النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
مقدمة المصنّف
وبمثلِ ما جاءت به الروايةُ عن رسولِ اللَّهِ مَّمِ فى أسماءِ سُوَرِ القرآنِ التى
ذُكِرَت ، جاء شعرُ الشعراءِ، فقال بعضُهم (١) :
حلَفْتُ بالسبعِ اللَّواتى ◌ُوَّلَت
وبمِئِينَ بعدَها قد أُمْهِيَتْ
وبمَثانٍ ثُنِّيَت فِكُرِّرَت
وبالطَّواسِينِ (٣) التى(٣) قد تُلِّقَت
وبالحَوَامِيمِ اللَّواتى سُبْعَت(٤)
وبالُفَصَّلِ اللَّواتى فُصِّلَت
قال أبو جعفرٍ: وهذه الأبياتُ تَدُلَّ على صحةِ التأويلِ الذى تأوَّلْناه فى هذه
الأسماءِ .
وأما المُفَصَّلُ، فإنما(٥) سُمِّيَت مُفَصَّلًا؛ لكثرةِ الفصولِ التى بينَ سورِها
بـ (( بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ)).
ثم تُسَمَّى(٦) كلُّ سورةٍ مِن سورٍ(٧) القرآنِ سُورةً، وتُجْمَعُ سُوَرًا، على تقديرٍ
خُطبةٍ وخُطَبٍ ، وغُرفةٍ وَغُرَفٍ .
(١) الرجز غير منسوب فى مجاز القرآن ٧/١، واللسان (ط س م ).
(٢) فى مصدرى التخريج: ((بالطواسيم)). والطواسين والطواسيم هى طسم الشعراء، وطس النمل، وطسم
القصص .
(٣) سقط من : م.
(٤) الحواميم اللواتى سبعت : سبع سور، من سورة غافر إلى سورة الأحقاف ، كلها تبدأ بـ ((حم)).
(٥) فى م: ((فإنها)).
(٦) فی ر: ((يسم)).
(٧) سقط من: م.

١٠٢
مقدمة المصنّف
(١)
والسورةُ بغيرِ همزٍ: المنزلةُ مِن منازل الارتفاع، ومن ذلك شورُ المدينةِ ، سُمِّی"
بذلك الحائطُ الذى يَحْوِيها؛ لارتفاعِه على ما يَحْوِيه ، غيرَ أن الشُّورةَ مِن سُورِ المدينةِ
لم يُشْمَعْ فى جمعِها سُوَرٌ، كما سُمِع فى جمعِ سورةٍ مِن القرآنِ سورٌ، قال
العَجَّاجُ(١) فى جمعِ السورةِ مِنْ() البناءِ :
فِرُبَّ ذِى سُرادِقٍ(٤) مَخْجُورٍ
سُوتُ(٥) إليه فى أعالى الشُّورِ
فخرَج تقديرُ جمعِها على تقديرٍ جمع بُرَّةٍ وبُشرةٍ ؛ لأن " ذلك يُجْمَعُ بُوًّا
وُشرًا) ، و کذلك لم يُسمَغ فی جمع سورةٍ مِن القرآنِ شُورٌ، ولو مجمِعَت کذلك لم
يكن خطأً فى القياسِ إذا أُرِيد به جميعُ القرآنِ، وإنما ترَكوا - فيما يُرَى - جمعَه
كذلك؛ لأن كلَّ جمع كان بلفظِ الواحدِ الْمُذَكَّرِ ، مثلَ بُرُّ وشعيرِ وقَصَبٍ وما أشبه
ذلك، فإن جِماعَه(٨) (١) مَجْرى الواحد٩ِ) مِن الأشياءِ غيرِهِ؛ لأن حكمَ الواحدِ منه
منفردًا(١٠) قلَّما يُصابُ، فجرَى جِماعُه مَجْرَى الواحدِ مِن الأشياءِ ) غيرِه، ثم
(١) فی ر: (( تسمی )).
(٢) فى ر: ((الحجاج)). والرجز فى ديوان العجاج ص ٢٢٤.
(٣) سقط من: ر.
(٤) السرادق: كل ما أحاط بشىء نحو الشقة فى المضرب أو الحائط المشتمل على الشىء. اللسان (س ر د ق ).
(٥) شرتُ الحائط سَورا بالفتح وتسورته : علوته . التاج (س ور).
(٦) فى م: (( بتقدير)).
(٧ - ٧) فى م: ((جمع ذلك بر وبسر)).
(٨) فى م: ((جماعة)).
(٩ - ٩) فى م، ت ٢: ((كالواحد)).
(١٠) فى م: ((مفردا)).
(١١) سقط من: ر، ت ١.

١٠٣
مقدمة المصنّف
مُجُعِلَت الواحدةُ منه كالقطعةِ مِن جميعِه، فقيل: بُرَّةٌ وشَعِيرَةٌ وَقَصَبٌ . يُرادُ به
قطعةٌ منه، ولم تكنْ سُوَرُ القرآنِ موجودةٌ مجتمعةٌ اجتماعَ البرِّ والشعيرِ وسُورٍ
المدينةِ؛ بل كلُّ سورةٍ منها موجودةٌ منفردةٌ بنفسِها انفرادَ كلّ غرفةٍ مِن الغرفِ
وخطبةٍ مِن الخطبِ، فُجُعِل جمعُها جمعَ الغرفِ والخطبٍ ، المبنىّ جمعُها مِن
واحدِها .
ومِن الدَّلالةِ على أن معنى الشُّورةِ المنزلةُ مِن الارتفاع قولُ نابغةِ بنى ذُنِيانَ (١) :
ألم تَرَ أن اللَّهَ أعطاك سُورةً تَرَى كلَّ مَلْكِ دونَها يَتَذَبْذَبُ
يعنى بذلك أن اللَّهَ أعطاه منزلةً مِن مَنازلٍ الشرفِ التى قصَرت عنها منازلُ
الملوكِ .
وقد هَمز بعضُهم السورةَ مِن القرآنِ ، وتأويلُها فى لغةٍ من(٢) همَزَها، القطعةُ
التى قد أَفْضِلَت مِن القرآنِ عمّا / سواها وأَبْقِيَت ، وذلك أن سُؤْرَ كلِّ شيءٍ البقيةُ منه ٤٧/١
تَبْقَى بعدَ الذى يُؤْخَذُ منه، ولذلك سُمِّيَت الفَضْلَةُ مِن شرابِ الرجلِ يَشْرَبُه ثم
يُفْضِلُها فيتقِيها فى الإناء: سُؤْرًا. ومِن ذلك قولُ أَغْشَى بنى ثعلبةَ يَصِفُ امرأةً فارقَتْه
فأبْقَت فى قلبِهِ مِن وَجْدِها بقيةً(٢) :
دِ صَدْعًا على نأْيِها مُسْتَطِيرًا
فبانَت وقد أشْأَرَت فى الفؤا
وقال الأُغْشَى فى مثلٍ ذلك(٤):
(١) ديوانه ص ٧٨ ..
(٢) سقط من: م.
(٣) ديوان الأعشى ص ٩٣.
(٤) ديوانه ص ١٠١.

