النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
تفسير البسملة
٥٤/١
/ القولُ فى تأويلِ قولِ اللَّهِ جل ثناؤه وتقدَّست أسماؤه: ﴿اللّهِ﴾
.
قال أبو جعفرٍ: أما تأويلُ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿آللَّهِ﴾. فإنه على معنى ما رُوِى لنا
عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ: هو الذى يَأْلَهُه(١) كلُّ شىءٍ، وَيَعْبُدُه كلُّ خلقٍ . وذلك أن أبا
كُرَيْبِ حدَّثنا ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، قال :
حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، قال: اللَّهُ ذو الأُلوهيةِ
والعبودية على خلقِه أجمعين(٢).
فإن قال لنا قائلٌ: فهل لذلك فى ((فعَل ويَفْعَل)) أصلٌ كان منه(٢) بناء هذا
الاسم؟ قيل: أمَّا سماعًا مِن العربِ فلا، ولكن استدلالاً .
فإن قال : وما دلَّ على أن الألوهيةَ هى العبادةُ، وأن الإله هو المعبودُ ، وأن له
أصلًا فى ((فَعَل ويَفْعَل)) ؟
قيل: لا تَمَانُعَ بينَ العربِ فى الحكم لقولِ القائلِ، يَصِفُ رجلًا بعبادةٍ ،
ويَطْلُبُ ما(٤) عندَ اللَّهِ جل ذكره: تألَّه فلانٌ. بالصحةِ ، ولا خلافَ. ومِن ذلك قولُ
رُؤْبةَ بِنِ العَجَّاجِ(٥) :
للَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ(٦
(١) فى ص: ((يألفه)).
(٢) ذكره السيوطى فى تدريب الراوى ٦٢/١ عن بشر بن عمارة به، وعزاه إلى المصنف. وعزاه فى الدر
المنثور ٨/١ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) فى ر: (( فيه)) .
(٤) فى م: ((مما)).
(٥) ديوان رؤبة ( مجموعة أشعار العرب) ص ١٦٥.
(٦) المُدّه، جمع الماده: وهو المادح، والتمده: التمدح. الصحاح (م د هـ) والرجز فيه .

١٢٢
تفسير البسملة
سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهی
يعنى : مِن تعَبُّدى وطلَبى اللَّهَ بعملى .
ولا شك أن التألَّهَ التَفَغُّلَ مِن: ألَه يَأْلَّهُ. وأن معنى أَلَه - إذا نُطِق به - : عبَد
اللَّهَ. وقد جاء منه مصدرٌ يَدُلُّ على أن العربَ قد نطَقَت منه بـ ((فِعِل يَفْعَل)) بغيرِ
زيادة .
وذلك ما حدَّثنا به سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال : حدّثنا أبى، عن نافعِ بنِ(١) عمرَ،
عن عمرو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرأ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ)(١). قال: عبادتَك.
ويقولُ: إنه كان يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ(٣) .
وحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن عمرو بنِ دينارٍ، عن محمدٍ
ابنِ عمرو بنِ الحسنِ، عن ابنِ عباسٍ: (وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَك). قال: إنما
كان فرعونُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ. " وكذلك كان ("ابنُ عباسٍ" يقرؤها
م( ٤)
ومجاهدً" .
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا " الحسينُ بنُ داود)، قال: حدَّثنى
حَجَّاجٌ، عن ابنٍ مُجرَيْج، عن مُجاهِدٍ قولَه: (وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ). قال:
(١) فى ص: ((عن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٨٧/٢٩.
(٢) هذه قراءة للآية ١٢٧ من سورة الأعراف ، فانظرها هناك .
(٣) سيأتى هذا الأثر والأثر الذى بعده فى سورة الأعراف فانظرها هناك.
(٤ - ٤) سقط من : ت٢ .
٦
(٥ - ٥) فى ص: ((أبو عبد الله))، وفى م: (( عبد الله )).
(٦ - ٦) فى ص: ((الحسن بن واره)). وهو الحسين بن داود المصيصى، أبو على المحتسب ، لقبه سنيد ، وهو
بلقبه أشهر. ينظر ترجمته فى تهذيب الكمال ١٢/ ١٦١.

١٢٣
تفسير البسملة
وعبادتك .
ولا شكَّ أن الإلامةَ(١) - على ما فشَره ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ - مصدرٌ
مِن قول القائلِ: أَه اللَّهَ فلانٌ إلاهةً. كما يقالُ: عبد اللَّهَ فلانٌ عبادةٌ، وعبّر
الرؤيا عبارةً. فقد بينَّ قولُ ابنِ عباس ومجاهدٍ هذا أن ((أَلَه)) عبَد، وأن الإلاهةَ
مصدره .
فإن قال: فإن كان جائزًا أن يقالَ لمن عَبد اللَّهَ: ألَهه - على تأويلِ قولِ ابنِ
عباسٍ ومجاهدٍ - فكيف الواجبُ فى ذلك أن يقالَ إذا أراد المخْبِرُ "الخبرَ عن٢)
استيجابِ اللَّهِ ذلك على عبدِه؟
قيل: أما الروايةُ فلا روايةَ به(١٢) عندَنا، ولكن الواجبَ على قياسٍ ما جاء به
الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ يَِّمِ الذى حدَّثنا به إسماعيلُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا إبراهيم
ابنُّ العَلاءِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَاشٍ، عن إسماعيلَ بنِ يحيى ، عن ابنِ أُبی
مُلَيْكَةَ، عمَّن حدَّثه ، عن ابنٍ مسعودٍ، ومِشْعَرِ بنِ كِدَامٍ ، عن عطيةً العوفي ، عن أبى
سعيدٍ قال: قال رسولُ اللّهِ تَّمِ: ((إِنَّ عيسى أسْلَمَتْه أُّه إلى الكُتَّابِ لُعَلِّمَه،
فقال له المُعُلِّمُ: اكْتُب: [١٥/١و] اللَّه. فقال له عِيسى: أَتَدْرِى ما اللَّهُ؟ اللَّهُ إلهُ
الآلِهَةِ)) - أن يُقالَ: اللَّهُ جلّ ثناؤه إِلهُ العبدِ، والعبدُ ألَهه . وأن يكونَ قولُ القائلِ:
اللَّهُ . مِن الكلامِ(٤) أصلُه الإلهُ .
(١) فى ر: ((إلاهة)).
(٢ - ٢) فى ص: ((الخبر))، وفى ر: ((عن الخبر)).
(٣) سقط من: م، وفى ص: ((فيه)).
(٤) فى م: ((كلام العرب)).

