النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
فاتحة الكتاب
(١ جائزٍ أن يكونَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لها نعتًا، وذلك أنه خطأً فى كلام
العربِ إذا وُصِفَت معرفةٌ مؤقتةٌ بنكرةِ - أَن تُلْزِمَ نعتَها النكرةَ إعرابَ المعرفةِ المنعوتِ
بها ، إلا على نيةِ تكريرٍ ما أعربَ المنعوتَ بها. خطأ فى كلامِهم أن يقالَ : مررتُ
بعبدِ اللَّهِ " غيرِ العالم. فَتَخْفِضَ ((غير)) إلا على نيةِ تكريرِ الباءِ التى أعرَبَتْ عبدَ اللَّهِ .
فكأنَّ معنى ذلك لو قيل كذلك: مرَرْتُ بعبدِ اللَّه١ِ، مررتُ بغيرِ العالم. فهذا أحدُ
وجْهَىِ الخفضِ فى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُودِ، عَلَيْهِمْ﴾(١).
والوجهُ الآخرُ مِن وجهَي الخفضِ فيها، أن يكونَ ﴿ الَّذِينَ﴾ بمعنى المعرفةِ
المؤقتةِ، وإذا وُجِّه إلى ذلك، كانت ﴿غَيْرِ﴾ مخفوضةٌ بنيةِ تكريرِ الصراطِ الذى
خُفِض ﴿ الَّذِينَ﴾، عليها، فكأنك قلتَ : صراطَ الذين أُنْعَمْت عليهم ، صراطَ
غيرِ المغضوبِ عليهم .
وهذان التأويلان فى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن اخْتَلَفا باختلافٍ
مُعْرِبِيهما، فإنهما يَتَقَارَبُ معناهما، مِن أجل أن مَن أَنْعَم اللَّهُ عليه فهداه لدينه الحقِّ
فقد سلِم مِن غضبٍ ربِّه ، ونجا مِن الضَّلالِ فی دینِه .
صِرَط
٦
فسواءٌ - إذ / كان سامعُ قولِه: ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ غیر جائزٍ أن يرتابَ مع سماعِه ذلك مِن تالیه فی أن الذین
أَنْعَمِ اللَّهُ عليهم بالهدايةِ للصراطِ غيرُ غاضبٍ ربُّهم عليهم، مع النعمةِ التى قد
عظُمَت مِنَّتُه بها عليهم فى دينهم ، ولا أن يكونوا ضُلَالًا وقد هداهم الحقَّ(١) ربّهم،
إذ كان مستحيلاً فى فِطَرِهم اجتماعُ الرِّضَا مِن اللَّهِ جل ثناؤه عن شخصٍ والغضبِ
٧٨/١
(١ - ١) سقط من: ر.
(٢ - ٢) سقط من: ص .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( للحق)).
۔۔
١٨٢
فاتحة الكتاب
عليه فى حالٍ واحدةٍ، واجتماعُ الهُدَى والصَّلالِ له فى وقتٍ واحدٍ - وُصِف
القومُ - مع وَصْفِ اللَّهِ إِياهم بما وصَفَهم به مِن توفيقه إياهم وهدايته لهم، وإنعامِه
عليهم بما أنْعَم اللَّهُ به عليهم فى دينهم بأنهم غيرُ مغضوبٍ عليهم ولا هم ضالَّون - أم
لم يُوصَفوا بذلك ؛ لأن الصفةَ الظاهرةَ التى وُصِفوا بها قد أنْبَأَت عنهم أنهم كذلك،
وإن لم يُصَرِّحْ وصفَهم به . هذا إذا وجَّهْنا ﴿ غَيْرِ﴾ إلى أنها مخفوضةٌ على نيةِ
تكريرِ الصراطِ الخافضِ ﴿ الَّذِينَ﴾، ولم نَجْعَلْ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِّينَ﴾ مِن صفةِ ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بل إذا جعَلْناهم
غیرهم ، وإن كان الفريقان لاشكَّ مُنْعَمًا عليهما فی ادیانهما . فأما إذا وجَّهْنا ﴿ غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ﴾ إلى أنها مِن نعتِ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ﴾ فلا حاجةَ بسامعِه إلى (١) الاستدلالِ، إذ كان الصريحُ مِن معناه قد أغْنَى
عن الدليل .
وقد يَجوزُ نصبُ: ﴿غَيْرٍ﴾(٢) فى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن
كنتُ للقراءةِ بها كارهًا لشُذوذِها عن قراءةِ القُرّاءِ، وأن ماشذَّ مِن القراءات عما
جاءت به الأمةُ نقلًا ظاهرًا مُسْتَفيضًا، فرأىٌ للحقِّ مخالفٌ، وعن سبيلِ اللَّهِ وسبيلٍ
رسولِه ◌َ ◌ّه وسبيلِ المسلمين مُتجانِفٌ، وإن كان له - ("لو كان جائزَ القراءة" به -
فى الصوابِ مَخْرَجٌ .
وتأويلُ وجهِ صوابِهِ إِذا نصَبْتَ أن يُوَجَّهَ إلى أن يَكونَ صفةٌ للهاءِ والميمِ اللتين فى
(١) فى م: ((إلا)).
(٢) والنصب رواية عن ابن كثير - وهو من السبعة - وقرأ بها من الصحابة ؛ عمر، وعلى ، وابن مسعود ، وابن
الزبير. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١١١، والبحر المحيط ٢٩/١.
(٣ - ٣) فى م: ((كانت القراءة جائزة)).
١٨٣
فاتحة الكتاب
الَّذِينَ﴾ لأنها وإن كانت مخفوضةً بـ ((على))،
العائدة على
عَلَيْهِمْ ﴾
فهى فى محلِّ نصبٍ بقولِه: ﴿ أَنْعَمْتَ﴾. فكان(١) تأويلُ الكلامِ - إذا نصَبْتَ
(غَيْرَ) التى مع ﴿ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ - صراطَ الذين هدَيْتَهم إنعامًا منك عليهم ،
غيرَ مغضوبٍ عليهم - أى : لا مَغضوبًا عليهم - ولا ضالين. فيكونُ النصبُ فی
ذلك حينئذٍ كالنصبٍ فى ((غيرٍ))، فى قولك: مرَرْتُ بعبدِ اللَّهِ غيرَ الكريم ولا
الرشيدِ . فَتَقْطَعُ غيرَ [٢١/١ظ] الكريم مِن عبدِ اللَّهِ ، إذ كان عبدُ اللَّهِ معرفةٌ مؤقتةً ،
وغيرُ الكريم نكرةً مجهولةً .