١٠٤
مقدمة المصنّف
بعدَ اثْتِلافٍ وخيرُ الوُدِّ ما نفَعا
بانت وقد أشارت فى النفسِ حاجتها
وأما الآيةُ مِن آي (١) القرآنِ فإنها تَحْتَمِلُ وجهَيْن فى كلامِ العربِ ؛
أحدُهما : أن تكون سُمِّيت آيةً ؛ لأنها علامةٌ يُعْرَفُ بها تمامُ ما قبلَها وابتداؤها ،
كالآيةِ التى تكونُ دَلالةً على الشىءِ يُسْتَدَلُّ بها عليه، كقول الشاعر :
أَلِكْنى إليها عَمْرَكُ اللَّهَ يا فَتَى
بآيةٍ ما جاءت إلينا تَهادَيا(٣)
يعنى: بعلامةِ ذلك. ومنه قولُه جلّ ثناؤه: ﴿ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ
تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا وَءَايَّةً مِّنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤]. يغنى بذلك":
علامةً منك لإِجابتِك دُعاءَنا وإِعْطائِك إيانا سُؤْلَنا .
والآخرُ منهما : القِصَّةُ، كما قال كعبُ بنُ زُهَيْرِ بنِ أبى سُلْمَى (٥):
أَيَقْظانَ قال القولَ إذ قال أم حَلَمْ
ألا أبْلِغا (٢) هذا المُعَرِّضَ آيَةٌ (٧).
يعنى بقولِه : آيةً: رسالةٌ منى وخبرًا عنى. فيكونُ معنى الآياتِ القِصَصَ، قصةٌ
تَتْلُو قصةً ، بقُصول ووصولٍ .
(١) سقط من: م .
(٢) هو سحيم عبد بنى الحسحاس، والبيت فى ديوانه ص ١٩.
(٣) التهادى : المشى فى تمايل وسكون . اللسان (هـ دى).
(٤ - ٤) فى م: ((أى)).
(٥) ديوانه ص ٦٤.
(٦) فى م: ((بلغا)).
(٧) فى الديوان: ((أنه)). وورد على الصواب فى طبقات فحول الشعراء ١٠٦/١. وقال الشيخ محمود
شاكر: والآية بمعنى الرسالة لم تذكره كتب اللغة ، ولكن شواهده لا تعد كثرة . ثم ساق الشواهد على ذلك
من الشعر. وينظر تفسير الطبرى بتحقيقه .

١٠٥
مقدمة المصنّف
القولُ فى تأويل أسماءِ فاتحةِ الكتابِ
قال أبو جعفرٍ: صحَّ الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ مَِّه بما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ
الأعلى ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، قال: أَخْبَرَنى ابنُ أبى ذئبٍ، عن سعيدِ المَقَبُرىِّ،
عن أبى هريرةَ، عن رسولِ اللهِ وَمِ، [١٣/١ و] قال: ((هى أَمُّ القُرآنِ، وهى فاتحَةٌ
الكِتابِ ، وهى السَّبْعُ الَثَانِى)).
فهذه أسماءُ فاتحة الكتاب .
وسُمِّيَت فاتحةَ الكتابِ لأنه (١) يُفْتَتَحُ بكتابتها المصاحِفُ، (" وبقراءتِها٢
الصلواتُ(٣)، فهى فَوائحُ لَما يَتْلُوها مِن سُورِ القرآنِ فى الكتابِ(٤) والقراءةِ .
وسُمِّيَت أمّ القرآنِ لتقدُّمِها(٢) على سائرٍ سُوَرِ القرآنِ غيرِها وتأخّرٍ ما سواها
خلفَها فى القراءة والكتابةِ . وذلك مِن معناها شبيةٌ بمعنى فاتحة الكتابِ ، وإنما قيل
لها - لكونها كذلك - : أمّ القرآنِ؛ لتسميةِ العربِ كلَّ جامع أمرًا أو مُقَدِّمٍ لأمرٍ ، إذا
كانت له توابعُ تَتْبَعُه، هو لها إِمام جامعٌ، أُمَّا ، فتقولُ للجلدةِ التى تَجْمَعُ الدِّماغَ: أمّ
الرأسِ. وتُسَمِّى ١) لِواءَ الجيشِ ورايتَهم التى يَجْتَمِعون تحتَها للجيشِ أمّا، ومِن ذلك
قولُ ذى الرُّمَّةِ يَصِفُ رايةٌ مَعْقودةً على قناةٍ يَجْتَمِعُ تحتَها هو وصحيُه(٧):
(١) فى م، ت ٢: ((لأنها)) .
(٢ - ٢) فى م: ((ويقرأ بها فى)).
(٣) فى ت ٣: ((الصلاة)).
(٤) فى م: ((الكتابة)).
(٥) فى ص، ر: ((لتقدمتها)).
(٦) فى ر: ((نسم)).
(٧) ديوان ذى الرمة ٣/ ١٤٤٥، ١٤٤٦.

