النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة البقرة : الآية ٩
بإساءتهم إلى أنفسهم، و "إسخاطِهم عليهم(٢) ربَّهم، بكفرِهم وشكّهم
وتكذيِهم، غيرُ شاعرين ولا دارِين، ولكنهم على عَمْياءَ مِن أمرِهم مُقيمون .
وبنحوِ ما قلنا فى [٣٢/١ظ] تأويلٍ ذلك كان ابنُ زيدٍ يقولُ.
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: سألتُ عبد الرحمنِ بنَ زيدٍ عن
قولِ اللَّهِ عزّ وجلّ: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال:
هؤلاء المنافقون يُخادِعون اللَّهَ ورسوله والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بما أَظْهَروا (١).
وهذه الآيةُ مِن أوضحِ الدليلِ على تكذيبِ اللَّهِ قولَ(٤) الزاعِمِين أن اللَّهَ لا
يُعذِّبُ مِن عبادِه إلا مَن كفَر به عنادًا، بعدَ علمِه بوحدانيته ، وبعدَ تقرّرٍ صحةٍ ما عائد
ربَّه عليه مِن توحيدِه، والإقرارِ بكتبِه ورسله عندَه(٥)؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه قد أخْبَر عن
الذين وصَفهم بما وصَفهم به مِن النفاقِ ، وخداعِهم إِيَّاه والمؤمنين ، أنهم لا يَشْعُرون
أنهم مُبْطِلون فيما هم عليه مِن الباطلِ مُقِيمون ، وأنهم بخداعِهم الذى يَحْسَبون أنهم
به يُخادِعون ربَّهم وأهلَ الإيمانِ به - مخدوعون . ثم أخْبَر جلّ ذکرُه أن لهم عذابًا
أليمًا بتكذيبِهم(١) بما كانوا يكذِّبون مِن نبوةِ نبيِّه ◌ِ لِ، واعتقادِ الكفرِ به، وبما كانوا
يَكْذِبون فى زعمِهم أنهم مؤمنون ، وهم على الكفرِ مُصرّون .
/ فإن قال لنا قائلٌ: قد علِمْتَ أن المفاعلةَ لا تكونُ إلا مِن فاعلَيْن، ١١٩/١
(١) فى ص، م: ((فى)) .
(٢) سقط من : م.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/١ إلى المصنف، وسيأتى تمامه ص ٢٨٦.
(٤) سقط من : ص .
(٥) فى ص: ((عنه)).
(٦) سقط من : ر .

٢٨٢
سورة البقرة : الآية ٩
كقولك: ضاربتُ أخاك، وجالَسْتُ أباك. إذا كان كلُّ واحدٍ منهما(١)
مجالسَ صاحبِهِ ومضاربَه، فأما إذا كان الفعلُ مِن أحدِهما فإنما يقالُ: ضرَبتُ
أخاك. أو (٢) : جلَستُ إلى أبيك. فمَن خادع المنافقَ فجاز أن يقالَ فيه:
يُخادِعُ(٣) اللَّهَ والمؤمنين؟
قيل : قد قال بعضُ المنسوبين إلى العلم بلغاتِ العربِ(4) : إن ذلك حَرْفٌ جاء
بهذه الصورةٍ، أعنى ((يُخادِعُ)) بصورةِ ((يُفاعِلُ))، وهو بمعنى ((يَفْعَلُ)»، فی حروفٍ
أمثالِها شاذَّةٍ مِن منطقِ العربِ، نظيرَ قولهم: قاتلك اللَّهُ. بمعنى: قتلك اللَّهُ.
وليس القولُ فى ذلك عندى كالذى قال، بل ذلك مِن التفاعُلُ) الذى لا
يكونُ إِلا مِن اثنين، كسائرٍ ما يُعرفُ مِن معنى ((يُفاعِلُ ومُفاعِل)) فى كلُّ كلام
العربِ. وذلك أن المنافقَ يُخادِعُ اللَّهَ جلَّ ثناؤه بكَذِبِهِ بلسانِهِ - على ما قد تقدّم
وصفُه - واللَّهُ خادِعُه بخِذْلانِه عن حسنِ البصيرةِ بما فيه نجاةُ نفسِه فى آجلِ مَعادِه،
كالذى أُخْبَر فى قوله: ﴿ وَلَ يَحْسَبَنَّ(١) الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا
تُعْلِيٍ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وبالمعنَى الذى أُخْبَر أنه فاعلٌ به فى
الآخرةِ بقولِه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن
﴾ [الحديد: ١٣] الآية. فذلك نظيرُ سائرٍ ما يأتى مِن معانى الكلامِ بـ ((يُفاعلُ
ومُفاعل)) .
(١) سقط من: م.
(٢) فى م: (( و)).
(٣) فى ص، م: ((خادع)).
(٤) يعنى أبا عبيدة فى مجاز القرآن ٣١/١.
(٥) فى ر، ت ٢: ((المفاعل)).
(٦) فى ر، ت ٢: ((تحسبن)). بالتاء، وتنظر هاتان القراءتان فى موضعهما من التفسير.

