النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سورة البقرة : الآية ٢٥ حدثنا المتُنَى ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةً، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو ، عن أبى عاصمٍ . حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجُ مُطَهَرَةٌ﴾: إِى واللَّهِ، مِن الإثم والأذَى (١). وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال أُخْبَرِنا مَعمرٌ، عن قتادةً فى قولهِ: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَاَ أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: طَهَّرهن اللَّهُ من كلِّ بولٍ وغائطٍ وقَّذَرٍ ، ومن كلِّ مأئمٍ(٦). حُدِّثت عن عمارٍ بنِ الحسنِ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن قتادةَ ، قال: مُطهّرةٌ من الحيضِ والحَبَلِ والأذى(١). حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ ، قال : المطهّرةُ من الحيضِ والحَبَلِ . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ زيدٍ: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ﴾ . قال: المطهّرةُ التى لا تَحِيضُ. قال: وأزواجُ الدنيا ليست بمطهّرةٍ؛ [٢/ ٢٠و] ألا تراهنَّ يَدمَين ويتركن الصلاةَ والصيامَ؟ قال ابنُ زيدٍ : وكذلك خُلِقَتْ حوَّاءُ حتى عَصتْ ، فلما عصتْ قال اللهُ: إِنِّى خلقتكِ مطهّرةً ، وسأُذْمِيك كما دقَّيْتِ هذه الشجرةَ(٤). = والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/١ إلى عبد الرزاق. وينظر تفسير الثورى ص ٤٣. (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٧/١، ٩٨٤/٣ (٢٦٦، ٥٥٠٩) من طريق سعيد وأبان ، عن قتادة . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/١ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٧/١ (٢٦٧) من طريق خليد، عن قتادة ، بنحوه . (٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٢/١، وابن رجب فى فتح البارى ١٢/٢ عن المصنف، وقال ابن كثير: وهذا غريب . وسيأتى بسياق أطول من هذا فى ص ٥٦٥. ٤٢٢ سورة البقرة : الآيتان ٢٥، ٢٦ وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبِيعِ، عن (١) الحسنِ فى قولِهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ يقولُ: مُطهَّرةٌ مِن (٢) الحيضِ(١) . حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الرّبيع بنٍ أنسٍ، عن الحسنٍ فى قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ تُطَهَرَةٌ﴾ . قال : مِن الحيضِ. وحدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أبو معاويةً، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، عن عطاءٍ فى قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ . قال: من الولدِ والحيضِ والغائطِ والبول. وذكَر أشياءَ مِن هذا النحوِ (١). القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ يعنى بذلك: والذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ فى الجناتِ خالدون. فالهاءُ والميمُ مِن قوله: ﴿وَهُمْ﴾ عائدةٌ على ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْضَلِحَتِ﴾ . والهاءُ والألفُ فى ﴿ فِيهَا ﴾ على الجناتِ . وخلودُهم فيها دوامُ بقائهم فيها على ما أعطاهم اللَّهُ فيها مِن الحَةِ(٤) والنعيم المقيمِ. / القولُ فى تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىٌ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَاً﴾. ١٧٧/١ (١) فى الأصل: ((وعن)). (٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٧/١ عقب الأثر (٢٦٧) معلقا . (٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٧/١ عقب الأثر (٢٦٧) معلقا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/١ إلى وكيع وهناد. وينظر البداية والنهاية ٣٣٥/٢٠. (٤) فى ر، ت ١: ((الخيره)). والحبرة: النعمة وسعة العيش. النهاية ٣٢٧/١. ٠ ٤٢٣ سورة البقرة : الآية ٢٦ قال أبو جعفرٍ : اختلف أهلُ التأويل فى المعنى الذى أَنزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤه فيه (١) هذه الآيةَ وفى تأويلها؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فى خبرٍ ذَكَره عن أبى مالكٍ ، وعن أبى صالح ، عن[ ٢/ ٢٠ظ ] ابن عباس، وعن مرةً، عن ابن مسعودٍ ، وعن ناسٍ من أصحاب النبيِّ عَّهِ: لمّا ضرَب اللَّهُ هذين المثَلَيْن للمنافقِين - يعنى قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ﴾ . الآيات الثلاث - قال المنافقون: اللَّهُ أعلى وأجلُّ من أن يضرِبَ هذه الأمثالَ. فأنزَل اللَّهُ جل ثناؤه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىءَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا﴾ إِلى قولِه: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾(١). وقال آخرون بما حدَّثنى به أحمدُ بنُ إبراهيمَ(٢)، قال: حدَّثنا قُرادٌ ، عن أبى جعفرٍ الرازىِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ فى قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِى: أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا﴾ قال: هذا مثلٌ ضَرَبه اللهُ للدنيا ؛ أن البعوضةَ تحيا ما جاعتْ ، فإذا سمِنتْ ماتتْ، وكذلك مثلُ هؤلاء القومِ الذين ضَرَبَ اللهُ لهم هذا المثلَ فى القرآنِ ، إذا امتلئوا من الدنيا رِيًّا، أخذهم اللهُ عند ذلك. قال: ثم تلا ﴿ فَلَمَا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ الآيةُ [الأنعام: ٤٤]. (١) فى الأصل: ((فى)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤١/١ إلى المصنف وابن أبى حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة . وهو عند ابن أبى حاتم ٦٨/١ (٢٧٣) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدى من قوله . (٣) بعده فى ر: ((الدورقی)). (٤) قال ابن كثير فى تفسيره ٩٣/١: هكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبى حاتم من حديث أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية ، بنحوه، فالله أعلم . وهو عند ابن أبى حاتم ٦٨/١ (٢٧٠)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٣ إلى أبى الشيخ. ٤٢٤ سورة البقرة : الآية ٢٦ حدثنا المثنَّى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاج، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بنٍ أنسٍ بنحوِهِ ، إلّا أنه قال : فإذا خلت آجالُهم ، وانْقَطَعت مُدَّتُهم، صاروا كالبعوضةِ تحيا ما جاعت وتموتُ إذا رَوِيت ، فكذلك هؤلاء الذين ضرَّب اللهُ لهم هذا المثلَ، إذا امتلَئُوا مِن الدنيا رِيًّا أخذَهم اللَّهُ فأهلَكهم، فذلك قولُه: ﴿حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَهُ فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. وقال آخرون بما حدَّثْنا به بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريع، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِيَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاَ﴾ أى: إن اللَّهَ لا يستحيى من الحقِّ أن يَذْكُرَ منه شيئًا ما ، قَلَّ منه أو كثُرَ ، إن اللَّهَ جل ذكره لما ذكَر فى كتابِه الذبابَ والعنكبوتَ ، قال أهلُ الضلالةِ : ما أراد اللَّهُ من ذِكْرِ هذا؟ فأنزل اللَّهُ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىءٍ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاَ﴾(١). وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ١٧٨/١ قتادةَ، قال: لمّا ذكَر / اللّهُ العنكبوتَ والذبابَ، قال المشركون: ما بالُ العنكبوتِ والذبابِ يُذْكَران؟ فأنزل اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِيَ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٢). قال أبو جعفرٍ : وقد ذهَب [٢/ ٢١ و] كلُّ قائلٍ ممن ذَكَرْنا قولَه فى هذه الآيةِ وفى المعنى الذى أَنزلت فيه مذهبًا، غيرَ أن أوْلى ذلك بالصوابِ وأُشبهَه بالحقِّ ما ذَكَرْنا مِن قولِ ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ، وذلك أن اللَّهَ أخبرَ عبادَه أنه لا يستحيى أن يَضْرِبّ مثلاً (١) ذكره ابن کثیر فی تفسیره ٩٢/١ عن سعید به . (٢) تفسير عبد الرزاق - كما فى الدر المنثور ١٤/١ - وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسير ٦٩/١ (٢٧٣) عن الحسن بن يحيى به . وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وقال ابن كثير فى تفسيره ٩٢/١: والعبارة الأولى - يعنى رواية معمر عن قتادة - فيها إشعار أن هذه الآية مكية ، وليس كذلك، وعبارة رواية سعيد عن قتادة أقرب ، والله أعلم . ٤٢٥ سورة البقرة : الآية ٢٦ ما بعوضةً فما فوقها، عقيبَ أمثالٍ قد تَقَدَّمَت فى هذه السورةِ ضرَبها للمنافقين دونَ الأمثالِ التى ضرَبها فى سائرِ السورِ غيرِها - فلأنْ (١) يكونَ هذا القولُ، أعنى قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْىٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾. جوابًا لنكيرِ الكفارِ والمنافقين ما ضرَب اللَّهُ لهم مِن الأمثالِ فى هذه السورةِ ، أُحقُّ وأولى من أن يكونَ ذلك جوابًا لنكيرِهم ما ضرَب اللَّهُ لهم من الأمثالِ فى غيرِها من السورِ . فإِن ظنَّ ظانٌّ أنه إنما وجَب أن يكونَ ذلك جوابًا لنكيرِهم ما ضرَب من الأمثالِ فى سائرِ الشُّورِ؛ لأن الأمثالَ التى ضرَبها اللَّهُ لهم ولآلهتِم فى سائرِ السورِ أمثالٌ فى مُوافقةٍ المعنى لما أَخبَرِ اللَّهُ عنه أنه لا يستحيى أن يضربَه مثلًا؛ إذ كان بعضُها تمثيلاً لآلهتِهِم بالعنكبوتِ، وبعضُها تشبيهًا لها فى الضعفِ والمهانةِ بالذبابِ، وليس ذكرُ شىءٍ من ذلك بموجودٍ فى هذه السورةِ فيجوزَ أن يقالَ: إن اللَّهَ لا يستحيى أن " يضربَه مثلاً). فإن ذلك بخلافٍ ما ظنَّ، وذلك أن قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ إنما هو خبرٌ منه جلَّ ذِكْرُه أنه لا يستحيى أن يضربَ فى الحقِّ من الأمثالِ صغيرِها وكبيرِها ابتلاءً بذلك عبادَه، واختبارًاً ١ منه لهم، ليَميزَ به أهلَ الإِيمانِ والتصديقِ به من أهلِ الضلالةِ والکفر به، إضلالا منه به لقوم وهدايةً منه به لآخرین . كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : حدَّثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ﴾: يعنى الأمثالَ صغيرَها وكبيرَها ، يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلَمون أنها الحقُّ مِن ربِّهم، ويهديهم اللَّهُ بها، (١) فى ص: (( فلا)). (٢ - ٢) فى م: ((يضرب مثلا ما)). (٣) فى ص: ((إخبارا))، وفى ر: ((اختيارا)). ٤٢٦ سورة البقرة : الآية ٢٦ ويَضِلُّ بها الفاسقون . يقولُ : يعرِفُه المؤمنون فيؤمنون به ، ويعرِفُه الفاسقون فيكفرون ه(١). به حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةً، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله . وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، [٢١/٢ظ] قال: حدَّثنی حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ نحوَه . لا أنه جلَّ ذِكْرُه قصَد الخبرَ(١) عن عينِ البعوضةِ أنه لا يستحيى مِن ضرب المثلِ بها ، ولكنَّ البعوضةَ(١) لما كانت أضعفَ الخلقِ - كما حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو سفيانَ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ ، قال: البعوضَةُ أضعفُ ما خلَقِ اللَّهُ(٤). وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاج، عن ابنٍ مُریجٍ نحوَه - خصَّها اللَّهُ بالذكرِ فى القلةِ ، فأخبَر أنه لا يستحبى أن يَضْرِبَ أَقلَّ الأمثالِ فى الحقِّ وأحقرَها وأعلاها إلى غير نهاية فى الارتفاع ، جوابًا منه جلَّ ذِكْرُه لمن أنكر من منافقِى خلقِه ما ضرَب لهم من المثلِ بُوقِدِ النارِ ، والصَّيِّبِ من السماءِ على ما نَعَتهما به من نَعْتِهما . فإن قال لنا قائلٌ: وأين ذِكْرُ نكيرِ المنافقِين الأمثالَ التى وصفْتَ الذى هذا الخبرُ (١) تفسير مجاهد ص ١٩٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨/١ (٢٧٢). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/١ إلى عبد بن حميد نحوه . (٢) فى الأصل: (( بالخبر)). (٣) فى الأصل، ص، ر، ت ١، ت ٢: ((البعوض)). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤١/١ إلى المصنف . ٤٢٧ سورة البقرة : الآية ٢٦ ١٧٩/١ جوابُه ، فنعلمَ أَنَّ/ القولَ فى ذلك ما قلتَ ؟ قيل: الدَّلالةُ على ذلك بَيَّةٌ فى قولِه جل ذكره: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن زَّيِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ . وإن القوم الذين ضرَب لهم الأمثالَ فى الآيتين المتقدِّمتيْن - اللتين مثَّلَ ما عليه المنافقون مقيمون فيهماً ) بِمُوقِدِ النارِ وبالصَّيِّبِ من السماءِ على ما وصَف من ذلك قبلَ قولِه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِىءَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ - قد أنكروا المثلَ، وقالوا: ﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ﴾ . فأُوضَحَ خطأ قِيلِهم ذلك، وقبَّح لهم ما نطَقوا به وأخبرَهم بحكمِهم فى قِيلِهم ما قالوا منه ، وأنه ضلالٌ وفسوقٌ ، وأن الصوابَ والهدَى ما قاله المؤمنون دونَ ما قالوه . وأما تأويلُ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىءٌ﴾. فإن بعضَ المنسوبين إلى المعرفةِ بلغةٍ العربٍ كان يتأولُ معنى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِيءَ﴾: إن اللَّهَ لا يخشَى أن يضربَ مثلًا. ويَستشهدُ على ذلك من قولِه بقولِ اللّهِ جل وعز: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّهُ ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. ويَزْعُمُ أن معنى ذلك: وتستحبى الناسَ واللَّهُ أحقُّ أن تستحييَه. فيقولُ: الاستحياءُ بمعنى الخشيةِ، والخشيةُ بمعنى الاستحياءِ. وأما معنى قوله: ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾. فهو: أن يُبَيِّنَ ويصفَ. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]. بمعنى: وصَف لكم. وكما (٢) قال الكميتُ(٢) : (١) قوله: (فيهما)) متعلق بقوله: ((مثل)) يعنى الآيتين اللتين مثل فيهما - ما عليه المنافقون مقيمون - بموقد النار . (٢) شعر الكميت بن زيد ( مجموع) ١٢٢/٢. ٤٢٨ سورة البقرة : الآية ٢٦ الأسداس عسى ألا تكونا (١) وذلك ضربُ أخماسٍ أُرِيدتْ بمعنى وصفِ أخماس. والمثلُ الشَّبهُ، يقالُ: هذا مِثْلُ الشىءٍ ومَثَلُه، كما يقال : شِئُه وشبهُه . [٢٢/٢ر] ومنه قولُ کعب بن زهيرٍ (١) : كانت مواعيدُ عُرْقوبٍ لها مَثلًاً وما مواعيدُها إلا الأباطيلُ(٣) يعنى شَبَهًا . فمعنى قولِه إذن: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىءٌ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾: إِن اللَّهَ لا یخشی أن یصِفَ شبهًا لما شبّه به(٤) . وأما ﴿مَّا﴾ التى مع ((مَثل)) فإنها بمعنى الذى ؛ لأن معنى الكلام: إن اللَّهَ لا يستحيى أن يضربَ الذى هو بعوضةً فى الصِّغْرِ والقِلةِ فما فوقَها مَثلًا . فإن قال قائلٌ: فإن كان القولُ فى ذلك ما قلتَ، فما وجهُ نصبٍ ((البعوضة))، وقد علمتَ أن تأويلَ الكلام على ما تأوّلتَ: أن اللَّهَ لا يستحيى أن يضربَ مثلًا الذى هو بعوضةً ؛ فالبعوضةُ على قولِك فى محلِّ الرفعِ، فَأَنَّى أتاها النصبُ؟ قيل : أتاها النصبُ من وجهين، أحدُهما: مِن أن ﴿مَّا﴾ لما كانت فى محلٌ نصبٍ بقولِه: ﴿ يَضْرِبَ﴾ وكانتِ البعوضةُ لها صلةً، عُرِّبت (٥) بتعربيِها فأَلزمتْ (١) البيت فى أصله مثل يضرب لمن يرواغ ويظهر أمرا وهو يريد غيره. ينظر جمهرة الأمثال ٥/٢ . (٢) ديوانه ص ٨ . (٣) أصل البيت مثل يضرب فى إخلاف الوعد . وعرقوب هو عرقوب بن معبد بن أسيد بن زيد مناة ، وقيل : هو رجل من الأمم الماضية. الفاخر ١٣٣، ٠١٣٤ (٤) هذا تتمة تفسير الكلمة على مذهب من قال: إن الاستحياء بمعنى الخشية، لا ما أخذ به الطبرى . وأما تفسير الطبرى فيأتى فى آخر تفسير الآية . (٥) فى م: ((أعربت)). قال الشيخ شاكر: وقوله: عربت . أى أجريت مجراها فى الإعراب، وهذا هو معنى التعريب فى اصطلاح قدماء النحاة . ٤٢٩ سورة البقرة : الآية ٢٦ إِغْرابَها، كما قال حسانُ بنُ ثابتٍ (١) : حبُّ النبيِّ محمدٍ إِيانا (٢وكفَى٢) بنا فضلًا على مَن غيرِنا فَعُرِّب ((غير)) ) بإعراب ((مَن))، والعربُ تفعلُ ذلك خاصةً فى ((مَن)) و((ما))؛ تُعَرِّبُ صِلاتِهما) بإعرابِهمَا؛ لأنهما يكونان معرفةٌ أحيانا ونكرةً أحيانًا . وأما الوجهُ الآخرُ: فأن يكونَ معنى الكلام: إن اللّهَ لا يستحيى أن يضربَ مثلاً ما بينَ بعوضةٍ إلى / ما فوقَها. ثم حذَف ذِكْرَ (بينَ)) ١٨٠/١ و ((إلى))؛ إذْ كان فى نصبٍ ((البعوضة)) ودخولِ الفاءِ فى ﴿مَّا﴾ الثانيةِ دَلالةٌ عليهما، كما قالتِ العربُ: مُطِرْنا ما زُبالةَ فالثَّعْلَبِيَّةَ . و:له عشرون ما (٦) ناقةً فجَمَلًا. و: هى أحسنُ الناسِ ما قرنًا فقدمًا. يعنون بذلك: ((ما بيْنَ" (١) ليس فى ديوان حسان ، وقد أورده المصنف فى تفسير الآية ١٥٩ من سورة آل عمران غير منسوب، ونسبه فى الكتاب ١٠٥/٢ إلى الأنصارى بدون تحديد، ونسبه فى خزانة الأدب إلى كعب بن مالك وقال: ونسب إلى حسان بن ثابت رضى الله عنه أيضا ، ولم يوجد فى شعره. قال اللخمى فى شرح شواهد الجمل : وقيل : هو لعبد الله بن رواحة الأنصارى. وقيل: لبشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. الخزانة ٦/ ١٢٢. (٢ - ٢) فى الأصل، ر: ((لكفى))، وفى ص: ((أكفا)). (٣) فى الأصل: ((غيرنا)). (٤) فى الأصل: ((صلاتها)). (٥) المعنى إذا قلت : مُطِرْنا بين زبالة فالثعلبية. أنك أردت أن المطر انتظم الأماكن التى ما بين القريتين، وإذا قلت : مطرنا ما بين زبالة فالثعلبية . فإنك تريد أن المطر وقع بينهما، ولم ترد أنه اتصل فى هذه الأماكن كلها . والعرب إذا ألقت (( بين)) من كلام تصلح ((إلى)) فى آخره ، نصبوا الحرفين المخفوضين اللذين خفض أحدهما بـ ((بين)) والآخر بـ ((إلى))، فيقولون: مطرنا ما زبالة فالثعلبية. ينظر معانى القرآن للفراء ٢٢/١، وخزانة الأدب ١٠/١١، ١١، ١٣، ١٦، ٢٠. وزبالة بضم أوله ؛ منزل معروف بطريق مكة من الكوفة. والثعلبية ماء لبنى أسد ، وهى من أعمال المدينة منسوبة إلى ثعلبة بن مالك. معجم ما استعجم ١ /٣٤١، ومعجم البلدان ٢ / ٩١٢. (٦) سقط من : ص . (٧ - ٧) فى ص: ((من)). ٤٣٠ سورة البقرة : الآية ٢٦ قَوْنِها إلى قَدمِها. وكذلك يقولون فى كلِّ ما حسن فيه من الكلام دخولُ ((ما)) بين كذا إلى كذا. ينصِبون الأول والثانيَ، ليدلَّ النصبُ " فى الأسماءِ ) على المحذوفِ من الكلام. فكذلك ذلك فى قولهِ: ﴿مَّا بَعُوضَةُ فَمَا فَوْقَهَا﴾ . وقد زعمَ بعضُ أهلِ العربيةِ أن ﴿ مَّا﴾ التى مع ((المثَل)) صِلةٌ فى الكلامِ بمعنى التَّطوُّلِ(٢) ، وأن معنى الكلام: إن اللَّهَ لا يستحيى(٢) أن يضربَ بعوضةً مثلًاً فما فوقَها. فعلى هذا التأويلِ يجبُ أن تكونَ ((البعوضة)) منصوبةً بـ ﴿يَضْرِبَ﴾، وأن تكونَ ﴿ مَّا﴾ الثانية التى فى ﴿ فَمَا فَوْقَهَا﴾ معطوفةً على البعوضةِ لا على ﴿ مَا ﴾ . وأما [٢٢/٢ ظ] تأويلُ قولِه: ﴿ فَمَا فَوْقَهَا﴾. (٤)فهو: ماء) هو أعظمُ منها عندِى؛ لما ذَكَوْنا قبلُ من قولٍ قتادةَ وابٍ مجريج أن البعوضةَ أَضعفُ خلقِ اللَّهِ ، فإِن كانت أضعفَ خلقِ اللَّهِ فهى نهايةٌ فى القلةِ والضعفِ ، وإذا كانت كذلك فلا شكَّ أن ما فوقَ أضعفِ الأشياءِ لا يكونُ إلا أقوى منه . فقد يجبُ أن يكونَ المعنی علی ما قالاه: فما فوقَها فى العِظَم والكِبَرِ، إذْ) كانتِ البعوضةُ نهايةً فى الضعفِ والقلةِ . وقيل فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ فَمَا فَوْقَهَا﴾: فى الصِّغَرِ والقلةِ. كما يُقالُ فى الرجلِ يذكرُه الذاكرُ فيصِفُه باللؤمِ والشحِ ، فيقولُ السامعُ : نعم ، وفوقَ ذلك . يعنى (١ - ١) فى م: ((فيهما)). (٢) فى الأصل، ر: ((البطول))، وفى ص: ((التطويل)). والتطول بمعنى الزيادة فى الكلام. (٣) بعده فى ص: ((من الحق)). (٤ - ٤) فى م: ((فما))، وفى ت ١: ((فهو)). (٥) فى الأصل، ت ١: ((إذا)). ٤٣١ سورة البقرة : الآية ٢٦ به فوقَ الذى وصفتَ فى الشعِّ واللؤمِ . وهذا قولٌ خلافُ تأويلِ أهلِ العلمِ الذين تُرْتَضَى معرفتُهم بتأويلِ القرآنِ ، فقد تَبِيَّنَ إذن بما وصفْنا أن معنى الكلام: إن اللّهَ لا يستحبى أن يصِفَ شبهًا لما شَبَّه به الذى هو ما بينَ بعوضةٍ إلى ما فوقَ ((البعوضةِ)). فأما تأويلُ الكلام لورُفعتِ ((البعوضة))، فغيرُ جائزٍ فى ﴿ مَا﴾، إلا ما قلنا من أن تكونَ(١) اسمًا لا صلةً، بمعنى التطولِ(١). القولُ فى تأويلِ قولِ اللّهِ جلّ ثناؤه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اُلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ﴾ . يعنى بقوله جلّ ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: فأما الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسوله . وقولُه: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اُلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمَّ﴾. يعنى: فيعرِفونَ أن المثَلَ الذى ضرَّبه اللّهُ لما ضرَبه له مثلًاً(٣) مَثلٌ. كما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاج، قال : حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ أى: هذا المثَلُ الحقُّ من ربِّهم، وأنه كلامُ اللّهِ ومِنْ عندِ اللَّهِ(٤) . وكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حَدَّثنا سعيدٌ ، (١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((يكون)). (٢) فى الأصل، ر: ((البطول)). (٣) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩/١ عقب الأثر (٢٧٧) من طريق ابن أبى جعفر به . وينظر تفسير ابن أبى حاتم ٦٩/١ (٢٧٥)، والدر المنثور ١ /٤٢. ٤٣٢ سورة البقرة : الآية ٢٦ عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمَّ﴾ أى : يعلمون أنه كلامُ الرحمنِ، وأنه الحقُّ من اللَّهِ، ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اَللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾(١). وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يعنى: الذين جحَدوا آياتِ اللّهِ، وأنكروا ما عرَفوا، وستَروا ما عَلِموا أنه الحقُّ. وذلك صفةُ المنافقين، وإِيَّاهم عنَى اللَّهُ ١٨١/١ جلّ ثناؤه ومَن كان من نُظرائِهم(١١ / وشركائِهم من المشركين مِنُ أهلِ الكتابِ وغيرِهم ، بهذه الآيةِ: ﴿ فَيَقُولُونَ [٢٣/٢ ٥] مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ . كما قد ذَكَرْنا قبلُ(٤) من الخبرِ الذى روَيْناه عن مجاهدِ الذى حَدَّثنا به محمدُ ابنُ عمرٍو ، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ : فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أُلْحَقُّ مِن رَّيِّهِمَّ﴾ الآية. قال : يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحقُّ من ربِّهم، ويهديهم اللَّهُ بها، ويَضِلَّ بها الفاسقون . يقولُ : يعرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرِفُه الفاسقون فيكفرون به . وتأويلُ قولِهِ: ﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: ما الذى أراد اللّهُ بهذا المثَلِ مثلًا ؟ فـ ((ذا) الذى مع ((ما)) فى معنى ((الذى))، وأرادَ صلته، و((هذا)) إشارةٌ إلى ((المثل)). القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾. ومعنى قوله جل ذكره: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا﴾ : يُضلَّ اللهُ به كثيرًا من خلقِه. والهاءُ فى ﴿بِهِ ﴾ من ذِكْرِ (المثَل)). وهذا خبرٌ من اللّهِ جلَّ ثناؤه مُبتدأ ، ومعنى (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩/١ (٢٧٦) من طريق يزيد به دون آخره ، ثم أخرجه (٢٧٧) من طريق سعيد بن بشير ، عن قتادة ، وفيه : وأنه من عند الله . (٢) فى حاشية الأصل: ((وقع فى غير الأم: نُصَرَائهم)). (٣) فی ر: (( و)). (٤) تقدم فى ص ٤٢٥ ، ٤٢٦. ٤٣٣ سورة البقرة : الآية ٢٦ الكلام: ( قال اللّهُ: يُضِلُّ اللهُ بالمثلِ الذى يضْربُه كثيرًا من أهلِ النفاقِ والكفرِ . كما حَدَّثنی موسى ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فى خبرِ ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُؤَّةَ ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبىِّ عَلَهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا﴾: يعنى المنافقين، ﴿ وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾: يعنى المؤمنين، فيزيدُ هؤلاء ضلالاً إلى ضلالِهم لتكذيبِهم بما قد علِموه حقًّا يقينًا من المثَلِ الذى ضرَبه اللهُ لما ضرَبه له ، وأنه لِما ضرَّبه له موافقٌ، فذلك إضلالُ اللّهِ إياهم به، ﴿ وَيَهْدِى بِهِ ﴾ - يعنى بالمثلِ - كثيرًا من أهلِ الإيمانِ والتصديقِ، فيزيدهم هدى إلى هداهم ، وإيمانًا إلى إيمانِهم، لتصديقهم بما قد علِموه حقًّا يقينًا أنه موافقٌ ما ضرَبه اللّهُ له مثلًا ، وإقرارِهم به ، وذلك هدایةٌ (١) اللّهِ لهم به (١) . وقد زَعمَ بعضُهم أن ذلك خبرٌ عن قولٍ (١) المنافقين، كأنهم قالوا: ما أرادَ اللّهُ بمثَّلِ لا يعرفُه كلُّ أحدٍ ، يُضِلَّ به هذا ويهدِى به هذا؟ ثم استؤنف الكلامُ والخبرُ عن اللّهِ، فقال اللّهُ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ، إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ وفى ما فى سورةِ ((المدثر)) من قولِ اللّهِ: ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ تَرَضُ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ ج ج يُضِلُّ اَللَّهُ مَن يَشَاءُ وَبَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [المدثر: ٣١]- ما ينبئُ عن أنه فى سورةِ ((البقرة)) كذلك مبتدأٌ، أعنى قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾. (١ - ١) فى م: ((أن الله يضل)). (٢) بعده فى ص، ر، م: ((من)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة . وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠/١ (٢٨٣) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من قوله ، مقتصرا على أوله . ؛ (٤) سقط من : م . ( تفسير الطبرى ٢٨/١ ) ٤٣٤ سورة البقرة : الآية ٢٦ ٢٦ [٢٣/٢ ظ] القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعز: ﴿وَمَا يُضِلُ بِهِ: إِلَّا الْفَسِقِينَ وتأويلُ ذلك مَا حَدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن السدئِّ فی خبرٍ ذَ کره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ يَ ◌ّهِ: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِةْ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾: هم المنافقون(١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ: إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾: فسَقوا فأضلَّهم اللهُ على فسقِهم (١). ١٨٢/١ /حَدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن الربيعِ بنِ أنس: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِةٍ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾: هم أهلُ النفاقِ(٣). قال أبو جعفرٍ: وأصلُ الفِسقِ فى كلامِ العربِ الخروجُ عن الشىءِ، يقالُ منه: فَسِقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خرَجت من قشرِها؛ ومن ذلك سُميتِ الفأرةُ فُوَيسِقةً؛ لخروجِها عن(٤) جحرِها، فكذلك المنافقُ والكافرُ ، سُمِّيا فاسقَيْن لخروجهما عن طاعةِ ربِّهما، ولذلك قال جلَّ ذكرُه فى صفةِ إبليسَ: ﴿إِلّ إِيلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّدٌِّ﴾ [الكهف: ٥٠]. يعنى به: خرَج عن طاعتِه واتباعِ أمرِه . كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلَمةُ ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ ، عن (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠/١ (٢٨٤) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من قوله . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠/١ (٢٨٥) من طريق سعيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/١ إلی عبد بن حميد . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠/١ عقب الأثر (٢٨٢) من طريق ابن أبى جعفر به . (٤) فى ر: ((من)). ٤٣٥ سورة البقرة: الآيتان ٢٦ ، ٢٧ داودَ بنِ الحصينِ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍٍ، عن ابنِ عباسٍٍ فى قوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] أى: بما " تعدّوا من١) أمرِى(٣). فمعنى قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِءَ إِلَّ الْفَسِقِينَ﴾: وما يُضِلَّ اللّهُ بالمثَلِ الذى يضْرِبُه لأُهلِ النفاقِ والضلالِ إِلا الخارجِين عن طاعتِهِ والتاركِين اتباعَ أمرِهِ ، من أهلِ الكفرِ به من أهلِ الكتابِ ، وأهلِ الضلالِ من أهلِ النفاقِ . القولُ فى تأويلٍ قولِه عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ،﴾ . قال أبو جعفرٍ: وهذا وصفٌ من اللّهِ جلَّ ذِكرُه الفاسقين الذين أخبر أنه لا يُضِلَّ بالمثلِ الذى ضرَبه لأُهلِ النفاقِ غيرَهم، فقال: ومَا يُضلَّ اللهُ بالمثلِ الذى يضرِبُه، على ما وصَفَ قَبلُ فى الآياتِ المتقدمةِ - إلا الفاسقين الذين يَنْقُضون عهدَ اللَّهِ من بعدِ میثاقِه . ثم اختلف أهلُ المعرفةِ فى معنى العهدِ الذى وصَف اللّهُ هؤلاء الفاسقين [٢٤/٢و] بنقضِه ؛ فقال بعضُهم: هو وصيةُ اللّهِ إِلى خلقِه، وأمرُه إياهم بما أمرّهم به من طاعتِهِ، ونهيُه إيّاهم عما نهاهُم عنه من معصيته فى كُتُبِه وعلى لسانِ رسولِهِ مَ ◌ّه ، ونقضُهم ذلك تر کُهم العملَ به . وقال آخرون : إنما نزلَت هذه الآياتُ فى كفارِ أهلِ الكتابِ والمنافقين منهم، وإياهم