النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ سورة البقرة : الآية ٣٠ الملائكةَ إِنما قالت لربِّها - إذ قال لهم ربهم: ﴿ إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ - : ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الذِّمَآءَ﴾. إخبارًا منها بذلك عن الخليفةِ الذى أخبَر اللّهُ جلَّ ذِكْرُه أنه جاعِلُه فى الأرضِ لا عن (١) غيرِه؛ لأن "المحاورةَ بين(٢) الملائكةِ وبين ربِّها عنه جرتْ . قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان اللّهُ تعالى ذِكْرُه قد برّأْ آدمَ من الإفسادِ فى الأرضِ وسفْكِ الدماءِ، وطهَّره من ذلك، عُلِمَ أن الذى عُنى به غيرُه من ذرِّيتِه . فثبت أن / الخليفةَ الذى يفسِدُ فى الأرض ويَسفِكُ الدماءَ هو ٢٠١/١ غيرُ آدمَ، وأنهم ولدُه الذين فعلُوا ذلك، وأن معنى الخلافةِ التى ذكرها اللَّهُ إنما هى خلافةُ قَوْنٍ منهم قرنًا، عندَهم(٢)؛ لما وصَفْنا. وأغفَل قائلُو هذه المقالةِ ومتأوّلو الآيةِ هذا التأويلَ سبيلَ التأويل، وذلك أن الملائكةَ - إذ قال لها ربُّها: ﴿إِ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ - لم تُضِفِ (٤) الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ فى جوابِها ربَّها إلى خليفتِه فى أرضِه، بل قالت: ﴿ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. وغيرُ مُنكرٍ أن يكونَ ربُّها أعلَمَها أنه يكونُ لخليفتِهِ ذلكَ ذريةٌ يكونُ منهم الإفسادُ وسفكُ الدماءِ، "فقالت: يا ربَّنا، أتجعلُ فيها من يفسِدُ فيها ويسفِكُ الدماءً°). كما قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ ومَن حكَيْنا ذلك عنه من أهلِ التأويلِ(١). (١) سقط من: م. (٢ - ٢) فى ر: ((المجاورة من)). (٣) فى ص، م، ت١، ت٢: ((غيرهم)). وعندهم. يعنى عند هؤلاء المتأولين. (٤) فى ص: ((تصف))، وفى: ت ٢: ((يصف)). (٥ - ٥) سقط من : ر. (٦ - ٦) سقط من : الأصل . (٧) بعده فى ص: ((على الأصل المنقول منه بلغت من أوله قراءتى على القاضى أبى الحسن الخصيب بن عبد الله الخصيبى عن أبى محمد الفرغانى عن أبى جعفر الطبرى. وسمع معى أخى على بن أحمد بن = ( تفسير الطبرى ٣١/١ ) ٤٨٢ سورة البقرة : الآية ٣٠ القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه خبرًا عن ملائكتِهِ: ﴿ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ . إن قال لنا قائلٌ : وكيف قالتِ الملائكةُ لربِّها ، إذا أخبرها أنه جاعلٌ فى الأرضِ خليفةً: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ اُلْدِمَآءَ﴾. ولم يكنْ آدمُ بعدُ مخلوقًا ولا ذريتُه، فيعلَموا ما يفعلون عِيانًا؟ أَعلِمتِ الغيبَ فقالت ذلك، أم [٣٨/١ و] قالت ما قالت مِن ذلك ظنًّا؟ فذلك شهادةٌ منها بالظنِّ، وقولٌ بما لا تعلمُ ، وذلك ليس مِن صفتِها ، أمْ ما وجهُ قِيلِها ذلك لربِّها ؟ قيل : قد قالتِ العلماءُ من أهلِ التأويلٍ فى ذلك أقوالًا ، ونحن ذاكرو أقوالهم فى ذلك، ثم مُخْبِرون بأصحِّها برهانًا وأوضحِها حُجةٌ . فرُوِى عن ابنِ عباسٍ فى ذلك ما حدثنا به أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ مِن حىٍّ مِن أحياءِ الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ(١). خُلِقوا من نارٍ الشَّمومٍ مِن بينِ الملائكةِ. قال: وكان اسمُه الحارثَ. قال: وكان خازنًا مِن خُزَّانِ الجنةِ . قال: وخُلِقتِ الملائكةُ كلُّهم مِن نورٍ غيرَ هذا الحىِّ. قال: وخُلِقَتِ الجنّ الذين ذكروا فى القرآنِ من مارجٍ من نارٍ - وهو لسانُ النارِ الذى يكونُ فى طرّفِها إذا أَلْهِبَت - قال: وخلق الإنسانُ (٢من طينٍ(٢)، فأولُ مَن سكَن الأرضَ الجرّ، فأفسَدوا فيها وسفَكوا الدماءَ، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث اللَّهُ جلَّ وعزَّ إليهم = عيسى ونصر بن الحسن الطبرى. وسمع أبو الفتح أحمد بن عمر الجهارى من موضع سماعه . وكتب محمد بن أحمد بن عيسى السعدى فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربع مائة ، بسم الله الرحمن الرحيم رب تمم )). (١) فى ص: ((الحن)). (٢ - ٢) سقط من: ص. ٤٨٣ سورة البقرة : الآية ٣٠ إبليسَ فى جندٍ مِن الملائكةِ - وهم (١) هذا الحىّ " الذين يُقالُ لهم: الجنّ(١) - فقتَلهم إبليسُ ومن معه حتى ألحَقَهم بجزَائِرِ البُحورِ وأطرافِ الجبالِ ، فلما فعَل إبليسُ ذلك اغترَّ فى نفسِه، وقال: قد صنَعْتُ شيئًا لم يَصْنَعْه أحدٌ. قال: فاطّلع اللَّهُ على ذلك مِن قلبِهِ ، ولم تطَّلِع عليه الملائكةُ الذين كانوا معه، فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤه للملائكةِ "الذين معه٤): ﴿ إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِفَةٌ﴾. فقالتِ الملائكةُ مجيبين له : ﴿أَتَجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾، كما أفسدتِ الجنُّ وسفَكَتِ الدماءَ، وإنما بعَثْتَنَا (٥) عليهم لذلك، فقال: ﴿إِنِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ . يقولُ: إنى قد اطّلعتُ من قلبٍ إِبليسَ على ما لم تطّلعوا عليه من كِبْرِهِ واغْتِرارِه (١). قال: ثم أمَر بتربةِ آدمَ فرُفِعَت ، فخلَق اللَّهُ آدمَ مِن طينٍ لازِبٍ - واللازِبُ اللَّرِيجُ الطيّبُ(٢) - مِن حمأُ مَشئونٍ مُنْتِنٍ. قال: وإنما كان حماً مسنونًا بعدَ الترابِ. قال: فخلَق [٣٨/١ظ] منه آدمَ عليه السلامُ بيدِه. قال: فمكث أربعينَ ليلةٌ جسدًا ملقّى، فكان إبليسُ يَأْتِيه فيَضْرِئُه بِرِجْلِه فيُصَلْصِلُ - أى(٨): فَيُصَوِّتُ - قال: فهو / قولُ اللهِ تعالى ذكره: ﴿مِن صَلْصَلِ كَالْفَخَّارِ ﴾ [الرحمن: ١٤]. يقولُ: ٢٠٢/١ كالشىءٍ المنفوخ (١) الذى ليس بمُصمَتٍ(١٠). قال: ثم يَدْخِلُ فى فِيه ويَخرِجُ من دُيُرِهِ، (١) فى الأصل: ((هو)). (٢ - ٢) سقط من: الأصل . (٣) فى الأصل، ص: ((اعتز)). (٤ - ٤) سقط من: ص . (٥) فى ص، م: ((بعثنا))، وفى ت ٢: ((بغينا))، وفى ت١: ((بقينا)). (٦) فى الأصل، ص: ((اعتزازه)). (٧) فى ص، ر، م، ت ١: ((الصلب)). (٨) زيادة من : م. (٩) فى ر، ت ٢: ((المنفرج)). (١٠) المصمت: الذى لا جوف له. اللسان ( ص م ت ). ٤٨٤ سورة البقرة : الآية ٣٠ ويَدْخلُ من دُبُرِهِ، ويَخرُجُ من فِيه، ثم يقولُ: لستَ شيئًا للصلصلةِ، ولشىءٍ ما خُلقتَ ، لئن سُلِّطتُ عليك لأَهْلِكَتَّك، ولئن سُلِّطْتَ علىَّ لَأَعْصِيَنَّك. قال: فلما نفَخ اللَّهُ فيه من رُوحِه ، أتَتِ النَّفخةُ مِن قِبلِ رأسِه فجعَل لا يَجرِى شىءٌ منها فى جسدِهِ إِلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهتِ النفخةُ إلى سُرَّتِه نظَر إلى جسدِه ، فأعجبه ما رأى مِن حُسنِهِ، فذهَب ليَنهضَ فلم يَقدِرْ، فهو قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَانَ(١) اَلْإِسَنُ عَجُوْلًا﴾ [الإسراء: ١١]. قال: ضجِرًا لا صبْرَ له على سَرَّاءَ ولا ضَرّاءَ. قال: فلما ثُمَّتِ النفخةُ فى جسدِه عطَس فقال: الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين. بإلهام اللَّهِ له، فقال اللَّهُ له: يَرْحَمُكِ اللَّهُ يا آدمُ. قال: ثم قال اللَّهُ للملائكةِ الذين كانوا مع إبليسَ خاصةً دونَ الملائكةِ الذين فى السماواتِ : اسْجُدوالآدمَ . فسجدوا كلُّهم أجمعون إلا إبليسَ أتَى واستكبر، لما كان(٢) حدَّث به(٣) نفسَه مِن كثرِه واغترارِه(٤)، فقال: لا أسجدُ له، وأنا خيرٌ منه، وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، ﴿خَلَقْتَنِ مِن ثَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ [الأعراف: ١٢] . يقولُ: إن النارَ أقْوَى مِن الطينِ. قال: فلما أتَى إبليسُ أن يسجدَ أَبْلَسَه اللَّهُ، أى(٥): آيَسَه مِن الخيرِ كلِّه، وجعَله شيطانًا رَجيمًا عقوبةٌ لمعصيتِه. ثم علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها ، وهى هذه الأسماءُ التى يَتعارَفُ بها الناسُ؛ إنسانٌ ودابةٌ وأرضّ وسهلٌ وبحرٌ وجبلٌ (١) وحمارٌ، وأشباهُ ذلك مِن الأمم وغيرِها ، ثم عرَض (١) فى الأصل، ص، ر، ت ١، ت ٢: ((خلق))، وفى الدر المنثور: ((خلق الإنسان من عجل))، وفى تفسير أبن كثير تركت على الخطأ كما جاءت فى المخطوطات الخمس المذكورة . (٢) سقط من : الأصل. (٣) سقط من: الأصل ، ر. (٤) فى ص: ((اعتزازه)). (٥) سقط من: الأصل، وفى م: (( و)). (٦) فى ص: (( حبل )). ٤٨٥ سورة البقرة : الآية ٣٠ هذه الأسماءَ على أولئك الملائكةِ - يعنى الملائكةَ الذين كانوا مع إبليسَ الذين خُلِقوا مِن نارِ السمومٍ - وقال لهم: ﴿أَنْبُّونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ﴾. يقولُ: أَخْبِرُونى بأسماءِ هؤلاء، ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾: إن كنتم تعلمون لمَ(٢) أَجعَلُ فى الأرضِ خليفةً . قال: فلمّا علِمتِ الملائكةُ مُؤاخذةَ (١) اللَّهِ عليهم فيما تكلَّموا به من علم الغيبِ الذى لا يعلمُه غيرُه ، الذى ليس لهم به علمٌ، قالوا : سُبْحَتَكَ﴾ - تَنزيهًا للَّهِ مِن أن يكونَ أحدٌ [٥٣٩/٢] يعلمُ الغيبَ غيرَه - تبنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّأْ﴾ - تَبَرِّيًا منهم من علم الغيبِ - ﴿ إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ كما علَّمْتَ آدمَ. فقال: ﴿يَادَمُ أَنْبِهُم بِأَسْمَاءِمْ﴾ . يقولُ: (٤) يقولُ: أُخبرَهم" بأسمائهم، أخبرهم بأسمائهم، ﴿ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَشَآِهِمْ ﴾، ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ﴾ أيها الملائكةُ خاصةً: ﴿ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ولا يَعْلَمُه غيرى، ﴿ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ﴾. يقول: ما تُظْهِرون، ﴿وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. يقول: أعلمُ السرَّ كما أعلمُ العَلانيةَ، يعنى ما كتَم إبليسُ فى نفسِه مِن الكبرِ والاغْتِرارِ(٦) . وهذه الروايةُ عن ابنِ عباسٍ تُنبئُ عن أن قولَ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿ وَإِذْ قَالَ (١ - ١) فى ص، ر، م: ((أنكم)). (٢) فى ص، م، ت٢: ((أنى)). (٣) فى ص: (( موجدة)). (٤ - ٤) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢. (٥) فى ص، ر: ((مما)). (٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ٨٤/١، ٩٠، ٩٢، ٩٥، ٩٧، ١٠٠ مفرقًا. وعزاه ابن كثير في تفسيره ١٠٨/١ إلى المصنف بطوله، وقال عقبه: هذا سياق غريب ، وفيه أشياء فيها نظر یطول مناقشتها ، وهذا الإسناد إلى ابن عباس یروی به تفسير مشهور . ٤٨٦ سورة البقرة : الآية ٣٠ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾. خطابٌ مِنِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ لخَاصِّ مِن الملائكةِ دونَ الجميع، وأن الذين قيل لهم ذلك من الملائكةِ كانوا قبيلةَ إِبليسَ خاصةً ، الذين قاتلوا معه جنَّ الأرضِ قبلَ خلقِ آدمَ ، وأن اللَّهَ إنما خصَّهم بقيلِ ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً؛ ليعرّفَهم قصورَ علْمِهم وفضْلَ كثيرٍ ثمّن هو أضعفُ خَلْقًا منهم من خَلْقِه عليهم ، وأن كرامته لا تُنالُ بقُوَى الأبدانِ وشدةِ الأجسام، كما ظنَّه إبليسُ عدُّ اللَّهِ، ومُصَرِّعُ(١) بأن قِيلَهم لربِّهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ ﴾. كانت هَفْوةً منهم ورَجْمًا بالغيبِ، وأن اللَّهَ أَطْلَعَهم على مكروهِ ما نطَقوا به مِن ذلك، ووقَّفهم عليه حتى تابوا وأنابوا / إليه مما قالوا ونطَقوا مِن رَجْمِ الغَيْبِ بالظّنونِ، وتبرَّءُوا إليه من أن يَعْلَمَ الغيبَ غيرُه، وأَظْهَر لهم مِن إِبليسَ ما كان مُنطوِيًا عليه من الكِبرِ الذى قد كان عنهم مسْتَحْفِيًّا . ٢٠٣/١ وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ خلافُ هذه الرواية ، وهو ما حدَّثنی به موسی بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسْباطُ ، عن السدىِّ فی خبرٍ ذكَره عن أبى مالك ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنٍ مسعودٍ ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ عَ لَه: لما فرَغ اللَّهُ مِن خلقِ ما أحبَّ، استوى على العرشِ، فجعَل إبليسَ على مُلْكِ سماءِ الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكةِ يُقالُ لهم : الجنّ . وإِنما سُمُّوا الجنَّ لأنهم خُزَّانُ الجنةِ ، وكان إبليسُ مع مُلكِه خازنًا، [٣٩/٢ظ] فوقَع فى صدرِهِ كِبْرٌ، وقال: ما أعطانى اللَّهُ هذا إلا لمزيدٍ (١) لى - هكذا قال موسى ابنُ هارونَ، وقد حدَّثنى به (١) غيرُهُ(١) فقال: لمَزِيَّةٍ لى - على الملائكةِ. فلما وقَع (١) فى ر: ((تصرح))، وفى م، ت ١، ت ٢: ((يصرح)). (٢) فى الأصل، وتاريخ المصنف: ((لمزية)). (٣) سقط من : الأصل. (٤) هو أحمد بن أبى خيثمة، كما صرح المصنف باسمه فى تاريخه ٨٦/١. ٤٨٧ سورة البقرة : الآية ٣٠ ذلك الكِبْرُ فى نفسِه ، اطَّلَع اللَّهُ على ذلك منه، فقال اللَّهُ للملائكةِ: ﴿ إِنِی جَاعِلٌ فِى اُلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكونُ ذلك الخليفةُ؟ قال: يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون فى الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. قالُوا: ربَّنا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكْ قَالَ إِنِّ أَعْلَمُ مَالَا نَعْلَمُونَ﴾. يعنى من شأنٍ إبليسَ. فبعَث جبريلَ عليه السلامُ إلى الأرضِ لِيَأْتِيَه بطِينِ منها ، فقالتِ الأرضُ: إنى أعوذُ باللَّهِ منك أن تَنقُصَ منى أو تَشِينَنى. فرجَع ولم يأخُذْ، وقال: ربِّ إنها عاذَت بك فأعذْتُها. فبعَث اللَّهُ مِيكائيلَ، فعادَت منه فأعاذها ، فرجَع فقال كما قال جبريلُ ، فَبَعَث مَلَكَ الموتِ ، فعادت منه ، فقال : وأنا أَعوذُ بِاللَّهِ أن أرجِعَ ولم أُنْفِذْ أمْرَه. فأخَذ مِن وجهِ الأرضِ وخلَط ، فلم يَأْخُذْ من مكانٍ واحدٍ، وأَخَذ مِن تُرْبةٍ حمراءَ وبيضاءَ وسوداءَ، فلذلك خرَج بنو آدمَ مُخْتَلِفِين، فصَعِد به قبلَّ الترابَ حتى عاد طيئًا لازبًا - واللازبُ هو الذى يَلْتَزِقُ بعضُه ببعضٍ - ثم تُرِك حتى أَنْتَن وتغَيَّر، فذلك حينَ يقولُ: ﴿مِّنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]. قال: مُنْتِنٍ. ثم قال للملائكةِ: ﴿إِنِّ خَلِقُ بَشَرًّا مِّنِ طِينٍ ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَفَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ ﴾ [ص: ٧١، ٧٢] . فخلَقه اللَّهُ بيدَيْه ، لكَيْلا يَتَكَّرَ إِبليسُ عنه ليقول له : تتكبّرُ عما عمِلْتُ بيديَّ، ولم أتكبّرْ أنا عنه ؟ فخلقه بشرًا ، فكان جسدًا من طين أربعين سنةً مِن مقدارِ يومِ الجمعةِ ، فمرّت به الملائكةُ ، ففزعوا منه لَّ رَأَوْه، وكان أشدَّهم منه فرَعًا إبليسُ، فكان يمرُّ به فيضرِبُّه، فيُصَوّتُ الجسدُ كما يُصَوّتُ الفَخَّارُ، وَتَكُونُ له صَلْصَلةٌ ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَّارِ ﴾ [الرحمن: ١٤]. ويقولُ: لأمرٍ ما خُلِقْتَ. ودخَل مِن(١) فِيه فخرَج مِن دُبُرِهِ . فقال للملائكة: لا تَوْهَبوا مِن هذا، فإن ربّكم صَمَدٌ وهذا أجوفُ ، (١) سقط من: الأصل، م. ٤٨٨ سورة البقرة : الآية ٣٠ لئن سُلِّطْتُ عليهِ لَأَهْلِكَتَّه. فلمَّا بلَغ الحينَ الذى يُريدُ اللَّهُ جلَّ ثناؤه أن يَنْفُخَ فيه [٤٠/٢ و] الرُّوحَ، قال للملائكةِ : إذا نفَخْتُ فيه مِن رُوحى فاسْجُدوا له. فلمّا نفَخ فيه الرُّوحَ فدخَل الرُّوحُ فى رأسِه، عطَس، فقالت له الملائكةُ: قل: الحمدُ للَّهِ. فقال: الحمدُ للَّهِ. فقال له اللَّهُ: رحِمك ربُّك. فلما دخَل الروحُ فى عينَيْهِ نظَر إلى ثِمارِ الجنةِ، فلمّا دخَل فى جوفِه اشْتَهَى الطعامَ، فوثَب قبلَ أن تَبْلُغَ الروحُ رجليْه عَجْلانَ إلى ثمارِ الجنةِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿ خُلِقَ اُلْإِنِسَنُ مِنْ عَجَلِ﴾ [ الأنبياء: ٣٧]. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّ إِلِيسَ أَ أَنْ يَكُونَ مَعَ ٢٠٤/١ اُلسَّجِدِينَ﴾ [الحجر ٣٠، ٣١] أى(١): / استكبر وكان من الكافرين. قال اللَّهُ له: ما منَعَك أَنْ تَسجدَ إِذ أمَرتُك لِا خلفْتُ بيدَىَّ. قال: أنا خيرٌ منه لم أَكُنْ لأَسْجُدَ لبشرٍ خلقته من طينٍ . قال اللَّهُ له : اخْرُجْ منها فما يَكُونُ لك - يعنى: ما يَنْبغى لك - أَنْ تَتَكَّرَ فيها ، فاخْرُجْ إنك مِن الصاغِرِين. والصَّغارُ هو الذُّلَّ. قال: وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، ثم عرَض الخُلْقَ على الملائكةِ فقال: ﴿ أَنْيُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أنَّ بنى آدمَ يُفسِدون فى الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ. فقالوا له : سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَّا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال اللَّهُ: ﴿يَقَدَمُ أَنْبِتْهُم بِأَسْمَاءِمِّ فَلَمَّا أَنْبَهُم بِأَسْمَاءِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّهَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُونَ﴾. قال: قولُهم: ﴿ أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. فهذا الذى أَبْدَوْا، وأَعْلمُ ما كنتم تكْتُمون، يعنى ما أسَرَّ إبليسُ فى نفسِه من الکِئْرِ () . (١) فى م: (( أبى)). (٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١ / ٨١، ٨٥، ٨٦، ٩٠، ٩٣، ١٠٠،٩٤ مفرقا . وأخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٧٧٣)، وابن عساكر فى تاريخه ٣٧٧/٧، ٣٧٨ من طريق عمرو بن حماد به ، دون قوله : قال الله له : اخرج منها فما يكون لك ... ٤٨٩ سورة البقرة : الآية ٣٠ فهذا الخبرُ أولُهُ مُخالِفٌ معناه معنى الرواية التى رُوِيتْ عن ابنِ عباسٍ مِن روايةٍ الضحاكِ التى قدمْنا ذِكْرَها قبلُ، وموافقٌ معنى آخرِه معناها، وذلك أنه ذُكِر فی أوَّلِه أن الملائكةَ سأَلت ربَّها: ما ذاك الخليفةُ؟ حين قال لها: ﴿ إِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾. فأجابها أنه تكونُ له ذُرِّيةٌ يُفسِدُون فى الأرضِ ويَتَحَاسَدُون ويَقتلُ بعضُهم بعضًا، فقالت الملائكةُ حينئذٍ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾. فكان قولُ الملائكةِ ما قالت لربِّها من ذلك بعدَ إعلام اللَّهِ إياها أن ذلك كائنٌ من ذريةِ الخليفةِ الذى يجعَلُه فى الأرض . [٤٠/٢ظ] فذلك معنى خلافٍ أولِه معنى خبرِ الضحاكِ الذى ذكرناه . وأما موافقتُه إياه فى آخرِه، فهو قولُهم فى تأويلِ قولِه: ﴿ أَنِْئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ أن بنى آدمَ يفسِدون فى الأرضِ ويَشْفِكون الدماءَ، وأن الملائكةَ قالت - إذ قال لها ربُّها ذلك - تَبَرِّيًا مِن علم الغيبِ: ﴿سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَمْتَنَّ إِنَّكَ أَنَتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ . وهذا إذا تدَبَّره ذو الفهم، علِمٍ أَنَّ أولَه يُفْسِدُ آخرَه، وأن آخِرَه ◌ُبُطِلُ معنى أولِه ، وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكره إن كان أخبَر الملائكةَ أن ذريةَ الخليفةِ الذى يَجْعَلُه فى الأرضِ تُفْسِدُ فيها وتَشْفِكُ الدماءَ، فقالتِ الملائكةُ لربِّها: ﴿أَتَجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾. فلا وجهَ لتوبيخِها على أن أُخْبَرَت عمَّن أخْبَرَها اللَّهُ عنه أنه يُفسِدُ فى الأرضِ ويَسِفِكُ الدماءَ، بمثلِ الذى أُخْبَرَها عنهم ربُّها ، فيَجُوزَ أن يُقالَ لها فيما طوَى عنها مِن العلومِ : إن كنتم صادقين فيما علِمْتُم بخبرِ اللَّهِ إياكم أنه كائنٌ مِن الأمورِ فَأَخْبَوْتُم به، فأخْبِرونا بالذى قد طوَى اللَّهُ عنكم علمَه، كما قد أخْبَرُونا بالذى قد أطْلَعَكم اللَّهُ (١ على علمِه) - بل ذلك خُلْفٌ مِن التأويلِ، ودعوَى على اللَّهِ (١ - ١) فى م: ((عليه)). ٤٩٠ سورة البقرة : الآية ٣٠ ما لا يَجوزُ أن يكونَ له صفةٌ، وأَخْشَى أَن يَكُونَ بعضُ نَقَلةِ هذا الخبرِ هو الذى غَلِط على مَن رواه عنه مِن الصحابةِ ) ، وأن يكونَ التأويلُ منهم(٢) كان فى(٣) ذلك: أَنْتُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ فيما ظنَنْتم أنكم أدْرَ كْتموه مِن العلم بخبرى إياكم أن بنى آدمَ يُفسِدون فى الأرضِ ويَسفكون الدماءَ، حتى اسْتَجَزْتم أن تَقُولوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ . فيكونُ التَّوْبيخُ حينئذٍ واقعًا على ما ظنُّوا أنهم قد أدرَ كوا بقولِ اللَّهِ لهم : إنه یکونُ له ذریةٌ يُفسِدون فی الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ . لا على / إخبارِهم بما أخبرهم اللَّهُ به أنه كائنٌ ، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه وإن كان أخبرهم عما يكونُ مِن بعضٍ ذريةِ خليفتِهِ فى الأرضِ ، ما يكونُ منه فيها مِن الفسادِ وسَفْكِ الدماءِ، فقد كان طوَى عنهم الخبرَ عما يكونُ من كثيرٍ منهم بما يكونُ مِن طاعتِهم ربَّهم، وإصلاحِهم فى أرضِه وحَقْنِ الدماءِ، ورفعِه "منزلتَهم، وكرامتِهمْ) عليه، فلم يُخْبِرهم بذلك، فقالتِ الملائكةُ: [٤١/٢ر] ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ ﴾ على ظنٍّ منها - على تأويل هذيْن الخبرَيْن اللذيْن ذكَرْتُ وظاهرِهما - أن جميعَ ذرية الخليفةِ الذى يُجعَلُ(١) فى الأرضِ يُفسِدون