١٠٦
مقدمة المصنّف
خفيفِ الثيابِ لا تُوارِى له أَزْرًا(١)
وأسْمَرَ قَوَّامٍ إذا نام صُحْبَتى
٤٨/١
جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِى لها أمرًا
/على رأسِه أمّ لنا نَقْتَدِى بها
غدَت ذاتَ (بِرزيقٍ تَخالُ) بها فَخْرَا
إذا نزَلَت قيل انْزِلوا وإذا غدَت
يعنى بقولِه: على رأسِه أمّ لنا. أى: على رأسِ الرمح رايةٌ يَجْتَمِعون لها فى
النزولِ والرّحيلِ وعندَ لقاءِ العدوّ.
وقد قيل : إن مكةَ سُمِّيَت أمَّ القُرَى لتقدمِها أمامَ جميعِها ، وجمعِها ما سواها .
وقيل: إنما سُمِّيَت بذلك؛ لأن الأرضَ دُحِيَت منها، فصارت لجميعِها أمّا . ومِن
ذلك قولُ مُحُميدٍ بِنِ ثَوْرِ الهِلالىٌ(٣) :
إذا كانت «الخمسون أُمَك" لم يكن
لدائِك إلا أن تُمُوتَ طَبِيبُ
لأن الخمسين جامعةٌ ما دونها مِن العددِ ، فسمَّاها أمّا للذى قد بلَغها.
وأما تأويلُ اسمِها أنها السبعُ، فإنها سبعُ آياتٍ ، لا خلافَ بينَ الجميعِ مِن
القراءِ والعلماءِ فى ذلك، وإنما اخْتَلَفوا فى الآي التى صارت بها سبعَ آياتٍ .
(١) الأَزْر: الظهر. اللسان (أزر).
(٢ - ٢) فى م: (( تزريق ننال)).
والبرزيق؛ والجمع البرازيق، فارسى معرب: جماعات الناس، وقيل: جماعات الخيل، وقيل: هم
الفرسان . اللسان ( ب رز ق ).
(٣) البيت ليس لحميد بن ثور وإنما هو لأبى محمد التيمى عبد الله بن أيوب، ترجمته فى الأغانى ٢٠/ ٤٤.
والبيت فى البيان والتبيين ١٩٥/٣، ومجموعة المعانى ص ١٢٤، وبهجة المجالس ٢/ ٢٣٤، ونسب فيها
للتيمى، ونسبه فى محاضرات الأدباء لأبى محمد التميمى ١٤٩/٢، ووقع فى عيون الأخبار ٣٢٢/٢ أنه
للحجاج بن یوسف التيمى .
(٤ - ٤) فى البيان والتبيين، ومجموعة المعانى، وبهجة المجالس، وعيون الأخبار: ((السبعون سنك))، وفى
محاضرات الأدباء: ((الستون سنك)).

١٠٧
مقدمة المصنّف
فقال عُظْمُ(١) أهلِ الكوفةِ: صارت سبعَ آياتٍ، بـ ﴿يِسْمِ اللَّهِ الرَّحْيِ
الْحَيَةِ﴾. ورُوِى ذلك عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ عَه والتابعين.
وقال آخرون: بلُ(١) هى سبعُ آياتٍ، وليس منهن: ﴿يَسْمِ اللَّهِ
الَّهَِ الْحَيَةِ﴾. ولكن السابعةُ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وذلك قولُ مُظْمٍ
قرأةِ أهلِ المدينةِ ومُتَفقِّهيهم(٣) .
قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّا الصوابَ مِن القولِ عندَنا فى ذلك فى كتابنا ((اللطيف
فى أحكامٍ شرائعِ الإسلامِ))، بوَجيزٍ مِن القولِ، وسنَسْتَقْصِی بیانَ ذلك بحكايةِ
أقوالِ المختلفين فيه مِن الصحابة والتابعين والمتقَدِّمِين والمتأخّرِين فى كتابِنا الأكبرِ
((فى(٤) أحكامٍ شرائعِ الإسلامِ)) إنِ اللَّهُ شاء ذلك .
وأما وصفُ النبيِّ عَلِ آياتِها السبعَ بأنهن مَثانٍ ؛ فلأنها تُثَنَّى قراءتُها فى كلِّ
صلاةٍ تَطَوَّعِ ومكتوبةٍ، وكذلك كان الحسنُ البصرىُّ يَتَأوَّلُ ذلك .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رَجاءٍ ، قال: سأَلْتُ
الحسنَ عن قوله: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].
قال: هى فاتحةُ الكتابِ. ثم سُئِل عنها وأنا أَسْمَعُ، فقرَأها: ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَمِينَ﴾. حتى أتَى على آخرِها، فقال: تُثَنَّى فى كلِّ قراءةٍ. أو قال: فى كلِّ
صلاةٍ . الشكُّ مِن أبى جعفرٍ .
(١) فى م: ((أعظم)). وعظم الشىء ومعظمه: جله وأكثره. اللسان (ع ظ م ).
(٢) سقط من : م.
(٣) فى ص: (متقنيهم)).
(٤) فى ر، ت١: ((من)).

