النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة البقرة : الآية ٢٧
وبما قلنا فى تأويل قوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِءَ أَن يُوصَلَ﴾. وأنه
الرحمُ ، كان قتادةُ يقولُ .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ
أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوُصَلَ﴾: فقُطِعَ واللّهِ ما أَمَر اللّهُ به أن يوصلَ بقطيعةِ الرحم
(١)
والقرابة(١) .
وقد تأوّل بعضُهم ذلك أن اللّهَ ذمَّهم بقطعِهم رسولَه والمؤمنين به وأرحامَهم.
واستَشهَد على ذلك بعمومٍ (١) ظاهرِ الآيةِ، وألا(١) دلالةَ على أنه معنٌ بها بعضُ ما أمَر
اللّهُ بوصْلِه دونَ بعضٍ .
وهذا مذهبٌ مِن تأويلِ الآيةِ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ ، ولکنَّ اللّهَ جلَّ ثناؤه قد
ذكَر المنافقين فى غيرٍ آيةٍ من كتابهِ، فوصَفهم بقطْع الأرحام ، فهذه نظيرةُ تلك ، غيرَ
أنها وإن كانت كذلك، فهى دالةٌ على ذمِّ اللّهِ كلَّ قاطع قطَع ما أمَر اللّهُ أن يُوصِلَ،
رحِمًا كانت أو غيرها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: [٥٢٦/٢] ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِّ﴾.
قال أبو جعفر : وفسادُهم فى الأرضِ هو ما تقدَّم وَصْفُناهُ قبلُ من معصيتِهم
ربَّهم، (وكُفرِهم به"، وتكذيِهم رسولَه، وجَخْدِهم نبوَّتَه، وإنكارِهم ما أتاهم به
من عندِ اللّهِ أنه حقٌّ مِن عندِه .
٢٧
القولُ فى تأويلٍ قولِه عز وجل: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) فى الأصل، ص، ر: (( عموم)).
(٣) فى ص: ((لا)).
(٤ - ٤) سقط من : الأصل .

٤٤٢
سورة البقرة : الآية ٢٧
والخاسرون جمعُ خاسرٍ ، والخاسرون؛ الناقصون أنفسَهم حظوظَها بمعصيتهم
اللّهَ - من رحمتِه، كما يخسَرُ الرجلُ فى تجارتِه بأن يوضَعَ من رأسِ مالِه فى بيعِه (١.
فكذلك الكافر والمنافقُ خسِر بحِرْمانِ اللّهِ إياه رحمَتَه التى خلقها لعبادِه فى القيامةِ
أحوجَ ما كان إلى رحمتِه . يقالُ منه: خسِر الرجلُ يخسَرُ خُشْرًا وخُسرانًا وخَسارًا .
كما قال جرير بن عطيةً(٢):
إن سَلِيطًا فى الخَسارِ إِنَّه
أولادُ قومٍ خُلِقُوا أَقِنَّه(٣)
أ.د. (٣)
يعنى بقولهِ: فى الخَسارِ. أى: فيما يوكِسُهم حظوظَهم من الشرفِ والكرمِ .
وقد قيل: إن معنى ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ : أولئك هم الهالكون . وقد
يجوزُ أن يكونَ قائلُ ذلك أرادَ ما قلنا من هلاكِ الذى وصَف اللّهُ صفَتَه بالصفةِ التى
وصَفْه بها فى هذه الآيةِ ، بحِزْمانِ اللهِ إِياه ما حرمه من رحمته معصيته إياه و كفرِه به .
فحمَل تأويلَ الكلامِ على معناه دونَ البيانِ عن تأويلِ عينِ الكلمةِ بعينها ، فإن أهلَ
التأويلِ ربما فعلوا ذلك لعللٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه .
وقال بعضُهم فى ذلك بما حُدِّثت به عن المِنِجابِ بنِ الحارثِ ، قال: حدَّثنا بشرٌ
ابنُ عُمارةَ، عن أبى رَوقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كلُّ شيءٍ نسَبه اللّهُ
إلى غيرِ أهلِ الإسلامِ من اسم مثلَ خاسرٍ فإنما يعنى به الكفرَ، وما نسبه إلى أهلِ
الإسلامِ فإنما يعنى به الذَّنْبَ (٤).
(١) وُضع الرجل فى تجارته - بالبناء للمجهول - كثُنِىَ: خسر فيها. التاج (وض ع).
(٢) ديوانه ١٠١٧/٢، والنقائض ص ٤.
(٣) أقنة جمع قن، وهو العبد، وهو جمع نادر. التاج ( ق ن ن ).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/١ إلى المصنف وابن أبى حاتم.

٤٤٣
سورة البقرة : الآية ٢٨
/ [٢٦/٢ ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِلَّهِ وَكُنتُمْ ١٨٦/١
أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمِّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٢٨
قال أبو جعفرٍ : اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما
حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا
أسباطُ، عن السدىِّ فى خبرٍ ذكَره عن أبى مالك، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ
عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النبيِّ عَّهِ:
◌ْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِلَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخِيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ
يُمْيِيكُمْ﴾ يقولُ: لم تكونوا شيئًا فخلَفكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم يومَ
(١)
القيامةِ (١).
وحدَّثنا محمدُ بنُّ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٌّ، قال: حدّثنا
سفيانُ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللّهِ فى قوله: ﴿ أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ
وَأَحْيَلْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]. قال: هى كالتى فى ((البقرة)): ﴿وَكُنتُمْ
أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ .
وحدَّثنى أبو حُصين " عبدُ اللّهِ بنُ أحمدَ(١) بنِ يونسَ، قال: حدَّثنا عَبئرٌ، قال:
حدَّثْنا محُصينٌ)، عن أبى مالكٍ فى هذه الآية: ﴿ أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾
قال: خَلَقْتنا ولم نَكُنْ شيئًا، ثم أمَّنا، ثم أخييتنا .
وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبى مالكٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة .
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢.
(٣) بعده فى م: ((ابن عبد الله)). وينظر تهذيب الكمال ٢٨٤/١٤.