فيها، ويَسفِكون فيها الدماءَ، فقال اللَّهُ لهم، إذ علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها: ﴿ أَنْجُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أنكم تَعْلَمون أن جميعَ بنى آدمَ يُفسِدون فى الأرضِ ويَسفكون الدماءَ، على ما ٢٠٥/١ (١ - ١) سقط من : ر. (٢) فى الأصل: ((عنهم)). (٣) فى م، ت١، ت٢: ((على)). (٤) فى ر: ((إصلاحه)). (٥ - ٥) فى ر: (( منزلته وكرامته)). (٦) فى م: « یجعله )) . ٤٩١ سورة البقرة : الآية ٣٠ ظنئْتُم فى أنفسكم . إنكارًا منه لِقيلهم ما قالوا مِن ذلك على الجميعِ والعمومِ، وهو مِن صفةٍ خاصٍّ ذريةِ الخليفةِ منهم . وهذا الذى ذكَرْنا هو صفةٌ منا لتأويلِ الخبرِ لا القولُ الذى نَخْتارُه فى تأويلِ الآيةِ . ومما يَدُلُّ على ما ذكَوْنا مِن توجيهِ مَخْرج(١) خبرِ الملائكةِ عن إفسادٍ ذرية الخليفةِ وسَفْكِها الدماءَ على العموم ما حدَّثنا به أحمدُ(٢) بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن عبد الرحمنِ بنِ سابطٍ قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾. قال : يغنون الناسَ(١). وقال آخرون فى ذلك بما حدَّثنا به بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ ، قال : حدّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾. فاستشارَ() الملائكةَ فى خلقِ آدمَ، فقالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ ﴾. وقد علِمتِ الملائكةُ مِن علم اللَّهِ أنه لا شىءَ أكْرَهُ إلى اللَّهِ مِن سَفْكِ الدماءِ والفسادِ فى الأرضِ، ﴿ وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكُّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. فكان فى علم اللَّهِ أنه سيكونُ مِن تلك(٥) الخليفةِ أنبياءُ ورسلٌ ، وقومٌ صالحون، وساكِنو١ الجنةِ. قال: وذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إن اللَّهَ لما أَخَذْ فى خلقِ آدمَ قالتِ الملائكةُ: ما اللَّهُ خالقٌ خلقًا أكرمَ عليه منَّا ، ولا أعلمَ (١) سقط من: م. (٢) فى م: (( بن أحمد)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨/١ (٣٢٦) من طريق أبى أحمد الزبيرى به. وينظر ما تقدم فى ص ٤٧٩. (٤) فى م: ((فاستخار)) . (٥) سقط من: ص، وفى م: ((ذلك)). (٦) فى الأصل، ص: ((ساكن)). ٤٩٢ سورة البقرة : الآية ٣٠ منَّا . فابتُلوا بخلقِ آدمَ - وكلُّ خلقٍ مُبْتَلَّى - كما ابْتُلِيَتِ السماواتُ والأرضُ بالطاعةِ، فقال اللَّهُ: ﴿ اقْنِيَا طَوَّعًا أَوْ كَرْهَاً قَالَتَآ أَنَيْنَا طَابِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. وهذا الخبر عن قتادةَ يَدُلُّ على أن قتادةً كان يرَى أن الملائكةَ قالت ما قالت مِن قولها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾. على غيرِ (٢) [٤١/٢ ظ] يقينِ علم تقَدَّم منها بأن ذلك كائنٌ، ولكن على الرأي منها والظنّ ، وأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه أنكَر ذلك مِن قيلِها، وردَّ عليها ما رأَت بقولِه: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. مِن أنه يكونُ مِن ذريةِ ذلك الخليفةِ الأنبياء والرسلُ والمَجْتَهِدُ فى طاعةِ اللَّهِ . وقد رُوِى عن قتادةَ خلافُ هذا التأويلِ، وهو ما حدَّثنا به الحسنُ بنُ یحیی ، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. قال: كان اللَّهُ أعلمَهم(٣) إذا كان فى الأرضِ خلقٌ أَفْسَدوا فيها ، وسفكوا الدماءَ، فذلك قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾(١). وبمثلِ قولٍ قتادةً قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ، منهم الحسنُ البصرىُّ . ٢٠٦/١ /حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ، عن جريرِ بنِ حازمٍ ومبارَكِ ، عن الحسنِ، وأبى بكرٍ ، عن الحسنِ وقتادةَ، قالا: قال اللَّهُ لملائكته: ﴿ إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قال لهم: إنى فاعلٌ. فعرَضُوا برأيهم، فعلَّمهم علمًا، وطوَى عنهم علمًا علِمه لا يَعْلَمونه، فقالوا بالعلم الذى علَّمهم: ﴿أَتَجَعَلُ (١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٠٠، ١٠١. وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٣٩٩/٧ من طريق شيبان، عن قتادة ، نحوه . وينظر ما سيأتى فى ص ٥١٠ . : (٢) من هنا إلى قوله: ((قال: علمه اسم)). ص ٤٩٣ سقط من المخطوط الأصل. (٣) بعده فى ص، ر: ((أنَّه))، وينظر تفسير ابن كثير ١٠٢/١. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨/١ (٣٢٥) عن الحسن بن يحيى به . ٤٩٣ سورة البقرة : الآية ٣٠ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾. وقد كانت الملائكةُ علِمتْ مِن علم اللَّهِ أنه لا ذنبَ أعظمَ عندَ اللَّهِ مِن سَفْكِ الدماءِ، ﴿ وَغَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكٌّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. فلما أخَذ فى خلقِ آدمَ همَستِ الملائكةُ فيما بينَها، فقالوا: ليخْلُقْ ربُّنا ما شاء أن يَخْلُقَ، فلن يَخْلُقَ خَلقًا إلا كنّا أعلمَ منه، وأكرمَ عليه منه. فلمّا خلَقه ونفخ فيه مِن روحِه، أمَرهم أن يَسجدوا له لِما قالوا، ففضَّله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخيرٍ منه، فقالوا: إن لم نَكنْ خيرًا