١٠٨
مقدمة المصنّف
والمعنى الذى قلْنا فى ذلك قصَد أبو النَّجْم العِجْلىُ بقوله (١):
الحمدُ للَّهِ الذى عافانى
وكلَّ خيرٍ بعدَه أعطانى
مِن القُرَانِ ومِن المَثَانِىِ(٢)
وكذلك قولُ الراجِ الآخرِ "الذى يقولُ»:
نشَدْتُكُم بِمُنْزِلِ الفُرقانِ
أمّ الكتابِ السبعِ مِن مَثانى
ثُنِّينَ(٤) مِن آي مِن القرآنِ
والسبعِ سبعِ الُوَلِ الدَّوانى
وليس فى وجوبٍ ) اسم السبع المثانى لفاتحةِ الكتابِ ما يَدْفَعُ صحةً وجوبٍ(١)
٤٩/١ اسم المثانى للقرآنِ كلّه،/ ولِمَا ثنَّى المئِين مِن الشُّورِ؛ لأَنَّ لكلِّ ذلك وجهًا ومعنّی
مفهومًا ، لا يَفْسُدُ بتسميةِ بعضِ ذلك بالمثانى تسميةُ غيرِهِ بها .
فأما وجهُ تسميةِ ما ثنَّى المئينَ مِن سورِ القرآنِ بالمثانى، فقد بيَّنا صحته ،
وسنَدُلُّ على صحةِ وجهٍ تسميةٍ جميع القرآنِ به عندَ انتهائِنا إليه، فى سورةِ ((الزُّمَرِ))
إن شاء اللَّهُ تعالى.
(١) مجاز القرآن ٧/١، واللسان (ث ن ی)، من غير نسبة.
(٢) فى مجاز القرآن واللسان :
* رب المثانى الآى والقرآن *
وفى اللسان: ((مثانى)). بدلا من: ((المثانى)).
(٣ - ٣) سقط من: م. والرجز فى مجاز القرآن ٧/١.
(٤) فى م: ( تبين)).
(٥) فى ص، ت ٢: ((وجوه))، وفى م: ((وجود)).
(٦) فى م: ((وجود)).

١٠٩
تفسير الاستعاذة
القولُ فى تأويل الاستعاذةِ
تأويلُ قولِه: ((أعُوذُ)).
والاستعاذةُ الاستجارةُ .
وتأويلُ قولِ القائل: ((أعُوذُ باللَّهِ مِن الشيطانِ)): أُسْتَجِيرُ باللَّهِ دونَ غيرِهِ مِن
سائرٍ خلقِهِ، مِن الشيطانِ، أن يَضُرَّنى فى دينى، أو يَصُدَّنى عن حقٍّ يَلْزَمُنى لربِّى .
تأويلُ قولِه: ((مِن الشيطانِ)). والشيطانُ فى كلام العربِ كلُّ مُتَمَرِّدٍ مِن الجنِّ
والإنسِ والدّوابِّ وكلٌّ شىءٍ. ولذلك(١) قال ربنا جلّ ثناؤه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ
نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. فجعَل مِن الإنسِ شياطينَ مثلَ
الذى جعَل مِن الجنِّ .
وقال عمرُ بنُ الخطابِ رحمةُ اللَّهِ عليه، وركِب پِوَذَوْنًا(١) فجعَل يَتَخْتَرُ به ،
فجعَل يَضْرِبُه فلا يَزْدادُ إِلا تَبَخْتُرًا، فنزَل عنه ، وقال: ما حمَلْتُمونى إلا على شيطانٍ ،
ما نزَلْتُ عنه حتى أنْكَوْتُ نفسى .
حدَّثنا بذلك يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرَنى
هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ ، عن أبيه ، عن عمرَ (١).
قال أبو جعفرٍ : وإِنما سُمِّى المتُمَرِّدُ مِن كلِّ شىءٍ شيطانًا؛ لمفارقةِ أخلاقِه وأفعالِه
أخلاقَ سائرٍ جنسِه وأفعالَه، وبُعدِه مِن الخيرِ. وقد قيل: إنه أُخِذ مِن قولِ القائل:
(١) فى م: ((كذلك)).
(٢) البرذون من الخيل: ما ليس بعربى، وهو العظيم الخلقة الجافيها الغليظ الأعضاء. تاج العروس ( برذن ).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣١/١ عن ابن وهب به . وقال: إسناده صحيح. وينظر مصنف ابن أبى شيبة
٢٧٨/١٣، وتاريخ دمشق (ص ٢٦١ - ترجمة عمر)، طبعة الرسالة .
.

١١٠
تفسير الاستعاذة
شطّنَت دارِى مِن دارِك . يُريدُ بذلك: بَعُدَت. ومِن ذلك [١٣/١ظ] قولُ نابغةٍ بنى
ذُثْيانَ(١):
فبانَت والفؤادُ بها رَهينُ
نأَتْ بسعادَ عنكَ نَوَّى شَطُونُ
والتَّوَى: الوجهُ الذى نوَتْه وقصَدَتْه . والشَّطونُ: البعيدُ . فكأن الشيطانَ على
هذا التأويل فَيْعَالٌ مِن: شَطَن. ومما يَدُلُّ على أن ذلك كذلك قولُ أميةَ بنِ أبى
الصَّلْتِ(٣):
أَّمَا شاطِنٍ عَصَاه عَكاه (٣). ثم يُلْقَى فى السّجْنِ والأكْبالِ(٤)
ولو كان فَعْلانَ مِن: شاط يَشِيطُ لَقَال: أَيُّمَا شائطٍ. ولكنه قال: أَيُّمَا
شاطنٍ ؛ لأنه مِن : شَطَن يَشْطُنُ، فهو شاطئٌّ .
تأويلُ قولِه: ((الرَّجِيمِ)).
وأما الرجيمُ فهو فَعيلٌ بمعنى مفعولٍ (٥)، كقولِ القائلِ: كفِّ خَضِيبٌ،
ولحيةٌ دَهيٌ، ورجلٌ لَعينٌ. يريدُ بذلك: مخضوبةٌ، ومدهونةٌ، وملعونٌ. وتأويلُ
الرجيم : الملعونُ المشْتومُ. وكلَّ مَشْتومٍ بقولٍ رَدىءٍ أو سبِّ فهو مَرْجُومٌ. وأصلُ
الرجمِ الرَّمْىُ، بقولٍ كان أو بفعلٍ. ومِن / الرجم بالقولِ: قولُ أبى إبراهيمَ
لإبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه: ﴿لَيِنِ لَّمْ تَنْتَّهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦].
٥٠/١
وقد يجوزُ أن يكونَ قيل للشيطانِ: رجيم؛ لأن اللّهَ جلّ ثناؤه طرَدَه مِن
سماواتِهِ ، ورجَمه بالشُّهُبِ الثَّواقبِ .
(١) ديوانه ص ٢٥٦ .
(٢) ديوانه ص ٦٤.
(٣) عكوته فى الحديد والوثاق عكوا : شددته . اللسان ( ع ك و).
(٤) فى الديوان: ((الأغلال))، وفى نسخة منه ((الأكبال))، وهما بمعنى.
(٥) فى ص، ت١، ت٢: (( به).

