وهو ما قلْنا. والآخرُ ما ذكَرْنا مِن قولِ الحسنِ وقتادةً، ومَن قال: إن معنى ذلك
كِتْمانُ الملائكةِ بينَهم : لن يَحْلُقَ اللَّهُ خلقًا إلا کنا أکرم علیه منه . فإذ كان لا قولَ فی
(١ - ١) فى الأصل، ر: ((شاء)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٤٣/١.
(٣) بعده فى ت١، ت٢: ((كتموا بينهم قولهم لن يخلق ربنا خلقا)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣/١ (٣٥٧) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) فى م: (( قولهم)).

٥٣٤
سورة البقرة: الآيتان ٣٣ ، ٣٤
تأويلِ ذلك إلا أحدُ القولين اللذين وصَفْتُ، ثم كان أحدُهما غيرَ موجودةٍ على
صحتِه الدَّلالةُ مِن الوجهِ الذى يَجِبُّ التسليمُ له - صَحَّ الوجهُ الآخرُ. والذى حُكِى
عن الحسنِ وقتادةَ ومَن قال بقولِهما فى تأويلِ ذلك، غيرُ موجودةِ الدَّلالةُ على صحته
من الكتابِ ، ولا من خبرٍ تجبُ به حجةٌ . والذى قاله ابنُ عباس يَدُلِّ على صحته خبرُ
اللَّهِ عن إبليسَ وعِضْيانِه إياه ، إذ دعاه إلى السجودِ لآدَمَ عليه السلامُ فَأَبَى وَاسْتَكْبَر،
وإظهارُه لسائرِ الملائكةِ مِن معصيتِه وكِبْرِه ما كان له كاتما قبلَ ذلك .
فإن ظَنَّ ظانٌّ أن الخبرَ عن كِتمانِ الملائكةِ ما كانوا يَكْتُمون ، لمَّا كان خارجًا
مَخْرَجَ الخبرِ عن الجميعِ، كان غيرَ جائزٍ أن يكونَ ما رُوِى فى تأويلٍ ذلك عن ابنٍ
عباسٍ ومَن قال بقولِه، مِن أن ذلك خبرٌ عن كِتْمانِ إبليسَ الكَثْرَ والمعصيةَ،
صحيحًا، فقد ظَنَّ غيرَ الصوابِ. وذلك أن مِن شأنِ العربِ إذا أخْبَرَتْ خبرًا
عن بعضٍ جماعةٍ بغيرِ تسميةِ شخصٍ بعينه أن تُخْرِجَ الخبرَ [٥٤/٢و] عنه مُخْرَجَ
الخبرِ عن الجميعِ، وذلك كقولهم: قُتِل الجيشُ وهُزِموا. وإنما قُتِل الواحدُ
أو البعضُ، وهُزم الواحدُ أو البعضُ، فَتُخْرِجُ الخبرَ عن المهزومِ منهم والمقتولِ
مُخْرَجَ الخبرِ عن جميعِهم، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ
اُلُْجُرَتِ / أَكْتُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]. ذُكِر أن الذى نادَى رسولَ
اللَّهِ عَمِ فنزَلَت هذه الآيةُ فيه، كان رجلاً مِن جماعةٍ مِن بنى تَميم ، كانوا قدِموا على
رسولِ اللَّهِ عَت ◌ٍِّ(١). فَأَخْرَجُ الخبرَ عنه مُخْرَجَ الخبرِ عن الجماعةِ، فكذلك قولُه:
وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. أخْرَج الخبرَ مُخْرَجَ الخبرِ عن الجميعِ،
والمرادُ به الواحدُ منهم .
٢٢٤/١
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَتِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ
(١) سيأتى تخريجه فى سورة الحجرات .