١٢٤
تفسير البسملة
/فإن قال: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك كذلك مع اختلافٍ
لفظَئهما(١)؟
قيل: كما جاز أن يكونَ قولُه: ﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اللَّهُ رَبِى﴾ [الكهف: ٣٨]. أصلُه:
لكنْ أنا ، هو اللَّهُ ربِّ. كما قال الشاعرُ(٢):
وتَقْلِينَنِى لكنَّأ إياك لا أقْلِى
وتَرْمِينَنى(٢) بالطَّرْفِ أىْ أنتَ مُذْنِبٌ
يريدُ: لكن أنا إياك لا أقلى. فحذَف الهمزةَ مِن ((أنا)) فالْتَّقَت نونُ ((أنا)) ونونُ
((لكن)) وهى ساكنةٌ، فَأُدْغِمَت فى نونِ ((أنا)) فصارتا نونًا مشددةً. فكذلك اللَّهُ،
أصلُه الإِلهُ، أَسْقِطَت الهمزةُ التى هى فاءُ الاسم، فالْتَّقَت اللامُ التى هى عينُ الاسمِ
واللامُ الزائدةُ التى دخَلَت مع الألفِ الزائدةِ ، وهى ساكنةٌ، فَأُدْغِمَت فى الأُخرى
التى هى عينُ الاسم، فصارَتا فى اللفظِ لاما واحدةً مشددةً، كما وصَفْنا مِن قولٍ
اللَّهِ: ﴿لَكِنَّأْ هُوَ اَللَّهُ رَبِِّ﴾ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿اَلََّنِ الرَّحَدِّ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وأما: ﴿اَلََّنِ﴾، فهو فَعلانُ، مِن رحِم(٤)،
و﴿ الْحَيَةِ﴾، فَعيلٌ منه، والعربُ كثيرًا ما تَبْنِى الأسماءَ مِن ((فِعِل يَفْعَلُ))
على ((فَعْلانَ))، كقولِهم مِن غضِب: غَضْبانُ. ومِن سكِر: سَكْرانُ . ومِن
(١) فى ص: ((لفظهما)).
(٢) معانى القرآن ٢/ ١٤٤، وخزانة الأدب ٢٢٥/١١، وقال: لم أقف على تتمته وقائله، مع أنه مشهور قلما
خلا منه كتاب نحوى، واللَّه أعلم .
(٣) فى ص: (( تومیننى).
(٤) فى ص: ((رحيم)).
٥٥/١

١٢٥
تفسير البسملة
عطِش: عَطْشانُ . فكذلك قولُهم: رحمنُ. مِن رحِم؛ لأن ((فعل)) (١) منه: رحِم
يَرْحَمُ .
وقيل: رَحِيمٌ. وإن كانت عينُ ((فعِل)) منه (١) مكسورةً؛ لأنه مدخ، ومِن
شأنِ العربِ أن يَحْمِلوا أبنيةَ الأسماءِ إذا كان فيها مدخٌ أو ذمٌّ على ((فعيلٍ))، وإن
كانت عينُ ((فعل)) منها مكسورةً أو مفتوحةً، كما قالوا مِن ((علِم)): عالمٌ وعليم .
ومِن ((قدَر)): قادرٌ وقديرٌ. وليس ذلك منها بناءً على أفعالها؛ لأن البناءَ مِن ((فعِل
يَفْعَل)) و((فعَل يَفْعِل)) فاعلٌ، فلو كان الرحمنُ والرحيمُ خارجَيْن على بناءِ
أفعالِهما لَكانت صورتُهما الراحمَ .
فإن قال قائلٌ: فإذ كان الرحمنُ والرحيمُ اسمَيْن مشتقَّيْن مِن الرحمةِ ، فما
وجهُ تَكريرِ ذلك وأحدُهما مُؤَدِّ عن معنَى الْآخَرِ ؟
قيل له : ليس الأمر فى ذلك كما(٤) ظنَنْتَ، بل لكلِّ كلمةٍ منهما معنّى لا
تُؤَدِّى الأخرى منهما عنها .
فإن قال: وما المعنى الذى انْفَرَدَت به كلُّ واحدةٍ منهما ، فصارت إحداهما
غيرَ مُؤَدِّيةِ المعنى عن الأخرى ؟
قيل : أما مِن جهةِ العربيةِ، فلا تَمَانُعَ بينَ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ أن
قولَ القائلِ: الرحمنُ. عن أبنيةِ الأسماءِ مِن ((فعِل ويَفْعَل)) أشدُّ عدولًا مِن
قولِه: الرحيمُ. ولا خلافَ مع ذلك بينَهم أن كلَّ اسم كان له أصلٌ فى ((فعِل
(١) فى ص: ((فعيل)).
(٢) فى م: ((منها)).
(٣) فى م: ((عن)) .
(٤) فى م: ((على ما)).