٢٨٣
سورة البقرة : الآية ٩
وقد كان بعضُ أهلِ النحوِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ : لا تكونُ المفاعلةُ إلا مِن
شيئين، ولكنه إنما قيل: ﴿ يُخَدِعُونَ اللَّهَ ﴾ عندَ أنفسِهم بظنِّهم ألا يُعاقَبوا، فقد
علِمِوا خلافَ ذلك فى أنفسِهم ، بحجةِ اللَّهِ جلّ وعزّ الواقعةِ على خلقِه بمعرفتِهِ ،
﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ قال: وقد قال بعضُهم: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ ()﴾
يقولُ: يَحْدَعون أنفسَهم بالتَّخْلِيةِ(١) بها، وقد تكونُ المفاعلةُ مِن واحدٍ فى أشياءَ
كثيرة .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ (١) إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾
إن قال لنا قائلٌ: أو ليس المنافقون قد خدعوا المؤمنين بما أَظْهَروا بألسنتِهم مِن
قیلِ الحقِّ - عن أنفسهم وأموالهم وذراريّهم حتی سلمت لهم دنیاهم ، وإن كانوا قد
كانوا مَخْدوعين فى أمرٍ آخرتِهم ؟
قيل: خطأ أن يقالَ: إنهم خدَعوا المؤمنين. لأنَّا إذا قلنا ذلك أوْجَبنا لهم
حقيقةً خدْعةٍ جازت(٤) لهم على المؤمنين. كما أنَّا لو قلنا: قتَل فلانٌ فلانًا .
أَوْجَبنا له حقيقةً قتل كان منه لفلانٍ، ولكنا نقولُ: خادَع المنافقون
ربَّهم " والمؤمنين ولم يَخْدَعوهم، بل خدَعوا أنفسَهم - كما قال اللَّهُ جلَّ
ثناؤه - دونَ غيرِها . نظيرَ ما تقولُ فى رجلٍ قاتَل آخرَ فقتل نفسَه ولم يَقْتُلْ صاحبه :
قاتلَ فلانٌ فلانًا ولم يَقْتُلْ إلا نفسَه. فتُوجبُ له مقاتلةَ صاحبِهِ، وتَنْفِى عنه قتلَه
صاحبه، وتُوجِبُ له قتلَ نفسِه. فكذلك تقولُ : خادَع المنافقُ ربَّه والمؤمنين فلم
(١) بعده فى ر: (( به)).
(٢) فى ر، ت ٢: (( بالتحلية)).
(٣) فى ص: ((يخادعون)).
(٤) فى م: ((جاءت)) .
(٥ - ٥) فى ص: ((المؤمنون لم)).

٢٨٤
سورة البقرة : الآية ٩
يَخْدَعْ إلا نفسَه. فتُثْبِتُ منه خِداعَه (١) ربَّه والمؤمنين، وتَنْفِى(١) أن يكونَ خدَع غيرَ
نفسِه؛ لأن الخادِعَ هو الذى قد صحَّت له الخديعةُ ووقَع منه فعلُها ، والمنافقون لم
يَخْدَعوا غيرَ أنفسِهم؛ لأن ما كان لهم من أهل ومالٍ، فلم يكنٍ المسلمون ملَكوه
عليهم فى حالٍ خِداعِهم إِيَّاهم (١) عنه بنفاقِهم ولا قبلَها، فيَسْتَنْقِذْوهُ بخِداعِهم
منهم، وإنما دافعوا عنه بكَذِبِهِم وإظهارِهم بألسنتِهم غيرَ الذى فى ضمائرِهم،
ويحكْم(٥) اللَّهِ لهم فى أموالهم وأنفسهم وذراريِّهم فى ظاهرِ أمورِهم بحكم ما
انْتَسَبوا إليه مِن الملَّةِ ، واللَّهُ بما يُخْفُون مِن أمورِهم عالمٌ، وإنما الخادُ مَن ختَلُ غيرَه
عن شيئِه والمخدوعُ غيرُ عالِمٍ بموضعٍ خديعةٍ خادعِه. فأما والمخادَعُ عارفٌ بخِداع
١٢٠/١ صاحبِه إِيَّاه، وغيرُ لاحقِه/ مِن خِداعِه إيَّه مكروة، بل إنما يتجافى للظانِّ به أنه له
مخادِعٌ ؛ اسْتِدْرَاجًا لِيَبْلُغَ غايةٌ يتكامَلُ له عليه الحُجَّةُ للعقوبةِ التى هو به (٨) مُوقِعٌ عندَ
بلوغِه إِيَّاها ، والمُستدرَجُ غيرُ عالمٍ بحالٍ نفسِه عندَ مُشْتدرِجِه، ولا عارفٍ باطِّلاعِه
على ضميرِهِ، وأَنَّ إمهالَ مُستدرجِه "إِياه، وتركَه معاجلةَ عقوبته) على
مجومِه؛ لِيَبْلُغَ المخاتِلُ المخادِعُ مِن استحقاقِه عقوبةَ مُستدرِجِه - بكثرةٍ
إساءتِه، وطولٍ عِصيانِه إيّاه، وكثرةٍ صَفْحِ المستدرِجِ ، وطولٍ عفوِه عنه -
أقصَى غايةٍ ، فإنما هو خادٌِ نفسَه لاشكَّ، دونَ مَن حدَّثَته نفسُه أنه له مخادِعٌ ،
(١) فى م: ((مخادعة)) .
(٢) بعده فى م: (( عنه)) .
(٣) فى م: ((إياه)).
(٤) فى ص: ((فيستبعدوه)).
(٥) فى م: ((يحكم)). وغير منقوطة فى ر، ت ٢.
(٦) ختل: خدع عن غفلة . اللسان (خ ت ل).
(٧) سقط من: ص.
(٨) فى م: (( بها)).
(٩ - ٩) فى م: (( وتركه إياه معاقبته )).
(١٠ - ١٠) سقط من: ص.

٢٨٥
سورة البقرة : الآية ٩
ولذلك نفَى اللَّهُ جلَّ ثناؤه عن المنافقِ أن يكونَ خدَع غيرَ نفسِه، إذ كانت الصفةُ التى
وصَفْنا صفته .
وإذا كان الأمرُ على ما وصَفنا مِن خِداع المنافقِ ربَّه وأهلَ الإيمانِ به، وأنه غيرُ
صائرٍ بخِداعِه ذلك إلى خديعةٍ صحيحةٍ إلا لنفسِه دونَ غيرِها؛ لِمَا يُوَرِّطُها بفعلِهِ
مِن الهلاكِ والعَطَبِ، فالواجِبُ إذن [٣٣/١و] أن يكونَ الصحيحُ مِن القراءةِ: ﴿ وَمَا
يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾. دونَ: (وَمَا يُخَادِعُونَ). لأن لفظَ المخادِعِ غيرُ مُوجِبٍ
تثبيتَ خديعةٍ على صِحَّةٍ ، ولفظَ خادِعِ مُوجِبٌ تثبيتَ خديعةٍ على صِحَّةٍ . ولاشكٌ
أن المنافقَ قد أَوْجَب تثبيتَ (٢) خديعةِ اللَّهِ لنفسِه، بما رَكِب مِن خِداعِه ربَّه ورسوله
والمؤمنين بنفاقِه، فلذلك وَجَبت الصِّحَّةُ لقراءةٍ مَن قَرَأ: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ
أَنفُسَهُمْ ﴾ .
ومِن الدَّلالةِ أيضًا على أن قراءةَ من قرَأ: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ﴾. أوْلَى بالصحَّةِ
مِن قراءةٍ مَن قرأ: ( وَمَا يُخَادِعُونَ ). أَنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عنهم أنهم يُخادِعون
اللَّهَ والمؤمنين فى أوّلِ الآيةِ ، فمُحالٌ أن يَنْفِىَ عنهم ما قد أثْبَت أنهم قد فعلوه؛ لأن
ذلك تضادٌّ فى المعنى، وذلك غيرُ جائزٍ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه(٣).
٩
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَمَا يَشْعُونَ
يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: وَمَا يَدْرُون. يقالُ: ما شعَر
فلانٌ بهذا الأمرِ، وهو لا يَشْعُرُ به - إذا لم يَدْرِ بهُ ) ولم يَعْلَمْ - شِعْرًا وشُعورًا .
(١) فى م: ((سائر)).
(٢) سقط من: م .
(٣) القراءتان متواترتان كما تقدم فى ص ٢٨٠، ولا تفاضل بين المتواتر، وينظر توجيه قراءة : ( وما يخادعون )
فى البحر المحيط ٥٧/١ .
(٤) سقط من: ص، م.

٢٨٦
سورة البقرة : الآيتان ٩، ١٠
و(١) قال الشاعر(٢):
(٤)
ثم اسْتَفائُوا(٢) وقالوا حبَّذا الوَضَحُ
عقُوا بِسَهم فلم يَشْغُرْ به أحدٌ
يعنى بقولِه: لم يَشْعُرْ به أحدٌ(٥): لم يَدْرِ به أحدٌ ولم يَعْلَمْ.
فأخْبَرِ اللَّهُ جلّ ثناؤه عن المنافقين أنهم لا يَشْعُرون بأن اللَّهَ خادِعُهم، بإملائِه
لهم واستدراجِه إيَّهم، الذى هو مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه إبلاغُ إليهم فى الحجةِ والمَغَذرةِ ،
ومنهم لأنفسِهم خديعةٌ ، ولها فى الآجلِ مَضرَّةٌ .
كالذى حدَّثنی يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أُخْبَرنا ابنُ وهب ، قال: سألتُ
ابنَ زيدٍ عن قوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: ما يَشْعُرون
أنهم ضَرُوا أنفسَهم بما أسَرُوا مِن الكفرِ والنفاقِ. وقرَأْ قولَ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ
جَمِيعًا﴾. قال: هم المنافقون. حتى بلَغ: ﴿وَبَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨].
ج.
وقد كان الإِيمانُ يَنْفَعُهم عندَ كم(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ المرضِ السُّقمُ، ثم(٧) يقالُ ذلك فى الأجسادِ والأديانِ.
١٢١/١ فأخْبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤه أن فى قلوبِ المنافقين /مرضًا، وإنما عنَى جلّ ثناؤه بخبره عن
مرضٍ قلوبهم الخبرَ عن مرضٍ ما فى قلوبهم مِن الاعتقادِ . ولكن لما كان معلومًا بالخبرِ
(١) فى م: ((كما)).
(٢) البيت للمتنخل الهذلى، كما فى ديوان الهذليين ٢/ ٣١.
(٣) فى ص: ((استفادوا))، وفى ر: ((استقاموا))، وفى ت ٢: ((استقادا)).
(٤) عقوا بسهم: أى رموا به فى السماء، استفاءوا: رجعوا، الوضح: اللبن. ينظر شرح أشعار الهذليين ١٢٧٩/٣.
(٥) زيادة من : ر.
(٦) تقدم أول هذا الأثر فى ص ٢٨١.
(٧) سقط من : ص.

٢٨٧
سورة البقرة : الآية ١٠
عن مرضٍ القلبِ أنه مَغْنِىٌّ به مرضُ ما هم مُعتقدوه مِن الاعتقادِ ، اسْتَغْنى بالخبرِ عن
القلبِ بذلك والكناية به" عن تصريح الخبرِ عن ضمائرهم واعتقاداتهم، كما قال
۶(٢)
عمرُ بنُ تَجَأ (٢) :
رأَت قمرًا بسوقِهِمُ نَهارًا
وسبّحَت المدينةُ لا تَلُمْهَا
يريد : وسبَّح أهلُ المدينةِ . فاستغْنى بمعرفةِ السامعين خبرَه بالخبرِ عن المدينةِ ،
عن الخبرِ عن أهلِها. ومثلُه قولُ عنترةَ العَبْسىّ(٣):
هلَّ سألتِ الخيلَ يابنةَ مالكِ إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعْلَمِى
يريدُ : هلَّ سألتِ أصحابَ الخيلِ؟ ومنه قولُهم: يا خيلَ اللَّهِ اركبى. يرادُ:
يا أصحابَ خيلِ اللَّهِ اركبوا. والشواهدُ على ذلك أكثرُ مِن أن يُخْصِيَها ()
الكتابُ(٥)، وفيما ذكَرنا كفايةٌ لمن ◌ُفِّق لفهمِه.
فكذلك معنَى قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿فِى قُلُوبِهِم قَرَضٌ﴾. إنما يعنى: فى
اعتقادٍ قلوبهم الذی يعتقدونه فى الدين، والتصديق محمد ګ ، وبما جاء به مِن
عندِ اللَّهِ، مَرَضّ وسُقْمٌ. فاجْتَزأُ بدَلالةِ الخبرِ عن قلوبهم على معناه، عن تصريحِ الخبرِ
عن اعتقادهم .
والمرضُ الذى ذكره اللَّهُ جلَّ ثناؤه أنه فى اعتقادِ قلوبِهم الذى وصَفْناه، هو
شكّهم فى أمرٍ محمدٍ ، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، وتحيُّرُهم فيه، فلا هم به مُوقِنون
إيقانَ إِيمانٍ ، ولا هم له مُنكِرون إنكارَ إشراكٍ، ولكنهم كما وصَفهم جلّ ذکرُه،
(١ - ١) فى ص: ((الكفاية)).
(٢) البيت فى التبيان ٤٩/١.
(٣) البيت من معلقته الشهيرة، وهو فى ديوانه ص ١٠٢.
(٤) فى ر، ت ٢: (( يحصيه)).
(٥) فى م: (( كتاب)).