٥٣٥
سورة البقرة : الآية ٣٤
٣٤
إِيْلِيسَ أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ
قال أبو جعفر: أما قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾. فمعطوفٌ على قولِه: ﴿ وَإِذْ
قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ﴾. كأنه قال لليهودِ الذين كانوا بينَ ظهرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ
اللَّهِ عَظِّمِ من بنى إسرائيلَ، مُعَدِّدًا عليهم نعمه، ومُذَكّرَهم آلاءَه ، على نحو الذى قد
وصَفْنا فيما مضى قبلُ - : اذْكُرُوا فِعلى بكم إذ أَنْعَمْتُ عليكم ، فخلَقْتُ لكم ما فى
الأرضِ جميعًا ، وإذ قلتُ للملائكةِ إنى جاعِلٌ فى الأرضِ خليفةً ، فكرَّمْتُ أبا كم آدمَ
بما آتَيْتُه مِن عِلْمی وفَضْلی و گرامتی، وإذ اُسْجدتُ له مَلائِکتی فسجدوا له . ثم
اسْتَثْنی مِن جميعِهم إبليسَ، فدلَّ باستثنائِه إياه منهم على أنه منهم ، وأنه ممّن قد أَمِر
بالسجودِ معهم، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ اُلسَّحِدِينَ
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢:١١]. فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمَر
إبليسَ فى من أمَره مِن الملائكةِ بالسجودِ لآدمَ، ثم اسْتَثْناه مما أخْبَر عنهم أنهم فعَلوه
مِن السجودِ لآدمَ، فأخْرَجه مِن الصفةِ التى وصَفهم بها مِن الطاعةِ لأمرٍه، ونفَى عنه
ما أثْبته لملائكتِهِ مِن السجودِ لعبدِه آدمَ .
ثُم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيه؛ هل هو مِن الملائكةِ أم هو مِن غيرِهم؟ فقال
بعضُهم [٤/٢ ٥ظ٢ بما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدّثنا
بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضَّحَّاكِ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ مِن
حىٍّ مِن أحياءِ الملائكةِ يقالُ لهم: الجِنُّ. خُلِقوا مِن نارِ السَّمومِ مِن بينِ الملائكةِ .
قال: وكان اسمُه الحارثَ. قال: وكان خازنًا مِن خُرَّانِ الجنةِ. قال: وخُلِقَت
الملائكةُ مِن نورٍ غيرَ هذا الحىِّ. قال: وخُلِقَت الجِنّ الذين ذُكِروا فى القرآنِ مِن مارجِ
مِن نارٍ ؛ وهو لسانُ النارِ الذى يَكونُ فى طَرَفِها إِذا الْتَهَبَتِ(١).
(١) تقدم بتمامه فى ص ٤٨٢ .

٥٣٦
سورة البقرة : الآية ٣٤
(١)
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن خَلَادِ بنِ
عَطاءٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كان إبليسُ قبلَ أن يَوْكَبَ المعصيةَ مِن
الملائكةِ، اسمُه عَزَازيلُ(٢)، وكان مِن سكانِ الأرضِ، وكان مِن أشدِّ الملائكةِ
اجْتِهادًا وأكثرِهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبرِ، وكان مِن حىٍّ يُسَمَّوْن جنًّا(١) .
وحدَّثنا به ابنُ محُميدٍ مرةً أخرى، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ،
عن خلادِ بنِ عطاءٍ، عن طاوسٍ، أو مُجاهِدٍ أبى الحَّاج، عن ابنِ عباسٍ
وغيرِهِ بنحوِه، إلا أنه قال: كان مَلَكًا مِن الملائكةِ اسمُه عَزَازِيلُ(٤)، وكان مِن
سكانِ الأرضِ وعُمَّارِها، وكان سكانُ الأرضِ فيهم يُسَمَّوْن الجنَّ مِن بينِ
(٥)
الملائكةِ (٥) .
/ حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا
أَسْباطُ ، عن الشدِّىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ،
٢٢٥/١
(١) فى ص، ر، م، ت١، ت٢، وتفسير ابن كثير ١/ ١١٠، والبداية والنهاية ١٢٩/١: ((عن)).
وفى الرواة : خلاد بن عطاء بن رباح ، يروى عن أبيه . التاريخ الكبير ١٨٦/٣.
وخلاد بن عبد الرحمن الصنعانى ، يروى عن طاووس ومجاهد. تهذيب الكمال ٣٥٦/٨.
والمثبت كما فى الأصل، وكذلك هو فى تاريخ المصنف ، والأضداد، وتفسير ابن كثير ١٦٥/٥.
وفى الرواة : خلاد بن عطاء بن الشَّيْج، يروى عن طاووس. وقال ابن إسحاق : هو الشامى. التاريخ الكبير
١٨٦/٣. وينظر ما سيأتى فى تفسير الآية ٥٠ من سورة الكهف .
(٢) فى الأصل: ((عزرائيل)).
(٣) أخرجه ابن إسحاق فى المبتدأ، كما فى تفسير ابن كثير ١١٠/١.
وأخرجه المصنف فى تاريخه ٨٦/١. وينظر الدر المنثور ٥٠/١ .
(٤) فى ر: ((عزرايل)).
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٨٦/١. وأخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص ٣٣٤ من طريق ابن حميد
وابن غانم ، عن سلمة به مطولا .