١٢٦
تفسير البسملة
ويَفْعَلُ)) ثم كان عن أصلِه من ((فعِل ويَفْعَلُ)) أشدَّ عدولًا، أن الموصوفَ به مُفَضَّلٌ
على الموصوفِ بالاسمِ المبنىّ على أصلِهِ مِن ((فعُل ويَفْعُل)) إذا كانت التسميةُ به
مدحًا أو ذمَّا ، فهذا ما فى قول القائلِ : الرحمنُ . مِن زيادةِ المعنى على قولِه : الرحيمُ .
فى اللغةِ .
وأما مِن جهةِ الأثرِ والخبرِ، ففيه بينَ (١) أهلِ التأويل اختلافٌ(١)؛ فحدَّثنى
الشَّرِىُّ بنُّ يحبى التَّمِيمُّ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ زُفَرَ، قال: سمِعتُ العَزْزِمِىُّ(١)
يقولُ: ﴿الََّرِ الرَّحَةِ﴾. قال: الرحمنُ بجميعِ الخلقِ، الرحيمُ ، قال:
(٤)
بالمؤمنين(٤).
٥٦/١
/ حدَّثنا إسماعيلُ بنُ الفضلِ ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا
إسماعيلُ بنُ عَيَاشٍ ، عن إسماعيلَ بنِ يحيى، عن ابنِ أبِى مُلَتْكةً، عمَّن حدَّثه ، عن
ابنِ مسعودٍ، ومِشْعَرِ بنِ كِدَامٍ ، عن عطيةَ العَوْفىِّ، عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ
اللَّهِ عَهِ: ((إنَّ عيسى ابنَ مَرْيَمَ قال: الرَّحْمَنُ رحمنُ الآخِرَةِ والدُّنيا، والرَّحِيمُ رَحِيمُ
الآخِرَةِ )).
فهذان الخبران قد أنبأا عن فرقٍ ما بینَ تسميةِ اللَّهِ جل ثناؤه باسمِه الذی هو
رحمنٌ ، وتسميتِه باسمِه الذى هو رحيمٌ، واختلافٍ مَعْنَتَي الكلمتين، وإن اخْتَلَفا
(١) فى ص: ((عن)).
(٢) فى ص: ((إخلاف)).
(٣) فى م: ((العزرمى)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٦/١ عن المصنف. وأخرج ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨/١ (٢٠) عن محمد
ابن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبى سليمان العرزمى ، عن أبيه، عن جويبر، عن الضحاك مثله .
ومحمد وأبوه وجويبر ضعفاء .
(٥) فى م: ((معنى)).

١٢٧
تفسير البسملة
فى معنى ذلك الفرقِ ، فدلّ أحدُهما على أن ذلك فى الدنيا ، ودلَّ الآخر على أنه فى
الآخرةِ .
فإن قال: فأىُّ هذين التأويلَيْن أولى عندَك بالصحةِ؟
قيل: لجميعِهما عندَنا فى الصحةِ مَخْرَجٌ، فلا وجهَ لقول قائلٍ: أَيُّهما أولى
بالصحةِ ؟ وذلك أن المعنى الذى فى تسميةِ اللَّهِ بالرحمنِ، دونَ الذى فى تسميته
بالرحيم، هو أنه بالتسميةِ بالرحمنِ موصوفٌ بعمومِ الرحمةِ جميعَ خلقِه، وأنه
بالتسميةِ ( بالرحيمِ موصوف١ٌ) بخصوصِ الرحمةِ بعضَ خلقِه، إِمَّ فى كلِّ
الأحوالِ، وإمَّا فى بعضِ الأحوالِ، فلا شكَّ - إذا كان ذلك كذلك - أن ذلك
الخصوص الذی فی وصفه بالرحیم لا يَسْتَحِیلُ عن معناه ، فی الدنیا کان ذلك أو فی
الآخرة ، أو فيهما جميعًا .
فإذا كان صحيحًا ما قلنا مِن ذلك، وكان اللَّهُ جل ثناؤه قد خصَّ عبادَه
المؤمنين فى عاجلِ الدنيا بما لطَف لهم(١) مِن توفيقِه إياهم لطاعتِهِ ، والإيمانِ به
وبرسلِه، واتباع أمرِه واجتنابٍ مَعاصيه، مما خُذِل عنه مَن أَشْرَك به وكفَر،
وخالفَ ما أَمِّر به، وركِب معاصيه، وكان مع ذلك قد جعَل جل ثناؤه ما أُعَدَّ
فى آجلِ الآخرةِ فى جنانِهِ مِن النعيمِ المقيمِ، والفوزِ المبينِ، لمَن آمَن به، مِن
رحمتِه فى الدنيا والآخرةِ، مع ما قد عمَّهم به والكفارَ فى الدنيا ، مِن الإفضالِ
والإحسانِ إلى جميعِهم؛ فى البَسْطِ فى الرزقِ، وتَسْخيرِ السحابِ بالغَيْثِ ،
وإخراجِ النباتِ مِن الأرضِ، وصحةِ الأجْسامِ والعقولِ، وسائرِ النِّعَمِ التى لا
تُخْصَى، التى يَشْتَرِكُ فيها المؤمنون والكافرون، فربَّنا جل ثناؤُه رحمنُ [١٥/١ ظ]
(١ - ١) فى ر: ((بالرحمن مخصوص)).
(٢) فى م: (( بهم)).

١٢٨
تفسير البسملة
جميعِ خلقِه فى الدنيا والآخرةِ، ورحيمُ المؤمنين خاصةً فى الدنيا والآخرةِ .
فأما الذى عمَّ جميعَهم به فى الدنيا مِن رحمتِه فكان رحمانًا (١) لهم به،
فما ذكَرْنا مع نظائرِه التى لا سبيلَ إلى إحصائِها لأحدٍ مِن خلقِه، كما قال
جل ثناؤُه: ﴿وَإِن تَعُدُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحُصُوهَا ﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨].
وأما فى الآخرةِ ، فالذى عمَّ جميعَهم به فيها مِن رحمتِه فكان لهم رحمانًا، فى(١)
تسويته بينَ جميعِهم جل ذكره فى عدلِه وقضائِه، فلا يَظْلِمُ أحدًا منهم مثقالَ
ذرةٍ ، وإن تكُ حسنةً يضاعفْها (٢) ، ويُوَفِّى(٤) كلَّ نفس ما كسَبَت، فذلك معنى
عمومِه فى الآخرةِ جميعَهم برحمتِه الذى كان به رحمانًا فى الآخرةِ .
وأما ما خصَّ به المؤمنین فی عاجلِ الدنیا مِن رحمتِه الذی کان به رحيمًا لهم
فيها، كما قال جل ذكره: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. فما
وصَفْنا مِنِ اللَّطْفِ لهم فى دينِهم، فخصَّهم به دونَ مَن خذَله مِن أهلِ الكفرِ
٥٧/١ به. / وأما ما خصَّهم به فى الآخرةِ فكان به رحيمًا لهم دونَ الكافرين، فما وصَفْنا
آنفًا (٥) مما أعَدَّ لهم دونَ غيرِهم مِن النعيمِ والكرامةِ التى تَقْصُرُ عنها الأمانىُّ.
وأما القولُ الآخرُ فى تأويلِه فهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ ابنُ
سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن عبدٍ
اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: ﴿اٌلََّى﴾ الفعلانُ مِن الرحمةِ - وهو مِن كلامِ العربِ.
(١) فى الأصل، ص، ر، ت٢: ((رحمن)). وهذه الكلمة تجىء تارة فى بعض المخطوطات مصروفه وتارة غير مصروفة
والوجهان جائزان ، كما نبه على ذلك أبو حيان فى أول البحر المحيط، وقد اخترنا صرفها فيما يأتى من مواضع.
(٢) سقط من : م .
(٣) بعده فى م: ((ويؤت من لدنه أجرا عظيما)).
(٤) فى ص: ((توفى))، وغير منقوطة فى ر.
(٥) فى ر: ((أيضا)).