١١١
تفسير البسملة
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ أن أولَ ما نزَل جبريلُ على النبيِّ عَ لَمِ عِلَّمه
الاستعاذةً() .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ،
قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ ، عن الضَّحَّاكِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، قال: أولُ ما نزَل
جبريلُ على محمدٍ قال: يا محمدُ استعِذْ(١) ، قُلْ: أَسْتَعِيذُ بالسميعِ العليمِ مِن
الشيطانِ الرجيم . ثم قال: قُلْ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ
الَّذِى خَلَقَ﴾ [ العلق: ١]. قال عبدُ اللَّهِ: وهى أولُ سورةٍ أنزلها اللَّهُ على محمدٍ بلسانٍ
جبريلَ، فَأَمَرِه أن يَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ دونَ خَلْقِهُ(١).
القولُ فى تأويلٍ: ﴿يَسْمِ اللّهِ الرََّ الرَ
القولُ فى تأويلٍ قوله(٢): ﴿يَسْمِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: إن الله تعالى ذكرُه وتقدَّست أسماؤُه أدَّب نبيَّه محمدًا عَظاته
بتعليمِه تقديمَ ذكرٍ أسمائِهِ الحُسْنَى أمامَ جميع أفعالِه ، وتقَدَّم إليه فى وَصِفِه بها قبلَ
جميعِ مُهِمَّاتِه، وجعَل ما أدَّبه به مِن ذلك وعلَّمه إياه، منه لجميع خلقِه سُنَّةُ
يَسْتَنُّون بها ، وسبيلًا يَتَبِعونه عليها، فى ١١ افتتاح أوائلٍ مَنْطِقِهم، وصدورٍ رسائلهم
وكتبِهم وحاجاتِهم، حتى أغْنَت دلالةُ ما ظهَر مِن قولِ القائلِ: ﴿يِسْمِ
(١ - ١) فى ص: ((مَالِ بالاستعاذة)).
(٢) سقط من: م، ت ٢ .
(٣) ذكره السيوطى فى تدريب الراوى ٦٢/١ عن بشر بن عمارة، وعزاه إلى المصنف.
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦،٢٥/١ (١، ٤، ٦)، والواحدى فى أسباب النزول ص ١٠ من طريق
أبی کریب به .
وقال ابن كثير فى تفسيره ٢٩/١: وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف، فإن فى إسناده ضعفا وانقطاعا.
(٤) فى ص، ت ٢: ((فيه)).

١١٢
تفسير البسملة
اَللَِّ ﴾. على ما بطَن مِن مرادِه الذى هو محذوفٌ .
وذلك أن الباءَ مِن: ﴿ يِسْمِ اللَّهِ﴾. مُقْتَضِيةٌ فعلًا يكونُ لها جالبًا،
ولا فعلَ معها ظاهرٌ، فأغْنَت سامعَ القائلِ: ﴿يِسْمِ اللَّهِ﴾. معرفتُه بمرادِ
قائلِهِ من إظهارٍ قائلٍ ذلك مُرادَه قولًا؛ إذ كان كلُّ ناطقٍ به عندَ افتتاحِه أمرًا قد
أخْضَر مَنْطِقَه به - إِمَّا معه، وإمَّا قبلَه بلا فصلٍ - ما قد أغْنَى سامِعَه مِن دَلالةٍ
شاهدةٍ على الذى مِن أجلِهِ افْتَتَح قِيلَه به، فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن
إظهارٍ ما حذَف منه، نظيرَ استغنائه إذا سمِع قائلًا قيل له: ما أُكَلْتَ اليومَ؟
فقال: طعامًا. عن أن يُكَرِّرَ المسئولُ مع قولِه: طعامًا: أكَلْتُ. لما قد ظهَر لديه
مِن الدلالةِ على أن ذلك معناه بتقدُّمِ مسألةِ السائلِ إياه عما أكَل. فمعقولٌ إِذن
ـَةٍ﴾. ثم افْتَتَح تالیًا
أن(١) القائلَ إذا قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرََّرِ أ
تلاوة السورةِ ،
سورةٌ، أن إتْباعَه: ﴿يَسْمِ اللَّهِ الرََِّ الرَّ
ـيَّةِ﴾. ومفهومٌ به
مُنْبِئٌ(١) عن معنى قوله: ﴿يِسْمِ اللَّهِ الََِّ آَلـ
أنه مُرِيدٌ بذلك: أقْرأُ بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. وكذلك قولُه: باسمِ اللَّهِ . عندَ
نُهوضِه للقيامِ أو عندَ قعودِه وسائرٍ أفعالِهِ، يُشْبِئُ (٣) عن معنى مرادِه بقولِه: باسم
اللَّهِ . وأنه أراد بقِيلِه: باسم اللهِ: أَقُومُ باسمِ اللَّهِ، وأَقْعُدُ باسمِ اللَّهِ. وكذلك
سائرُ الأفعالِ .
وهذا الذى قلْنا فى تأويلٍ ذلك هو معنى قولِ ابنِ عباسٍ الذى حدَّثنا به أبو
كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، قال: حدَّثنا أبو
(١) بعده فى م: ((قول)) .
(٢) فى ص، ر، ت ١: ((مبنى)) وفى م: ((ينبئ)).
(٣) فی ص: ((یکنی)). وفی ر: (( تنبئ).