٢٨٨
سورة البقرة : الآية ١٠
مُذَبْذَبون بينَ ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء(١)، كما يقالُ: فلانٌ مُمِرِّضُ فى هذا
الأمرِ. أى يُضَعِّفُ العزمَ(١) ، ولا يصحِّحُ الرَِّيَّةَ فيه .
وبمثلِ الذى قلنا فى تأويلِ ذلك تظاهر القولُ فى تفسيرِهِ مِن المفسّرين .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن
محمدِ بنِ أبی محمدٍ مولی زید بن ثابت ، عن عكرمةً ، أو عن سعیدِ بنِ مُبیرٍ ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿فِي قُلُوبِهِم قَرَضُ﴾. أى: شكٌّ(٣).
وحُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثْنا بِشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن
الضّاكِ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: المرضُ النّفاقُ(٤).
حدَّثْنى موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسباطُ ،
عن الشُّدِّىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مُرَّةَ
الهَمْدانىِّ، عن ابنِ مسعودٍ ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ عَ لَّهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِم
تَرَ ضُ﴾. يقولُ: فى قلوبهم شكٌ(٥).
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهب، قال: قال
(١) تضمين الآية ١٤٣ من سورة النساء.
(٢) فى ر، ت ٢: ((للعزم)).
(٣) سيرة ابن هشام ٥٣١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٣/١ (١١٢) من طريق سلمة به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٣/١ (١١١) عن أبى زرعة، عن المنجاب به .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده.
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٣/١ عقب الأثر (١١٣) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من
قوله . وسيأتى تمام هذا الأثر فى ص ٢٩١.

٢٨٩
سورة البقرة : الآية ١٠
عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فِى قُلُوبِهِم تَرَضٌ﴾. قال: هذا مرضٌ فى الدِّينِ،
وليس مرضًا فى الأجسادِ . قال : وهم المنافقون .
حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ
قراءةً ، عن سعيدٍ ، عن قتادةً فى قولِه: ﴿فِى قُلُوبِهِم تَرَضٌ﴾ . قال: فى قلوبِهم رِيبةٌ
وشكٌّ فى أمرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه(١).
وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبِيعِ
ابنِ أُنسِ: ﴿فِي قُلُوبِهِم / قَرَضٌ﴾. قال: هؤلاء أهلُ النِّفاقِ، فالمرَضُ الذى فى ١٢٢/١
قلوبهم الشكُّ فى أمرِ اللّهِ(٣) .
حدَّثْنى يونسُ ، قال : أُخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ :
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَ بِأَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾. حتى بلَغ: ﴿فِ قُلُوبِهِم
◌ََّمُ﴾. قال: المرضُ الشكُّ الذى دخَلهم فى الإسلامِ" .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه : ﴿ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّاً﴾
قد دلَّلنا آنفًا على أن تأويلَ [٣٣/١ظ] المرضِ الذى وصَف اللَّهُ جَلَّ ثناؤه أنه فى
قلوبِ المنافقين هو الشكُّ فى اعتقاداتٍ قلوبِهم وأديانِهم ، وما هم عليه فى أمرٍ محمدٍ
رسولِ اللهِ وَ له، وأمرِ نبوَّتِه وما جاء به، مُقِيمون .
فالمَرَضُ الذى أخبر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنه زادهم على مرضِهم ، هو نظيرُ ما
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٣/١ عقب الأثر (١١٣) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣) بعده فى ر: ((فذلك هو المرض واللَّه أعلم)).
( تفسير الطبرى ١٩/١ )

٢٩٠
سورة البقرة : الآية ١٠
كان فى قلوبِهم مِن الشكُّ والحَيْرةِ قبلَ الزيادةِ، فزادهم(١) اللَّهُ بما أَخْدَث مِن حدودِه
وفرائضِه التى لم يكنْ فرَضها قبلَ الزيادةِ التى زادَها المنافقين - مِن الشكُّ والحَيْرةِ ،
إذ(٢) شكُوا وازْتَابوا فى الذى أُحْدَث لهم مِن ذلك - إلى المرضِ والشكِّ الذى كان
فى قلوبهم فى السالفِ ، مِن حدودِه وفرائضِه التى كان فرَضها قبلَ ذلك. كما زاد
المؤمنين به إلى إيمانهم الذى كانوا عليه قبلَ ذلك، بالذى أحْدَث لهم مِن الفرائضِ
والحدودِ، إذْآمنوا به ، إلى إيمانِهم بالسالفِ مِن حدودِه وفرائضِه - إيمانًا ، كالذى قال
جلَّ ثناؤه فى تنزيله: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهٍِ إِيمَانًا
وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (َ
مَرَضُ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَلِفِرُونَ﴾ [ التوبة: ١٢٤،
١٢٥]. فالزيادةُ التى زيدها المنافقون مِن الرجاسةِ إلى رَجاستِهم هو ما وصَفنا ، و
(٣)
التى زِيدها المؤمنون إلى إيمانِهم هو ما بيَّنا، وذلك هو التأويلُ المجمعُ عليه .
ذكرُ بعضٍ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمدِ بنِ
أبی محمدٍ مولی زید بن ثابت ، عن عكرمةً، أو عن سعيد بن جبیرٍ ، عن ابن عباسٍ :
﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّآ﴾. قال: شكًّا(٤).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: أخبرنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسباطُ ،
عن السُّدِّىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةً
(١) فى م: ((فزاد)).
(٢) فى م: ((إذا)) .
(٣) بعده فى م: ((الزيادة)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٣/١ (١١٤) من طريق سلمة به .

٢٩١
سورة البقرة : الآية ١٠
الهَمْدَانيٌّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ عَّهِ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ
مَرَضَّا﴾. يقولُ: فزادهم اللَّهُ(١) شكٌ)(٢).
حدَّثنى المُثُنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ
قراءةً، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّأَ﴾. يقولُ: فزادهم اللَّهُ رِيبةٌ
وشكًّا فى أمرِ اللَّهِ(٣) .
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی قولِ اللّهِ : ﴿فی
قُلُوبِهِم ◌َُّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّآ﴾. قال: زادهم رِجْسًا. وقرَأْ قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤه:
وَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
١٢٤)
فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
١٢٣/١
مَّرَضُ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾. قال: شرًّاإِلى شرِّهم، وضلالةً إلى ضلالتهم".
وحُدِّثتُ عن عمارٍ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُّ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الرَّبِيعِ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَا﴾: فزادَهم(٥) اللَّهُ شكًّا(٦).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ: والأليمُ(٧) المُوجِعُ. ومعناه: ولهم عذابٌ مُؤْلِمٌ. فَصُرِفَ مُؤْلِمٌ إلى
أليم، كما يقالُ: ضربٌ وَجيعٌ. بمعنى: مُوجِعٌ. واللَّهُ بديعُ السماواتِ والأرضِ. بمعنى:
مُبْدِعٌ. ومنه قولُ عمرو بنِ مَعْدِيكَرِبَ الزَّيدىِّ(٨):
(١) بعده فى م: ((ريبة و)).
(٢) تقدم أول هذا الأثر فى ص ٢٧٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/١ إلى المصنف وعبد بن حميد. وينظر الفتح ١٦٢/٨.
(٤) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٧٤/١ عن ابن زيد .
(٥) فى ص، م: ((قال زادهم)).
(٦) تقدم أول هذا الأثر فى ص ٢٨٩.
(٧) بعده فى م: ((هو)).
(٨) ديوان عمرو بن معديكرب (مجموع) ص ١٣٦.

٢٩٢
سورة البقرة : الآية ١٠
يُؤَرِّقُنى وأصحابى مُجُوعُ
أَمِنْ رَئِحانةَ(١) الداعِىِ السَّمِيعُ
بمعنى : الْمُشْمِعُ. ومنه قولُ ذِى الرُّمَّةِ(٢).
وَنرْفَعُ(١) مِن صُدُورٍ شَمَرْدَلَاتٍ(٤)
يَصُدُُّ وجوهَها وَهَجٌ أَلِيمُ
ويُؤْوى: يَصُكُ(٧) .
وإنما الأليمُ صفةٌ للعذابِ، كأنه قال: ولهم عذابٌ مُؤْلِمٌ. وهو مأخوذٌ مِن
الألم ، والأَلمُ الوَجَعُ .
كما حدَّثنى المُنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى
جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيعِ، قال: الأليمُ المُوجِعُ(٨) . .
حدَّثنا يعقوبُ، قال: حدثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مجُوَثِيرٌ، عن الضخَّاكِ ، قال :
العذابُ (٩) الأليمُ؛ الموجعُ(١٠).
(١) ريحانة: هى ريحانة بنت معديكرب أخت عمرو، وهى أم دريد بن الصمة، كان الصمة سباها ثم
تزوجها . الأغانى ١٠ / ٤.
(٢) ديوان ذى الرمة ٦٧٧/٢.
(٣) فى ص: ((بربع))، وفى ر: ((ترفع))، وفى ت ٢، م: ((يرفع)). والمثبت من الديوان .
ورفع البعیر بنفسه فی سیرہ : بالغ فیه . التاج (رف ع).
(٤) الشمردلة: الناقة الحسنة الجميلة الخلق القوية على السير. اللسان (شمردل).
(٥) يصد : يعترض. اللسان (ص د د).
(٦) الوهج: حرارة الشمس والنار من بعيد. اللسان (وهـ ج).
(٧) هذه رواية الديوان. والصك : الضرب الشديد. اللسان (ص ك ك).
(٨) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤/١ (١١٩) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية .
(٩) سقط من: م.
(١٠) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤/١ عقب الأثر (١١٩) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/١
إلی ابن أبى حاتم عن ابن عباس .
1

٢٩٣
سورة البقرة : الآية ١٠
وحُدِّثت عن المنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ ،
عن الضّحَّاكِ فى قولِه: ﴿أَلِهُ ﴾. قال: هو العذابُ المُوْجِعُ، وكلُّ شىءٍ فى
القرآنِ مِن الأليمِ فهو المُوجِعُ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ
اخْتَلفت القرَأَةُ(٢) فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأه(٣) بعضُهم: ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾.
مُخَفَّفةَ الذالِ ، مفتوحةَ الياءِ، وهى قراءةُ ( عُظم قرَأةٍ) أهلِ الكوفةِ(٥). وقرأه
آخرون: (يُكَذِّبُون). بضمِّ الياءِ وتشديدِ الذالٍ، وهى قراءةُ (٢ ◌ُظمٍ قرأةٍ) أهلٍ
المدينةِ والحجازِ والبصرةِ (١) .
وكأنَّ الذين قرَءوا ذلك بتشديدِ الذالِ وضمِّ الياءِ رأوا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه إنما
أُوْجَب للمنافقين العذابَ الأليمَ بتكذيبهم (نبيّهم محمدًا٢) عَّه وبما جاء به، وأن
الكذِبَ لولا التكذيبُ لا يُوجِبُ لأُحدِ اليسيرَ مِن العذابِ ، فكيف بالأليم منه ؟
وليس الأمرُ فى ذلك عندى كالذى قالوا؛ وذلك أن اللَّهَ جَلّ ثناؤه أنْبًا عن
المنافقين فى أولِ النبأ عنهم فى هذه السورةِ بأنهم يَكْذِبون بدَعْواهم الإيمانَ،
وإظهارِهم ذلك بألسنتِهم، خِداعًا للَّهِ عزَّ وجلَّ ولرسوله وللمؤمنين، فقال: ﴿وَمِنَ
(١) فى ص، ر، ت ٢: ((الأليم)).
(٢) فى م: ((القراءة)).
(٣) فى ر: ((فقراءة)).
(٤ - ٤) فى م: ((معظم)).
(٥) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ٨٨.
(٦) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبى عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ١٤٣.
(٧ - ٧) فى ص: (( نبيه)).