وقد كان بعضُ نحوِّى البصريين يَزْعُمُ أن قراءةَ مَن نصَب (غَيْرَ) فى
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ على وجه استثناءِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مِن
معانى صفةٍ ﴿الَّذِينَ أَنْعُمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ كأنه كان يرَى أن معنى الذين قرَءوا
ذلك نصبًا: اهدنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم، إلا
المغضوبَ عليهم، الذين لم تُنْعِمْ عليهم فى أديانِهم ولم تَهْدِهم للحقِّ، فلا
تَجْعَلْنا منهم .
كما قال نابغةُ بني ذبيانَ(٢):
عَيَّت(٤) جوابًا وما بالرَّئْعِ(٥) مِن أحدٍ
وقَفْتُ فيها أُصَيْلَالًا(٢) أُسائِلُها
(١) فى م: ((فكأن)).
(٢) ديوانه ص ٢، ٣.
(٣) الأصيل: العشى، والجمع أُصُل وأُصلان، وتصغيره أصيلان وأصيلال. اللسان (أص ل).
(٤) فى م: ((أعيت)).
(٥) الربع : المنزل والدار. اللسان (رب ع).
١٨٤
فاتحة الكتاب
والتُّوْىُ(١) كالحوضِ بالمظلومةِ(٤) الجَلَدِ(٥)
إِلَّا أَوَارِيَّ(١) لَأْيٍ(٢) ما أُبِيِّنُها
والأوارِىُّ معلومٌ أنها ليست من عِدَادِ أحدٍ فى شىءٍ. فكذلك عندَه اسْتَثْنَى:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مِن ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وإن لم يكونوا مِن
معانيهم فى الدينِ فى شىءٍ .
٧٩/١
وأما نحويُّو الكوفيين فأنكروا هذا التأويلَ واستَخْطَئوه(٢)، وزعموا أن ذلك لو
كان كما قاله الزاعمُ (" مازعَم) مِن أهلِ / البصرة، لكان خطأً أن يقالَ: ﴿ وَلَا
الضَّآلِينَ﴾ لأن ((لا)) نفىٌّ وجَخْدٌ، ولا يُعطَفُ بجحدٍ إلا على جحدٍ. وقالوا: لم
◌َجِدْ فى شىءٍ مِن كلام العربِ استثناءً يُعْطَفُ عليه بجحدٍ ، وإنما وجَدْناهم يَعْطِفون
على الاستثناءِ بالاستثناءِ، وبالجحدِ على الجحدِ ، فيقولون فى الاستثناءِ: قام القومُ إلا
أخاك وإلا أباك . وفى الجحدِ: ما قام أخوك ولا أبوك . وأما : قام القومُ إلا أباك ولا
أخاك . فلم تَجِدْه فى كلام العربِ . قالوا: فلما كان ذلك معدومًا فى كلام العربِ ،
وكان القرآنُ بأفصح لسانِ العربِ نزولُه، علِمْنا - إذ كان قولُه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ
معطوفًا على قولِه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ - أن: ﴿غَيْرِ﴾
بمعنى الجحدِ لا بمعنى الاستثناءِ، وأن تأويلَ مَن وجَّهَها إلى الاستثناءِ خطأً .
(١) الأوارى جمع آرِىٌّ: محبس الدابة . اللسان (أرى).
(٢) اللأى: المشقة والجهد . اللسان (ل أى).
(٣) النؤى: الحفير حول الخباء أو الخيمة يدفع عنها السيل يمينا وشمالا ويبعده. اللسان (ن أى).
(٤) المظلومة : يعنى أرضا مروا بها فى برية فتحوضوا حوضا سقوا فيه إبلهم، وليست بموضع تحويض. اللسان
(ظ ل م).
(٥) الجلد: الغليظ من الأرض، والأرض الصلبة . اللسان (ج ل د).
(٦) ص: ((استخفوه)).
(٧ - ٧) سقط من: م، ت ٣.
١٨٥
فاتحة الكتاب
فهذه أوجهُ تأويلٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ باختلافِ أوجهِ إعرابِ ذلك.
وإِنما اعْتَرَضْنا بما اعتَرَضْنا فى ذلك مِن بيانِ وُجوهِ إعرابِه - وإن كان(١) قصدُنا
فى هذا الكتابِ الكشفَ عن تأويلِ آيِ القرآنِ - لما فى اختلافٍ وجوهِ إعرابِ ذلك
مِن اختلافٍ وجوهٍ تأويله، فاضْطَرَّتْنا الحاجةُ إلى كشفٍ وجوهِ إعرابِهِ، لتَتْكَشِفَ
الطالبٍ تأويله وجوهُ تأويله على قدرٍ اختلافِ المختلفةِ فى تأويله وقراءته .
والصوابُ مِن القولِ فى تأويلِه وقراءتِهِ عندَنا القولُ الأولُ، وهو قراءةُ : ﴿غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بخفضِ الراءِ مِن ﴿ غَيْرِ﴾ بتأويلٍ أنها صفةٌ ﴿ الَّذِينَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ونعتٌ لهم - لما قد قدَّمْنا مِن البيانِ - إن شئتَ ، وإن شئتَ
فبتأويلِ تكريرِ ﴿ صِرَطَ﴾ ، كلُّ ذلك صوابٌ حسنٌ.
فإن قال لنا قائلٌ: فمَن هؤلاء المغضوبُ عليهم الذين أمَرَنا اللَّهُ جل ثناؤه بمسألتِه
ألا يَجْعَلَنا منهم ؟
قيل: هم الذين وصَفَهم اللَّهُ جل ثناؤه فى تنزيلِه، فقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِئُكُمْ بِشَرٍ
مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةٍ عِندَ اللَّهِ مَن لَّمَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَاْخَازِيَرَ وَعَبَدَ
اُلّطِّغُوتَّ أُؤَلَّكَ شَرٌ مّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]. فَأَعْلَمَنا جل ذكرُه
بمنّه (٢) ما أحَلَّ بهم مِن عقوبته بمعصيتهم إياه، ثم علّمَنا، مِنَّةٌ منه علينا، وجهَ
السبيلِ إلى النجاةِ مِن أَن يَحِلُّ بنا مثلُ الذى حلَّ بهم مِن الْمَثُلاتِ (٤)، ورأفةً منه بنا .