١٢٩
تفسير البسملة
قال: ﴿ اَلَّمَنِ الرَّحَيَةِ﴾: الرقيقُ الرفيقُ بَمَنْ أَحَبَّ أَن يَرْحَمَه، والبعيدُ
الشديدُ على مَن أَحَبَّ أن يَعْنُفَ عليه، وكذلك أسماؤُه كلُّها (١).
وهذا التأويلُ مِن ابنِ عباسٍ يَدُلَّ على أن الذى به ربُّنا رحمنٌ، هو الذى به
رحيمٌ، وإن كان لقوله: ﴿اَلَّمَنِ﴾. مِن المعنى ما ليس لقوله:
اٌلْحَيَةِ﴾. لأنه جعَل معنى الرحمنِ بمعنى الرَّقِيقِ(٢) على مَن رقَّ عليه،
ومعنى الرحيم بمعنى الرَّفيقِ بَمَن رفَق به .
والقولُ الذى روَيْناه فى تأويلِ ذلك عن النبيِّ ◌َِّ، وذكَوْناه عن العزْزَمِىُّ(٣)،
أشبهُ بتأويلِه مِن هذا القولِ الذى روَيْناه عن ابنِ عباسٍ. وإن كان هذا القولُ مُوافقًا
معناه معنى ذلك ، فى أن للرحمنٍ مِن المعنى ما ليس للرحيم، وأن للرحيمِ تأويلاً غيرَ
تأويلٍ الرحمنِ .
والقولُ الثالثُ فى تأويلٍ ذلك ما حدَّثنى به عِمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعىُّ ، قال:
حدَّثنا يحيى بنُ صالح، قال: حدَّثنا أبو الأزهرِ نصرُ بنُ عمٍو اللَّخْمىُ مِن أهلٍ
فِلَسْطِينَ، قال: سمِعْتُ عطاءً الخُراسانىَّ يقولُ: كان الرحمنَ، فلما اختُزِل
الرحمنُ مِن اسمِه، كان الرحمنَ الرحيمَ(٤).
والذى أراد ، إن شاء اللَّهُ، عطاءٌ بقولِه هذا، أن الرحمنَ كان مِن أسماءِ اللَّهِ
التى لا يَتَسَمَّى بها أحدٌ مِن خلقِه، فلما تسَمَّى به الكذابُ مُسَيْلِمةُ - وهو اخْتِزالُه
إياه ، يعنى اقْتِطاعَه مِن أسمائِهِ لنفسِه - أَخْبَرِ اللَّهُ جل ثناؤه أن اسمَه الرحمنُ الرحيمُ؛
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٧/١ عن هذا الموضع.
(٢) فى ص: ((الرفيق)).
(٣) فى م: ((العزرمى)). وقد تقدم قوله فى ص ١٢٦.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩/١ إلى المصنف. وينظر الفتح ١٥٥/٨.
( تفسير الطبرى ٩/١ )

١٣٠
تفسير البسملة
ليَفْصِلَ بذلك لعبادِه اسمَه مِن اسم مَن قد تسَمَّى بأسمائِه، إذ كان لا يُسَمَّى أحدٌ
الرحمن الرحيمَ - فيُجْمَعَ له هذان الاسمان - غيرُه جل ذكرُه . وإنما يتسَمَّى(
بعضُ خلِقه إما رحيمًا أو يتَسَمَّى رحمانًا، فأما رحمنٌ رحيمٌ ، فلم يَجْتَمِعا قطُّ لأحدٍ
سواه ، ولا يُجْمَعان لأحدٍ غيرِه، فكأن معنى قولٍ عطاءِ هذا، أن اللَّهَ جل ثناؤه إنما
فصَل بتكريرِ الرحيمِ على الرحمنِ، بينَ اسمِه واسم غيرِهِ مِن خلقِه، اخْتَلَف
معناهما أو اتَّفَقا .
والذى قال عطاءً مِن ذلك غيرُ فاسدِ المعنى ؛ بل جائزٌ أن يكونَ جل ثناؤه خصَّ
نفسَه بالتسميةِ بهما معا مُجْتمعَيْن، إِبانةً لها مِن خلقِه؛ ليُعَرّفَ عبادَه بذ کرِهما
مجموعَيْن أنه المقصودُ بذكرِهما دونَ مَن سواه مِن خلقِه ، مع ما فى تأويلِ كلِّ واحدٍ
منهما مِن المعنى الذى ليس فى الآخَرِ منهما .
وقد زعم بعضُ أهلِ الغَباءِ أن العربَ كانت لا تَعْرِفُ الرحمنَ ، ولم يكنْ ذلك
فى(١) لغتِها، ولذلك قال المشركون للنبىِّ عَ لَه: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾
[ الفرقان: ٦٠]. إنكارًا منهم لهذا الاسم. فكأنه كان(٢) مُحالًا عندَه أن يُتْكِرَ أهلُ
الشركِ ما كانوا بصحتِه عالِمِين، أو(٤) كأنه لم يَثْلُ مِن كتابِ اللَّهِ قولَ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ
ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ﴾. يعنى: محمدًا لَه، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمّ﴾
٥٨/١ [البقرة: ١٤٦]. وهم مع ذلك به / مُكَذُّبون، ولنبوتِه جاحِدون، فيُعْلَم بذلك أنهم قد
کانوا یُدافعون حقیقةً ما قد ثبت عندهم صحته، واسْتَحکمَت لدیھم معرفته، وقد
أُنْشِد لبعضِ الجاهليةِ الجَهْلاءِ(٥) :
(١) فى م، ت ٢: ((تسمی)).
(٢) فى ص: ((من)).
(٣) فى ص: ((قال)).
(٤) فى ص : ((أولًا)).
(٥) البيت فى المخصص ١٥٢/١٧ (المجلد الخامس) غير منسوب.