عنَى اللّهُ جلَّ ذِْرُه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ﴾. وبقولهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ﴾. فكلُّ (١ - ١) فى ص، ر، م، ت ٢: ((بعدوا عن))، وفى ت ١، ت٣: ((بعدوا من)). (٢) وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٠/١ (٥٩٦) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق من قوله. ٤٣٦ سورة البقرة : الآية ٢٧ ما فى هذه الآياتِ فعَذْلٌ لهم وتوبيخٌ إلى انقضاءٍ قَصَصِهم . قالوا: فعهدُ اللّهِ الذى نقضُوه بعدَ ميثاقِه هو ما أخَذه اللّهُ عليهم فى التوراةِ ؛ من العملِ بما فيها، واتباعٍ محمدٍ عَّ إذا بُعِث، والتصديقِ به وبما جاءَ به من عندِ ربِّهم ، ونقْضُهم ذلك هو مُحودُهم به بعدَ معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانِهم علمَ ذلك الناسَ ، بعد إعطائهم اللَّهَ مِن أنفسِهم الميثاقَ لَيْنَيِّنَّه للناسِ ولا يكتُمونه، فأخبر جل ذكره أنهم نبذوه وراء ظهورِهم واشترَوا به ثمنا قليلاً . ١٨٣/١ وقال بعضُهم: إن اللّهَ عنَى بهذه الآيةِ جميعَ أهلِ الشركِ والكفرِ والنفاقِ ، وعهدُه إلى جميعِهم فى توحيدِه / ما وضَع لهم من الأدلةِ الدالةِ على رُبوبِيَّتِه، وعهدُه إليهم فى أمرِهِ ونهِهِ ما احتج به لرسُلِه من المعجزاتِ التى لا يقدِرُ أحدٌ من الناسِ غيرُهم أن يأتىَ بمثلها، الشاهدةِ لهم على صدقِهم. قالوا: ونقضُهم ذلك تركُهم الإقرارَ بما قد تبيَّنتْ لهم صحتُه بالأدلةِ(١)، وتكذيئهم الرسلَ والكتُبَ ، مع علمِهم أن ما أتَوا به حقٌّ . وقال آخرون: العهدُ الذى ذكَره اللّهُ هو العهدُ الذى أخَذه عليهم حينَ أخرَجهم من صُلْبٍ آدمَ، الذى وصَفه فى قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ﴾ الآيتين [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. ونقضُهم ذلك تركُهم الوفاءَ به . قال أبو جعفرٍ : وأولى الأقوالِ عندى بالصوابِ فى ذلك قولُ من قال : إِنَّ هذه (١) فى الأصل: ((الدلالة)). (٢) فى الأصل، ص، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ذرياتهم)). والمثبت من: م، وهى قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائى ، وقراءة الجمع قرأ بها نافع وأبو عمرو وابن عامر. ينظر السبعة ص ٢٩٨. ولم يشر المصنف فى سورة الأعراف إلى هاتين القراءتين ، فأثبتناه بالإفراد كرسم مصاحفنا . ٤٣٧ سورة البقرة : الآية ٢٧ الآياتِ نزلتْ فى كفارٍ أحبارِ اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللّهِ عَِّ ، وما قرب منها من بقايا بنى إسرائيلَ ، ومن كان على شركه من أهلِ النفاقِ الذين قد بيَّنَا قَصَصَهم فيما مضى من كتابِنا [٢٤/٢ظ] هذا. وقد دلَّلْنا على أن قولَ اللّهِ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ﴾. وقوله : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِلَّهِ وَبِأَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾. فيهم أَنْزِلت ، وفى مَن كان على مِثْلِ الذى هم عليه من الشركِ باللّهِ ، غيرَ أن هذه الآياتِ عندى وإن كانت فيهم نزلَتْ ، فإِنه مَعْنِىٌّ بها كلَّ مَن كان على مثل ما كانوا عليه من الضلالة، ومعنىٌّ بما وافقَ منها صفةً المنافقين خاصةً جميعُ المنافقين، وبما(١) وافقَ منها صفةً كفارٍ أحبارٍ اليهودِ جميع٢ُ مَن كان لهم نَظيرًا فى كفرِهم، وذلك أن اللّهَ جلَّ ذكرُه يَعُمُّ أحيانًا جميعَهم بالصفةِ لتقديمِهِ ذِكْرَ جميعِهم (١) فى أولِ الآياتِ التى ذكَرَتْ قَصَصَهمْ ، وَيَخْصُّ بالصفة أحيانًا بعضَهم لِتفصيله فى أولِ الآياتِ بينَ فَرِيقَيْهِم(٥)، أعنى فريقَ المنافقين من عبدة الأوثانِ وأهلِ الشركِ باللّهِ، وفريقَ كفارِ أحبارِ اليهودِ. فالذين ينقضون عهدَ اللّهِ هم التار كونَ ما عهِد اللّهُ إليهم من الإقرارِ بمحمدٍ عَ لَّه وبما جاء به وتَبْبِينِ نُبُوَّتِه للناسِ ، والكاتمون بيانَ ذلك بعدَ علْمِهم به وبما قد أُخَذ اللّهُ عليهم فى ذلك، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبِيِّنُنَّهُ(١) لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. ونبذُهم ذلك (١) فى ص: ((ما)). (٢) فى ص: (( وجميع)) . (٣) فى م: (( جميعها )) . (٤) سقط من: الأصل، ص . (٥) فى م: ((فريقهم)). (٦) فى ص: (( ليبيننه)). قراءة وستأتى فى موضعها من التفسير. (٧) فى ص: ((يكتمونه)). وهى قراءة ستأتى. ٤٣٨ سورة البقرة : الآية ٢٧ وراءَ ظهورِهم هو نقضُهم العَهدَ الذى عُهِد إليهم فى التوراةِ ، الذى وصفْناه ، وتركُهم العمل به . وإنما قلتُ : إنه عنَى بهذه الآيةِ (١) مَن قلتُ إنه عنَى بها؛ لأن الآياتِ من مبتدأٌ الآياتِ الخمسِ والستِّ من سورةِ((البقرةِ)) فيهم نزلتْ إلى تمامٍ قَصَصِهم، وفى الآيةِ التى بعدَ الخبرِ عن خلقِ آدمَ، وبيانِهُ(١) فى قوله: ﴿ يَبَنِّ إِسْرَِّيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِىّ أَنْعَمْثُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [ البقرة: ٤٠] . وخطابِه جلّ ذِ كرُه إياهم بالوفاءٍ بذلك خاصةً دونَ سائرِ البشرِ، ما يدلُّ على أن قوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ،﴾. مقصودٌ(١) به كفارُهم ومنافقُوهم، ومَن كان من أشياعِهم مِن مُشرِكى عَبَدةِ الأوثانِ على ضلالتِهم، غيرَ أن الخطابَ وإن كان لمن وصفتُ من الفريقيْن، فداخلٌ فى أحكامِهم وفى ما أوجَب اللّهُ لهم من الوعيدِ والذمِ والتوبيخ، كلُّ من كان على سبيلهم ومنهاجِهم من جميع الخلقِ وأصنافِ الأُمِ المخاطَبِين بالأمرِ والنهي. فمعنى الآيةِ إذن : وما يُضِلُّ به إلا التاركين طاعةَ اللّهِ، الخارچِين عن ١٨٤/١ اتباع / أمره ونهيه ، الناكثِين عهودَ اللّهِ التى عهدها إليهم فى الكتبِ التى أنزلها إلى رسلِه وعلى ألْسُنِ أنبيائِه، باتباع أمرِ رسولِه [٢٥/٢و] محمدٍ عَِّ وما جاء به، وطاعةٍ اللَّهِ فيما افترض عليهم فى التوراةِ من تبيِينِ أمرِه للناسٍ ، وإخبارِهم إياهم أنَّهم يجِدونه مكتوبًا عندَهم أنه رسولٌ من عندِ اللّهِ مُفترضَةٌ طاعتُه، وتركِ كتمانِ ذلك لهم . ونَكثُهم ذلك ونقضُهم إياه هو مخالفتُهم اللّهَ فى عهدِه إليهم فيما وصفتُ أنه عهِد إليهم ، بعدَ إعطائِهم ربَّهم الميثاقَ بالوفاءِ بذلك، كما وصَفهم به ربنا جل ذِكْرُه (١) فى ر، م، ت ٣: ((الآيات)). (٢) فى م: (( أبنائه)). وفى ر: (( نبئه)). وقوله: وبيانه. معطوف على قوله: وفى الآية التى بعد الخبر. (٣) فى ص: (( مقصور)). ٤٣٩ سورة البقرة : الآية ٢٧ بقولِه : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ اَلْكِتَبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. وأما قولُه: ﴿مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ﴾. فإنه يَعنى: من بعدِ توثَّقِ اللّهِ منه(١) بأخذٍ(٢) عهودِه بالوفاءٍ له بما عهِد إليه فى ذلك ، غيرَ أن التوثُّقَ مصدرٌ من قولِك : توثَّقتُ من فلانٍ توثَّقًا . والميثاقُ اسم منه، والهاءُ فى ((الميثاق)) عائدةٌ على اسم ((الله)) جلَّ ذِكْرُه . وقد يدخُلُ فى حكم هذه الآيةِ كلُّ من كان بالصفةِ التى وصَف اللّهُ بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفارِ فى نقضٍ العهدِ، وقطْعِ الرحم ، والإفسادِ فى الأرضِ. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِثَقِهِ﴾: فإياكُم ونقضَ هذا الميثاقِ، فإِن اللّهَ قد كرِهِ نقْضَه وأوْعَد فيه، وقدَّم فيه فى آي مِن (٤) القرآنِ)، حجةً وموعظةً ونصيحةً ، وإنا لا نعلمُ اللّهَ أوعَد فى ذنبٍ ما أَوْعَد فى نقضِ الميثاقِ ، فمن أَعْطَى عهدَ اللّهِ وميثاقَه من ثمرةٍ قلبِه فلْيفٍ به للهِ(٥) . وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ فى قولِه: ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ : فهى (١) فى ص: ( فيه)). (٢) فى ص: ((يأخذ)). (٣ - ٣) سقط من: ص . (٤) سقط من: ر، م. وينظر الدر المنثور ١/ ٤٢. (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم وأبى الشيخ. ٤٤٠ سورة البقرة : الآية ٢٧ ستُّ خلالٍ فى أهلِ النفاقِ ، إذا كانت لهم الظَّهْرَةُ(١) أَظْهَروا هذه الخلالَ الستَّ جميعًا؛ إذا حدَّثوا كذَبوا ، وإذا وعَدوا أخلَفوا، وإذا ائْتُمِنوا خانوا، ونقَضوا عهْدَ اللّهِ مِن بعدٍ ميثاقِه، وقطعوا ما أمَر اللّهُ به أن يُوصلَ، وأفسَدوا فى الأرضِ ، وإذا كانت عليهم الظَّهْرَةُ أظهَروا الخِلالَ الثلاثَ؛ إذا حدَّثُوا كَذَبوا، وإذا وعَدوا [٢٥/٢ظ] أخلَفوا، وإذا اتْتُمِنوا خانوا (٢). القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَّآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِةَ أَن يُوصَلَ﴾ . قال أبو جعفرٍ: والذى رغَّب اللهُ فى وَصْلِه وذمَّ على قطْعِه فى هذه الآيةِ، الرحم ، وقد بينَّ ذلك فى كتابِهِ فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]. وإنما عنَى بالرحمِ أهلَ الرجلِ(٣) الذين جمعتْهم وإياه رحمُ والدةٍ واحدةٍ. وقَطْعُ ذلك ظلمُها (*) فى تركِ أداءٍ ما ألزَم اللّهُ من حقوقِها، وأوجَبَ من بِّها. ووصلُها أداءُ الواجبِ لها إليها، من حقوقِ اللّهِ التى أوجَب لها ، والتعطُّفُ عليها بما يَحِقُّ التعطفُ به عليها . و﴿أَنْ﴾ التى مع ﴿يُوصَّلَ﴾ فى محلِّ خفضٍ، بمعنى ردِّها على / موضعِ الهاءِ التى فى ﴿ بِيِةٍ﴾. فكان معنى الكلام: ويقطعون الذى أمَر اللّهُ به (٥) بأن يُوصلَ. والهاءُ التى فى ﴿بِهِةٍ﴾ هى كنايةٌ(١) ذكرٍ ﴿مَا﴾(٧). ١٨٥/١ (١) الظهرة: الكثرة، ويريد هنا الغلبة، من قولك: ظهرت على فلان، إذا علوته وغلبته. اللسان (ظهـ ر). (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٦/١ عن الربيع. (٣) فى الأصل، ص، ر: ((الرحم)). (٤) فى ص، م: ((ظلمه))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ظلمة)). (٥) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢. (٦) بعده فى م: ((عن)). (٧) فى ص، ر، ت ١، ت ٢: ((أن))، وفى م: (( أن يوصل)).