فإن قال : وما الدليلُ على أنهم أولاءِ الذين وصَفَهم اللّهُ ، وذكر نبأهم فى تنزيله
(١) بعده فى ص: ((ذلك)).
(٢) فى ص: (( ثمة)).
(٣) فى ر: (( منا)).
(٤) المثلات جمع مَثُلة : العقوبات . اللسان (م ث ل).
١٨٦
فاتحة الكتاب
على ما وصَفْتَ ؟
قيل: حدَّثنى أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْلُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ
الوَقِّيُ (١) ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن الشعبىِّ،
عن عدىِّ بنِ حاتم، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((المغْضُوبُ عليهم اليَهُودُ))(١).
حدَّثنا محمدُ بنُّ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ ،
عن سماكٍ ، قال : سمِعْتُ عَبَّاد بن ◌ُبئْشِ يُحدِّثُ عن عَدِىِّ بنِ حاتم ، قال : قال لى
رسولُ اللَّهِ مََّله: ((إِنَّ المُغْضُوبَ عليهم اليَهُودُ))(١).
حدَّثنى علىٌّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُّ مصعبٍ، عن حمادٍ بنِ سلمةً، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن مُرِىٌّ بنِ
قَطَرِىِّ، عن عدىٍّ بنِ حاتم، قال: سأَلْتُ النبيَّ معَّهِ عن قولِ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿ غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: ((هم اليَّهُودُ))(٤) .
(١) فى ر: ((البرقى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٦/١٤.
(٢) أخرجه تمام فى الفوائد (١٣٢٥ - الروض البسام) من طريق أحمد بن الوليد به. وهكذا ذكره ابن كثير
فى تفسيره ٤٦/١ عن ابن عيينة به. وأخرجه ابن عيينة فى تفسيره - كما فى الدر المنثور ١٦/١ - وعنه
سعيد بن منصور فى سننه (١٧٩ - تفسير) عن إسماعيل بن أبى خالد، أن النبى معَ له قال لعدى بن حاتم،
مرسل. وسيأتى باقى هذا الحديث فى ص ١٩٤.
(٣) أخرجه الترمذى (٢٩٥٤) عن محمد بن المثنى به. وأخرجه أحمد ٣٧٨/٤ (الميمنية)، والترمذى
(٢٩٥٤)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١/١ (٤٠)، وابن حبان (٦٢٤٦، ٧٢٠٦)، والطيرانى فى الكبير
٩٩/١٧ (٢٣٧)، والبيهقى فى الدلائل ٣٣٩/٥، ٣٤٠ من طريق محمد بن جعفر به.
وأخرجه الترمذى (٢٩٥٣م)، وابن أبى حاتم ٣١/١ (٤١)، والطبرانى ٩٨/١٧ (٢٣٦) من طريق سماك
به . وقال الترمذى : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب .
(٤) قد خولف حماد بن سلمة فى إسناد هذا الحديث ؛ خالفه شعبة، وتقدم فى الحديث قبله . ورواه =
١٨٧
فاتحة الكتاب
/ حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَ السامُ(١)، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ الْمُفَضَّل، قال: ٨٠/١
حدَّثنا الجُرَيْرِىُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَقِيقٍ(٢)، أن رجلًا أتَى رسولَ اللَّهِ يٍَّ وهو
مُحاصِرٌ) وادىَ القُرَى، فقال: مَن هؤلاءِ الذين تُحاصِرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((هؤلاء
المَغْضُوبُ عليهم اليَهُودُ))(٤) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدِ الجُرَيْرِىِّ،
عن عروةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَقيقٍ، أن رجلًا أتَى رسولَ اللَّهِ مَ الِ. فذكَر
(٥)
نحوه (٥) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَنْبَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن بُدَيْلٍ
العُقَيْلِيٌّ، قال: أُخْبَرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ شَقيقٍ، أنه أخْبَرَه مَن سَمِع النبىَّ عَ لَّه وهو بوادى
القُرَى، وهو على فرسِه وسأله رجلٌ مِن بنى القَيْنِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن
هؤلاءٍ؟ قال: ((المَغْضُوبُ عليهم)). وأشار إلى اليهودِ (١).
= عمرو بن ثابت عن سماك ، عمن سمع عدى بن حاتم. أخرجه الطيالسى (١١٣٥) عن عمرو بن ثابت .
وقال ابن كثير فى تفسيره ٤٦/١: وقد روى حديث عدى هذا من طرق ، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها .
(١) سقط من: ص، ر، ت ١، وفى م، ت ٢، ت ٣: ((الشامى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩٥/٧.
(٢) فى ص: ((سفيان)). وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٨٩.
(٣) فى ص، ت ١: ((يحاصر)).
(٤) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (٧٦٥) من طريق الجريرى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/١ إلى
وكيع وعبد بن حميد . وسيأتى باقى هذا الحديث فى ص ١٩٥ .
(٥) أشار ابن كثير فى تفسيره ٤٦/١ إلى رواية عروة، وقال: ووقع فى رواية عروة تسمية عبد الله بن عمر،
فاللَّه أعلم .
(٦) تفسير عبد الرزاق - كما فى الدر المنثور ١٦/١ - وعنه أحمد ٣٢/٥، ٣٣، ٧٧ (اليمنية).
وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد والبغوى فى معجم الصحابة وابن المنذر وأبى الشيخ .
وأخرجه البلاذرى فى أنساب الأشراف ١/ ٤٤٥، وأبو يعلى (٧١٧٩)، والطحاوى ٣/ ٣٠١، والبيهقى
٣٢٤/٦، ٣٣٦، ٦٢/٩ من طريقين عن بديل - زاد البيهقى: وخالد الحذاء والزبير بن الخريت - عن عبد اللّه =
١٨٨
فاتحة الكتاب
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسن، قال : حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطىُّ ،
عن خالدِ الحَذَّاءِ، عن [٢٢/١ و] عبدِ اللَّهِ بن شَقِيقٍ، أن رجلاً سأل النبيَّ عٍَّ. فذكَر
نحوه(١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ،
قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾
يعنى اليهودَ الذين غضِب اللَّهُ عليهم(٢) .