٤٤٤
سورة البقرة : الآية ٢٨
فى قوله: ﴿ أَمَتَّنَا أَثْنَيْنٍ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ قال: كانوا أمواتًا فأحياهم اللّهُ، ثم
أماتهم ، ثم أحیاهم .
وحدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داود)، قال: حدَّثنی حجاجٌ ،
عن ابنٍ جريج، عن مجاهدٍ فى قولهِ: ﴿كَيْفَ تُكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ
أَمْوَنًا فَأَخِيَكُمِّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾. قال: لم تكونوا شيئًا حتى(١)
خلَقكم، ثم يميتُكم الموتةَ الحقَّ، ثم يحييكُم، وقولُه: ﴿ أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا
اُثْنَتَيْنِ﴾ مثلُها(٣) .
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى الحجاج، عن ابنٍ
جريج، قال: أخبرنى عطاءٌ الخراسانىُّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو قولُه: ﴿أَمَّتَّنَا
اثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أَنْنَتَيْنِ﴾(٤).
وحُدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن
أبيه ، عن الربيع، قال: [٢٧/٢و] حدثنى أبو العاليةِ فى قولِ اللهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُونَ
(١ - ١) فى ص: ((الحسن)).
٠N
(٢) فى ر، م، ت ١: ((حين)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/١ إلى المصنف.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣/١ (٣٠٢) من طريق ابن جريج به بنحوه، وليس فيه تصريح ابن
جريج بالسماع. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/١ إلى ابن المنذر.
وفى رواية ابن جريج عن عطاء الخراسانى ضعف ، قال ابن المدينى : سألت يحيى بن سعيد عن حديث ابن
جريج عن عطاء الخراسانى ، فقال: ضعيف. قلت ليحيى : إنه يقول: أخبرنى ؟ قال: لا شىء، كله ضعيف إنما
هو كتاب دفعه إليه. ينظر تهذيب التهذيب ٦/ ٤٠٦، وعطاء لم يسمع من ابن عباس . ينظر جامع التحصيل
ص ٢٣٨.
٠

٤٤٥
سورة البقرة : الآية ٢٨
بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾. يقولُ: حينَ لم يكونوا شيئًا، ثم أحياهُم
(١ حين (٢) خلَقهم٢١، ثم أماتهم، ثم أحياهم يومَ القيامةِ، ثم رجَعوا إليه بعدَ
(٣)
الحياةٍ(٢).
١٨٧/١
وحُدِّثت عن المنِجابِ، قال: حدثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن
الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ / فى قولِهِ: ﴿ أَتَّنَا أَتْنَيْنِ وَأَحَْيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ ﴾ . قال : كنتم
ترابًا قبلَ أن يخلُقَكم، فهذه مِيتَةٌ ، ثم أحياكم فخلَقَكُم، فهذه حياةٌ(٤) ، ثم يميتُكم
فَتَرجِعون إلى القبورِ ، فهذه مِيتةٌ أخرى ، ثم يبعَثُكم يومَ القيامة، فهذه حياةٌ(٤) ، فهما
مِيتَان وحياتانٍ، فهو قولُه (٥): ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيَكُمْ﴾(١).
وقال آخرون بما حدَّثنا به أبو كُريبٍ ، قال: حدَّثنا وكيع، عن سفيانَ ، عن
السدىِ، عن أبى صالح: ﴿ كَيْفَ تُكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ
يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ قال: يُحييكُم فى القبرِ، ثم يُمِيتُكم (١).
(١ - ١) سقط من: ص.
(٢) فی ر: ((وحین)) .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣/١ (٣٠٣) من طريق أبى جعفر به.
(٤) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢: ((إحياءة).
(٥) فى الأصل: (( كقوله)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣/١ (٣٠١) عن أبى زرعة، عن منجاب به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٤٧/٥ إلى ابن مردويه .
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/١ إلى المصنف. وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣/١ عقب الأثر
(٣٠١) معلقا .
وقال ابن كثير فى تفسيره ٩٧/١: هذا غريب .

٤٤٦
سورة البقرة : الآية ٢٨
وقال آخرون بما حدَّثنا به بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَیع، عن سعيدٍ ،
عن قتادةَ: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِلَّهِ وَككُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ ( الآية. قال: كانوا
أمواتًا() فى أَضْلُبةٍ(٢) آبائِهم، فأحياهم اللّهُ وخلَقهم، ثم أماتَهم الموتَةَ التى لا بدَّ منها ، ثم
أحياهُم للبعثِ يومَ القيامةِ، فهما حياتان وموتتان .
وقال بعضُهم بما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ،
قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿ رَبَّنَّا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ قال: خلَقهم
اللهُ من ظَهرِ آدمَ حينَ أخَذ عليهم الميثاقَ(١). وقرَأ: (وإذْ أُخذَ ربكَ من بنى آدمَ من
ظُهُوِرِهْم ذُرِّيَّاتِهِم). حتى بلَغ: ﴿أَوَ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً
مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اٌلْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. قال : فكشَّبهم
العقلَ وأخَذ عليهم الميثاقَ. قال: وانتزَعِ ضِلْعًا من أضلاع آدمَ القُصَيْرَى(٤) ، فخلَق
منه حواءَ. ذكّره عن النبيِّ سَ له. قال: وذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ
رَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا [٢]
٢٧ ظ] كَثِيرًا وَنِسَآءٍ﴾ [النساء: ١]. قال: بثّ منهما(٥) بعدَ ذلك فى الأرحامِ خلقًا
كثيرًا. وقرأ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أَمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدٍ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦].
قال: خلْقًا بعدَ ذلك. قال: فلما أخَذ عليهم الميثاقَ أماتهم، ثم خلقهم فى الأرحام ،
ثم أماتهم، ثم أحياهم يومَ القيامةِ، فذلك قولُ اللّهِ: ﴿ رَبَّنَّآ أَمَّتَّنَا أَثْنَيْنٍ وَأَحْيَيْتَنَا
(١ - ١) سقط من: ص.
(٢) فى ر، م: ((أصلاب))، والصلب يجمع على أصلب وأصلاب.
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٩٧.
(٤) القصيرى : الضلع التى تلى الشاكلة، وهى أسفل الأضلاع. التاج ( ق ص ر).
(٥) فى ص، ر، م: ((فيهما)).

٤٤٧
سورة البقرة : الآية ٢٨
اثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾. وقرأ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّشَفًا
غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤، والأحزاب: ٧]. قال: يومَئذٍ. قال: وقرأ قولَ اللّهِ:
(وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَانَفَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً !
[ المائدة : ٧] .
قال أبو جعفرٍ : ولكلِّ قولٍ من هذه الأقوالِ التى حكَيْناها عمّن رَوَيناها
عنه وجهٌ ومذهبٌ من التأويلِ. فأما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّلَ قولَه :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِلَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَانًا فَأَخْيَكُمٌ﴾. أى: لم تكونوا
شيئًا. فإنه ذهَب إلى نَحوِ قولِ العربِ للشىءِ الدَّارسِ والأمرِ الخاملِ الذِّكرِ:
هذا شىءٌ ميتٌ، وهذا أمرٌ ميتٌ. يُرادُ بوصفِه بالموتِ خمولُ ذِكْرِه ودُروسُ
أثَرِه من الناسِ، وكذلك يقالُ فى ضدِّ ذلك وخلافِه: هذا أمرٌ حىٍّ، وذِكْرٌ
حىّ. يرادُ بوصفِه بذلك أنه نابةٌ مُتعالمٌ فى الناسِ، كما قال أبو نُخيلةَ
الشّعدىُ(١):
فأخييْتَ(٢) لى ذِكْرِى وما كنتُ خاملًا ولكنَّ بعضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ من بعضٍ
/يريدُ بقولِه: فأحيَيْتَ لی ذِكرِى. أى: رفعتَه وشهَرْتَه فى الناسِ حتى نَئُه فصار ١٨٨/١
مذكورًا حيًّا بعدَ أن كان خاملًا ميتًا.
فذلك(٣) تأويلُ قولٍ من تأوَّل فى قولهِ: ﴿ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا﴾: لم تكونوا شيئًا .
أى: كنتم خُمولاً لا ذِكْرَ لكم، وذلك كان «موتَكم، ﴿فَأَحْيَكُمْ﴾ فجعلكم
(١) البيت فى طبقات ابن المعتز ص ٦٤، والمؤتلف والمختلف ص ٢٩٧.
(٢) فى ص، والمؤتلف والمختلف: ((وأحيت))، وفى ابن المعتز: ((وأنبهت)).
(٣) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢: ((فكذلك)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((موتهم فأحياهم فجعلهم)).

٤٤٨
سورة البقرة : الآية ٢٨
بشَرًّا أحياءٌ ( تُذكَرون وتعرَفون)، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بقبضٍ أرواحِكم،
وإعادتكم كالذى كنتم قبلَ أن يحييكم من دروسٍ ذكرٍكم، وتَعَفِّی
آثارِكم، وخُمولٍ أمورِكم، ﴿ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ بإعادةِ أجسامِكم إلى هيئاتِها ،
ونفخِ الروحِ فيها، وتَصْبِيرٍكم بشرًا كالذى كنتم قبلَ الإماتةِ تتعارَفون فى بعثِكم
وعندَ حشْرٍ كم .
وأما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّل ذلك أنه الإماتةُ التى هى خروج الروح من الجسدِ ،
فإنه ينبغى أن يكونَ ذهَب بقولِه: ﴿ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾. إلى أنه خطابٌ لأهلِ
القبورِ بعدَ إحيائِهم فى قبورهم، [٢٨/٢و] وذلك معنًى بعيدٌ؛ لأن التوبيخَ
هنالك إنما هو توبيخٌ على ما سلَف وفرَط من إجْرامِهم، لا استعتابٌ
واسترجائٌ. وقولُه جلَّ ذِكْرُه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ
أَمْوَتًا﴾. توبيخُ مُستعتِبٍ عبْدَهُ(٢)، وتأنيبُ مُسترجع خلْقَه من المعاصِى إلى
الطاعَةِ ، ومن الضلالة إلى الإنابةِ، ولا إنابةَ فى القبورِ بعدَ المماتِ ، ولا توبةً
فيها بعدَ الوفاةِ .
وأما وجهُ تأويل قولٍ قتادةَ ذلك أنهم كانوا أمواتًا فى أصلابٍ آبائِهم. فإنه عنَى
بذلك أنهم كانوا نُطَفًا لا أرواحَ فيها، فكانت بمعنى سائرِ الأشياءِ المَواتِ التى لا
أرواحَ فيها ، وإحياؤُه إياها جل ذِكْرُه؛ نَفْخُه الأرواحَ فيها ، وإماتَتُه إياهم بعدَ ذلك ؛
قبضُه أرواحَهُم ، وإحياؤه إياهم بعد ذلك ؛ نفخُ الأرواح فى أجسامِهم يومَ يُنْفَخُ فى
الصورِ ويُبعَثُ الخلقُ للموعودِ .
وأما ابنُ زيدٍ فقد أبان عن نفسِه ما قصَد بتأويلِهِ ذلك، وأن الإماتةَ الأولَى
(١ - ١) فى الأصل: ((يذكرون ويعرفون)).
(٢) فى م: ((عباده )) .

