النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة البقرة : الآية ٣ الإِيمانُ التصديقُ(١). ومعنى الإيمانِ عندَ العربِ التصديقُ، فَيُدْعَى المُصَدِّقُ بالشىءِ قولًا مؤمنًا به، ويُدْعَى المُصَدِّقُ قولَه بفعلِه مؤمنًا، ومِن ذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤه : ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾ [ يوسف: ١٧]. يعنى: وما أنت بُصَدِّقٍ لنا فى قولِنا . وقد تَدْخُلُ الخشيةُ للَّهِ فى معنى الإيمانِ الذى هو تَصديقُ القولِ بالعملِ . والإِيمانُ كلمةٌ جامعةُ للإقرارِ باللَّهِ وكتبه ورسله ، وتصديقِ الإقرارِ بالفعلِ. فإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بتأويلِ الآيةِ وأشبهُ بصفةِ القوم أن يكونوا موصُوفِين بالتصديقِ بالغيبِ قولًا واعتقادًا وعملًا؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه لم يَخْصُرْهم مِن معنى الإيمانِ على معنًى دونَ معنًى، بل أجْمَل وصفَهم به، مِن غیرِ خُصوصٍ شىءٍ مِن مَعانِيه أخْرَجَه من صفتِهم بخبرٍ ولا عقلٍ. القولُ فى تأويل قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه : ﴿ يِالْغِبِ حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازىُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاق ، عن محمدِ بنِ أبی محمدٍ مولی زید بن ثابت ، عن عكرمةً ، أو عن سعیدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ بِالْغَيْبِ﴾. قال: بما جاء منه . يعنى مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه . حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسْباطُ ، عن الشّدِّىِّ فى خبرٍ ذكَره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيٌ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ عَلَّه بِالْغَيْبِ﴾: أما ((الغيبُ))، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنَّةِ وأمرِ النارِ، وما (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/١ إلى المصنف مطولا. ( تفسير الطيرى ١٦/١ ) : -- ٢٤٢ سورة البقرة : الآية ٣ ذكرَ اللَّهُ تبارك وتعالى فى القرآنِ ، لم يكنْ تصديقُهم بذلك - يعنى المؤمنين من العربِ - مِن قِبَلِ (أصلٍ كتابٍ ) أو عِلْمٍ كان عندَهم(). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرِىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ، قال: الغيبُ القرآنُ(٣). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ العَقَدىُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، عن سعيدِ بنِ أُبی عَرُوبةَ، عن قتادةَ [١/ ٢٨ و] فى قوله: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾. قال: آمَنوا بالجنةِ والنارِ والتَعْثِ بعدَ الموتِ وبيومِ القيامةِ، وكلُّ هذا غيبٌ(٤). حُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ ﴾: آمَنوا باللّهِ وملائكته ورسله واليومِ الآخرِ ١٠٢/١ وجنتِه ونارِه ولقائِه، / وآمَنوا بالحياةِ بعدَ الموتِ، فهذا غيبٌ كلُّه(٥). وأصلُ الغيبِ كلَّ ما غاب عنك مِن شىءٍ، وهو مِن قولِك : غاب فلانٌ يَغِيبُ غَيْبًا . وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى أعيانِ القومِ الذين أَنْزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤه هاتين الآيتَيْن (١ - ١) فى ص: ((أهل الكتاب)). (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٣/١ عن السدى به مختصرا. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦،٣٥/١ (٦٥، ٦٨) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من قوله مختصرا . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وإلى الطستى فى مسائله عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق قال له ... فذ کره مختصرا . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦/١ (٦٩) من طريق أبى أحمد الزبيرى به . (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/١ إلى المصنف وعبد بن حميد. (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/١ إلى المصنف وابن أبى حاتم عن أبى العالية. وهو عند ابن أبى حاتم ٣٦/١ (٦٧) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٣/١ كذلك . ٠ ٢٤٣ سورة البقرة : الآية ٣ مِن أولٍ هذه السورةِ فيهم ، وفى نعتِهم وصفتهم التى وصَفهم بها مِن إيمانِهِم بالغيبِ وسائرِ المعانى التى حوَّتْها الآيتان مِن صفاتِهم غيرَه ؛ فقال بعضُهم : هم مؤمنو العرب خاصةً، دونَ غيرِهم مِن مؤمنى أهل الكتابينِ(١). واستَدَلُّوا على صحةٍ (٢) قولِهم ذلك وحقيقةٍ تأويلهم بالآيةِ التى تَتْلُو هاتين الآيتين، وهو قولُ اللَّهِ عز وجل: ﴿ وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ . قالوا: فلم يَكُنْ للعربِ كتابٌ قبلَ الكتابِ الذى أَنْزَله اللَّهُ عز وجل على محمدٍ عَّهِ، تَدِينُ بتصديقِه والإقرارِ والعملِ به، وإنما كان الكتابُ لأهلِ الكتابَيْن غيرِها. قالوا : فلما قصَّ اللَّهُ جلَّ ثناؤه نبأَ الذين يُؤْمِنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ وما أُنْزِل مِن قبلِه، بعدَ اقْتِصاصِه نبأَ المؤمنين بالغيبِ - علِمْنا أن كلَّ صِنْفٍ منهم غيرُ الصنفِ الآخَرِ، وأن المؤمنين بالغيبِ نوعٌ غيرُ النوعِ المُصَدِّقِ بالكتابَيْن اللذَّيْن أحدُهما مُنَزَّلٌ على محمدٍ عَظِلّهِ، والآخرُ منهما على مَن قَبَلَه مِن رسل" اللَّهِ عزّ وجلّ . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، صحّ ما قلْنا مِن أن تأويلَ قولِ اللَّهِ تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. إنما هو) : الذين يُؤْمِنون بما غاب عنهم من الجنةِ والنارِ، والثوابٍ والعقابِ، والبعثِ، والتصديقِ باللّهِ وملائكته وكتبه ورسلِه، وجميعِ ما كانت العربُ لا تَدِينُ به فى جاهليّها، مما (*) أوْجَب اللَّهُ جلَّ ثناؤه على (١) فى ص، م: ((الكتاب)). (٢) فى ر: ((حقيقة)). (٣ - ٣) فى ص: ((رسول))، وفى ت ٢: ((من رسول)). (٤) فى ص، ت ٢: ((هم)). (٥) فى م: ((بما)). ٢٤٤ سورة البقرة : الآية ٣ عبادِه الدَّيْنُونَ به ، دونَ غيرِهم . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ فى خبرِ ذكَرَه عن أبى مالك ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍٍ ، وعن مُؤَّةً الهَمْدانىٌّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ ◌َ ◌ّهِ: أما ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيِّ﴾ فهم المؤمنون مِن العربِ، ﴿ وَيُقِمُونَ الصََّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾: أما ((الغيبُ))، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنة والنارٍ، وما ذكَر اللَّهُ فى القرآنِ ، لم يكُنْ تصديقُهم بذلك مِن قِبَلِ أصلٍ كتابٍ أو علم كان عندهم ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّا أُنزِلَ إِلَّكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هؤلاء المؤمنون مِن أهلِ الكتاب (١) . وقال بعضُهم : بل نزَلَتْ هذه الآياتُ الأربعُ فى مؤمنى أهلِ الكتابِ خاصةً ؛ الإيمانِهِم بالقرآنِ عندَ إخبارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه إياهم فيه عن الغُيوبِ التى كانوا يُخْفُونها بينَهم ويُسِرُّونها ، فعلِموا عندَ إظهارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه نبيَّه ◌ِ لِّ على ذلك منهم فى تنزيلِه أنه مِن عندِ اللَّهِ جلَّ وعز، فَآمَنوا بالنبىِّ ◌ِلّهِ، وصدَّقوا بالقرآنِ وما فيه مِن الإخبارِ عن الغيوبِ التى لا عِلْمَ لهم بها؛ لما استقرَّ عندَهم بالحَُّةِ التى احْتَجَّ اللَّهُ تبارك وتعالى بها عليهم فى كتابِهِ ، مِن الإخبارِ فيه عمَّا كانوا يَكْتُمونه مِن ضَمائرِهم - أن جميعَ ذلك مِن عندِ اللَّهِ . / وقال بعضُهم: بل الآياتُ الأربعُ مِن أولِ هذه السورةِ أَنْزِلَت على محمدٍ عَلَه ١٠٣/١ بوصفٍ جميعِ المؤمنين الذين ذلك صفتُهم، مِن العربِ ، والعجم، وأهلِ الكتابَيْن (١) ينظر ص ٢٤٢ . ٢٤٥ سورة البقرة : الآية ٣ سواهم، وإنما هذه صفةُ صِنْفٍ مِن الناس، والمؤمنُ بما أَنْزَل اللَّهُ على محمدٍ عَ لَّه وما أُنْزِل مِن قبلِه هو المؤمنُ بالغيبِ . قالوا : وإنما وصَفهم اللَّهُ بالإيمانِ بما أُنْزِل إلى محمدٍ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه، بعدَ تقَضِّى وصفِه إياهم بالإيمانِ بالغيبِ ؛ لأن وصفَه إياهم بما وصَفهم به مِن الإيمانِ بالغيبِ كان مَعْنِيًّا به أنهم يُؤْمنون بالجنةِ والنارِ والبعثِ وسائرِ الأمورِ التى كلَّفهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه الإيمانَ بها (١) ، مما لم يَرَؤْه ولم يَأْتِ بعدُ مما هو آتٍ، دونَ الإخبارِ عنهم أنهم يُؤمنون بما جاء به محمدٌ عَِّ ومَن قبلَه مِن الرسلِ ومن(٢) الكتبِ. قالوا : فلما كان معنى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾. غيرَ موجودٍ فى قوله: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾. كانت الحاجةُ مِن العبادِ إلى معرفتِهم صفتَهم بذلك ليَعْرفوهم ، نظيرَ حاجتهم إلى معرفتهم بالصفةِ التى وُصِفوا بها مِن إيمانِهِم بالغيبِ ؛ لِيَعْلَموا ما يَرْضَى اللَّهُ مِن أفعالٍ عبادِه، ويُحِبُّه مِن صفاتِهم، فيَكُونوا به (٣) ، إن وفَّقهم له ربّهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو بنِ العباسِ(٤) الباهلىُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصم الضَّحَّاكُ ابنُ مَخْلَدٍ ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مَيْمونِ المَكَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى تَجِيحِ، عن مُجاهِدٍ، قال : أربعُ آياتٍ مِن سورة البقرةِ فى نعتِ المؤمنين، وآيتان(٥) فى (١) فى ر، ت٢: (( به). (٢) سقط من : م. (٣) أى بهذا الوصف . (٤) فى ص: ((العاص)). (٥) فى ت ٢: ((اثنان))، وغير منقوطة فى ص. ٢٤٦ سورة البقرة : الآية ٣ نعتِ الكافرين، وثلاثَ عشْرةَ فى المنافقين(١). حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيع، قال : حدَّثنا أبى، عن سفيانَ ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ (٢) بمثلِه(١). وحدَّثنى "المُنَى بنُ إبراهيمَ)، قال: حدَّثنا موسى بنُ مسعودٍ ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤) . وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ بنِ أنسٍٍ ، قال: أربعُ آياتٍ مِن فاتحةٍ هذه السورةِ - يعنى سورةَ البقرةٍ - فى الذين آمنوا، وآيتان (٥) فى قادةِ الأخزابِ(٩). وأولى القولين عندى بالصوابٍ، وأشبهُهما بتأويلِ الكتابِ ، القولُ الأولُ، وهو أن الذين وصفهم الله تعالی ذِ کژه بالإيمانِ بالغيب ، وما وصَفَهم به جل ثناؤه فى الآيتين الأوَّلْتَيْنَ(٢)، غيرُ الذين وصَفهم بالإيمانِ بالذى أُنْزِل على محمدٍ والذى أُنْزِل على (٨) مَن قبلَه مِن الرسلِ؛ لما ذَكّوْتُ مِن العللِ [٢٨/١ ظ] قبلُ لمن قال ذلك. ومما يَدُلُّ أيضًا مع ذلك على صحة هذا القولِ ، أنه جَنَّس - بعدَ وصفٍ المؤمنين (١) تفسير مجاهد ص ١٩٥، من طريق ورقاء، عن ابن أبى نجيح. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣/١ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر. وينظر ما سيأتى فى ص ٢٧٦ . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣/١ إلى وكيع. وذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٧/١ عن الثورى به. وهو فى تفسیر الثوری ص ٤١ من قوله . (٣ - ٣) فى ص: ((ابن المثنى)). (٤) أخرجه النحاس فى القطع والائتناف ص ١١٥ من طريق شبل به . (٥) فى ص، ت ٢: ((اثنان)). (٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/١ إلى المصنف. (٧) فى ت ١، ت ٢: ((الأوليين)). (٨) فى ر، م، ت ٢: ((إلى)). ٢٤٧ سورة البقرة : الآية ٣ بالصفتَيْن اللتين وصَف ، وبعدَ تَصْنيفِه كلٌّ صنفٍ منهما على ما صنَّف الكفارَ - جنسين، فجعَل أحدَهما مطبوعًا على قلبِه ، مختومًا عليه ، مأيوسًا مِن إيمانِه، والآخرَ منافقًا يُرائى بإظهارِ الإِيمانِ فى الظاهرِ، ويَسْتَسِرُّ النفاقَ فى الباطنِ، فصيَّر الكفارَ جنسين، كما صيَّر المؤمنين فى أول السورةِ جنسين، ثم عرّف عبادَه نعتَ كلِّ صنفٍ منهم وصفتَهم ، وما أعدَّ لكلِّ فريقٍ منهم مِن ثوابٍ أو عقابٍ ، وذمَّ أهلَ الذِّ منهم، وشكَر سعىَ أهلِ الطاعةِ منهم . القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَيُصِمُونَ الصَّلَوَةَ﴾. / وإقامتُها أداؤُها بحدودِها وفروضِها والواجبِ فيها، على مَن فُرِضَت عليه، ١٠٤/١ كما يقالُ: أقام القومُ سُوقَهم. إذا لم يُعَطّلوها مِن البيع والشراءِ فيها . وكما قال (١) الشاعرُ(): أَقَمْنا لأهلِ العراقَيْن(٢) سُوقَ الضّ سرابٍ فخاموا(٣) وولَّوْا جميعًا وكما حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةً، أو عن سعيدٍ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾. قال : الذين يقيمون الصلاةَ (٤) بفَرضِها(3). (١) المحرر الوجيز ١٤٦/١. (٢) العراقين : البصرة والكوفة . (٣) فى ص: ((فجأمرا))، وفى م: ((خاسوا)). وخاموا فى الحرب : جبنوا . اللسان (خ ی م). (٤) فى ص، م: ((بفروضها)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤/١ (٧٤) من طريق سلمة بن الفضل به . ٢٤٨ سورة البقرة : الآية ٣ حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَيُعِمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ قال: إقامةُ الصلاةِ تمامُ الركوع والسجودِ، والتِّلاوةُ، والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها(١). حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ ، قال: حدَّثنا جُوَيْرٌ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿وَيُعِمُونَ الصَّلَوةَ ﴾: يعنى الصلاةَ المفروضةً. القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثاؤُه : ﴿ الصَّلَوَةَ ﴾. وأما الصلاةُ فى كلام العربِ فإنها الدعاءُ، كما قال الأغْشَى(٢): وإن ذُبِحَت(٣) صلَّى عليها وزَمْزَمَا(٤) لها حارسٌ لا يَبْرَحُ الدهرَ بيتَها يعنى بذلك: دعالها. وكقولِه(٥) الآخرِ أيضًا: وأرَى أن الصلاةَ المفروضةَ سُمِّيَت صلاةً؛ لأن المُصَلِّىَ مُتَعَرِّضٌ لاستنجاحِ" (٨) وقابَلَها الرِّيحَ فى دَنِّها(٦) وصلَّى على دَنِّها وارْتَسَمْ (٧) طَلِبِهِ مِن ثوابِ اللَّهِ بعملِه، مع ما يَسْألُ ربَّه فيها مِن حاجاتِهِ، تَعَثُّضَ الداعى بدعائِه (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧/١ إلى المصنف. (٢) ديوانه ص ٢٩٣. (٣) يذكر الخمر فى دنها ، يقال: ذبحت الدن : أى بزلته. اللسان (ذ ب ح). (٤) الزمزمة : تراطن العلوج عند الأكل وهم صموت ، لا يستعملون اللسان ولا الشفة فى كلامهم، لكنه صوت تديره فى خياشيمها وحلوقها . اللسان (زم م). (٥) فى ص، م، ت ٢: ((قول)). والبيت فى ديوان الأعشى ص ٣٥. (٦) الدن : وعاء ضخم للخمر ونحوها . (٧) ارتسم الرجل: کثَّر ودعا . اللسان (رسم). (٨) فى ص: ((لاستخراج))، وفى ر، ت ٢: ((استنجاح). ٢٤٩ سورة البقرة : الآية ٣ ربَّه استنجاح حاجاتِه وسُؤْلِه . ٨٠٠١٠٠/١ ٣ القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ اخْتَلَف الْمُفَسِّرون فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به ابنُ محُميدٍ ، قال : حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابت، عن عكرمةَ، أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾. قال: يُؤْتُون الزكاةَ احتسابًا لها (١). حدَّثنى المُنَّى(٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾. قال : زكاةً (٣) أموالهم(١) . حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنا جُوَيْرٌ، عن الضحاكِ: ﴿ وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ ﴾. قال: كانت النفقاتُ قُرْبانًا(* يَتَقَرَّبون بها إلى اللّهِ على قدرٍ مَيْسورِهم وُجُهْدِهم، حتى نزَلَت فرائضُ الصدقاتِ؛ سبعُ آياتٍ فى سورةِ ((براءة))، مما يُذْكَرُ فيهن الصدقاتُ، هن المُتْبَتَاتُ الناسخاتُ(٥). وقال بعضُهم بما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال : (١) فی ر، م، ت ٢: ( بها)). والأثر فى سيرة ابن هشام ٥٣٠/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧/١ (٧٧) من طريق سلمة به . (٢) فى ص: ((ابن المثنى)). (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٥/١ عن على بن أبى طلحة به . (٤) فى م: ((قربات)). (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧/١ إلى المصنف. ٢٥٠ سورة البقرة : الآيتان ٣ ، ٤ حدَّثْنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ فى خبرِ ذكَرَه عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابنٍ ١٠٥/١ عباس، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىٌ، عن ابنِ / مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ عَّه: ﴿ وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾: هى نفقةُ الرجلِ على أهلِه، وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ و(١) الزكاةُ(١). وأولى التأويلاتِ بالآيةِ وأحقُّها بصفةِ القوم ، أن يكونوا كانوا لجميعِ اللازم لهم فى أموالهم مُؤَدِّين ؛ زكاةً كان ذلك أو نفقةً مَن لزِمته نفقتُه مِن أهلٍ وعِيالِ وغيرِهم، مَّن تَجِبُ عليهم نفقتُه بالقَرابةِ والمِلْكِ وغيرِ ذلك؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه عمَّ وصْفَهم ، إذ وصَفهم بالإنفاقِ مما رزَقهم، فمدَحهم بذلك مِن صفتِهم ، فكان معلومًا أنهم (١) إذ لم يَخْصُصْ مدْحَهم ووصْفَهم بنوع مِن النفقاتِ المحمودِ عليها صاحبُها دونَ نوعٍ، بخبرٍ ولا غیره - أنهم موصوفون بجمیع معانی النفقاتِ المحمودِ علیھا صاحبها ، مِن طيبٍ ما رَزَقهم ربُّهم مِن أموالهم وأمْلاكِهم ، وذلك الحلالُ منه الذى لم يَشُبْهُ حرامٌ . القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ . قد مضَى البيانُ عن المَنَّعوتِين بهذا النعتِ ، وأَىُّ أجناسِ الناسِ هم، غيرَ أنَّا نَذْكُرُ ما رُوِى فى ذلك عمن رُوِى عنه فى تأويله قولٌ ، فحدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : حذَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاق ، عن محمدِ بنِ أبی محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةً، أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٥/١ عن السدى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧/١ إلى المصنف عن ابن مسعود دون آخره. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨/١ (٧٨) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدی من قوله . (٢) فى ص، م: ((أنه)) . ٢٥١ سورة البقرة : الآية ٤ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾. أى: يُصَدِّقونك بما جئتَ به مِن(١) اللَّهِ جلَّ وعزَّ، وبما جاء به مَن قبلَك مِن المُرْسَلِین، لا يُفَّقون بینھم، ولا يجحدون ما جاءوهم به مِن(٣) ربِّهم(٣). حدَّثنا موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسْباطُ ، عن الشُّدِّىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ عَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِآلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [٣٢٩/١ هؤلاء المؤمنون مِن أهلِ الكتابِ () . القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُنَ قال أبو جعفرٍ: أما الآخرةُ، فإنها صفةٌ للدارِ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَإِنَّ ج الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وإنما وُصِفَت بذلك لمصيرِها آخِرةٌ لأَولَى كان قبلَها ، كما تقولُ للرجلِ : أَنْعَمْتُ عليك مرةً بعدَ أخرى، فلم تَشْكُوْلى الأَولَى ولا الآخرةَ. وإنما صارت الآخرةُ آخرةٌ للأولى ؛ لتقدُّمِ الأولى أمامَها، فكذلك الدارُ الآخرةُ، سُمِّيَت آخِرةٌ لتقدُّمِ الدارِ الأولى أمامَها، فصارت التاليةُ(٥) لها آخِرةٌ. وقد يَجوزُ أن تكونَ وُصِفت بأنها) آخرةٌ؛ لتأخّرِها (١) بعده فى ت ٢: ((عند)) . (٢) بعده فى ص، م، ت ٢: ((عند)). (٣) سيرة ابن هشام ٥٣٠/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨/١ (٨٠) من طريق سلمة به. (٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٧/١ عن السدى به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨/١ (٨٣) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من قوله . (٤) فى ص: ((الثانية)). (٦ - ٦) فى ص، م: ((سميت)) .. د ٢٥٢ سورة البقرة : الآية ٤ عن الخلقِ، كما سُمِّيَت الدنيا دنيا(١) ؛ لدُنُوِّها مِن الخلقِ . وأما الذى وصَف اللَّهُ جلَّ ثناؤه به المؤمنين بما أنْزَل إلى (١) نبيّه محمدٍ عَلَّه ، وما أَنْزَل إلى مَن قبلَه مِن المُرْسَلِين - مِن إيقانِهم به مِن أمرِ الآخِرةِ - فهو إيقانُهم بما كان المُشْرِكون به جاحِدِين ، مِن البَعْثِ والنشرِ ، والثوابٍ والعقابِ ، والحسابِ والميزانِ، وغيرِ ذلك مما أعَدَّ اللَّهُ لخلقِه يومَ القيامةِ . ١٠٦/١ / كما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةً، أو عن سعيد ابنِ مُجُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَبِلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. أى: بالبَغْثِ والقِيامةِ ، والجنة والنارِ، والحسابِ والميزانِ، أى لا هؤلاء الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما كان قبلَك، ويَكْفُرون بما جاءك مِن رَبِّك(٣). وهذا التأويلُ مِن ابنِ عباسٍ قد صرَّح عن أن السورةَ مِن أولِها - وإن كانت الآياتُ التى فى أولِها مِن نعتِ المؤمنين - تَغْرِيضٌ مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ بذِّ الكفارِ أهلِ الكتابِ ، الذين زعموا أنهم بما جاءَت به رسلُ اللَّهِ عز وجل الذين كانوا قبلَ محمدٍ تزال - مُصَدِّقون، وهم بمحمد گلِّ مُكَذُّبون، ولما جاء به مِن التنزيلِ جاحدون ، ويدَّعون، مع مجحودِهم ذلك، أنهم مُهْتَدون، وأنه لن يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَن كان هُودًا أو نَصارَى، فأكْذَبَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه ذلك مِن قِيلِهم بقولِه: ﴿الَمَ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبٌ فِهِ هُدًى لِلْنَّقِينَ * الَّيْنَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِمُونَ (١) فى ص: ((قريبا)). (٢) فى ر: ((على)) . (٣) سيرة ابن هشام ٥٣٠/١، ٥٣١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨/١(٨٢) من طريق امة به . ٢٥٣ سورة البقرة : الآيتان ٥،٤ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ ﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِآلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. وأخْبَر جلَّ ثناؤُه عبادَه أن هذا الكتابَ هُدِّى لأهلِ الإِيمانِ بمحمدٍ عَ لَه وبما جاء به، المُصَدِّقين بما أَنْزِل إليه وإلى مَن قبلَه مِن رسلِه مِن البيناتِ والهدى، خاصَّةً دون مَن كذَّب بمحمدٍ عَ لَّه وبما جاء به، وادَّعى أنه مُصَدِّقٌ بمن قبلَ محمدٍ لآمٍ مِن الرسلِ، وبما جاء به مِن الكتبِ ، ثم أكّد جلَّ ثناؤه