١١٣
تفسير البسملة
رَوْقٍ ، عن الضَّحّاكِ، عن عبدِ اللهِ بنِ / عباسٍ قال: إن أولَ ما نزَل به جبريلُ على ٥١/١
محمدٍ عَِّ، قال: يا محمدُ، قُلْ: أَسْتَعِيذُ بالسميع العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ . ثم
قال: قُلْ : بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال: قال له جبريلُ(١): بسمِ اللهِ يا محمدُ.
يقولُ: اقْرَأْ بذكرِ اللَّهِ رَبِّك، وقمْ وافْعُدْ بذكرِ اللَّهِ.
قال أبو جعفرٍ: فإن قال لنا قائلٌ: فإن كان تأويلُ قولِ اللَّهِ: ﴿يِسْمِ
اللَّهِ﴾. ما وصَفْتَ، والجالبُ الباءَ فى: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ﴾. ما ذكرتَ، فكيف
قيل: ﴿يِسْمِ الَهِ﴾. بمعنى: أَقْرَأُ باسمِ اللَّهِ. أو: أَقُومُ (" باسمِ اللَّهِ)). أو:
أَقْعُدُ باسم اللهِ؟ وقد علمتَ أن كلَّ قارئٍّ كتابَ اللَّهِ ، فبعونِ اللَّهِ وتوفيقِه قراءتُه ، وأن
كلّ قائم أو قاعدٍ أو فاعلٍ فعلًا ، فباللَّهِ قيامُه وقعودُه وفعلُه؟ وهلَّا - إذ كان ذلك
كذلك - قيل: باللّهِ الرحمن الرحيم. ولم يُقَلْ: ﴿يِسْمِ اللَّهِ﴾. فإن قولَ
القائلِ: أَقُومُ وأقْعُدُ باللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ . أو: أَقْرَأُ باللّهِ. أوضحُ معنًى لسامعِه مِن
قولِهِ: ﴿يِسْمِ اللَّهِ﴾. إذ كان قولُه: أَقُومُ، أو(٣) : أَقْعُدُ باسمِ اللَّهِ. يُوهِمُ
سامعَه أن قيامَه وقعودَه بمعنَى غيرِ اللَّهِ .
قيل له وباللّهِ التوفيقُ: إن المقصودَ إليه مِن معنى ذلك غيرُ ما توقَّمْتَه فى
نفسِك، وإنما معنى قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: أبْدَأُ بتسميةِ اللَّهِ وذِكْرِه قبلَ كلِّ
شىءٍ . أو : أقْرَأُ بتسميته(٤). أو: أَقُومُ وأَقْعُدُ بتَشْميتِى اللَّهَ وذكرِه. (°لا أنهْ) يعنى
(١) بعده فى م: ((قل)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى م: (( و)).
(٤) فى ر، م: ((بتسمية الله)).
(٥ - ٥) فى ص: ((إلا أنه))، وفى ر: ((لأنه)).
( تفسير الطبرى ٨/١ )

١١٤
تفسير البسملة
بقيله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: أَقُومُ باللَّهِ. أو: أَقْرَأُ باللَّهِ. فِيَكُونَ قولُ القائلِ: اقْرَأُ
باللَّهِ . أو: أقومُ. أو: أقعدُ باللَّهِ. أولى بوجهِ الصوابِ فى ذلك مِن قوله:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ﴾.
فإن قال: فإن كان الأمرُ فى ذلك على ما وصَفْتَ، فكيف قيل: ﴿يِسِيدٍ
اٌللَّهِ﴾. وقد علمتَ أن الاسمَ اسمٌ، وأن التسميةَ مصدرٌ [١٤/١ و] مِن قولِك:
سمَّيت ؟ .
قيل : إن العربَ قد تُخْرِجُ المصادرَ مُبْهَمةٌ على أسماءٍ مختلفةٍ، كقولهم:
أكرَمْتُ فلانًا كرامةً . وإنما بناءُ مصدرٍ ((أفعلتُ)) - إذا أُخْرِج على فعلِه - الإفعالُ.
وكقولهم: أهَنْتُ فلانًا هَوانًا، وكلَّمْتُه كلامًا. وبناءُ مصدرٍ ((فَلْتُ)) التَّفْعيلُ.
ومن ذلك قولُ الشاعرٍ (١) :
وبعدَ عطائِك المائةَ الرّتاعا
أكُفْرًا بعدَ ردِّ الموتِ عنى
يريدُ : إعطاءَك .
ومنه قولُ القائلِ (٢) الآخرِ:
فإن كان هذا البُخْلُ منك سَجِيَّةً
يريد: فى (٢) إطالتى رجاءَك .
لقد كنتُ فى طُولِى رجاءِك أُشْعَبا
ومنه قولُ الآخرِ(٤) :
(١) هو القطامى، والبيت فى ديوانه ص ٣٧.
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢. والبيت فى التبيان للطوسى ١/ ٢٦. وأشعب هو الذى يضرب به المثل
فى الطمع .
(٣) سقط من: ص.
(٤) هو الحارث بن خالد المخزومى. ينظر الأغانى ٢٢٦/٩، ٢٣٤، ٢٣٥. والبيت غير منسوب فى أمالى .
الشجرى ١٠٧/١.