حدَّثنی موسی ، قال : حدّثنا عمرو ، قال : حدّثنا أسباطُ ، عن السُّدِّئِّ فی خبرٍ
ذكره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالح، عن ابن عباسٍ ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىّ ، عن ابنِ
مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النّبِىِّ ◌ٍَّ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: هم
(٣)
اليهودُ(٣).
= ابن شقيق، عن رجل من بلقَينْ، مطولا ومختصرا. وقال ابن كثير فى تفسيره ٤/٤: إسناد صحيح .
وأخرجه ابن زنجويه فى الأموال (١١٣٧) من طريق آخر عن عبد الله بن شقيق مثله .
ورواه إبراهيم بن طهمان عن بديل، فقال: عن عبد اللَّه بن شقيق، عن أبى ذر. أخرجه ابن مردويه - كما
فى تفسير ابن كثير ٤٦/١ - وقال الحافظ فى الفتح ١٥٩/٨: إسناد حسن.
(١) أخرجه أحمد بن منيع فى مسنده - كما فى المطالب العالية (٢٢٣٦) - عن هشيم، عن خالد الحذاء،
عن عبد اللَّه بن شقيق: حدثنى رجل من بلقَينْ، أن رجلا أتى النبى معٍَّ. وأخرجه البيهقى فى الشعب
(٤٣٢٩) من طريق يحيى بن يحيى، عن خالد الواسطى، عن خالد الحذاء، عن عبد اللّه بن شقيق، عن
رجل، عن ابن عم له. وأخرجه الطحاوى ٣٠١/٣ من طريق ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عبد اللَّه بن
شقيق، عن رجل من بلقَينْ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١/١ (٤٢) من طريق أبي كريب به. وسيأتى باقى هذا الأثر فى ص
١٩٦.
. (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٦/١ عن السدى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/١ إلى المصنف عن
ابن مسعود . وسيأتى باقى هذا الأثر فى ص ١٩٦.
١٨٩
فاتحة الكتاب
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدِ الرازىُّ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مُجاهِدٍ ، قال :
.. قال: هم اليهودُ(١).
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ:
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازم الغِفارىُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ(٢) اللَّهِ، عن أبى جعفرٍ، عن
ربيع: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال: اليهودُ(٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ ،
قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال: اليهودُ(٤) .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ ﴾ : اليهودُ .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: حدَّثنى ابنُ زيدٍ ، عن أبيه ، قال :
المغضوبُ عليهم اليهودُ ().
قال أبو جعفرٍ : واختُلِف فى صفةِ الغضبٍ مِن اللَّهِ جل ذكرُه ؛ فقال بعضُهم:
غضبُ اللهِ علی مَن غضِب علیه مِن خلقِه إحلال عقویتِه مَن غضِب علیه، إما فى
دنياه وإما فى آخرتِه، كما وصَف به نفسَه جل ذكرُه / فى كتابه فقال: ﴿فَلَمَّآ ٨١/١
ءَاسَفُونَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥]. وكما قال: ﴿قُلّ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/١ إلى المصنف وعبد بن حميد. وسيأتى باقى هذا الأثر فى ص ١٩٥.
(٢) فى ص، م، ت ١: ((عبد)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/١ إلى المصنف .
(٤) سيأتى باقى هذا الأثر فى ص ١٩٦.
(٥) فى حاشية ر: ((عند الفرعانى: اليهود. ولم تكن عند ابن داود)).
والصواب الفرغانى بالغين المعجمة. وينظر الأنساب ٣٦٧/٤، والسير ١٣٢/١٦.
وينظر الأثر فى تفسير ابن كثير ٤٦/١، والدر المنثور ١٦/١، وفتح القدير ٢٥/١. وما سيأتى فى ص
١٩٦، ١٩٧.
١٩٠
فاتحة الكتاب
هَلْ أَنَبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ
اَلْقِرَدَةَ وَاُلْخَازِيَرَ﴾ [المائدة: ٦٠].
وقال بعضُهم: غضَبُ اللَّهِ على مَن غضِب عليه مِن عبادِه ذٌّ منه لهم
ولأفعالِهم، وشَتْمّ منه لهم بالقولِ .
وقال بعضُهم: الغضبُ منه معنى مفهومٌ، كالذى يُعْرَفُ مِن معانى الغضبِ،
غيرَ أنه - وإن كان كذلك مِن جهةِ الإثباتِ - فمخالفٌ معناه منه معنى ما يكونُ مِن
غضبِ الآدميِّين الذى (١) يُزْعِجُهم ويُحَرِّكُهم ويَشُقُّ عليهم ويُؤْذِيهم؛ لأن اللَّهَ جلَّ
ثناؤه لا تَحِلُّ ذاتَه الآفاتُ ، ولكنه له صفةٌ ، كما العلمُ له صفةٌ ، والقدرةُ له صفةٌ، على
ما يُعْقَلُ مِن جهةِ الإثباتِ ، وإن خالفت معانى ذلك معانىَ علومِ العبادِ التى هى
معارفُ القلوبِ، وقُواهم التى تُوجَدُ مع وجودِ الأفعالِ وتُعْدَمُ مع عَدَمِها(١) .
القولُ فى تأويلٍ قوله عز وجل: ﴿وَلَ الضَّالِينَ
٧
قال أبو جعفرٍ: كان بعضُ أهلِ البصرةِ(٢) يَزْعُمُ أن ﴿لا﴾ مع ﴿الضَّالِّينَ؟
أَدْخِلَت تَتْميمًا للكلام، والمعنى إلغاؤها (*) ، ويَسْتَشْهِدُ علی قیله فى ذلك بیتِ"
(٦)
العَجَاجِ(٦) :
فى بِثْرِ لَا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ
ميــ
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الذين)).
(٢) وهذا القول هو الصحيح، وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وينظر مجموع الفتاوى ٣٣/٣، ٦/ ٦٨،
١١٩، ١٢٠.
(٣) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٢٥/١ وما بعدها.