٥٣٧
سورة البقرة : الآية ٣٤
وعن مُرَّةَ، عن ابنٍ مسعودٍ ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ عَ له: جُعِل إبليسُ على
مُلْكِ سماءِ الدنيا ، وكان مِن قبيلةٍ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الجُّ . وإِنما سُمُّوا الجنَّ
لأنهم خُزَّانُ الجنةِ ، وكان إبليسُ مع مُلْكِه خازنً(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسَيْنُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ،
قال : قال ابنُ عباسٍ : كان إبليسُ مِن أَشْرافِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً ، وكان خازنًا
على الجنانِ، وكان له سلطانُ سماءِ الدنيا، وكان له سلطانُ الأرضِ. قال : قال ابنُ
عباسٍ: وقولُه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنّ﴾ [الكهف: ٥٠]. إنما سُمِّى بالجنَّانِ أنه كان خازنًا
عليها. كما يُقالُ للرجلِ: مَكَىٌّ، ومدَنِىٌّ، وكوفيٌّ، وبصرىٌّ. قاله(١٢) ابنُ
(٤)
مُرَیْجُ .
وقال آخرون: هم سِبْطٌّ مِن الملائكةِ قَبِيلَةٌ، وكان اسمُ قبيلتِهِ الجِنَّ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنی حجاجٌ ، عن ابنٍ جریجٍ ،
عن صالحٍ مولى التوأمةِ وشريكِ بنِ أبِى ◌َمِرٍ - أحدُهما أو كلاهما - عن ابن عباسٍ،
قال : إن مِن الملائكةِ قبيلةً مِن الجِّ، وكان إبليسُ منها، وكان يَشُوسُ ما بينَ السماءِ
(٥)
والأرضِ (٥).
(١) تقدم بتمامه فى ص ٤٨٦ .
(٢) زيادة من : م .
(٣) فى النسخ: ((قال)). والمثبت مما سيأتى فى تفسير سورة الكهف .
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٨١/١ إلى قوله: ((وكان له سلطان الأرض)). وسيأتى فى سورة الكهف
بزيادة . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٤ إلى المصنف وابن المنذر ، بزيادة نحوه .
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٨١/١. وسيأتى فى ص ٥٤١ من طريق آخر عن شريك ، عن صالح، عن ابن
عباس . وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١١٣١) من طريق سليمان بن بلال ، عن شريك ، عن كريب ، عن
ابن عباس .

٥٣٨
سورة البقرة : الآية ٣٤
حُدِّثْتُ عن الحُسَينِ بنِ الفَرَج، قال : سمِعْتُ أَبا مُعاذِ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال:
أُخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضََّّاكَ بنَ مُزَاحِم يقولُ فى قولِه :
فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن إبليسَ
كان مِن أشرفِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةٌ. ثم ذكَر مثلَ حديثٍ [٥٥/٢ر] ابنِ
جُرَيْج الأُولِ سَواءٌ(١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثُنَّى ، قال: حدَّثنى شَيْبانُ ، قال: حدَّثنا سَلَّمُ بنُ مِشْكينٍ،
عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ ، قال: كان إبليسُ رئيسَ ملائكةِ سماء الدنيا(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لَدَمَ فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِ﴾: قَبِيلٌ مِن الملائكةِ
يُقالُ لهم: الجنّ. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: لو لم يَكُنْ مِن الملائكة لم يُؤْمَز بالسجودِ ،
وكان على خِزانةِ سماءِ الدنيا. قال: وكان قتادةُ يقولُ: جنَّ عن طاعةِ ربّه (٣) .
حَدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُنْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
قَتَادةَ فى قوله: ﴿ إِلَّ إِيَلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ﴾. قال: كان مِن قَبِيلٍ مِن الملائكةِ
يقالُ لهم : الجُّ(٤) .
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال حدَّثْنَا سَلَمةُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: أمَّا
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٨١/١ عن عبدان المروزى، عن الحسين بن الفرج به.
وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١١٣٨) من طريق أبى معاذ به نحوه.
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٠٨٦/١ وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/١، ٢٢٧/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم عن أبيه، إلى قوله: سماء
الدنيا .
وأخرج باقيه أبو الشيخ فى العظمة (١١٣٢) من طريق سلام بن مسكين، عن أبيه ، عن قتادة .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٤٠٤/١.