١١٥
تفسير البسملة
أُهْدَى السلامَ تحيةً ظُلْمُ
أَظْلَئِمَ(١) إن مُصابَكم رجلًا
يُرِيدُ : إصابتكم .
والشواهدُ فى هذا المعنى تَكْثُرُ، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه.
فإذ(٢) كان "الأمرُ على ما) وصَفْنا مِن إخراج العربِ مصادرَ الأفعالِ
على غيرِ بناءٍ أفعالِها (*) كثيرًا، وكان تصديرُها إياها على مَخارج الأسماءِ
موجودًا فاشيًا - فبَيِّنٌ() بذلك صوابُ ما قلْنا مِن التأويلِ فى قولِ القائلِ
﴿ بِسْمِ اللَّهِ﴾. أن(١) معناه فى ذلك عندَ ابتدائِه فى فعل أو قولٍ: أَبْدَأَ بتسميةٍ
اللَّهِ قبلَ فعلى أو قبلَ قولى ، وكذلك معنى قولِ القائلِ عندَ ابتدائِه بتلاوةِ القرآنِ :
ـٌ﴾. إنما معناه: أَقْرَأْ / مُبْتَدئًا بتسميةِ اللَّهِ. ٥٢/١
﴿ يَسْمِ اللّهِ الََِّ الرَّ
أو : أبْتَدِئُ قراءتى بتسميةِ اللَّهِ. فجُعِل الاسمُ مكانَ التسميةِ، كما جُعِل
الكلامُ مكانَ التكليم، والعطاءُ مكانَ الإِعْطاءِ .
وبمثلِ الذى قلْنا مِن التأويلِ فى ذلك رُوِى الخبرُ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، حدَّثنا
أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدّثنا
أبو رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، قال: أولُ ما نزلَ به (٢) جبريلُ على
محمدٍ عٍَّ، قال: يا محمدُ ، قُلْ: أُسْتَعِيذُ بالسميع العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ . ثم
(١) فى م: ((أظلوم)).
(٢) فى ص: ((فإن))، وفى م: ((فإذا)).
(٣ - ٣) فى ص: (( كما)).
(٤) فى ص: ((أفعل لها)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢: ((تبين).
(٦) سقط من : ت ٢ .
(٧) سقط من: ر، م، ت ٢.

٠
١١٦
تفسير البسملة
قال: قُلْ: بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيم. قال ابنُ عباسٍ: ﴿يِسْمِ اللَّهِ﴾. يقولُ
له جبريلُ: يا محمدُ، اقْرأْ بذكرِ اللَّهِ ربِّك، وقُمْ واقْعُدْ بذكرِ اللَّهِ.
وهذا التأويلُ مِن ابنِ عباسٍ يُنْبِئُ عن صحةٍ ما قلنا، مِن أنه مُرادٌ (١)
بقولِ القائلِ مُفْتَتِحًا قراءته بـ: ﴿يِسْمِ اللَّهِ الََّرِ الرَّحَةِ﴾. أَقْرَأْ
بتسميةِ اللَّهِ وذكرِهِ، وأفْتِحُ القراءةَ بتسميةِ اللَّهِ بأسمائه الحسنى وصفاتِه
العُلَى - ويُوضِّحُ(٢) فسادَ قولِ مَن زعَم أن معنى ذلك مِن قائلِه: بِاللَّهِ
الرحمن الرحيمِ أولُ(٣) كلِّ شىءٍ. مع أن العبادَ إنما أُمِروا أن يَتَدِئوا عندَ
فَواتح أمورِهم بتسميةِ اللَّهِ، لا بالخبرِ عن عظمته وصفاتِه، كالذى أُمِرِوا به
مِن التسميةِ على الذَّبائحِ والصيدِ، وعندَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، وسائرٍ أفعالِهم.
فكذلك الذى أُمِروا به مِن تسميتِهِ عندَ افْتِتاح تلاوةِ تَنْزِيلِ اللّهِ، وصدور
رسائلهم وكتبهم .
ولا خلافَ بينَ الجميع مِن علماء الأمةِ أن قائلًا لو قال عندَ تذكيتِه بعضَ
يَهائمِ الأنعامِ: باللّهِ. ولم يقلْ: باسم اللهِ. أنه مُخالفٌ بتركِه قيلَ: باسمِ
اللَّهِ. ما سُنّ له عندَ التذكيةِ من القولِ، فقد عُلم بذلك أنه لم يُرِدْ بقولِه:
باسم اللهِ: باللّهِ. كما قال الزاعم أن اسمَ اللَّه فى قولِ اللَّهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ
بَيِ﴾. هو اللَّهُ؛ لأن ذلك لو كان كما زعَم، لَوجَب أن
يكونَ القائلُ عندَ تذكيتِهِ ذبيحته: باللَّهِ. قائلًا ما سُنَّ له مِن القول على
(١) فى م: ((يراد)).
(٢) سقط من : م.
(٣) فى م: ((فى)).

١١٧
تفسير البسملة
الذَّبيحةِ . وفى إجماع الجميع على أن قائلَ ذلك تاركٌ ما سُنَّ له مِن القولِ على
ذبيحتِهِ إذا لم يَقُلْ: باسمِ اللَّهِ - دليلٌ واضحٌ على فسادٍ ما ادَّعَى مِن التأويلِ فى
قولِ القائلِ: باسم اللهِ. أنه مرادٌ به باللّهِ، وأن اسمَ اللَّهِ هو اللَّهُ.
وليس هذا الموضعُ مِن مَواضعِ الإكثارِ فى الإبانةِ عن الاسم؛ أهو
المُسَمَّى أم غيرُه؟ أم هو صفةٌ له؟ فتُطِيلَ الكتابَ بذكْرِهِ، وإنما هذا موضعٌ
مِن مَواضعِ الإبانة عن الاسم المضافِ إلى اللَّهِ جلّ وعزّ؛ أهو اسم أم مصدرٌ
بمعنى التسميةِ ؟
فإن قال لنا قائلٌ : فما أنت قائلٌ فى بيتٍ لَبيدِ بنِ رَبيعةً(١):
ومَن يَتْكِ حولاً كاملاً فقد اعْتَذَر
إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلام عليكما
فقد تأوَّله مُقَدَّمٌ فى العلم بلغةِ العربِ أنه مَعْنِىٌّ به: ثم السلامُ عليكما. وأن اسمَ
السلامِ هو السلامُ(١).
قيل له : لو جاز ذلك وصحَّ تأويلُه فيه على ما تأوَّل ، لجاز أن يقالَ : رأيْتُ اسمَ
زيدٍ، وأكلتُ اسمَ الطعامِ، وشرِبْتُ اسمَ الشرابِ . وفى إجماعٍ جميعِ العربِ على
إحالةِ ذلك، ما يُنْبِئُ عن فسادٍ تأويلٍ من تأوَّل قولَ لبيدٍ :
* ثم اسمُ السلام عليكما »
أنه أراد: ثم السلامُ عليكما. و(٢) ادِعائِه أن إدخالَ الاسم فى ذلك وإضافته إلى
(١) شرح ديوان لبيد ص ٢١٤.
(٢) الذى تأوله كذلك هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١٦/١.
(٣) فى ص ، ر: ((أو)).