أمرَ المؤمنين مِن العربِ ومِن أهلِ الكتابِ المُصَدِّقِين بمحمدٍ عَّه وبما أَنْزِل إليه وإلى مَن قبلَه مِن الرسلِ بقولِه: ﴿أُوْلَِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَكِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . فأخْبَر أنهم هم أهلُ الهدى والفلاح خاصَّةً دون غيرِهم ، وأن غيرَهم هم أهلُ الضلالِ والخَسَارِ . القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أُوْلَِكَ عَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويل فى مَن عَنَى اللَّهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أَوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك أهلَ الصِّفتَيْن المتقدمتَيْن، أعْنِى المؤمنين بالغيبِ مِن العربِ، والمؤمنين بما أُنْزِل إلى محمدٍ عَّهِ وإلى مَن قبلَه مِن الرسلِ، وإياهم جميعًا وصَف بأنهم على هُدًى منه، وأنهم هم المُفْلِحون . ذكْرُ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مُرَّةَ الهَمْدَانِيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ مِنِ أصحابِ النبيِّ عٍَّ: أما ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ فهم المؤمنون مِن العربِ، ﴿ وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ المؤمنون مِن أهلِ الكتابِ، ثم جمَع الفريقَيْن، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمّ ٢٥٤ سورة البقرة : الآية ٥ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(١). ١٠٧/١ / وقال بعضُهم: بل عنَى بذلك المتقين الذين يُؤْمِنون بالغيبِ، وهم الذين يؤمنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ عَّهِ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه مِن الرسلِ . وقال آخرون: بل عنَى بذلك الذين يؤمنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ عٍَ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه، وهم مُؤمنو أهلِ الكتابِ الذين صدَّقوا بمحمدٍ مَ لٍ وبما جاءبه، وكانوا مؤمنين مِن قبلُ بسائرِ الأنبياء والكتبِ . وعلى هذا التأويلِ(٢) الآخرِ يَخْتَمِلُ أن يكونَ ﴿ وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ فى مَحَلِّ خفضٍ، ومَحَلِّ رفعٍ؛ فأما الرفعُ فیه فإنه يَأْتِها مِن وجهَیْن؛ أحدُهما، مِن قِبَلِ العطفِ على ما فى ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَبٍ﴾ مِن ذِكْرِ ﴿الَّذِينَ﴾ والثانى، أن يكونَ خبرًا (٢) مبتدأً، ويكونَ ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّنْ زَِّّهِمْ﴾ مرافعَها . وأما الخفضُ، فعلى العطفِ على ((المُتَّقِينَ)) وإذا كانت معطوفةً على الَّذِينَ﴾ المجه لها وجهان مِن المعنى؛ أحدُهما، أن تَكونَ هى و﴿ الَّذِينَ﴾ الأولى مِن صفةِ المتقين . وذلك على تأويل مَن رأى أن الآياتِ الأربعَ بعدَ ﴿الَمَ﴾ نزَلَت فى صِنفٍ واحدٍ مِن أصنافِ المؤمنين. والوجهُ الثانى، أن تكونَ ﴿ الَّذِينَ﴾ الثانيةُ معطوفةً فى الإعرابِ على ((المتَّقين)) بمعنى الخفضِ، وهم فى المعنى صنفٌ غيرُ (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٩/١ عن السدى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٣٥، ٣٨، ٤٠ (٦٥، ٨٣، ٨٩) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من قوله . (٢) فى ص: « الوجه ؛ . (٣) فى ص، م: ((خبر)). والمقصود : أن يكون خبرا مقدما. ٢٥٥ سورة البقرة : الآية ٥ الصنفِ الأولِ . وذلك على مذهبٍ مَن رأى أن الذين نزَلَت فيهم الآيتان الأوَّلتان مِن المؤمنين بعدَ قولِه: ﴿الْمَ﴾. غيرُ الذين نزَلَت فيهم [٢٩/١ظ] الآيتان الآخرتان اللتان تَلِيانِ الأُوَّلْتَيْنَ(١). وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ﴿الَّذِينَ ﴾ الثانيةُ مرفوعةٌ فى هذا الوجهِ بمعنى الائتنافِ(٢) ، إذ كانت مُتَدَأَ بها بعدَ تَمام آيةٍ وانْقِضاءِ قِصَّةٍ. وقد يَجوزُ الرفعُ فيها أيضًا بنيةِ الائتنافِ(٢) ، إذ كانت فى مبتدأً آيةٍ، وإن كانت مِن صفةٍ المتقين . فالرفعُ إذن يَصِحُ فيها مِن أربعة أوجهٍ ، والخفضُ مِن وجهين . وأولَى التأويلاتِ عندى بقولِه: ﴿أُوْلَئِكَ عَى هُدَّى مِّن رَّيِّهِمْ﴾. ما ذَكَوْتُ مِن قولِ ابٍ مسعودٍ وابنِ عباسٍ ، وأن تَكونَ ﴿ أُوْلَئِكَ﴾ إشارةً إلى الفريقَيْن ، أُعْنى المتّقين، و﴿وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وتكونَ ﴿أُوْلَكَ﴾ مرفوعةٌ بالعائدِ مِن ذكرِهم فى قوله: ﴿عَلَى هُدِّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾. وأن تكونَ ﴿ أُوْلَتِكَ﴾ الثانيةُ معطوفةً على ما قبلُ مِن الكلامِ، على ما