١٣١
تفسير البسملة
ألا قضَب الرحمنُ ربِّى يمينَها
ألا ضرَبَت تلك الفتاةُ هَجينَها )
وقال سَلَامةُ بنُ جَنْدَلِ السعدىُّ(٢):
عجِلْتُم علينا عَجْلَتَيْنا(٣) عليكم وما يَشَأُ الرحمنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقٍ
وقد زعم أيضًا بعضُ مَن ضعْفَت معرفتُه بتأويلِ أهلِ التأويلِ، وقلَّت روايتُه
لأقوالِ السلفِ مِن أهلِ التفسيرٍ (٤)، أن الرحمنَ مَجازُه ذو الرحمةِ ، والرحيمَ مَجازُه
الراحمُ . ثم قال: قد يُقَدِّرون اللفظَيْن مِن لفظٍ والمعنى واحدٌ ، وذلك لاتِّساعِ الكلامِ
عندَهم. قال: وقد فعلوا مثلَ ذلك، فقالوا: نَدْمانُ ونَديمٌ. ثم اسْتَشْهَد ببيتٍ
بُرْجِ بنِ مُشْهِرٍ الطائىٌ :
ونَدْمانٍ يَزِيدُ الكَأْسَ طِيبًا سقَيْتُ وقد تغَوَّرَتِ () النُّجومُ
واسْتَشْهد بأبياتٍ نظائرِه له فى النَّديم والتَّدْمانِ. ففرَّق بينَ معنى الرحمنِ
والرحيمِ فى التأويلِ ، لقولِه: الرحمنُ ذو الرحمةِ ، والرحيمُ الراحمُ . وإن كان قد
تَرَك بيانَ تأويلٍ مَعْنَيْهِمَا(٧) على صحته، ثم مثَّل(٨) ذلك باللفظَيْن ( يأْتِيان بمعنَى
(١ - ١) فى ت ١: ((القناة هجيتها)).
(٢) فى النسخ: ((الطهوى)). والمثبت كما فى طبقات فحول الشعراء ١/ ١٥٥، والشعر والشعراء ٢٧٢/١،
والبيت فى ديوانه ص ١٩.
(٣) فى ت ٢: ((معجلينا)).
(٤) لعله أراد بذلك أبا عبيدة فى كتابه مجاز القرآن ١/ ٢١، فأكثر الكلام الآتى منقول منه بنصه .
(٥ - ٥) فى ص: ((يبيت بزح))، وفى م: ((قول برج)) وفى ت ٢: ((ببيت برح))، وفى ت ١: ((ببيت نوح)).
والبيت فى المؤتلف والمختلف ص ٨٠، وشرح ديوان الحماسة ١٢٧٢/٣، واللسان (ع رق)، (ن د م).
(٦) فى المؤتلف والمختلف، وشرح ديوان الحماسة: ((تعرضت)). وتغورت النجوم: غربت. اللسان
(غ ور).
(٧) فى ص، م: ((معنيهما)).
(٨) فى ص: (( بین)).
(٩ - ٩) فى ص: ((يإثبات معنى)).

١٣٢
تفسير البسملة
واحدٍ ، فعاد إلى ما قد جعَله بمعنيين، فجَعله مثالَ ما [١٦/١و] هو بمعنَّى واحدٍ، مع
اختلافِ الألفاظِ .
ولا شكَّ أن ذا الرحمةِ هو الذى قد (١) ثبَت أن له الرحمةَ، وصحَّ أنها له
صفةٌ ، وأن الراحمَ هو الموصوفُ بأنه سيَرْحَمُ، أو قد رِم فانْقَضَى ذلك منه،
أو هو فيه، ولا دَلالةَ(١) فيه حينئذٍ أن الرحمةَ له صفةٌ، كالدَّلالةِ على أنها له
صفةٌ ، إذا وُصِف بأنه ذو الرحمةِ. فأين معنى الرحمنِ الرحيم - على تأويله -
مِن معنى الكلمتين تأتِيان مُقَدَّرَتَيْن مِن لفظٍ واحدٍ باختلافِ الألفاظِ واتفاقٍ
المعانى؟ ولكن القولَ إذا كان على غيرٍ أصلٍ مُعْتَمَدٍ عليه كان واضحًا عَوارُه.
وإن قال لنا قائلٌ: ولمَ قدَّم اسمَ اللَّهِ الذى هو اللَّهُ على اسمِه الذى هو الرحمنُ،
واسمَه الذى هو الرحمنُ على اسمِه الذى هو الرحيمُ ؟
قيل: لأن من شأنِ العربِ إذا أرادوا الخبرَ عن مُخْبَرٍ عنه أن يُقَدِّموا
اسمه، ثم يُتْبِعوه صفاتِه ونعوتَه، وهذا هو الواجبُ فى الحكم، أن يكونَ
الاسمُ مُقَدَّمًا قبلَ نعتِه وصفتِه؛ لِيَعْلَمَ السامعُ الخبرَ عمَّن الخبرُ.
فإذ كان ذلك، كذلك وكان للَّهِ جل ذكره أسماءٌ قد حرَّم على خلقِه
أن يَتَسَمَّوْا بها، خصَّ بها نفسَه دونَهم، وذلك مثلُ اللّهِ والرحمنِ والخالقٍ،
وأسماءٌ أباح لهم أن يُسَمِّىَ بعضُهم بعضًا بها، وذلك كالرحيم والسميعِ
والبصيرِ والكريم وما أشْبَهَ ذلك مِن الأسماءِ - كان الواجبُ أن تُقَدَّمَ أسماؤُه
التى هى له خاصةٌ دونَ جميع خلقِه ؛ ليَعْرِفَ السامعُ ذلك مَن توَجَّه إليه الحمدُ
والتمجيدُ ، ثم يُنْتَعَ ذلك بأسمائِه التى قد تَسَمَّى بها غيرُه، بعدَ علم المخاطَبِ
أو السامع مَن توَبَّه إليه ما يَتْلُو ذلك مِن المعانى.
(١) سقط من: م.
(٢) بعده فى م: ((له)).