٢٩٤
٠
سورة البقرة : الآية ١٠
١٢٤/١
يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ
النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِالَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
ءَامَنُوا﴾ بذلك مِن قِيلِهم، مع استسرارِهم الشكَّ والرِّيبةَ، ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ﴾
بصنيعِهم ذلكَ ﴿إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ دونَ رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ والمؤمنين، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
بموضع خديعتهم أنفسَهم، واستدراج اللَّهِ إِيَّاهم بإملائِه لهم، ﴿فِى قُلُوبِهِم﴾
شكُّ النفاقِ ورِبيتُه)، واللَّهُ زائدُهم شكّا ورِيبةٌ/ بما كانوا يَكْذِبون اللَّهَ ورسولَه
والمؤمنين بقولِهم بألسنتهم: ﴿ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ وهم فى قِيلِهم(٣) ذلك
كَذَبةٌ؛ لاستسرارِهم الشكَّ والمرضَ فى اعتقاداتِ قلوبِهم فى أمرِ اللَّهِ وأمرٍ
رسولِهِ وَلِهِ . فَأَوْلَى فى حكمةِ اللَّهِ جَلَّ جلالُه أن يكونَ الوعيدُ منه لهم على ما اقْتَتح
به الخبرَ عنهم مِن قبيح أفعالِهم وذَميم أخلاقِهم، دونَ ما لم يَجْرِ له ذکرٌ مِن أفعالِهم،
إذا كان سائرُ آياتٍ تنزيله بذلك نزَل ، وهو أن يَفْتَتَحَ ذكرَ محاسنٍ أفعالٍ قومٍ ، ثم يختِمَ
ذلك بالوعدٍ (١) على ما افْتَتَحَ به ذكرَه مِن أفعالِهم، ويَفتتحَ ذكرَ مساوِى أفعالٍ
آخرين، ثم يختِمَ ذلك بالوعيدِ على ما [٣٤/١ و] ابْتَدأ به ذكرَه مِن أفعالهم. فكذلك
الصحيح مِن القول فى الآياتِ التى انْتَتح فيها ذكرَ بعضٍ مساوى أفعالِ المنافقين ، أن
يختِمَ ذلك بالوعيدِ على ما افْتَتح به ذكرَه مِن قبائحِ أفعالهم .
ء
فهذا هذا) ، مع دلالةِ الآيةِ الأخرى على صحة ما قلنا، وشهادتِها بأن
الواجبَ من القراءةِ ما اخترنا ، وأن الصوابَ مِن التأويلِ ما تَأَوَّلْنا، مِن أن وعيدَ اللَّهِ
المنافقين فى هذه الآيةِ العذابَ الأليمَ على الكذِبِ الجامع معنى الشكِّ والتكذيبِ،
وذلك قولُ اللَّهِ جلّ ثَنَاؤُه: ﴿ إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ
(١ - ١) فى م: ((أى نفاق وريبة)).
(٢) فى ص: ((قولهم)).
(٣) فى م: (( بالوعيد)).
(٤) سقط من: ص ، ر.
:

٢٩٥
سورة البقرة : الآية ١٠
أَّخَذُوَاْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ
يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ
فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهَّ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ المنافقون: ١، ٢]. والآيةُ الأخرى
فى ((المجادلةِ)): ﴿ أَنَّخَذُوَأْ أَيْمَهُمْ جُنَّةُ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
[المجادلة: ١٦]. فأخبر اللَّهُ جلَّ ثناؤه أن المنافقين - بقِيلِهِم ما قالُوا لرسولِ اللَّه عَلَه ، مع
اعتقادِهم فيه ما هم معتقدون - كاذبون ، ثم أُخْبرَ تعالى ذكرُه أن العذابَ المُهِينَ لهم
على ذلك مِن كَذِيِهم . ولو كان الصحيحُ مِن القراءةِ على ماقَرَأه القارئون فى سورةٍ
((البقرةِ)): (وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يُكَذِّبون) . لكانتِ القراءةُ فى السورةِ
الأخرى : (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لُكذِّبون). ليكونَ الوعيدُ لهم مِن العذابِ
المهين٢١ الذى هو عَقِيبَ ذلك وعيدًا على التكذيبِ لا على الكَذِبِ.
٠
وفى إجماع المسلمين على أن الصوابَ مِن القراءةِ فى قوله: ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ
الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾. بمعنى الكَذِبِ ، وأنَّ إِيعادَ اللَّهِ فيه المنافقين العذابَ الأليمَ على
ذلك مِن كَذِيِهِم - أوضحُ الدَّلالةِ على أن الصحيحَ مِن القراءةِ فى سورةِ ((البقرةِ)):
﴿بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾. بمعنى الكَذِبِ، وأن الوعيدَ مِن اللَّهِ تعالَى ذكرُه للمنافقين
فيها علی الکذبِ حقٌّ، لا علی التکذیبِ الذى لم يَجْرِ له ذکرٌ - نظيرَ الذی فی
سورة (( المنافقين)) سواءً .
وقد زعم بعضُ نحويِّى البصرةِ أنَّ ((ما)) من قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤه: ﴿بِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ﴾. اسمٌ للمصدرِ، كما أنَّ((أَنْ)) والفعلَ اسمان للمصدرِ فى قولك(١):
أُحبُّ أن تأتيَنى. وأنَّ المعنى إنما هو: بكَذِيهم وتكذيبهم. قال: وأدخل (( كان)) ليُخْبِرَ أنه
(١ - ١) زيادة من: ر.
(٢) فى ر: ((قوله))، وفى ت ٢: ((مثل قوله)).