٥٣٩
سورة البقرة : الآية ٣٤
العربُ فيقولون: ما الجنّ إلَّا كلُّ ما اجْتَنَّ فلم يُرَ. قال: وأما قولُه: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ
كَانَ مِنَ اُلْجِنّ﴾. أى: كان مِن الملائكةِ، وذلك أن الملائكةَ اجْتَنُّوا فلم يُرَوْا، وقد
قال اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلِْنَّةِ نَسَبَّا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ
لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]. وذلك لقولٍ قريش: إن الملائكةَ بناتُ اللَّهِ. فيقولُ
اللّهُ جلَّ ذكره : إن تکنِ الملائكةُ بناتی / فإبليسُ منها ، وقد جعلوا بینی وبینَ إِبليسَ
وذريته نسَبًّا. قال: وقد قال الأغْشَى ؛ أغشَی بنی قیسٍ بن ثعلبة البكرىُّ، وهو يَذْكُرُ
سليمانَ بنَ داودَ وما أعطاه اللَّهُ عزّ وجلّ :
٢٢٦/١
لكان سليمانُ البرِىءَ مِن الدَّهرِ
فلو كان شىءٌ خالدًا أو مُعمَّرًا
وملُّكه ما بينَ ثرياً) إلى مِصْرٍ
بَرَاه إلهى واصطَفاه عِبادَه
قيامًا لديه يعملون بلا أجرٍ
وسخَّر من جنِّ الملائكِ تسعةٌ
قال: فَأَبَت العربُ فى لغتِها إلا أن الجنَّ كلُّ ما اجتَنَّ، وتقولُ: ما سمَّى اللَّهُ
الجنَّ إلا أنهم اجْتَنُّوا فلم يُرَوا، وما سمَّى بنى آدمَ الإنسَ إلا أنهم ظهَروا فلم يجتثُّوا،
فما ظهَر فهو إنس، وما اجْتنَّ فلم يُر فهو جِنّ(٢).
وقال آخرون بما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِىٌّ، عن
عوفٍ ، عن الحسنِ، قال: ما كان إبليسُ مِن الملائكةِ طَرْفةَ عينٍ قطُّ ، وإنه لأصلُ
(١) فى الأصل: ((تونا))، وفى الأضداد: ((ترنا)).
(٢) أخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص٣٣٥ من طريق ابن حميد وابن غانم، عن سلمة به
مختصرا .
وقال الحافظ ابن كثير فى تفسيره ١٦٥/٥: وقد روى فى هذا آثار كثيرة عن السلف ، وغالبها من
الإسرائيليات التى تنقل لينظر فيها ، والله أعلم بحال كثير منها ، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته الحق الذى
بأيدينا ، وفى القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة .

٥٤٠
سورة البقرة : الآية ٣٤
الجنِّ كما أن آدمَ أصلُ الإنسِ(١) .
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ ، قال: كان الحسنُ يقولُ فى قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِسَ كَانَ مِنَ الْجِنِ﴾: ألجأه إلى
نَسَبِهِ، [٥٥/٢ظ] فقال اللّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿أَفَنَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ: أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ﴾
الآية. وهم يَتَوالَدون كما يَتَوالَدُ بنو آدمَ(١).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ
الْيَحْمَدِىُّ(٢) إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثْنَا سَوَّارُ بنُ الجَغْدِ اليَحْمَدِىُّ، عن شَهْرٍ
ابنِ حَوشَبٍ قولَه: ﴿مِنَ الْجِنّ﴾. قال: كان إبليسُ مِن الجِنِّ الذين طرَدَتهم
الملائكةُ ، فأسَرَه بعضُ الملائكةِ فذهَب به إلى السماءِ(٤) .
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ :
إبليسُ أبو الجنِّ، كما آدمُ أبو الإنسِ) .
حدَّثنا علىُّ بنُ الحسنِ(١)، قال: حدَّثنى أبو نصرٍ أحمدُ بنُ محمدٍ الخَلَّلُ،
قال: حدَّثنى سُنَيدُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنى هُشَيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ
يحيى ، عن موسى بنِ ثُمَيْرٍ وعثمانَ بنِ سعيدٍ بنٍ كاملٍ ، عن سعدٍ بن مسعودٍ ، قال :
(١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١١٥٦) من طريق ابن أبى عدى به .
وأخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص٣٣٧ ، وأبو الشيخ (١١٤٠) من طريق عوف به . وقال ابن كثير فى
تفسيره ١ / ١٦٤/٥،١١٠: هذا إسناد صحيح .
(٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١١٤٨) من طريق يزيد، عن سعيد، عن قتادة من قوله.
(٣) بعده فى م: ((حدثنا)).
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٨٧/١ . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٥) ينظر تفسير ابن كثير ١١٠/١.
(٦) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((الحسين)).