١٣٣
تفسير البسملة
فبدأ اللَّهُ جل ذكره باسمِه الذى هو اللَّهُ؛ لأن الألوهةَ ليست لغيرِه جل ثناؤه من
وجهٍ مِن الوجوهِ، / لا مِن جهةِ التَّسَمِّى به، ولا مِن جهة المعنى، وذلك أنّا قد بيَّنا أن ٥٩/١
معنى ((اللَّهِ) جلّ ثناؤه معنَى (١) المعبودِ ، ولا معبودَ غيرُه جل ثناؤه ، وأن التَّسَمِّىَ به قد
حرَّمه اللَّهُ جل ثناؤه ، وإن قصَد المُتُسَمِّى به ما قَصَد (١) المُتُسَمِّى بسعيدٍ وهو شقىٌّ،
وبحسنٍ وهو قبيحٌ .
أو لا تَرَى أن اللَّهَ جل ثناؤه قال فى غيرٍ آيةٍ من كتابِه: ﴿أَوَِّهُ مَّعَ اللَّهِ﴾
[النمل: ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤]. فاسْتَكْبَر ذلك مِن المُقُرّ به. وقال تعالى فى
خُصوصِه(١) نفسَه باللّهِ وبالرحمنِ: ﴿قَلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ
اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. ثم ثنَّى ذلك باسمِه الذى هو الرحمنُ، إذ
كان قد منَع أيضًا خلقَه التَّسَمِّىَ به ، وإن كان مِن خلقِهِمَن قد يَسْتَحِقُّ تسمیتَه ببعضٍ
مَعانيه، وذلك أنه قد يَجوزُ وصفُ كثيرٍ مَمَّن هو دونَ اللَّهِ مِن خلقِه ببعضٍ صفاتٍ
الرحمةِ ، وغيرُ جائزٍ أَن يَشْتَحِقَّ بعضَ الألوهةِ أحدٌ دونَه، فلذلك جاء الرحمنُ ثانيًا()
لا سمِه الذی هو اللَّهُ .
وأما اسمُه الذى هو الرحيمُ، فقد ذكَرْنا أنه مما هو جائزٌ وصفُ غیرِه به،
والرحمةُ مِن صفاتِه جل ذكره ، فكان - إذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا - واقعًا مَواقِعَ
نعوتِ الأسماءِ اللواتى هن توابعُها، بعدَ تقدم الأسماءِ عليها .
(١) فى م: ((هو)).
(٢) فى ص، م: ((يقصد)).
(٣) فى م: ((خصوصية)).
(٤) سقط من: م.
(٥) فى ص: ((ثابتا)).
(٦) فى ر، ت ١: ((هو)).

١٣٤
تفسير البسملة
فهذا وجهُ تقديم اسم اللَّهِ الذى هو اللَّهُ، على اسمِه الذى هو الرحمنُ، واسمِه
الذى هو الرحمنُ، علی اسمِه الذی هو الرحیمُ .
وقد كان الحسنُ البصرىُّ يقولُ فى الرحمنِ مثلَ ما قلنا ، أنه مِن أسماءِ اللَّهِ التى
مُنِعِ التَّسَمِّىَ بها العبادُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، عن عوفٍ (١) ، عن
الحسنِ، قال: الرحمنُ اسم ممنوعٌ (٣).
مع أن فى إجماع الأمةِ مِن منعِ التَّسَمِّى به جميعَ الناسِ، ما يُغْنِى عن
الاسْتِشْهادِ على صحةٍ ما قلْنا فى ذلك بقولِ الحسنِ وغيرِه .
(١) فى ر: ((عون)). وينظر تهذيب الكمال ٤٣٧/٢٢.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٧/١ عن المصنف .

١٣٥
فاتحة الكتاب
القولُ فى تأويل فاتحةِ الكتابِ
﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: ومعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. الشكرُ للَّهِ خالصًا دونَ سائرِ ما يُعْبَدُ
مِن دونِه، ودونَ كلِّ ما برَأ(١) مِن خلقِه، بما(٢) أَنْعَم على عبادِهِ مِن النِّعَمِ التى لا
يُخْصِيها العددُ ، ولا يُحِيطُ بعددِها غيرُه أحدٌ، فى تصحيح الآلاتِ لطاعتِهِ ، وتَمْكينِ
جَوارح أجسامِ المكلَّفِين لأداءِ فَرائضِه، مع ما بسَط لهم فى دُنْياهم مِن الرزقِ ،
وغذَاهم به مِن نعيم العيشِ، مِن غيرِ اسْتِحْقاقٍ منهم ذلكُ عليه، ومع ما نبَّهَهم
عليه ودعاهم إليه، مِن الأسبابِ المُؤَدِّيةِ إلى دَوامِ الخُلُودِ فى دارِ المُقَامِ فى النعيمِ المُقُيِمِ،
فلربّنا الحمدُ على ذلك كلِّه أولًا وآخرًا .
وبما ذكَرْنا مِن تأويلِ قولٍ ربِّنا جلّ ثناؤُه وتقَدَّسَت أسماؤه: ﴿الْحَمْدُ
لِلَّهِ ﴾. جاء الخبرُ عن ابنِ عباسٍ وغيرِه.
/ حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ (٥)، قال: حدَّثنا ٦٠/١
بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ ،
قال: قال جبريلُ لمحمدٍ: قلْ يا محمدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال ابنُ عباسٍ :
(١) فى م: ((يُرى)).
(٢) فى ص: (( مما)).
(٣) فى م: ((لذلك)).
(٤) بعده فى م: ((عن)).
(٥) فى ص: ((سعد)). وتقدم على الصواب. وينظر تهذيب الكمال ٣٧٩/١٩.