(٤) فى مجاز القرآن: ((إلقاؤها)).
(٥ - ٥) فى ص، ت ٢، ت٣: ((ذلك ببيت))، وفى م: ((ذلك بيت)).
(٦) ديوانه ص ١٤.
١٩١
فاتحة الكتاب
ويَتَأوَّلُه بمعنى: فى بئرٍ حورٍ سَرى. أى: فى بئرِ هَلَكَةٍ. وأن ((لا)) بمعنى الإلغاءِ
والصلةِ(١) ، ويَعْتَلُّ أيضًا لذلك بقولِ أبِى النَّجْمُ" :
فما أَلَومُ البِيضَ أَلا تَشْخَرا
لمَّا رَأَيْنِ الشَّمَطَ القَفَنْدَرَا()
وهو يُرِيدُ: فما ألومُ البيضَ أن تَشْخَرَ. وبقولِ الأخوصِ(4):
وللهوِ داعٍ دائبٌ غيرُ غافِلٍ
ويَلْحَيْنَنِى(٥) فى اللهْوِ ألا أُحِبَّه
يريدُ: ويَلْحَيْنَنى فى اللهوِ أن أُحِبَّه. وبقولِه تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾
[الأعراف: ١٢]. يُريدُ: أَن تَسْجُدَ .
ومُحُكِى عن قائل هذه المقالةِ أنه كان يَتَأوَّلُ: ﴿غَيْرِ﴾ التى مع ﴿ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ ﴾ أنها بمعنى ((سِوى)). فكأن معنى الكلام كان عندَه: اهدنا الصراطَ المستقيمَ،
صراط الذين أنعمتَ عليهم ، الذين هم سوى المغضوب عليهم و()الضالين.
وكان بعضُ نحوِّى الكوفيّينُ) يَسْتَنْكِرُ ذلك مِن قولِه، وَيَزْعُمُ أن ﴿ِ غَيْرِ﴾
التى مع ﴿اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لو كانت بمعنى (( سِوَى))، لكان خطأُ أن يُعْطَفَ
عليها بـ((لا))، إذ كانت ((لا)) لا يُعْطَفُ بها إلا على جَحْدٍ قد تقَدَّمَها، كما كان
خطأ قولُ القائل: عندى ((سِوى)) أخيك ولا أبيك. لأن ((سوى)) ليست مِن
(١) يقصد بالصلة هنا الحرف الزائد. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ٣٨.
(٢) ديوانه ( مجموع ) ص ١٢١ .
(٣) القفندر: القبيح المنظر. اللسان (قفندر)، والبيت فيه .
(٤) شعر الأحوص ص ١٧٩ .
(٥) فى ر: ((تلحينى)). ولحاه يلحاه لحيا: لامه وعذله. اللسان (ل حا).
(٦) بعده فى ص، ت ١: ((لا).
(٧) فى م: ((الكوفة)). ويعنى بذلك الفراء. ينظر معانى القرآن له ٨/١.
١٩٢
فاتحة الكتاب
٨٢/١
حروفِ النفي والجحودِ . ويقولُ: لَّ كان ذلك خطأً فى كلام العربِ، وكان القرآنُ
بأفصح() اللغاتِ مِن لغاتِ العربِ، كان معلومًا أن الذى زعَمه القائلُ أن ﴿ٍ غَيْرِ﴾
مع ﴿اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بمعنى: سوى المغضوب عليهم - خطأ ، إذ كان قد كرّ
عليه الكلامَ بـ ((لا))، وكان يَزْعُمُ أن ﴿ٍ غَيْرِ﴾ هنالك إنما هى بمعنى الجحدِ،
و(١) كان صحيحًا فى كلام العربِ وفاشيًا ظاهرًا فى مَنْطِقِها تَوجيهُ ((غيرِ )) إلى معنى
النفي ، ومُسْتَعْمَلًا فيهم: أخوك غيرُ مُحْسِنٍ ولا مُجْمِلٍ . يُرادُ بذلك: /أخوك لا
مُحْسِنٌ ولا مُجْمِلٌ. ويَسْتَنْكِرُ أن تَأْتَىَ ((لا)) بمعنى الحذفِ فى الكلام مبتدأُ ولَّ
يَتَقَدَّمْها جحدٌ . ويقولُ : لو جاز مجيئُها بمعنى الحذفِ مبتدأً قبلَ دلالٍ تَدُلُّ على ذلك
مِن جحدٍ سابقٍ ، لصحَّ قولُ قائلٍ قال: أرَدْتُ ألا أَكْرِمَ أخاك. بمعنى: أردتُ أن أكرمَ
أخاك . وكان يقولُ : ففى شهادةِ أهلِ المعرفةِ بلسانِ العربِ على تخطئةٍ قائلِ ذلك
دلالةٌ واضحةٌ على أنَّ ((لا)) لا تَأْتِى مُبتدأةً بمعنى الحذفِ ولَمَّ يَتَقَدَّمْها جحْدٌ . وكان
يَتَأوَّلُ فى ((لا)) التى فى بيتِ العَجَّاج الذى ) ذكَرْنا أن البصْرىَّ اسْتَشْهَد به
لقوله (٤) - أنها جْدٌ صحيحٌ، وأن معنى البيتِ: سَرَى فى بئرٍ لا تُجيرُ عليه خيرًا ، ولا
يَتَبَّنُ له فيها أثرُ عملٍ، وهو لا يَشْعُرُ بذلك ولا يَدْرِى به. مِن قولهم: طحَنَتِ
الطاحنةُ فما أحارَت شيئًا . أى: لم يتبيَّنْ لها أثرُ عملٍ. ويقولُ فى سائرِ الأبياتِ
الأُخَرِ ، أَعْنى مثلَ بيتٍ أبى النَّجْمِ:
فما أُلُومُ البِيضَ أَلا تَسْخَرَا
(١) فى ص: ((أفصح)).
(٢) فى م، ت ٢، ت ٣: (إذ)).
(٣) فى ص، ت ١: ((التى)).
(٤) فى م: (( بقوله)) .
(٥) فى ص: (( یری)).