٤٤٩
سورة البقرة : الآية ٢٨
عندَهُ(١) إعادةُ اللّهِ جلَّ ثناؤه عبادَه فى أصلابٍ آبائهم بعدَما أخَذهم من صُلبٍ آدمَ،
وأن الإحياءَ الآخَرَ هو نفخُ الأرواحِ فيهم فى بطون أمهاتِهم ، وأن الإماتةَ الثانيةَ هى
قبضُ أرواحِهم للعَوْدِ إلى الترابِ ، والمصيرُ فى البرزَخِ إلى يومٍ البعثِ، وأن الإحياءَ
الثالثَ هو نفخُ الأرواحِ فيهم لبعثِ الساعةِ ونشرِ القيامةِ . وهذا تأويلٌ إذا تَدبَّره المتدبُِّ
وجَده خِلافًا لظاهرٍ قولِ اللّهِ الذى زعَم مفسّرُه أن الذى وصَفْنَا من قولِه تفسيرُه،
وذلك أن اللّهَ جلَّ ذكرُه أخبر فى كتابه عن الذين أخبَر عنهم من خلقِه أنهم قالوا :
﴿رَبَّآ أَتَّا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اُثْلَتَيْنِ﴾. وزعَم ابنُ زيدٍ أن (١) تفسيرَه أن اللّهَ أحياهم
ثلاثَ إحياءاتٍ ، وأماتهم ثلاثَ إماتاتٍ .
قال أبو جعفرٍ : والأمرُ عندنا وإن كان فى ما وصَف من استخراج اللّهِ جلّ ثناؤه
من صُلْبٍ آدَمَ ذُريتَه، وأخذِه ميثاقَه عليهم، كما وصَف، فليس ذلك من تأويلٍ
هاتين الآيتين - أعنى قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ الآية.
وقوله: ﴿ رَبَّنَا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أَنْنَتَيْنِ﴾ - فى شىءٍ؛ لأن أحدًا لم يدَّع أن اللَّهَ
أمات من ذرَأ يومئذٍ غيرَ الإماتةِ التى صار [٢٨/٢ظ] بها فى البرزخ إلى البعثِ، فيكونَ
جائزًا أن يوجّه تأويلُ الآيةِ إلی ما وجههُ إلیه ابنُ زیدٍ .
/ وقال بعضُهم: الموتةُ الأولَى مُفارقةُ نُطفةِ الرجلِ جسدَه إلى رحم المرأةِ، فهى ١٨٩/١
ميتةٌ من لَدُنْ فِراقِها جسدَه إلى نفخ الروحِ فيها، ثم يُحييها اللَّهُ بنفخ الروحِ فيها
فيجعَلُها بشرًا سويًّا بعدَ تاراتٍ تأتى عليها، ثم يُميتُه المِيتةَ الثانيةَ بقبضٍ الروحِ منه،
فهو فى البرزخِ ميتٌ إلى يومٍ يُنْفَخُ فى الصورِ ، فيَرُدُّ فى جسدِه روحه ، فيعودُ حيًّا سويًّا
لبعثِ القيامةِ ، فذلك موتَتان وحياتان .
(١) فى م: ((عند)).
(٢) فى م: ((فى)).
( تفسير الطبرى ٢٩/١ )

٤٥٠
سورة البقرة : الآية ٢٨
وإنما دعًا هؤلاء إلى هذا القولِ لأنهم قالوا : موتُ ذِى الروحِ مفارقةُ الروحِ إياه .
فزعَموا أن كلَّ شيءٍ من ابنِ آدمَ حٌّ ما لم يفارقْ جسدَه الحىَّ ذا الروحِ، فكلُّ ما
فارقَ جسدَه الحىَّ ذا الروحِ ، فارقَتْه ( الروح و١ الحياةُ فصار ميتًا، كالعضو من
أعضائِه؛ مثلُ اليدِ من يدَيْه أو الرِّجْلِ من رجلَيْهِ، لو قُطِعت فَأَبِينَتْ ، والمقطوعُ ذلك
منه حىٌّ، كان الذى بان من جسدِهِ مَيِّتًا لا روحَ فيه بفراقِه سائرَ جسدِه الذی فیه
الروح. قالوا : فكذلك نطفتُه حيةٌ بحياتِه، ما لم تفارقْ جسدَه ذا الروح، فإذا فارقَتْه
مُباينةً له صارت مَيتةً ، نظيرَ ما وصفْنَا من حكمِ البدِ والرجلِ وسائرِ أعضائِه، وهذا
قولٌ ووجة من التأويلِ لو كان من أقوالِ أهلِ القُدْوةِ الذين يُرتضَى للقرآنِ تأويلُهم .
وأوْلَى ما ذكَرْنا من الأقوالِ التى بينًّا بتأويلِ قولِ اللّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ﴾ الآية . القولُ الذى ذكرناه عن ابنِ
مسعودٍ، وعن ابنِ عباسٍ، من أنَّ معنى قوله: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. أمواتَ
الذِّكْرِ، خُمولًا فى أصلابٍ آبائِكم، نُطَفًا لا تُعرَفون ولا تُذكَرون، فأحياكُم
بإنشائكُم بشرًا سويًّا، حتى ذُكِرتم وُرٍفتم وحَيتُم، ثم يميتُكم بقبضٍ أرواحِكم
وإعادتِكم رُفاتًا ، لا تُعرَفون ولا تُذْكرون فى البرزخ إلى يومٍ تُبعثون، ثم يُحییکم بعدَ
ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعثِ الساعةِ وصَيحةِ القيامةِ ، ثم إلى اللّهِ تُرجَعون بعدَ
ذلك، كما قال: ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لأن اللّهَ جلَّ ثناؤُه يُحييهم فى قبورِهم قبلَ
حشرِهم، ثم يحشُرُهم لموقفِ الحسابِ، كما قال جلّ ذكرُه ﴿يَوْمَ يَخْرُونَ مِنَ
اُلْأَحْدَاثِ سِرَا كَأَنَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]. وقال: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا
هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [ يس: ٥١].
والعِلةُ التى من أجلها [٢٩/٢و] اخترنا هذا التأويلَ، ما قدَّمنا ذِكْرَه للقائلين به،
(١ - ١) سقط من: م.