قد بيَنَّاه . وإنما رأينا أن ذلك أولى التأويلاتِ بالآيةٍ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه نعَت الفريقَيْن بنعتِهم المحمودِ، ثم أثْنَى عليهم، فلم يكنْ عز وجل لِيَخُصَّ أَحدَ الفريقَيْن بالثناءِ مع تَساوِيهما فيما اسْتَحَقًّا به الثناءَ مِن الصفاتِ، كما غيرُ جائزٍ فى عدلِهِ أن يَتَساوَيا فيما يَشْتَحِقَّان به الجزاءَ مِن الأعمالِ، فَيَخُصَّ أحدَهما بالجزاءِ دونَ الآخرِ، ويَحْرِمَ الآخرَ جزاءَ عملِه، فكذلك سبيلُ الثناءِ (١) فى ص، ر، ت ٢: ((الأولين)). (٢) فى م: ((الاستئناف)) وهما بمعنى. ٢٥٦ سورة البقرة : الآية ٥ بالأعمالِ ؛ لأن الثناءَ أحدُ أقسامِ الجزاءِ . وأما معنى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾. فإن معنى ذلك أنهم على نورٍ مِن ربِّهم، وبرهانٍ واستقامةٍ وسَدادٍ ، بتسديدِ اللَّهِ إياهم، وتوفيقِه لهم . كما حدَّثنى ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةً، أو عن سعيد ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدِّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾. أى: على نورٍ مِن ربِّهم ، واستقامةٍ على ما جاءهم(١). القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ١٠٨/١ / وتأويلُ قولِه: ﴿وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أىْ: أولئك هم المُجِحون المُدْرِ كون ماطلَبوا عندَ اللَّهِ تعالى ذكرُه ، بأعمالهم وإيمانِهم باللّهِ و كتبِه ورسلِهِ ، مِن الفَوزِ بالثوابِ، والخلودِ فى الجِنَّانِ، والنَّجاةِ مما أعَدَّ اللَّهُ تبارك وتعالى لأعدائِه مِن العِقاب . كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أى: الذين أدْرَ كوا ما طلَبوا، ونَجَوْا مِن شرٌّ ما منه هربوا(٢) . ومِن الدلالةِ على أن أحدَ معانى الفلاح إدراكُ الطَّلِيةِ والطَّغَرِ بالحاجةِ ، قولُ لَبِيدٍ (١) سيرة ابن هشام ٥٣١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩/١ (٨٤) من طريق سلمة به . (٢) سيرة ابن هشام ٥٣١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩/١(٨٨) من طريق سلمة به. ٢٥٧ سورة البقرة : الآية ٥ .(١) ابنِ رَبيعةً(١) : اعْقِلِى إِن كُنْتِ لمَّا تَعْقِلى ولقد أَفْلَح مَن كان عَقَلْ يعنى : ظفِرِ بحاجتِه وأصاب خيرًا. ومنه قولُ الراجزِ(١) : عَدِمْتُ أُنَّا وَلَدَتْ رياحًا(٣) جاءَتْ به مُفَرْكَحًا فِرْكاحًا(٤) تَحْسبُ أن قد ولَدَت نَجَاحًا أَشْهَدُ لايَزِيدُها فَلَاحَا يعنى : خيرًا وقربًا مِن حاجتِها . والفَلَاحُ مصدرٌ مِن قولِك: أَفْلَح فلانٌ يُفْلِحُ إفلاحًا، وفَلاحًا، وفَلَحًا . والفلاحُ أيضًا البقاءُ. ومنه قولُ لبيدٍ (٥) : نَحُلُّ بلادًا كلُّها حُلَّ قبلَنا ونَوْجُو الفلاحَ بعدَ عادٍ وحِمْیَرِ يريدُ: البقاءَ. ومنه أيضًا قولُ عَبيدٍ (١) : أفْلِعْ بما شئتَ فقد يُدْرَكُ(٧) بالضَّغْـفِ وقد يُخْدَعُ الأُرِيبُ يريدُ: عِشْ وابْقَ بما شئتَ . وكذلك قولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ(1): (١) شرح ديوان لبيد ص ١٧٧. (٢) البيت الثانى منه فى اللسان ( فركح) غير منسوب . (٣) فى م: ((رباحا)). (٤) الفركحة : تباعد ما بين الأليتين. اللسان (فركح). (٥) شرح ديوان لبيد ص ٥٧. (٦) ديوانه ص ١٤. (٧) فى م: ((يبلغ)) . (٨) ديوانه ص ٢١٤. ( تفسير الطبرى ١٧/١ ) ٢٥٨ سورة البقرة : الآيتان ٥، ٦ وإن أَثْرَى وإن لاقَى فَلاحًا وكلُّ فتّ ستَشْعَبُه شَعُوبٌ(١) أی : نجاحًا بحاجته وبقاءً . القولُ فى تأويل قولِه جَلَّ ثناؤه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَغَرُواْ﴾ . اختلف أهلُ التأويلِ فی مَن ◌ُنِى بهذه الآيةِ ، وفى من نزلت ؛ فكان ابنُ عباسٍ يقولُ كما حدَّثنا به محمدُ بنُ محُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ الفَضْلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مَوْلَی زیدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةً ، أو عن سعید ابنِ مجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أَىْ: بما أَنْزِل إليك مِن رِبِّك، وإنْ قالوا: إِنَّا قد آمنًا بما(٢) جاءَنا مِن قَبْلِك(٣). فكان ابنُ عباسِ يَرى أنَّ هذه الآيةَ نزَلت فى اليهودِ الذين كانوا بنواحِى المدينةِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ مَّه؛ توبيخًا لهم فى جُحودِهم نبؤَّةَ محمدٍ عَِّ، وتكذييهم به، مع علمِهم به ومعرفتهم بأنه رسولُ اللَّهِ إليهم وإلى الناسِ كافّةً . ١٠٩/١ /وقد حدَّثنا ابنُّ محُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبی محمدٍ مؤلَی زید بن ثابت ، عن عكرمةً ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ صدرَ سورة البقرةِ إلى المائةِ منها نزَل فى رجالٍ سمَّاهم بأعيانِهم وأنسابِهم مِن أحبارٍ يهودَ، ومِن المنافقين مِن الأوسِ والخَزّرَجِ(٤). كرِهنا تطويلَ الكتابِ بذکرٍ أسمائهم . (١) الشعوب: المنية . القاموس المحيط (شع ب). (٢) بعده فى م: ((قد )). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٠/١ (٩٢) من طريق سلمة به. (٤) سيرة ابن هشام ٥٣٠/١، ٥٣١. وسيأتى تمامه فى ص ٢٧٢، ٢٧٥. ٢٥٩ سورة البقرة : الآية ٦ وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ فى تأويلِ ذلك قولٌ آخَرُ، وهو ما حدَّثنى به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالح()، عن عليّ بن أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كُفَرُواْ﴾. قال: كان رسولُ اللّهِ نَّه يَخْرِصُ على أنْ يؤمنَ جميعُ الناسِ ويتابعوه على الهُدَى، فأخْبَرِه اللَّهُ جَلَّ ثناؤه أنَّه لا يؤمنُ إلَّا مَن سبق له مِن اللَّهِ السعادةُ فى الذِّكْرِ الأولِ، ولا يَضِلُّ إلَّا مَن سَبق له مِن اللَّهِ الشقاءُ [٣٠/١و] فى الذِّْرِ الأولِ(٢) . وقال آخرون بما حُدِّثتُ به عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بنِ أنسٍ، قال : آيتان فى قادةِ الأحزابِ : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال: وهم الذين ذكرهم اللَّهُ فى هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَرِْسَ الْقَرَارُ﴾ ٢٨ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩]. قال: فهم الذين قُتِلُوا يومَ بدٍ ١. وأَوْلَى هذه التأويلاتِ بالآيةِ تأويلُ ابنِ عباس الذى ذكره محمدُ بنُ أبی محمد ، عن عكرمةً ، أو عن سعيد بن جبيرٍ ، عنه، وإن کان لکل قولٍ مما قاله الذین (١ - ١) سقط من: م. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٢٨٤، ١٣٧١، ١٣٨٥ (٧٢٥٠، ٧٧٨٥، ٧٨٧٥)، والطبرانى فى الكبير (١٣٠٢٥)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (١٣٩) من طريق عبد الله بن صالح به . وعند البيهقى مطولا بذكر آيات أخر . (٣) سيأتى تمامه فى ص ٢٧٧ من طريق آخر عن ابن أبى جعفر به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٠/١ (٩٣) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية. وكذلك ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٠/١ عن أبى جعفر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/١ إلى ابن المنذر عن أبى العالية مطولا. ٢٦٠ سورة البقرة : الآية ٦ ذكَرنا قولَهم فى ذلك مَذْهبٌ . فأمَّا مَذْهبُ مَن تَأوَّل فى ذلك ماقاله الرّبيعُ بنُّ أنسٍ ، فهو أنَّ اللَّه تعالى ذِكْرُه لما أَخْبَر عن قومٍ من أهلِ الكفرِ بأنهم لا يؤمنون ، وأنَّ الإنذارَ غيرُ نافعِهم، ثم كان مِن الكفارِ مَن قد نفَعه اللَّهُ بإنذارِ النبيِّ ◌َ ◌َّهِ إِيَّاه؛ لإيمانِه باللّهِ وبالنبيِّ ◌َّهِ وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ بعدَ نزولِ هذه السورةِ، لم يَجُزْ أن تكونَ الآيةُ نزَلَت إلَّا فِى خاصٍّ مِن الكفارِ، وإذا كان ذلك كذلك ، وكانت قادةُ الأحزابِ لا شكَّ أنهم ممن لم يَنْفَعْه اللَّهُ عزَّ وجلَّ بإنذارِ النبيِّ ◌َّهِ إِيَّه، حتى قتَلهم اللَّهُ تبارَك وتعالَى بأيدى المؤمنين يومَ بدرٍ ، عُلِم أنهم ممن عَنى اللَّهُ جَلَّ ثناؤه بهذه الآيةِ . وأمَّا عِلَّتنا فى اختيارِنا ما اخْتَرنا مِن التأويلِ فى ذلك، فهى أن قولَ اللَّهِ جَلَّ ثناؤه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . عَقِيبَ خبرِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤه عن مؤمنى أهلِ الكتابِ ، وعَقِيبَ نعتِهم وصفتِهم ، وثنائِه عليهم بإيمانِهم به، وبكتبِهِ ورسلِه ، فأَوْلَى الأمورِ بحكمةِ اللَّهِ أن يُثْلِى ذلك الخبر عن كُفَّارِهم ونعوتِهم، وذمَّ أسبابِهم وأحوالهم، وإظهارَ شتمِهم، والبراءةَ منهم ؛ لأنَّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اخْتَلَفت أحوالُهم باختلافِ أديانِهم، فإنَّ الجنسَ يَجْمَعُ جميعَهم بأنهم بنو إسرائيلَ . وإنما احتجَّ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه بأولِ هذه السورةِ لنبيِّه مَ لِ على مشركى اليهودِ مِن أحبارٍ بنى إسرائيلَ الذين كانوا مع علمِهم بنبوَّتِهِ مُنْكِرين نبوَّتَه، بإظهارٍ نبيّه ◌ِ الّله ١١٠/١ على ما كانت/ تُسِرُّه الأحبارُ(١) منهم وتَكْتُمُه، فيَجْهَلُه ◌ُظْمُ اليهودِ وتَعْلَمُه الأحبارُ منهم ؛ ليَعْلَموا أن الذى أُطْلَعه على علم ذلك هو الذى أَنْزَل الكتابَ على موسى عليه (١) فى ر، ت ٢: ((الأخبار)).