٠٠٠
١٩٣
فاتحة الكتاب
إنما جاز [٢٢/١] أن تَكونَ ((لا)) بمعنى الحذفِ؛ لأن الجحدَ قد تقَدَّمَها فى
أولِ الكلام ، فكان الكلامُ الآخرُ مُواصِلًا للأولِ، كما قال الشاعرُ(١):
ما كان يَرْضَى رسولُ اللَّهِ فعلَهمُ
والطَّيِّبان أبو بكرٍ ولا عمرُ
فجاز ذلك ؛ إذ كان قد تقدَّم الجحدُ فى أولِ الكلامِ .
قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الآخرُ أولى بالصوابِ مِن الأولِ ، إذ كان غيرَ
موجودٍ فى كلامِ العربِ ابتداءُ الكلامِ مِن غيرِ جحدٍ تقدَّمه بـ ((لا)) التى معناها
الحذفُ، ولا جائزِ العطفُ بها على ((سوى))، ولا على حرفِ الاستثناءِ. وإنما
لـ ((غير)) فى كلامِ العربِ معانٍ ثلاثةٌ؛ أحدُها الاستثناءُ، والآخرُ الجحدُ، والثالثُ
سوى، فإذا " ثبَت خطأ أن ((لا)) تكون٢ُ) بمعنى الإلغاءِ مبتدأٌ، وفسَد أن يكونَ عطفًا
على ﴿غَيْرِ ﴾ التى مع ﴿ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، لو كانت بمعنى ((إلا)) التى هى
استثناء، ولم يَجُزْ أن يكونَ أيضًا عطفًا عليها لو كانت بمعنى ((سوى))، وكانت
(( لا )) موجودةً عطفًا بالواوِ التى هى عاطفةٌ لها على ما قبلَها - صحّ وثبَت ألا وجه
د﴿ غَيْرِ﴾ التى مع ﴿اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ يَجوزُ توجيهُها إليه على صحةٍ ، إلا
بمعنى الجحدِ والنفي، وألا وجهَ لقوله: ﴿ وَلَ الضَّالِّينَ﴾ إلا العطفُ على
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ .
فتأويلُ الكلام إذن - إذ كان صحيحًا ما قلْنا بالذى عليه اسْتَشْهَدْنا : اهدنا
الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعمْت عليهم، لاُ( ١) المغضوب عليهم ولا
(١) ديوان جرير ١٥٩/١.
(٢ - ٢) فى م: ((بطل حظ لا أن يكون))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بطل حظ لا أن تكون)). والمثبت
من: ص. وفيها أيضا: ((حظ)). وينظر تعليق الشيخ شاكر.
(٣) فى ص، ت ٣: ((غير)).
( تفسير الطبرى ١٣/١ )
١٩٤
فاتحة الكتاب
الضالين .
فإن قال لنا قائلٌ: ومَن هؤلاء الضالُّون الذين أمَرَنا اللَّهُ بالاستعاذةِ باللَّهِ أن
يَسْلُكَ بنا سبيلَهم و(١)تَضِلَّ ضلالتَهم؟
قيل: هم الذين وصَفَهم اللَّهُ فى تنزيله، فقال: ﴿يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ
فِي دِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ
كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
فإن قال: وما برهانُك على أنهم أَولاءٍ؟
قيل: حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْلُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ، قال:
حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن الشعبىِّ، عن عَدِىِّ بنِ
حاتم، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: ((النَّصَارَى))(١).
٨٣/١
/ حدَّثنا محمدُ(١) بنُ المُنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا
شعبةُ ، عن سِماكٍ، قال: سمِعْتُ عَبَادَ بنَ مُبَيْشٍ يُحَدِّثُ عن عَدِىِّ بنِ حاتمٍ ، قال :
قال لى رسولُ اللَّهِ عَّهِ: ((إِنَّ الضَّالِّينَ النَّصَارَى))(٢).
حدَّثنا علىُّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُّ مصعبٍ، عن حمادٍ بنِ سَلَمةً، عن سماك بن حربٍ، عن مُِّئِ بنِ
وَلَا
قَطَرِىِّ، عن عدىٍّ بنِ حاتم، قال: سألْتُ النبىَّ معَّهِ عن قولِ اللَّهِ : .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((أو).
(٢) تقدم أوله فى ص ١٨٦ .
(٣) فى ر: ((أحمد)).
(٤) فى م: (( و)).
١٩٥
فاتحة الكتاب
الضَّالِّينَ﴾ قال: ((النَّصَارَى هم الضَّالُّونَ))(١).
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ السامىُ(٢) ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: حدَّثنا
الجُرَيْرِىُّ(٢)، عن عبدِ اللهِ بنِ شَقيقٍ(٤)، أن رجلًا أتَى رسولَ اللَّهِ عَظِلّه وهو مُحَاصِرٌ
وادىَ القُرَى، قال: قلتُ: مَن هؤلاء؟ قال: ((هؤلاء الضَّالُّونَ النَّصَارَى))(٥).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدِ الجُرَيْرِىِّ(١) ، عن
عروةَ - يعنى ابنَ عبدِ اللهِ(١) - عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ، عن رسولِ اللَّهِ عَلَّه
(٥)
بنحوه () .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
بُدَيْلِ العُقَيْلِىِّ، قال: أُخْبَرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ شَقيقٍ، أنه أَخْبَرَه مَن سمِع النبىَّ عَلَّهِ وهو
بوادى القُرَى ، وهو على فرسِه، وسأله رجلٌ مِن بنى القَيْنِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ،
مَن هؤلاء؟ قال: ((هؤلاء الضَّالُّونَ)). يَغْنِى النَّصَارَى(٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطىُ ، عن خالدٍ
الحَذَّاءِ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَقيقٍ، أن رجلاً سأل النبيَّ ◌َ ◌ّهِ وهو محاصِرٌ وادىَ القُرَى،
وهو على فرسٍٍ: مَن هؤلاء؟ قال: ((الضَّالُّونَ)). يَعْنِى النَّصَارَى(٧).
ولا
حدَّثنا ابنُّ حُمَيدٍ ، قال : حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن مُجاهدٍ :
(١) تقدم أوله فى ص ١٨٦ .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الشامى)).
(٣) فى ص: ((الحريرى)).
(٤) فى ص، ت ١: ((سفيان)).
(٥) تقدم أوله فى ص ١٨٧.
(٦) بعده فى م، ت٢، ت٣: (( بن قيس)).