٤٥١
سورة البقرة : الآيتان ٢٨، ٢٩
وفسادُ ما خالَفه بما قد أوضَخْناه قبلُ .
وهذه الآيةُ توبيخٌ من اللّهِ جلَّ ثناؤه للقائلين: ﴿ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَّوْمِ
الآخِ ﴾. الذین أخبر اللهُ عنهم أنهم مع قِیلهم ذلك بأفواههم، غیرُ مؤمنین به ،
وأنهم إنما يقولون ذلك خِداعًا للّهِ وللمؤمنين، فعذَلهم اللّهُ بقولِه: ﴿كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ﴾. ووبَّخهم واحتجَّ عليهم فى نكيرِهم
ما أنكروا من ذلك ، ومجحودِهم ما جَحدوا بقلوبهم المريضةِ ، فقال : كيف تكفرون
باللّهِ فَتَجْحَدون قدرته على إحيائِكم بعد إماتتِكم البعثِ القيامةِ، ومجازاةٍ المسىءٍ
منكم بالإساءةِ ، والمحسنِ بالإحسانِ ، وقد كنتم نطفًا أمواتًا فى أصلابِ آبائِكم ،
فأنشأتُكم (٢) خلقًا سويًّا، وجعلتُكم(٣) بشرًا أحياءً، ثم أمُّكم(٤) بعد إنشائكم، فقد
علمتم أن من فعل ذلك بقدرتِه، غيرُ معجزِه - بالقدرةِ التى فعَل ذلك بكم -
إحياؤُكم بعد إماتتِكم ، وإعادتُكم بعد إفنائِكم، وحشرُكم إليه لمجازاتِكم
بأعمالِکم .
"القولُ فى تأويل قولِه جل وعز: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ
جَمِيعًا ﴾
قال أبو جعفرٍ : ثم عدَّدَ ربُّنا عليهم، وعلى أوليائِهم من أحبارِ اليهودِ الذين
جمَع بينَ قَصَصِهم وقَصصٍ المنافقين فى كثيرٍ من آي هذه السورةِ التى افتتح الخبرَ
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٢) فى ص: ((فأنشأكم)).
(٣) فى ص : (( فجعلكم )) .
(٤) فى ص: (( أماتكم )).
(٥ - ٥) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.

٤٥٢
سورة البقرة : الآية ٢٩
عنهم فيها بقولهِ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرَهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾ - نِعَمَه التى سِلَفتْ منه إليهم وإلى آبائِهم ، التى عظُمتْ منهم مواقِعُها ،
ثم سلْبُهُ(١) كثيرًا منهم كثيرًا منها، بما ركبوا من الآثام، واجتَرَموا من الأجرامِ،
(٢)
١٩٠/١ وخالَفوا من الطاعةِ إلى المعصية،/ محذّرَهم بذلك تعجيلَ العقوبةِ لهم، كالتى".
عَجَّها للأسلافِ والأفراطِ قبلَهم ، ومخوِّفَهم حُلولَ مَثُلاتِه بساحتِهم، كالذى أحلّ
بأوائلِهم (١) ، ومعرّفَهم ما لهم من النجاةِ فى سرعةِ الأُوْبةِ إليه وتعجيلِ التوبة؛ من
الخلاصِ لهم يومَ القيامةِ من [٢٩/٢ظ] العقابِ. فبدأ بعدَ تعديدِه عليهم ما عدَّد من
نِعَمِه التى هم فيها مُقيمون بذكرٍ أَبِينا وأبِيهم آدمَ أبى البشرِ ، صلواتُ اللّهِ عليه ، وما
سلَف منه من كرامتِه إليه وآَلائِه لديه، وما أحلّ به وبعدوِّه إبليسَ مِن عاجلٍ عقويته
بمعصيتهما التى كانت منهما، ومخالفتِهما أمْرَه الذى أمرهما به، وما كان من
تغمُّدِهِ آدمَ برحمتِهِ إِذْ تاب وأناب إليه ، وما كان من إحلالِه بإبليسَ من لعنتِه فى
العاجِل ، وإعدادِه له ما أعدَّ له من العذابِ المقيم فى الآجلِ، إذ استكبرَ وأتى التوبةَ إليه
والإنابةَ، مُنبهً لهم على محكمِه فى المنيبين إليه بالتوبةِ ، وقضائِه فى المستكبرِين عن
الإنابةِ، إعذارًا من اللّهِ بذلك إليهم، وإنذارًا لهم لِيتدبَّروا آياتِه، ولِيَتذَكَّرَ منهم أَولو
الألبابِ ، وخاصًّا أهلَ الكتابِ بما ذكَّر من قصَصٍ آدمَ وسائرِ القصصِ التى ذكرها
معها وبعدَها ، مما علِمِه أهلُ الكتابِ وجهِلَتْه الأمةُ الأَميةُ مِن مشركِى عَبدَةِ الأوثانِ -
بالاحتجاجِ عليهم - دونَ غيرِهم من سائرِ أصنافِ الأمم الذين لا علْمَ عندَهم
بذلك - لنبيِّه محمدٍ عِله؛ ليعلموا بإخبارِه إياهم بذلك أنه للّهِ رسولٌ مبعوثٌ ، وأن
ما جاءهم به فمِن عندِه ، إذْ كان ما اقتَصَّ عليهم من هذه القصصٍ من مكنونٍ
(١) فى م: ((سلب)).
(٢) فى الأصل: ((كالذى)).
(٣) فى م: (( بأولیھم )).

٤٥٣
سورة البقرة : الآية ٢٩
علومِهم، ومَصونِ ما فى كُتبِهم ، وخفىٌّ أمورِهم ، التى لم يكنْ يدَّعِى معرفَةَ عِلْمِها
غيرُهم وغيرُ مَن أخَذ عنهم وقرَأْ كُتُبُهم. وكان معلومًا من محمدٍ عَظ ◌ِلِّ أنه لم يكنْ قطّ
كاتبًا، ولا لأسفارِهم تاليًا، ولا لأحدٍ منهم مصاحبًا ولا مجالسًا، فيمكِنَهم أن
يَدَُّوا أنه أخذ ذلك من كُتبهم ، أو عن بعضهم ، فقال جلّ ذكره فى تعدِيدِه عليهم
ماهم فيه مقيمون من نِعَمِه مع كفرِهم به، وتركِهم شُكّرَه عليها بما يَجِبُّ له عليهم
من طاعتِهِ: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أُسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ
فَسَوَّدُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .
فأخبرهم جلَّ ذِكْرُه أنه خلَقَ لهم ما فى الأرضِ جميعًا؛ لأن الأرضَ وجميعَ ما
فيها لبنى آدمَ منافعُ، أما فى الدِّينِ فدليلٌ (١) على وحدانيةِ ربِّهم(٢) ، وأما فى الدنيا
فمعاشٌ وبلاٌ لهم(٢) إلى طاعتهِ، وأداءٍ فرائضِه، فلذلك قال جلَّ ثناؤه: ﴿هُوَ
الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ .
وقولُه: ﴿هُوَ﴾ مَكْنِىٌ(٤) من اسمِ اللّهِ جلَّ ذِكْرُه، [٥٣٠/٢] عائدٌ على اسمِهِ
فى قوله: ﴿ كَيْفَ تُكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾. ومعنى خلْقِه ما خلَق جلّ ثناؤه؛ إنشاؤه
عينَه، وإخراجه من حالِ العدَمِ إلى الوجودِ. و﴿مَّا﴾ بمعنى ((الذى))، فمعنى
الكلامِ إذن : كيفَ تكفرون باللّهِ وقد كنتم نُطَفًا فى أصلابِ آبائِكم، فجعَلكم بشرًا
أحياءً، ثم يميتُكم، ثم هو مُحييكم بعد ذلك، وباعثُكم يومَ الحشرِ للثوابِ
(١) بعده فى الأصل: ((له)).
(٢) فى الأصل: (( ربه )).
(٣) فى ص: (( له)).
(٤) إنما أطلق الكوفيون على الضمير: ((المكنى)) أو ((الكناية)). لأنه يرمز به عن الظاهر اختصارا، فهو
اسم كنى به عن اسم. ينظر معانى القرآن للفراء ٥/١، ١٩، ٥٠، وشرح المفصل ١٨٤/٣، وشرح
الرضى ٢ / ٩٣.