٢٩٦
سورة البقرة : الآيتان ١٠، ١١
كان فيما مضى، كما تقولُ (١): ما أحسنَ ما كان عبدُ اللَّهِ . فَأَنت تعجَبُ من عبدِ اللَّهِ
لا من كَوْنِهِ ، وإنما وقَع التعُّبُ فى اللفظِ على كونِه .
وكان بعضُ نحويىِّ الكوفةِ يُنكرُ ذلك من قولِه ويَسْتَخْطِئُه، ويقولُ: إِنما أُلْغِيَت
((كان)) فى التعجّبِ لأن الفعلَ قد تقدَّمها، فكأنه قال: حَسَنًا كان زيدٌ ، وحسَنٌ
كان زيدٌ (٢). يُتْطِلُ ((كان))، ويُعْمِلُ مع الأسماءِ والصفاتِ التى بألفاظِ الأسماءِ إذا
١٢٥/١ جاءتْ قبلَ ((كان))، ووقعَتْ ((كان)) بينها وبين الأسماءِ. / وأما العِلَّةُ فى إبطالِها إذا
أُبطِلَت فى هذه الحالِ، فتشبيةُ(٢) الصفاتِ والأسماءِ بـ ((فَعَل)) و ((يَفْعَلُ)) التى(٤) لا
يظهَرُ عملُ ((كان)) فيهما، ألا ترى أنك تقولُ: يقومُ كان زيدٌ . فلا يظهَرُ عملُ
((كان)) فى ((يقومُ))؟ وكذلك: قام كان زيدٌ. فلذلك أُبْطل عملُها مع ((فاعل))
تمثيلاً بـ ((فعَل)) و((يفعلُ))، وأَعْملت مع ((فاعل)) أحيانًا؛ لأنه اسمٌ ، كما تُعْملُ فى
الأسماءِ. فأما إذا تقدَّمت ((كان)) الأسماء والأفعالَ، وكان الاسمُ والفعلُ بعدَها،
فخطأٌ عندَه أن تكونَ ((كان)) مُبْطَلَةٌ . فلذلك أحال قولَ البصرىِّ الذى حكَيناه،
وتأوَّل قولَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (٥)﴾. أنه بمعنى: الذى يَكْذِبونه.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ .
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ هذه الآيةِ؛ فرُوِى عن سلمانَ الفارسيِّ أنه كان
يقولُ : لم يجئ هؤلاء بعدُ .
(١) فى ص، ت ٢، م: (( يقال)).
(٢) فى ت ٢: ((فى التعجب لا)).
(٣) فى م: ((فشبه)) .
(٤) فى م: ((اللتين)).
(٥) ضبطه فى (( ر)) بضم الياء .

٢٩٧
سورة البقرة : الآية ١١
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال: حدثنا عَثَّامُ بنُ علىّ، قال: حدثنا الأعمشُ، قال:
سمِعت المنْهِالَ بنَ عمرٍو يحدِّثُ عن عبَّادٍ بنِ عبدِ اللهِ ، عن سلمانَ ، قال: ما جاء
هؤلاء بعدُ، الذين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ
مُصْلِحُونَ ﴾(١).
حدَّثنى أحمدُ بنُ عثمانَ بنِ حَكيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شَرِيك ،
قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى الأعمشُ، عن زيدِ بنِ وهبٍ وغيرِهِ، عن سلمانَ أنه
قال فى هذه الآية: ﴿ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ
مُصْلِحُونَ﴾. قال: ما جاء هؤلاء بعدُ(٢).
وقال آخرون بما حدَّثنی به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ،
قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن الشّدِّىِّ فى خبرِ ذكَرَه عن أبى مالكِ، وعن أبى صالح،
عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىٌّ ، عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابٍ
النبيِّ ◌َِّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِ اَلْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ
مُصْلِحُونَ﴾. أمَّا ﴿لَا تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ فإنَّ الفسادَ هو الكفر والعملُ
.(٤)
بالمعصية
وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
(١) أخرجه وكيع - كما فى تفسير ابن كثير ١/ ٧٥، والدر المنثور ١/ ٣٠- وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥/١
(١٢٣) من طريق الأعمش به. وعباد بن عبد الله الأسدى ضعيف.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٥/١ عن المصنف. وعبد الرحمن بن شريك ضعيف، وقد خولف فيه شريك
کما فى الإسناد قبله .
(٣) بعده فى م: ((هم المنافقون)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده .
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥/١ (١٢٢) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من قوله .

٢٩٨
سورة البقرة : الآية ١١
الرَّبيع: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾، يقولُ: لا تَعْصُوا فى الأرضِ،
﴿ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. قال: فكان فسادُهم على أنفسِهم ذلك معصيةً
اللَّهِ؛ لأن مَن عصَى اللَّهَ فى الأرضِ أو أمَر (١ بمعصيته، فقد) أَفْسَد فى الأرضِ؛ لأن
إصلاحَ الأرضِ والسماءِ بالطاعةِ (٢).
وأولى التأويلين بالآيةِ تأويلُ مَن قال: إن قولَ اللَّهِ: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ
فِي الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ نزلت فى المنافقين الذين كانوا على عهد
رسولِ الله ◌َّهِ، وإن كان معنيًّا بها كلُّ مَن كان بمثلِ صفتِهم (١) من المنافقين بعدَهم
إلى يومِ القيامةِ . وقد يَحْتَمِلُ قولُ سلمانَ عند تلاوةِ هذه الآيةِ : ما جاء هؤلاء بعدُ .
١٢٦/١ أن يكونَ قاله بعدَ فناءِ الذين كانوا بهذه الصفةِ على عهدِ / رسولِ اللهِ مظلته ، خبرًا منه
عمَّن هو (٤) جاءٍ منهم بعدَهم ولمّا يجئ بعدُ، "لا أنهْ) عنى أنه لم يمضٍ مَمَّن ذلك(١)
صفتُه أحدٌ .
وإنما قلنا : أَوْلِى التأويلين بالآيةِ ما ذكرنا؛ لإِجماع الحُجَّةِ من [٣٤/١ظ] أهلِ
التأويل على أن ذلك صفةٌ مَن كان بينَ ظهرَانَىْ أصحابِ رسولِ اللهِ عَ لَّه ، على عهدٍ
رسولِ اللهِ مَ له، من المنافقين، وأن هذه الآياتِ فيهم نزَلت، والتأويلُ المجمَعُ عليه
أَوْلى بتأويلِ القرآنِ من قولٍ لا دلالةَ على صحَّتِه من أصلٍ ولا نظيرٍ .
(١ - ١) فى ر: ((بمعصية فى)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥/١ عقب الأثر (١٢٢) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣) فى ص: ((وصفهم)).
(٤) سقط من: م .
(٥ - ٥) فى م: ((لأنه)).
(٦) فى م: ((هذه)).