(٧) تقدم أوله فی ص ١٨٨ .
١٩٦
فاتحة الكتاب
الضَّالِينَ﴾ قال: النصارى(١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ،
قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال:
وغيرٍ طريقِ النصارى الذين أضلَّهم اللَّهُ فِرْيِتِهم عليه . قال: يقولُ: فَأَلْهِمْنا دينَك
الحقَّ، وهو لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، حتى لا تَغْضَبَ علينا كما غضِبْتَ على
اليهودِ ، ولا تُضِلَّنا كما أُضْلَلْتَ النصارى، فتُعَذِّبَنا بما تُعَذِّبُهم به. يقولُ: امنَعْنا مِن
ذلك برِفْقِك(٢) ورحمتِك وقدرتك(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ ، عن ابنٍ
مُجُرَيْجٍ، قال : قال ابنُ عباسٍ: ﴿ اَلْضَّآلّينَ﴾: النصارى(١).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ الهَتْدانیُ، قال: حدَّثَنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا
أشْباطُ بنُ نصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى
صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىِّ، عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن
أصحابِ النبيِّ ◌َّهِ: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾: هم النصارى(٣) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازم الغِفارىُّ، قال: أُخْبَرَنا عُبيدُ(٥) اللَّهِ بنُ موسى، عن أبى
جعفرٍ، عن ربيع: ﴿ وَلَا الضَّالِينَ﴾: النصارى (١).
/ حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهب، قال: قال
٨٤/١
(١) تقدم أوله فى ص ١٨٩ .
(٢) فى ر: (( برفدك)).
(٣) تقدم أوله فى ص ١٨٨ .
(٤) فى ص: ((حماد)).
(٥) فى ص، ت ١: (عبد)).
١٩٧
فاتحة الكتاب
عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: ﴿ وَلَ الضَّالِّينَ﴾: النصارَى(١).
حدَّثنى يونُسُ قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهب، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ ، عن
أبيه، قال: ﴿ الضَّالِّينَ﴾: النصارَى.
قال أبو جعفرٍ: "فكلُّ جائر١ٍ عن قَصْدِ السبيلِ وسالكِ غيرَ المنهجِ القويمِ ،
فضالٌّ عندَ العربِ ؛ لإضْلالِه وجهَ الطريقِ، فلذلك [٢٣/١ و] سمَّى اللَّهُ جلَّ ذکرُه
النصارى ضُلَّالًا، لخطئِهم فى الحقِّ مَنْهجَ السبيلِ، وأخْذِهم مِن الدِّينِ فى غيرِ
الطريق المستقيم .
فإن قال قائلٌ : أوَ ليس ذلك أيضًا مِن صفةِ اليهودِ؟
قيل : بلى .
فإن قال: فكيف خَصَّ النصارى بهذه الصفةِ، وخصَّ اليهودَ بما وصَفَهم به
مِن أنهم مغضوبٌ عليهم ؟
قيل : إِن(٣) كِلَا الفريقين ضُلَّلٌ مغضوبٌ عليهم، غيرَ أن اللَّهَ جل ثناؤُه وَسَم
كلَّ فريقٍ منهم مِن صِفَتِه لعبادِه بما يَعْرِفونه به إذا ذكره لهم أو أُخْبَرَهم عنه، ولم يُسَمِّ
واحدًا مِن الفريقَيْن إلا بما هو له صفةٌ على حقيقتِه، وإن كان له من صفاتِ الذِّ
زياداتٌ عليه .
(٢) وقد ظنّ ◌ُ" بعضُ أهل الغَباءِ مِن القدريَّةِ أن فى وصفِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه النصارَى
بالضَّلالِ بقولِه: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وإضافتِهِ الضَّلالَ إليهم دون إضافةِ إضلالهم
(١) تقدم أوله فى ص ١٨٩.
(٢ - ٢) فى م، ت٢، ت ٣: (( وكل حائد)).
(٣) سقط من: ص .
(٤ - ٤) فى ص: ((فيظن)).
١٩٨
فاتحة الكتاب
إلى نفسِه، وتركِه وصفَهم بأنهم المُضَلَّلون(١)، كالذى وصَف به اليهودَ أنهم (١)
المغضوبُ عليهم - دلالةٌ على صحةِ ما قاله إخوانُه مِن جَهَلةِ القَدَريةِ ، جهلاً منه
بِسَعَةِ كلامِ العربِ وتصاريفٍ وجوهِه، ولو كان الأمرُ على ما ظَنَّه الغبئ الذى وصَفْنا
شأنَه لَوجَب أن يكونَ شأنُ(٣) كلِّ موصوفٍ بصفةٍ أو مضافٍ إليه فعلٌ، لا يجوزُ أن
يكونَ فيه سببٌ لغيرِهِ، وأن يكونَ كلُّ ما كان " فيه مِن ذلك لغيره٤ِ) سببٌ، فالحقُّ
فيه أن يكونَ مُضافًا إلى مُسَبِِّه، ولو وَجَب ذلك لوجَب أن يكونَ خطأُ قولُ القائل:
تحرَّكَتِ الشجرةُ . إذا حرَّكَتها الريامحُ. واضْطَرَبَتِ الأرضُ. إذا حرَّكَتْها الزَّلْزَلَةُ ، وما
أشبه ذلك مِن الكلامِ الذى يَطولُ بإحصائِه الكتابُ .
وفى قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ حََّ إِذَا كُتُمْ فِي الْفُلَكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [ يونس:
٢٢]. " وإضافتِهْ) الجَوَىَ إلى الفُلْكِ، وإن كان جَرْيُها بإجراءٍ غيرِها إياها - ما يَدُلُّ
على خطأ التأويلِ الذى تأؤَّله مَن وصَفْنا قولَه فى قولِهِ : ﴿ وَلَا الضَّالِينَ﴾ وادعائِه
أن فى نسبةِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه الضَّلالةَ إلى مَن نسَبها إليه مِن النصارى، تَصْحيحًا لما ادَّعى
المُتْكِرون أن (٩) للَّهِ فِى أفعالِ خلقِه سببًا مِن أجلِه(٧) وُجِدَت أفعالُهم، مع إبانةِ اللَّهِ
جل ثناؤه نصًّا فى آي كثيرةٍ مِن تنزيلِه أنه المُضِلُّ الهادى؛ فمِن ذلك قولُه جلَّ وعزَّ:
﴿أَفَرََّيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنَّهُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى
(١) فى ص: ((الضالون))، وفى ت١: ((المضلون)).