٤٥٤
سورة البقرة : الآية ٢٩
والعقابٍ، وهو المنعمُ عليكم بما خلَق لكم فى الأرضِ ، من مَعايشِكم وأدِلَّتِكم على
وحدانيةِ ربِّكم. و﴿ كَيْفَ﴾ بمعنى التعجبِ والتوبيخ، لا بمعنى الاستفهام، كأنه
قال: ويحَكُمْ كيفَ تكفرون باللّهِ! كما قال: ﴿فَأَتْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ [التكوير: ٢٦].
وحلَّ قولُه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَخْيَكُمْ﴾ محلَّ الحالِ، وفيه ضميرُ(١) ((قد))،
ولكنَّها حُذفت لما فى الكلامِ من الدليلِ عليها، وذلك أن ((فَعل)) إذا حلَّت محلَّ
الحالِ كان معلومًا أنها مقتضيةٌ ((قد))، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ
صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] يعنى: قد حَصِرتْ صدُورُهم. وكما تقولُ للرجلِ :
أصبحتَ كَثُرَتْ ماشيتُك. تريدُ : قَدْ كثُرتْ ماشيتُك .
١٩١/١
وبنحوِ / ما قلنا فى قوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾
كان قتادةُ يقولُ .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ
الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: نَعَمْ واللّهِ، سَخَّر لكم ما فى
(٢)
الأرضِ(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه عز وجل: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ﴾ .
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ فقال
بعضُهم: معنى ﴿ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ﴾: أقبلَ عليها. كما تقولُ: كان فلانٌ مُقبلًا
على فلانٍ ، ثم استوى علىَّ يُشاتمنى، واستوى إلىَّ يُشاتمنى. يعنى: أقبَل علىَّ وإلىَّ
(١) الضمير هنا بمعنى التقدير . ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ١٤١ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥/١ (٣٠٧) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة به . وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٤٢/١ إلى عبد بن حميد. وينظر تاريخ دمشق ٣٩٩/٧.

٤٥٥
سورة البقرة : الآية ٢٩
يُشاتمنى . واستشهد على أن معنى الاستواءِ بمعنى الإقبالِ بقولِ الشاعرِ (١) :
أقولُ وقد قَطَعْنَ بنا شَرَوْرَى(٢) سَوامِدَ(٣) واستوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ "
فزعَم أنه عنَى به أنّهنَّ خرجْن من الضَّجوع، وكان ذلك عنده بمعنى
((أقبَلْن)).
وهذا [٣٠/٢ظ] من التأويل فى هذا البيتِ خطأً، وإنما معنى قوله: واستوينَ من
الضجوع - عندى - : استوَيْنَ على الطريقِ من الضَّجُوع خارجاتٍ . بمعنى :
استقَمْنَ عليه(٥) .
وقال بعضُهم : لم يكن ذلك من اللّهِ جلَّ ذكرُه بتحوّلٍ ، ولكنه يعنى فِعْلَه، كما
تقولُ : كان الخليفةُ فى أهلِ العراقِ يُواليهم ، ثم تحوَّلَ إلى أهلِ الشامِ . إنما يريدُ تحوَّلَ
فعْلِه .
وقال بعضُهم: قولُه: ﴿ ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ ﴾ يعنى : استوتْ به. كما قال
الشاعر :
على أىِّ دِينٍ (قَتَّل الناسَ(٢) مُضْعبُ
أَقُولُ لَهُ لَّ استوَى فی ترابِه(٦)
(١) البيت لابن مقبل، وهو فى ديوانه ص ١٦٤.
(٢) شرورى: جبل بين العَمْق والمعدِن ، فى طريق مكة إلى الكوفة، وهى بين بنى أسد وبنى عامر. معجم ما
استعجم ٣/ ٧٩٤، والبيت فيه .
(٣) رواية الديوان، ومعجم ما استعجم: ((ثوانى)). وسمدت الإبل: إذا جدت فى السير. التاج
(س م د ).
(٤) الضجوع : موضع بين بلاد هذيل وبلاد بنى سليم. معجم ما استعجم ٨٥٧/٣ والبيت فيه .
(٥) سقط من : الأصل.
(٦) فى ص: ((ثراته))، وفى ر: ((تراثه)).
(٧ - ٧) فى م: ((قبل الرأس)).