١٣٦
فاتحة الكتاب
الحمدُ(١).
٥ ١) هو الشكر للَّهِ(٢)، والاسْتِخْذاءُ(٢) للَّهِ، والإقرارُ بنعمته وهدايته وابتدائِه ، وغیرِ
ذلك
(٤)
حدّثنی سعیدُ بنُ عمرو الشّکونُ ، قال : حدّثنا بقیةُ بنُ الوليد ، قال : حدّثنی
عيسى بنُ إبراهيمَ ، عن موسى بنِ أبي حَبيبٍ، عن الحكم بنِ عُمَيْرٍ، وكانت له
صحبةٌ ، قال: قال النبيُّ عَّ له: ((إِذا قُلْتَ: الحَمدُ للَّهِ رَبِّ العالِمِينَ. فقد شَكَوْتَ اللَّهَ
(٥)
فَزَادَك))(٥) .
قال : وقد قيل: إن قولَ القائل: الحَمدُ للَّهِ. ثناءٌ عليه بأسمائه وصفاتِه
الحسنَى. وقوله: الشكرُ للَّهِ. ثناءٌ عليه بنِعَمِه(١) وأيادِيه .
وقد رُوِى عن كعب الأحبارِ أنه قال: الحَمدُ للَّهِ ثناءُ(٧) اللَّهِ. ولم يُبَيِّنْ فى
الرواية عنه مِن أىِّ معنَى (٨) الثناءِ اللذين(٩) ذكَوْنا ذلك.
(١) بعده فى م، ت ٢: ((لله)).
(٢) سقط من : م .
(٣) فى ت ٢: ((الاسحى))، وفى ت ١: ((الاستحداء)). وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((الاستجداء)).
والاستخذاء: الخضوع . اللسان (خ ذا ) .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦/١ (٩) من طريق محمد بن العلاء به .
(٥) إسناده ضعيف جدا. ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٨/١ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١١/١ إلى الحاكم فى تاريخ نيسابور والديلمى. وقال أبو حاتم: الحكم بن عمير روى عن النبى سعد الله -
لا يذكر السماع ولا لقاء - أحاديث منكرة من رواية ابن أخيه موسى بن أبى حبيب، وهو شيخ ضعيف
الحديث ، ويروى عن موسى بن أبى حبيب عيسى بن إبراهيم ، وهو ذاهب الحديث ، روى هذه الأحاديث عن
عيسى بن إبراهيم بقية بن الوليد. ينظر الجرح ١٢٥/٣، والميزان ٤/ ٢٠٢.
(٦) فى ص، ت ١: ((بنعمته).
(٧) بعده فى م: ((على)).
(٨) فى م: ((معنى)).
(٩) فى ر، م: ((الذى)).
:

١٣٧
فاتحة الكتاب
حدَّثنا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّدَفىُ، قال: أَنْتَأْنا ابنُ وهبٍ ، قال: حدَّثنی
عمر١ُ) بنُ محمدٍ، عن سُهَيْلِ بنِ أبى صالح، عن أبيه ، قال: أخْبَرَنى السَّلولىُّ، عن
كعبٍ، قال: مَن قال [١٦/١ظ]: الحَمْدُ للَّهِ. فذلك ثناءٍ على اللَّهِ(١) .
حدَّثنى علىُّ بنُ الحسنِ الخَوَازُ(١) ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ عبدِ الرحمنِ الجَزْمىُّ،
قال : حدَّثنا محمدُ بنُ مُصْعَبِ القَرْقَسانىُّ، عن مُبارَكِ بنِ فَضالةَ ، عن الحسنِ، عن
الأسودِ بنِ سَرِيع، أن النبىَّ عَّهِ قال: ((ليس شيءٌ أَحَبَّ إليه الحَمْدُ مِن اللَّهِ تعالى،
ولذلك أَثْنَى على نَفْسِه فقال: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾))(6).
قال أبو جعفرٍ: ولا تَمَانُعَ بينَ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ مِن الحكم لقولِ القائلِ :
الحمدُ للَّهِ شكرًا. بالصحةِ، فقد تبَيَّن١ - إذا كان ذلك عندَ جميعهم صحيحًا -
أن الحمدَ(٧) قد يُنْطَقُ به فى موضع الشكرِ، وأن الشكرَ قد يُوضَعُ موضعَ الحمدِ؛ لأن
ذلك لو لم يكنْ كذلك، لما جاز أن يُقالَ: الحمدُ للَّهِ شكرًا. فيُخْرَجَ مِن قولِ القائلِ:
(١) فى ص: ((عمرو)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦/١ (١٠) من طريق سهيل به .
(٣) فى تاريخ بغداد ٣٧٤/١١، وتاريخ الإسلام ٤٠١/٢٠ (حوادث ووفيات ٢٦١ - ٢٨٠): ((الخزاز)).
بزايين. وينظر تهذيب الكمال ٣٤٢/١٤، ٢٦/ ٤٦١، والسير ١٨٤/١٣.
(٤) إسناده منقطع؛ الحسن لم يسمع من الأسود. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/١ إلى المصنف.
وأخرجه الطبرانى فى الكبير (٨٣٦) من طريق مبارك به دون آخره .
وأخرجه ابن سعد ٤٢/٧ من طريق آخر عن الحسن به نحوه .
والحديث - مقتصرا على أوله - عند أحمد ٣٥٢/٢٤ (١٥٥٨٦)، والبخارى فى الأدب المفرد (٨٥٩)،
والنسائى فى الكبرى (٧٧٤٥)، وغيرهم من طريق الحسن به .
(٥) بعده فى ر: ((سهو)).
(٦) فى ص: (( أن )) .
(٧) بعده فى م: (( لله)).