(٢) فى ص، ت ١: ((وأنهم)).
(٣) سقط من: ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤ - ٤) فى ص: ((منه من ذلك بغيره))، وفى ت ١: ((منه من ذلك لغيره)).
(٥ - ٥) فى م، ت ٢، ت ٣: (( يإضافته)).
(٦) بعده فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((يكون)).
(٧) فى ر، ت ١، ت ٣: ((أجلها)).
١٩٩
فاتحة الكتاب
بَصَرِهِ، ◌ِشَوَةٌ فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فَأَنْبأ جل ثناؤه
أنه المُضِلُّ الهادى دونَ غيرِه .
ولكنَّ القرآنَ نزَل بلسانِ العربِ علی ما قد قدَّمْنا البیانَ عنه فى أولِ الكتابِ ،
ومن شأنِ العربِ إضافةُ الفعلِ إلی مَن ◌ُچِد منه وإن كان مسببه غیر الذى وُجِد منه،
أحيانًا، وأحيانًا إلى مُسَبِّه وإن كان الذى وُجِد منه الفعلُ غيرَه، فكيف بالفعلِ الذى
يَكْتَسِبُه العبدُ كَسْبًا ، ويُوجِدُه اللَّهُ جل ثناؤه عَيْنًا (١ ونشأةً))!/ بل ذلك أخْرَى أن ٨٥/١
يُضافَ إلى مُكْتَسبِهِ كَسْبًا له بالقوةِ منه عليه والاختيارِ منه له، وإلى اللَّهِ جل
ثناؤه بإیجادٍ عینِه(١) وإنشائها تدبيرًا .
مسألةٌ يَسْألُ عنها أهلُ الإلحادِ الطاعِنون فى القرآنِ
إن سأَلَنا منهم سائلٌ، فقال: إنك قد قدَّمْتَ() فى أول كتابِك هذا فى وصْفٍ
البيانِ ، بأن أعلاه درجةٌ ، وأشرفَه مَرْتَبةً ، أبلغُه فى الإبانة عن حاجة المُيِّنِ به عن
نفسه ، وأُبینُه عن مُرادِ قائله، وأقربُه مِن فَهم سامعه ، وقلت مع ذلك : إن أولی البيان
بأن يكونَ كذلك كلامُ اللَّهِ جل ثناؤه لفَضْلِهِ(٤) على سائرِ الكلامِ ، بارتفاعِ درجته
على أعلى درجاتِ البيانِ، فما الوجهُ - إذا كان الأمرُ على ما وصَفْتَ - فى إطالةٍ
الكلامِ بمثلٍ سُورةٍ أمِّ القرآنِ بسبعٍ آياتٍ ، وقد حوَت معانىَ جميعها منها آيتان ،
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منشأة)).
(٢) فى ص، ر: ((عينها)).
(٣) تقدم فى ص ٨، ٩.
(٤) فى م، ت ٢، ت ٣: (( بفضله)).
(٥) بعده فى م، ت ٣: (( و)).
۔
٢٠٠
فاتحة الكتاب
وذلك قولُه : ( ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). إذ كان لا شكَّ أنْ مَن
عرَف مَلِكَ يومِ الدينِ، فقد عرَفه بأسمائِهِ الحُشْنَى، وصفاتِهِ المُثْلَى، وأن مَن كان
اللَّهِ مُطيعًا، فلا شكَّ أنه لسبيلٍ مَن أَنْعَم اللَّهُ عليه فى دينِهِ مُتَبِعٌ، وعن سبيلٍ مَن
غضِب عليه وضلَّ مُنْعَدِلٌ ، فما فى زيادةِ الآياتِ الخمسِ الباقيةِ مِن الحكمةِ التى لم
تَحْوِها الآيتان اللتان ذكَرْنا؟
قيل له: إن الله تعالى ذكرُهُ جمَع لنبيِّنا محمدٍ مَّهِ ولأُمتِه بما أَنْزَل إليه مِن
كتابِهِ معانىَ لم يَجْمَعْهن بكتابٍ (١) أَنْزَلَه إلى نبيٌّ قبلَه، ولا لأمةٍ مِن الأمم قبلَهم،
وذلك أن كلَّ كتابٍ أَنْزَله جلَّ ذكرُه، على نبيِّ مِن أنبيائِهِ قبلَه ، فإنما أنْزَله ببعضٍ
المعانى التى يَحْوِى جميعَها كتابُه الذى أَنْزَله إلى نبيِّنا محمدٍ عَظَه، كالتوراةِ التى
هى مَواعِظُ وتَفصيلٌ، والزَّبُورِ الذى هو تَحْميدٌ وتَمْجِيدٌ، والإنجيلِ الذى هو
مَواعِظُ وتَذْكيرٌ، لا مُعجزةَ فى واحدٍ منها تَشْهَدُ لَمن أُنْزِل إليه بالتصديقِ ، والکتابُ
الذى أَنْزِل على نبيِّنا محمدٍ عِِّ يَحْوِى معانىَ ذلك كلّه، وتَزِيدُ عليه كثيرًا مِن
المعانى التى سائرُ الكتبِ غيرِه منها خالٍ، وقد قدَّمْنا ذكرَها فيما مضَى مِن هذا
(٢)
الكتاب(٢) .
ومِن أشرفِ تلك المعانى التى فضَّل بها كتابُنا سائرَ الكتبِ قبلَه نظْمُه
العجيبُ، ورصفُه(٢) الغريبُ، وتأليفُه البديعُ، الذى عجَزَتْ عن نظم مثلِ أصغرٍ
سورةٍ منه الخُطَبَاءُ، وكلَّتْ عن رَصْفٍ(4) شكلٍ بعضِه البُلَغَاءُ، وتحيَّت فى تأليفِه
(١) فى ص: (( كتاب)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ٦٥، ٦٦.
(٣) فى ر، م، ت ١، ت ٣: ((وصفه)). والرصف: ضم الشىء بعضه إلى بعض. اللسان (رص ف).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( وصف)).