٤٥٦
سورة البقرة : الآية ٢٩
وقال بعضُهم: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَآءِ﴾: عمَد لها . وقال: كلُّ تارك
عملًا كان فيه إلى آخرَ فهو مُستوٍ لما عمَد له ومُستوٍ إليه .
وقال بعضُهم: الاستواءُ هو العلوُ، والعلوُّ هو الارتفاعُ .
وممن قال ذلك الربيعُ بنُ أنسٍ، حُدِّثْتُ بذلك عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال :
حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى
السَّمَاءِ ﴾ يقولُ: ارتفعَ إلى السماءِ ().
ثم اختلَف متأوَّلُو الاستواءِ بمعنى العلوِّ والارتفاع فى الذى استوَى إلى السماءِ؛
فقال بعضُهم: الذى استوَى إلى السماءِ وعلا عليها خالِقُها ومُنشِئُها .
وقال بعضُهم: بلِ العالى إليها(٢) الدخانُ الذى جعله اللّهُ للأرضِ سماءً.
قال أبو جعفرٍ: والاستواءُ فى كلامِ العربِ منصرِفٌ على وجوهٍ؛ منها: انتهاءُ
شبابِ الرجلِ وقوَِّه ، فيقالُ إذا صارَ كذلك : قدِ استوَى الرجلُ.
ومنها : استقامةُ ما كان فيه أوَّ(٤) من الأمورِ والأسبابِ، يقالُ منه : استوَى
لفلانٍ أمرُه: إذا استقام له بعدَ أوَدٍ(٥) . ومنه قولُ الطّرِمَّاحِ بنِ حكيم() : :
طال على رسم مُهَدَّدٍ أَبَدُهْ
وعفا واسْتَوَى به بَلَدُهْ
(١) فى م: ((آخره)) .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥/١ عقب الأثر (٣٠٨) من طريق ابن أبى جعفر به. وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٤٣/١ إلى المصنف عن أبى العالية. وستأتى بقيته فى ص ٤٥٨.
(٣) فى ص: ((عليها)).
(٤) الأود : العِوَج. ينظر التاج (أو د).
(٥) فى الأصل: ((درءِ)).
(٦) ديوانه ص ١٩٣.
(٧) فى الأصل: (( ثم)).

٤٥٧
سورة البقرة : الآية ٢٩
يعنى : استقام به .
/ ومنها : الإقبالُ على الشىءٍ بالفعلِ، كما يقالُ: استوَى فلانٌ على فلانٍ بما ١٩٢/١
یکرمُه ويسوءُه بعد الإحسانِ إليه .
ومنها: (( الاستيلاءُ والاحتواءُ، كقولهم: استوَى فلانٌ على المملكةِ.
بمعنى : احتوَى عليها وحازَها .
ومنها : العلُ والارتفائُ، کقول القائل : استوى فلانٌ على سريره . یعنی به :
عُلوَّه [٣١/٢و] عليه .
قال أبو جعفر: وأوْلَى المعانى بقولِ اللّهِ: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ
فَسَوَّهُنَّ﴾: علا عليهن وارتفَع، فدبَّرهن بقدرته وخلَقهنَّ سبعَ سماواتٍ .
والعجبُ ممن أنكَرَ المعنى المفهومَ من كلامِ العربِ فى تأويلٍ قولِ اللّهِ: ﴿ثُمَّ
أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَآءِ﴾ الذى هو بمعنَى العلوِّ والارتفاع هَرَبًّا عندَ نفسِه من أنْ يلزَمَه
بزعمِه - إذا تأوَّله بمعناه المفهوم كذلك - أن يكونَ إنما علا وارتفَع بعد أن كان تحتَها ،
إلى أنْ تأوَّلَه بالمجهولِ من تأويلِه الْمُسْتَنْكَرِ(١) ، ثم لم ينجُ مما هرَب منه، فيقالُ له :
أزعَمتَ أَن تأويلَ قولِه: ﴿أُسْتَوَىَ﴾: أقبَل، أَفكانَ مُدْبرًا عن السماءِ فَأقبَل إليها ؟
فإن زعَمَ أن ذلك ليس بإقبالٍ فعلٍ ولكنه إقبالُ تدبيرٍ . قيلَ له : فكذلك فقلْ(٢) : عَلَا
عليها عُلوَّ مُلْكٍ وسلطانٍ لا علوَّ انتقالٍ وزوالٍ. ثم لن يقولَ فى شىءٍ من ذلك قولًا إلا
أَلزِم فى الآخَرِ مثلَه . ولولا أنَّ كرِهنا إطالةَ الكتابِ بما ليس من جنسِه لأُنبأُنا عن فسادٍ
قولِ كلِّ قائلِ قال فى ذلك قولًا لقولِ أهلِ الحقِّ فيه مخالفًا ، وفيما بيَّنا منه ما يُشرِفُ
(١ - ١) فى م: ((الاحتياز والاستيلاء)).
(٢) فى ص: ((المستكره )).
(٣) فى ر: (( تقل)).

٤٥٨
سورة البقرة : الآية ٢٩
بذى الفهم على ما فيه له الكفايةُ إن شاء اللّهُ.
وإن قال لنا قائلٌ : أخبرنا عن استواءِ اللّهِ جلَّ وعز إلى السماءِ، كان قبلَ خلْقٍ
السماءِ أم بعدَه ؟
قيل: بعدَه ، وقبلَ أن يسوِّيَهن سبعَ سماواتٍ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ
أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا ﴾ [فصلت: ١١].
فالاستواءُ كان بعد أن خلَقها دخانًا ، وقبل أن يسَوِّيَها سبعَ سماواتٍ .
وقال بعضُهم: إنما قال (١): ﴿أُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ﴾ ولا سماءَ، كقولِ الرجلِ
لآخَرَ : اعمَلْ هذا الثوبَ . وإنما معه غزلٌ .
وأما قولُه: ﴿فَسَوَّنهُنَ﴾. فإنه يعنى: هيَّأْهُنَّ وخلَقهن ودبَّرهن وقوَّمهن.
والتسويةُ فى كلام العربِ التقويمُ والإصلاح والتوطئةُ ، كما يقالُ : سوَّى فلانٌ لفلانٍ
هذا الأمرَ. إذا قوَّمه وأصلَحه ووطََّه له، فكذلك تسويةُ اللّهِ جلَّ وعز سماواتِه،
تَقويُه إياهن على مشيئته، وتدبيرُه لهن على إرادتِه، وتفتيقُهن بعد ارْتِتاقِهن (١).
کما حُدِّثْتُ عن عمار بن الحسنِ، قال : حدّثنا ابنُ أُبی جعفرٍ ، عن أبيه ، عن
الربيعِ بنِ أنسٍ : ﴿ فَسَوَّهُنَّ سَيْعَ [٣١/٢ظ] سَمَوَانٍ ﴾ يقولُ : سوّى خَلْقَهنّ،
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾(٢).
وقال جلّ ذكرُه: ﴿فَسَوَّهُنَ﴾. فأخرَج مَكِنِيَّهن(٤) مُخرجَ مَكْنىٌ الجميعِ،
(١) فى الأصل، ر: ((قيل)).
(٢) فى ص: ((بتامتهن))، وفى م: ((ارتاقهن)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥/١ (٣١٠) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٤٣/١ إلى المصنف عن أبى العالية . وتقدم أوله فى ص ٤٥٦.
(٤) فى ر: (( مكينهن)). والمكنى هو الضمير فى اصطلاح نحوبى الكوفة. ينظر ص ٤٥٣.