١٣٨
فاتحة الكتاب
الحَمْدُ للَّهِ. مُصدرَ ((أَشْكُرُ))؛ لأن الشكرَ لو لم يكنْ بمعنى الحمدِ، كان خطأ أن
يُصدرَ مِن الحمدِ غيرُ(١) معناه وغيرُ لفظِهِ(١) .
فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ إدخالِ الألفِ واللام فى الحمدِ؟ وهلًّا قيل: حمدًا
للَّهِ ربِّ العالمين؟
قيل : إن لدخولِ الألفِ واللامِ فى الحمدِ معنًى لا يُؤَدِّيه قولُ القائل: حمدًا
لَّهِ(٢) . بإسقاطِ الألفِ واللام، وذلك أن دخولَهما فى الحمدِ (٤ مُنْبِئٌ عن) أن
معناه : جميعُ المحامدِ والشكرُ الكاملُ للَّهِ. ولو أُشْقِطَتا منه ما دلَّ إلا على أن
حَمْدَ قائلِ ذلك للَّهِ دونَ المحامدِ كلِّها، إذ كان معنى قولِ القائل: حمدًا للهِ.
أو: "حمدٌ للَّهْ): أَحْمَدُ اللَّهَ حمدًا. وليس التأويلُ فى قولِ القائلِ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. تاليًا سورةَ أمّ القرآنِ: أحْمَدُ اللَّهَ . بل / التأويلُ فى ذلك ما وصَفْنا
قبلُ ، مِن أن جميعَ المَحَامدِ للَّهِ بأَلوهتِه وإنعامِه على خلقِه بما أنْعَمَ عليهم به مِن النِّعَمِ،
التى لا كِفاءَ() لها فى الدين والدنيا، والعاجلِ والآجِلِ.
٦١/١
ولذلك مِن المعنى تَتَابَعَت قراءةُ القرأةِ وعُلماءِ الأمةِ على رفع الحمدِ مِن:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. دونَ نصبِها الذى يُؤَدِّى إلى الدَّلالةِ على أن معنى
تاليه كذلك: أَحْمَدُ اللَّهَ حمدًا. ولو قرَأ قارئُ ذلك بالنصب(١) ، لكان عندى مُحِيلًا
(١) فى ص: ((عن)).
(٢) تقدم كلام المصنف على التصدير فى ص ١١٤، ١١٥ .
(٣) سقط من : م.
(٤ - ٤) فى م: ((مبنى على)).
(٥ - ٥) فى ص: ((حمدا للَّه ))، وفى م: ((حمد اللَّه)).
(٦) فى م: (( كفء)).
(٧) هى قراءة هارون العتكى ورؤبة وسفيان بن عيينة. ينظر البحر المحيط ١٨/١.

١٣٩
فاتحة الكتاب
معناه، ومُسْتَحِقًّا العقوبةَ على قراءتِه إياه كذلك، إذا تعَمَّد قراءته كذلك ، وهو عالمٌ
بخطئه وفسادٍ تأويله .
فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى قوله: ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؟ أحَمِد اللَّهُ نفسَه جل
ثناؤُه، فَأَثْنَى عليها، ثم عَلَّمَناه لنقولَ ذلك كما قال ووصَف به نفسَه؟ فإن كان
ذلك كذلك، فما وجهُ قولِه تعالى ذكرُه إذن: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾. وهو عزَّ ذكرُّه معبودٌ لا عابدٌ؟ أم(١) ذلك مِن قِيلٍ(٢) جبريلَ، أو محمدٍ
رسولِ اللَّهِ مَِّ؟ فقد بطَل أن يكونَ ذلك للَّهِ كلامًا .
قيل : بل ذلك كلُّه كلامُ اللَّهِ جل ثناؤه، ولكنه جل ذكره حمِد نفسَه وأثْنَى
عليها بما هو "له أهلٌ)، ثم علّم ذلك عباده، وفرض عليهم تلاوته ، اختبارًا منه لهم
وانتِلاءً، فقال لهم: قولوا: ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. وقولوا: ﴿إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فقولُه(٤): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. مما علَّمهم جل ذكرُه
أن يقولوه ويَدِينوا له بمعناه، وذلك موصولٌ بقوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ
اَلْعَلَمِينَ﴾. وكأنه قال : قولوا هذا وهذا.
فإن قال: وأين قولُه : قولوا . فيكونَ تأويلُ ذلك ما ادَّعَيْتَ؟
قيل: قد دلَّلْنا فيما مضى على (٥) أن العربَ مِن شأنِها إذا عَرَفَت مكانَ الكلمةِ ،
ولم تَشَكّكْ(٢) أن سامعَها يَعْرِفُ بما أَظْهَرَت مِن مَنْطِقِها ما حذَفَت - حَذْفُ مَا كَفَى
(١) فى ص: ((أمن)).
(٢) فى ص، ر: ((قبل)).
(٣ - ٣) فى ص، ت١: ((أهله)).
(٤) فى ص: ((فقولوا)).
(٥) سقط من : م.
(٦) فى م: (( تشك)).

١٤٠
فاتحة الكتاب
منه الظاهرُ مِن مَنْطِقِها، ولا سِيَّما إن كانت تلك الكلمةُ التى حُذِفَت قولًا أو
بتأويلٍ(١) قولٍ، كما قال الشاعرُ(٢) :
إذا سار النَّواعِجُ(٥) لا يَسِيرُ
وأعْلَمُ أننى سأكونُ(٣) رَمْتَا(٤)
فقال المُخْبِرون(٨) لهم وَزِيرُ
فقال السائلون(١) " لِمَن حفَرْتُم(٧)
قال أبو جعفرٍ: يُرِيدُ بذلك: فقال المُخْبِرون(٨) لهم: الميتُ وزيرٌ. فَأَسْقَط
الميتَ، إذ كان قد أتَى مِن الكلامِ بما يَدُلُّ على ذلك. وكذلك قولُ الآخرِ(٩):
(١) ورأيتِ زوْجَكِ فى الوَغَى (١) مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحًا
(١) فى م: ((تأويل)).
(٢) سيأتى البيتان فى تفسير الآية ٨٧ من سورة ((المؤمنون))، ونسبهما لبعض بنى عامر، وكذلك فى معانى
القرآن للفراء ١/ ١٧٠، وهما فى البيان والتبيين ١٨٤/٣ منسوبان للوزيرى.
(٣) فى م: ((لا أكون)).
(٤) الرمس: القبر إذا كان مستويا مع وجه الأرض. تاج العروس (رم س). وفى البيان والتبيين:
* وأعلم أننى سأصير ميتا *
(٥) فى ص: ((النوائح))، وفى معانى القرآن، والبيان والتبيين: ((النواجع)). والنواعج من الإبل: السراع،
وقد نعجت الإبل فى سيرها، بالفتح: أسرعت . اللسان (ن ع ج).
(٦) فى ص، ومعانى القرآن: ((السائرون)).
(٧ - ٧) فى البيان والتبيين: ((من المسجى)).
(٨) فى ر: ((المجمرون)).
(٩) البيت فى تأويل مشكل القرآن ص ١٦٥، ومعانى القرآن للفراء ١٢٣/٣، والكامل ٣٣٤/١، ٣٧١،
٢٧٥/٢ ونسبه فى نسخة منه لعبد الله بن الزبعرى .
(١٠ - ١٠) فى معانى القرآن :
* ولقيت زوجك فى الوغى *
وفى الكامل :
* يا ليت زوجك قد غداء