٢٩٩
سورة البقرة : الآية ١١
والإفسادُ فى الأرضِ العملُ فيها بما نهَى اللَّهُ جلَّ وعزَّ عنه، وتضييعُ ما أمرَ اللهُ
بحفظِه، فذلك جملةُ الإفسادِ ، كما قال جلَّ ثَنَاؤُه فى كتابهِ مُخبرًا عن قِيلٍ
ملائكتِه: ﴿ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] يَعْنُون بذلك: أتجعلُ
فى الأرضِ من يعصِيك ويُخالفُ أمرَك؟ فكذلك صفةُ أهلِ النفاقِ ؛ مفسدون فى
الأرضِ بمعصيتهم فيها ربَّهم، ورُكوبِهم فيها ما نهاهم عن رُكوبِه، وتضييعِهم
فرائضَه، وشكّهم فى دينِ اللَّهِ الذى لا يقبَلُ من أحدٍ عملاً إلا بالتصديقِ به،
والإِيقانِ بحقيقتِهِ، وكذِبِهم المؤمنين بدَعْواهم غيرَ ما هم عليه مقيمون من الشكِّ
والرَّيبِ ، ومُظاهرتِهم أهلَ التكذيبِ باللَّهِ وكتبه ورسله على أولياءِ اللَّهِ إذا وجدوا إلى
ذلك سبيلاً. فذلك(١) إفسادُ المنافقين فى "أرضِ اللَّهِ)، وهم يَحْسَبون أنهم بفعلِهم
ذلك مُصلحونَ فيها ، فلم يُشْقِطِ اللَّهُ جلَّ ثناؤه عنهم عقوبتَه، ولا خفّف عنهم أليمَ
ما أعدَّ من عقابِه لأهلِ معصيته، بحسبانِهم أنهم فيما أتوا من معاصى اللهِ مُصلحونَ ،
بل أَوْجب لهم الدَّرْكَ الأسفلَ من نارِهِ ، والأليمَ من عذابِهِ، والعارَ العاجلَ بسَبِّ اللهِ
إيَّهم وشَتْمِه لهم، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ﴾.
وذلك من محكم اللهِ فيهم أدلَّ الدليلِ على تكذيبِه جلّ ثناؤه قولَ القائلين: إِن
عقوباتِ اللهِ لا يَسْتَحِقُّها إلّ المعاندُ ربَّه فيما لزِمه من حقوقِهِ وفروضِه، بعد علمِه
وثُبُوتِ الحُجَّةِ عليه بمعرفتِه بلزومٍ ذلك إِيَّاه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
١١
وتأويلُ ذلك كالذى قاله ابنُ عباس ، الذى حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال :
حذَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ ، عن محمدِ بنِ إسحاق ، عن محمدِ بنِ أُبی محمدٍ مولی زیدِ بنِ
(١) فى ص: ((وكذلك))، وفى ر: ((فكذلك)).
(٢ - ٢) فى ص: ((الأرض)).
:

٣٠٠
سورة البقرة : الآية ١١
ثابتٍ، عن عكرمةً، أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباس قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ
مُصْلِحُونَ﴾. أى قالوا: إنما نريدُ الإصلاحَ بينَ الفريقين من المؤمنين وأهلِ الكتابِ (١).
وخالَفه فى ذلك غيرُه، فَحدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ
داودَ ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجريج، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا
نُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ﴾. قال: إذا ركبوا معصيةَ اللَّهِ فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا.
قالوا : إنما نحن على الهُدَى(٢).
قال أبو جعفرٍ: وأىُّ الأمرين كان منهم فى ذلك ، أعنى فى دَعْواهم أنهم
مصلحون ، فهم لا شكَّ أنهم كانوا يَحْسَبون أنهم فيما أتَوْا من ذلك مصلحون -
فسواءٌ بينَ اليهودِ والمسلمين كانت دَعْواهم الإصلاحَ، أو فى أديانِهم، وفيما
ركِبوا من معصيةِ اللَّهِ ، وكذِبهم المؤمنين فيما أَظْهروا لهم من القول، وهم لغيرٍ
١٢٧/١ ما أظهروا / مُشْتبطِنون؛ لأنَّهم كانوا فى جميعِ ذلك من أمرِهم عندَ أنفسِهم
مُحْسِنِين، وهم عندَ اللَّهِ مُسيئون، ولأمرِ اللَّهِ مُخالِفون، لأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤه قد كان
فرَض عليهم عداوةَ اليهودِ وحربَهم مع المسلمين، وألزمهم التصديقَ برسولِ اللَّهِ
سَ له، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، كالذى ألزم من ذلك المؤمنين، فكان لقاؤهم اليهودَ
على وجهِ الولايةِ منهم لهم، وشكّهم فى نبوَّةِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ وفيما جاء به أنه من
عندِ اللهِ - أعظمَ الفسادِ ، وإن كان ذلك كان عندَهم إصلاحًا وهُدِى فى أديانِهم،
أو فيما بينَ المؤمنين واليهودِ ، فقال جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾
(١) سيرة ابن هشام ٥٣١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥/١ (١٢٤) من طريق سلمة به.
(٢) بعده فى ص، ت ١، م: ((مصلحون)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/١ إلى المصنف كاللفظ المثبت. وذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٥/١
عن ابن جريج عن مجاهد، بزيادة: ((مصلحون)) فى آخره .