منه، فنحن أعلمُ منه؛ لأنا كنا قبلَه، وخُلِقَتِ الأَممُ قبلَه. فلما أَعْجِبوا بعلمِهم ابْتُلُوا، ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ اُلْأَسْمَّءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ أنى لا أُخْلُقُ خلقًا إلا كنتم أعلمَ منه ، فَأَخْبرونى بأسماءِ هؤلاءِ إِنْ كنتم صادقينَ. قال : ففزِع القومُ إلى التوبةِ - وإليها يَفْزَعُ كلُّ مؤمنٍ - فقالوا: ﴿ سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّأْ إِنَّكَ أَنْتَ اْعَلِيمُ اْحَكِيمُ ﴿َ قَالَ يَكَادَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَاءِهِمّ فَلَمَّ أَنْبَّأَهُم بِأَسْمِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. لقولِهِم: لِيَخْلُقْ ربُّنا ما شاء، فلن يَخْلُقَ خلقًا أكرمَ عليه منا، ولا أعلمَ منا. قال: علّمه اسمَ [٤٢/٢ و] كلِّ شىءٍ؛ هذه الخَيْلُ(١)، وهذه البِغالُ، والإبلُ، والجنّ، والوحشُ، وجعَل يُسمى كلَّ شىءٍ باسمِه، وعُرِضَت عليه أمَّةٌ أَمَّةً: ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّهَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: أما ما أَبْدَوْا فقولُهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾. وأمَّا ما كتَموا فقولُ بعضِهم لبعضٍ: نحن خيرٌ منه وأعلمُ(٢) . (١) فى م، ت ١، ت ٢: ((الجبال)). (٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٩٨، ١٠٢،١٠١ بتمامه. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧/١ = ٤٩٤ سورة البقرة : الآية ٣٠ حدَّثنى المثنّى بنُ إبراهيمَ الآمُلُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بنِ أنسٍ فى قولِه: ﴿ إِنِِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ الآية. قال: إِنَّ اللَّهَ خَلَق الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، وخلق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلق آدمَ يومَ الجمعةِ . قال: فكفَر قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تھْبِطُ إلیھم فی الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانتِ الدماءُ، وكان الفسادُ فى الأرضِ، فمِن ثمَّ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ الآية(١). " ◌ُحدِّثْتُ عن عمارٍ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنسٍ بمثله . حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن غيرٍ ) الربيع ابنِ أنسٍ: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَبِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾. إلى قوله: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال: وذلك حينَ قالوا : ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الذِمَآءَ وَحْنُ نُسَبْحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾. قال: فلما عرفوا أنه جاعلٌ فى الأرضِ خليفةٌ ، قالوا بينَهم: لن يَخلُقَ اللَّهُ خلقًا إلا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ . فأراد اللَّهُ جلَّ ذكره أن يُخبرَهم أنه قد فضَّل عليهم آدمَ، وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، فقال للملائكةِ: ﴿ أَنْتُونِ بِأَسْمَآءٍ هَؤُلاءِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿ وَأَعْلَمُ / مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُهُونَ﴾ . فكان ٢٠٧/١ = (٣٢٣) من طريق مبارك، عن الحسن به مختصرًا. وقد تقدم مختصرًا فى ص ٤٧٥. وينظر تاريخ دمشق ٣٩٩/٧. (١) تقدم فی ص ٤٧٨. (٢ - ٢) فى ص: ((حدثنا محمد بن جرير قال)). (٣) سقط من : ر. ٤٩٥ سورة البقرة : الآية ٣٠ الذى أَبْدَوْا حينَ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾. وكان الذى كتَموا بينَهم قولَهم : لن يَخْلُقَ ربَّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ . فعرَفوا أن اللَّهَ فضَّل عليهم آدمَ فى العلمِ والكرمِ(١). وقال ابنُ زيدٍ بما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لمّ خَلَق اللَّهُ النارَ ذُعِرَت منها الملائكةُ ذُعْرًا شديدًا، وقالوا: ربَّنا لمَ خلَقْتَ هذه النارَ، ولأىٌّ شىءٍ خَلَقْتَها؟ [٤٢/٢ظ] قال: لِمَن عصانى مِن خَلْقَى. قال: ولمْ يَكُنْ للَّهِ(٢) خَلْقٌ يومَئذٍ إِلا الملائكةُ، والأرضُ ليس فيها خلقٌ ، إنما خُلِقِ آدمُ بعدَ ذلك. وقرَأ قولَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿هَلْ أَفَ عَلَى اُلْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: يا رسولَ اللَّهِ، ليتَ ذلك الحينَ() . ثم قال: وقالتِ الملائكةُ : يا ربّ ، أو یأتی علینا دهر نعصِیك فيه ! - لا يَرَون له خلقًا غيرَهم - قال: لا، إنى أُرِيدُ أن أَخلُقَ فى الأرض خلْقًا، وأَجعَلَ فيها خليفةً(٢) ، يَسِفِكون الدماءَ ويُفْسِدون فى الأرضِ. فقالت الملائكةُ: أَتَجعلُ فى الأرض مَن يفسدُ فيها ويسفكُ الدماءَ وقد اختَرتَنا؟ فاجْعَلْنا نحن فيها ، فنحن نُسبّحُ بحمدِك ونُقدِّسُ لك، ونعمَلُ فيها بطاعتِك. وأعظَمت الملائكةُ أن يَجْعَلَ اللَّهُ فِى الأرضِ مَن يَعْصِيه، فقال: ﴿إِنِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَدَمُ أَنْبِهُم بِأَسْمَاءِهِمْ ﴾ . فقال : فلانٌ، وفلانٌ. قال: فلما رأَوْا ما أعطاه اللّهُ مِن العلم عليهم ، (١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١ / ١٠٢، ١٠٣ بهذا الإسناد عن الربيع. ووقع فيه : حدثنا عمار بن الحسن . (٢) فى الأصل، ر: (( الله)). (٣) أى: ليت الإنسان بقى شيئا غير مذكور، خوفا من يوم القيامة . وقول عمر أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٢٣٥)، وأبو عبيد فى الفضائل ص ٧٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٤) فى ص، م: (( خليقة)). (٥) سقط من : م . ٤٩٦ سورة البقرة : الآية ٣٠ أقرُّوا لآدمَ بالفضلِ عليهم، وأبى الخبيثُ إبليسُ أن يُقِرَّله، قال: ﴿ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْلَنِىِ قَالَ فَأَهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِطِينٍ ◌َ ١٣،١٢]. وقال ابنُ إسحاقَ بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال: لما أراد اللَّهُ أَن يَخْلُقَ آدمَ بقدرتِه لِيَتَليَه ويَتَلىَ به ، لعلمِه بما فى ملائكتِهِ وجميع خلقِه - وكان أولَ بلاءٍ ابتلِيَت به الملائكةُ مما لها فيه ما تحِبُّ وما تَكْرَهُ، للبلاءِ والتَّْحيصِ لما فيهم مما لم يَعْلَموا، وأحاط به علمُ اللَّهِ منهم - جمَعُ الملائكةَ مِن سكان السماواتِ والأرضِ، ثم قال: ﴿إِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. يقول: ساكنًا وعامرًا ليَشْكنَها ويَعْمُرَها، خَلْقًا(٢) ليس منكم. ثم أُخْبَرَهم بعلمِه فيهم، فقال: يُفْسِدون فى الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ ويَعمَلون بالمعاصى. فقالوا جميعًا: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾. لا نَعْصِى، ولا نَأْتى شيئًا كرِهْتَه، ﴿ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَ نَعْلَمُونَ﴾(٤) أى(٥): فيكم ومنكم - ولم يُتِدِها لهم - مِن المعصيةِ والفسادِ وسفكِ الدماءِ وإتيانِ ما أَكْرَهُ منهم ، مما يكونُ فى الأرضِ مما ذكَرْتُ فى بنى آدمَ . قال اللَّهُ لمحمدٍ مِ لّهِ: ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ [٤٣/٢ و] عِلٍِّ بِالْعَلٍَ الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ (®] إِن يُوحَىَ إِلَّ إِلَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. إلى قولِه: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ [ص: ٦٩- ٧٢]. (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/١ إلى المصنف مختصرًا. وينظر الدر المنثور ٢٩٧/٦. (٢) فى الأصل، م: (( جميع) . (٣) فى ر: ((خلفا)). (٤) بعده فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢: ((قال)). (٥) بعده فى م: ((إنى أعلم)). ٤٩٧ سورة البقرة : الآية ٣٠ فذكَر لنبيِّه ◌َ لَّمِ الذى كان مِن ذِكرِهِ آدمَ مَ لَِّ حينَ أراد خلقَه، ومُراجعةِ الملائكةِ إياه فيما ذكَر لهم منه ، فلما عزَم اللَّهُ تعالى ذكرُه على خلْقِ آدمَ قال للملائكةِ: ﴿ إِنِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨]. بيدَيْه تَكْرِمةً له، وتَعْظِيمًا لأمرِهِ، وتَشْرِيفًا له، حفِظَتِ الملائكةُ عهدَه، ووَعَوْا قولَه، وأجْمَعوا لطاعتِه ، إلا ما كان مِن عدوٌّ اللَّهِ إِبليسَ، فإنه صمت على ما كان فى نفسِه مِن الحسدِ والبغْىِ والتّكَثْرِ والمعصيةِ . وخلَق اللَّهُ آدمَ عليه السلامُ مِن أَدَمةِ الأرضِ ؛ مِن طينٍ لازبٍ مِن حمَاً مسنونٍ بيديه، تكرِمةً له، / وتَعْظيمًا لأمرِهِ ، وتَشْرِيفًا له على سائرٍ خلْقِه . ٢٠٨/١ قال ابنُ إسحاقَ : فيُقالُ واللَّهُ أعلمُ : خلَق اللَّهُ آدمَ ، ثم وضَعه يَنْظُرُ إليه أربعين عامًا قبلَ أن يَنْفُخَ فيه الرُّوحَ حتى عاد صَلصالاً كالفَخارِ، ولم تَمسشه نارٌ. قال: فيُقالُ واللَّهُ أعلمُ: إنه لمّ انْتَهى الروحُ إلى رأسِه عطَس، فقال: الحمدُ للَّهِ. فقال له ربُّه: يَرْحَمُكُ(١) رِبُّك. ووقَع الملائكةُ حينَ اسْتَوَى سجودًا له؛ حفظًا لعهدِ اللَّهِ الذى عهِد إليهم ، وطاعةً لأمرِه الذى أمرهم به ، وقام عدوُ اللَّهِ إبليسُ مِن بينهم فلم يَسْجُدْ، مُكَابِرًا مُتَعَظِّمًا، بَغْيًا وحسدًا، فقال له: ﴿يَاِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾. إلى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٧٥- ٨٥]. قال: فلمَّا فرَغ اللَّهُ مِن إِبليسَ ومن مُعاتَبَتِه، وأتَى إلا المعصيةَ ، أوْقَع عليه اللعنةَ، وأَخْرَجه مِن الجنةِ ، ثم أَقْبَل على آدمَ وقد علَّمه الأسماءَ كلَّها، فقال: يَكَادَمُ أَنْبِهُم بِأَسْمَاءِهِّ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُم بِأَسْمِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَاْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُمْ تَّكْتُمُونَ﴾. ﴿قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَا عِلَمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أى: إنما أُجَبْناك فيما علَّمْتَنا، فأما ما لم (١) فى الأصل: ((رحمك)). ( تفسير الطبرى ٣٢/١ ) ٤٩٨ سورة البقرة : الآية ٣٠ تُعَلِّمْنا فأنت اعْلَمُ به ، فكان ما سمَّی آدمُ مِن شیءٍ، كان اسمه الذی هو علیه إلى يوم (١) . ٠ القيامة وقال ابنُ جُرَيْج بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال : حدَّثنی حَجَّاجٌ، عن ابنِ مُجُرَيْج، قال: إنما [٤٣/٢ ظ] تكَلَّموا بما أَعْلَمَهم أنه كائنٌ مِن خلقٍ آدمَ، فقالوا: ﴿أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾(١). وقال بعضُهم: إنما قالتِ الملائكةُ ما قالت: ﴿أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾. لأن الله تعالى ذكرُه أُذِن لها فى السؤالِ عن ذلك بعد ما أخْبَرَها أن ذلك كائنٌ مِن بنى آدمَ ، فسألَتْه الملائكةُ، فقالت على التعجبِ منها : وكيف يَعْصُونك يا ربِّ وأنتَ خالقُهم؟ فأجابهم ربّهم: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. يعنى أن ذلك كائنٌ منهم وإن لم تَعْلَموه أنتم ، ومِن بعضٍ مَن تَرَوْنه لى طائعًا ، يُعَرِّفُهم بذلك قُصورَ علمِهم عن علمِه . وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: قولُ الملائكةِ: ﴿أَتَجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ . على غيرِ وجهِ الإنكارِ منهم على ربّهم، وإنما سألوه ليعلَموا، وأخْبَروا عن أنفسهم أنهم يُسَبِّحون. وقال: قالوا ذلك لأنهم كرِهوا أن يُعْصَى اللَّهُ؛ لأن الجنَّ قد كانت أُمِرَتْ قبلَ ذلك فعَصَتْ . وقال بعضُهم: ذلك مِن الملائكةِ على وجهِ الاسْتِرْشادِ عما لم يَعْلَموا مِن ذلك، فكأنهم قالوا: ياربِّ خَبِّزْنا. مسألةَ اسْتِخْبارٍ منهم للَّهِ، لا على وجهِ مسألةِ التوبيخٍ . قال أبو جعفرٍ: وأولَى هذه التأويلاتِ بقولِ اللَّهِ تعالى ذكره مُخْبِرًا عن ملائكتِه (١) أخرج المصنف بعضه فى تاريخه ٩٣/١، ٩٥، ١٠٤، وتقدم طرف منه فى ص ٤٧٧. (٢) ينظر تفسير ابن كثير ١٠٢/١. ٤٩٩ سورة البقرة : الآية ٣٠ قيلَها له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا / مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ٢٠٩/١ وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾. تأويلُ مَن قال: إن ذلك منها اسْتِخْبارٌ لربِّها ، بمعنى: أعْلِمْنا ياربَّنا ، أجاعلٌ أنت فى الأرضِ مَن هذه صفته ، وتاركٌ أن تَجْعَلَ ( خليفتَك فيها" منا، ونحن نُسَبِّحُ بحمدك ونُقَدِّسُ لك. لا إِنكارًا منها لِما أَعْلَمَها ربُّها أنه فاعلٌ ، وإن كانت قد استَعظَمَتْ لَّ أُخِرَت بذلك أن يكونَ للَّهِ خلقٌ يَعْصِيه . وأما دَعْوى مَن زعَم أن اللَّهَ كان أذِن لها بالسؤالِ عن ذلك ، فسأَلَتْ على وجهِ التعجبِ ، فَدَعْوى لا دَلالةَ عليها فى ظاهرِ التنزيلِ ، ولا خبرَ بها عن (١) الحُجَّةِ يَقْطَعُ العُذْرَ، وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ فى تأويلِ كتابِ اللَّهِ بما لا دَلالةَ عليه مِن بعضِ الوجوهِ التى تَقومُ بها الحُجَّةُ . وأما وصفُ الملائكةِ مَن وصَفَت - فی استخبارِها ربّها عنه - بالفسادِ فی الأرضِ وسفْكِ الدماءِ، فغيرُ مُشْتحيلٍ فيهُ(١ ما رُوِى عن ابنِ عباسٍ وابنٍ مسعودٍ مِن القولِ الذى رواه السدىُّ، ووافَقَهما [٤٤/٢ و] عليه قَتادةُ مِن التأويل، وهو أن يكونَ اللَّهُ تعالى ذكرُه أخبرهم أنه جاعلٌ فى الأرضِ خليفةً تكونُ له ذريةٌ يفعلون كذا وكذا، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. على ما وصَفتُ من الاستخبارِ . فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ اسْتِخْبارِها، والأمرُ على ما وصَفْتَ مِن أنها قد أُخْبِرَت أن ذلك كائنٌ ؟ قيل: وجهُ اسْتِخْبارِها حينئذٍ يكونُ عن حالِهم عندَ (٤) وقوعِ ذلك، وهل (١ - ١) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢: ((خلفاءك)). (٢) فى م: ((من)). (٣) فى ص: ( منه)) . (٤) فى ر، م: ((عن)). ٥٠٠ سورة البقرة : الآية ٣٠ ذلك منهم؟ ومسألتُهم ربَّهم أن يَجْعَلَهم الخلفاءَ فى الأرضِ حتى لا يَعْصُوه . وغيرُ فاسدٍ أيضًا ما رواه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ ، وتابَعه عليه الربيعُ بنُ أنسٍ، من أن الملائكةَ قالت ذلك لِما كان عندها مِن علم سُكانِ الأرضِ قبلَ آدمَ من الجنِّ، فقالت لربِّها : أجاعلٌ فيها أنت مثلَهم مِن الخُلْقِ يَفْعَلون مثلَ الذى كانوا يَفْعَلون ؟ على وجهِ الاسْتِعلامِ منهم لربِّهم، لا على وجهِ الإيجابِ أن ذلك كائنٌ كذلك، فِيَكونَ ذلك منها إخبارًا عما لم تَطَّلِعْ عليه مِن علمٍ (١) الغيبِ. وغيرُ خطأ أيضًا ما قاله ابنُ زيدٍ مِن أن يكونَ قِيلُ الملائكةِ ما قالت كان(٢) على وجهِ التعجبٍ منها مِن أن يكونَ للَّهِ خلقٌ يَعْصِى خالقَه . وإنما ترَكْنا القولَ بالذى رواه الضحاكُ عن ابن عباسٍ ، ووافقه عليه الربيعُ، وبالذى قاله ابنُ زيدٍ فى تأويل ذلك ؛ لأنه لا خبرَ عندَنا بالذى قالوه مِن وجهٍ يَقْطَعُ مجيثُه العذرَ، ويَلْزَمُ سامعَه به الحجةُ ، والخبرُ عما قد مضَى وما قد سَلَف لا يُدْرَكُ علمُ صحتِه إلا بمجيئِه مَجيئًا يَمْتَنِع منه التشاغُبُ(٣) والتَّواطُؤُ، ويَسْتَحيلُ فيه(٤) الكذبُ والخطأُ والسَّهْوُ، وليس ذلك بموجودٍ كذلك فيما حكاه الضحاكُ عن ابن عباسٍ، " ووافقه عليه الربيعُ°)، ولا فيما قاله ابنُ زيدٍ. ٠٫٠٠٠ فأولَى التأويلاتِ إِذ كان الأمر كذلك بالآية ، ما كان عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ دَلالَةٌ مما يَصِحُّ مَخْرَجُه فى المفهومِ . (١) فی ص: (( ظهر)) . (٢) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢: ((من ذلك)). (٣) فى ص: ((الشاعر)). (٤) فى ص، ر، م: (( منه)). (٥ - ٥) سقط من: الأصل، ص .