٤٥٩
سورة البقرة : الآية ٢٩
وقد قال قبلُ: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ﴾ فأخرَجها على تقديرِ الواحدِ ، وإنما
أخرَج مَكنِيَّهن مُخرَجَ مَكْنىٌ الجميع؛ لأن السماءَ جمعٌ، واحدُها سماوَةٌ ، فتقديرُ
واحدتِها وجميعِها إذن تقديرُ بقرةٍ وبقرٍ، ونخلةٍ ونخلٍ ، وما أشبه ذلك ، ولذلك
أَنِّئْت السماءُ مرةً، فقيل: هذه سماءٌ. وذُكِّرت أُخرى، فقيل: ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرً
بِّ،﴾ [المزمل: ١٨]. كما يُفعَلُ ذلك بالجميع الذى لا فرقَ بينَه وبين واحدِه غیرُ
دخولِ الهاءِ وخروجِها ، فيقالُ : هذا بقرٌ، وهذه بقرٌ، وهذا نخلٌ ، وهذه نخلٌ . وما
أشبه / ذلك .
١٩٣/١
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أن السماءَ واحدةٌ ، غيرَ أنها تدُلُّ
على السماواتِ، فقيل: ﴿فَسَوَّهُنَ﴾. يُراد بذلك التى ذُكرتْ وما دلَّتْ عليه
من سائرِ السماواتِ التى لم تُذكر معها. قال: وإنما تُذكَّرُ إذا ذُكِّرتْ وهى
مؤنثةٌ، فيقالُ: ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِهٍّ،﴾. كما يُذَكَّرُ المؤنثُ، وكما قال
(١)
الشاعر(١) :
ولا أرضَ أَبْقَلَ إبْقالَها
فلا مُزْنةٌ ودَقَتْ وَدْقَها
وكما قال أعْشى بنى ثعلبةً(٢).
فإِنَّ الحوادثَ أَزْرَى بها
فإمّا تَرَىْ لِمَّتِى بُدِّلَتْ
وقال بعضُهم: السماءُ وإن كانت سماءً فوقَ سماءٍ، وأرضًا فوق أرضٍ، فھی
فى التأويلِ واحدةٌ إن شئتَ ، ثم تكونُ تلك الواحدةُ جِماعًا، كما يقالُ: ثوبٌ
(١) البيت لعامر بن جوين الطائى، وهو فى الكتاب ٤٦/٢، والخزانة ٤٥/١.
(٢) ديوانه ١٧١، وروايته :
فإن الحوادث ألوى بها
فإن تعهدینی ولی لمة

٤٦٠
سورة البقرة : الآية ٢٩
أخلاقٌ وأسمالٌ(١)، ويُزْمةٌ أعشارٌ() . للمتكسّرَةِ، ويُزمةٌ أكسارٌ وأجبارٌ . وأخلاقٌ ،
أى أنّ نواحيه أخلاقٌ .
فإن قال لنا قائلٌ : فإنك(٣) قد قلتَ: إن اللهَ استوَى إلى السماءِ وهى دخانٌ قبل
أن يسوِّيَها سبعَ سماواتٍ ثم سوّاها سبعًا () بعد استوائِه إليها) ، فكيف زعَمتَ أنها
جماعٌ ؟
قيل : إنهنَّ كُنَّ سبعًا غيرَ مُستوياتٍ ، فلذلك قال تعالى ذكرُه : فسواهنَّ
سبعًا .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: قال محمدُ بنُ
إسحاقَ : كان أوّلَ مَا خَلَق اللّهُ تعالى ذكرُه النورُ [٣٢/٢و] والظلمةُ ، ثم مَّرَ بينَهما
فجعَل الظلمةَ ليلاً أسودَ مُظلمًا، وجعَل النورَ نهارًا مضيئًا مُبصرًا، ثم سمَك
السماواتِ السبعَ من دخانٍ ، يقالُ - واللّهُ أُعلِمُ - : من دخانِ الماءِ. حتى استقلَلْنَ
ولم يُخْبَكن، وقد أغطَش فى السماءِ الدنيا ليلَها وأخرَج ضُحاها، فجرَى فيها الليلُ
والنهارُ، وليس فيها شمسٌ ولا قمرٌ ولا نجومٌ، ثم دحًا الأرضَ فأرساها بالجبالِ ،
وقدَّر فيها الأقواتَ ، وبثَّ فيها ما أراد من الخَلْقِ، ففرَغ من الأرضِ وما قدَّر فيها من
أقواتِها فى أربعة أيامٍ ، ثم استَوى إلى السماءِ وهى دخانٌ ، كما قال، فحبَكَهُنَّ،
وجعَل فى السماءِ الدنيا شمسَها وقمرَها ونجومَها، وأَوْحَى فى كلِّ سماءٍ أمْرَها،
(١) ثوب أخلاق: من قولهم: خلق الثوب. أى بلى كله. وأسمال من: سمل الثوب سمولا
وسمولة : أخلق. التاج ( خ ل ق، س م ل).
(٢) أى: مكسرة على عشر قطع. ينظر التاج ( ع ش ر).
(٣) سقط من: ص، ر.
(٤ - ٤) فى ص: ((فقد استوى به إليها)) ..
(٥) فى ص: (( فكذلك)).