١١٨
تفسير البسملة
السلام، إنما جاز إذا كان اسمُ المُسَمَّى هو المُسَمَّى بعينِه .
٥٣/١
/ويُسألُ القائلون قولَ مَن حكَيْنا قولَه هذا، فيقالُ لهم: أَتَسْتَجِيزون
فى العربيةِ أن يقالَ : أُكَلْتُ اسمَ العسلِ. يعنى بذلك: أكَلْتُ العسلَ. كما
جازَ عندَكم: اسمُ السلامِ عليك (١) . وأنتم تُريدون: السلامُ عليك(١)؟
فإن قالوا: نعم. خرَجوا مِن لسانِ العربِ، وأجازوا فى لغتها(٢) ما تُخَطِّتُه
جميعُ العربِ فى لغتِها . وإن قالوا : لا . سُئِلوا الفرقَ بينَهما ، فلن يَقُولوا فى أحدِهما
قولًا إلا أُلْزِموا فى الآخرِ مثلَه .
فإن قال لنا قائلٌ: فما معنى قولٍ لبيدٍ هذا عندَك ؟
قيل له: يَحْتَمِلُ ذلك وجهين، كلاهما غيرُ الذى قاله مَن حكَيْنا
قولَه؛ أحدُهما: أن السلامَ اسم مِن أسماءِ اللَّهِ، فجائزٌ أن يكونَ لبيدٌ عنَى
بقوله :
* ثم اسمُ السلامِ [١٤/١ ظ] عليكما،
*
: ثم الْزَما اسمَ اللَّهِ وذِكْرَه بعدَ ذلك، ودَعَا ذِكْرى والبكاءَ علىَّ. على وجهِ
الإِعْراءِ. فرفَع الاسمَ إِذ(٣) أخَّر الحرفَ الذى يَأْتَى بمعنى الإغراءِ. وقد تَفْعَلُ العربُ
ذلك إذا أُخَّرَت الإغراءَ وقدَّمَت المُغْرَى به، وإن كانت قد تَنْصِبُ به وهو مُؤَخَّرٌ،
ومِن ذلك قولُ الشاعرِ(٤) :
(١) فى ص: ((عليكم)).
(٢) فى ر: ((لغاتها)).
(٣) فى م: ((إذا و)).
(٤) الرجز فى أمالى القالى ٢/ ٢٤٤، وخزانة الأدب ٢٠٠/٦.
:

١١٩
تفسير البسملة
يا أيُّها المائحُ(١) دَلْوِى دونكا
إنى رأيتُ الناسَ يَحْمَدُونكا
فأغْرَى بـ ((دونك)) وهى مُؤخَّرَةٌ ، وإنما معناه: دونَك دلوِى. فكذلك قولُ لبيدٍ :
* إلى الحولِ ثم اسمُ السلام عليكما »
يعنى: ثم(٢) عليكما اسمَ السلام. أى: الْزَما ذكرَ اللَّهِ، ودَعَا ذِكْرِى
والوَجْدَ بى؛ لأن مَن بكَى حولًا على امرئُّ ميتٍ فقد اعْتَذَر. فهذا أحدُ
وجهيه .
والوجهُ الآخرُ منهما: ثم تَسْمِيتى اللَّهَ عليكما. كما يقولُ القائلُ للشىءِ يَراه
فيُعْجِبُه: اسمُ اللَّهِ عليك. يُعَوِّذُه بذلك مِن الشّوءِ، فكأنه قال : ثم اسمُ اللَّهِ عليكما
مِن السُّوءِ. وكأنَّ الوجهَ الأولَ أشبهُ المغْنَيْن بقولِ لبيدٍ .
ويُقالُ لمن وجَّه بيتَ لبيدٍ هذا إلى أن معناه: ثم السلامُ عليكما. أَتَرَى ما قلْنا مِن
هذين الوجهَيْن جائزًا، أو أحدَهما، أو غيرَ ما قلتَ فيه؟ فإن قال: لا . أبان مِقْدارَه
مِن العلمِ بتَصاريفِ وجوهِ كلامِ العربِ، وأغْنَى خَصمَه عن مناظرتِه . وإن قال :
بلى . قيل له : فما بُرهانُك على صحةِ ما ادَّعَيْتَ مِن التأويلِ أنه الصوابُ دونَ الذى
ذكَوْتُ أنه مُحْتَمِلُهُ مِن الوجهِ الذى يَلْزَمُنا تسليمُه لك؟ ولا سبيلَ إلى ذلك.
وأما الخبرُ الذى حدَّثنا إسماعيلُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ بنِ
الضَّحَاكِ (٣ وهو يُلَقَّبُ بِزِئْرِيق٣ٍ)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن إسماعيلَ بنِ
(١) المائح: الرجل ينزل إلى قرار البتر إذا قل ماؤها، فيملأ الدلو بيده ويميح أصحابه . اللسان (م ی ح) والرجز فيه .
(٢) زيادة من : ر .
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ٢، وفى ر، ت١: ((وهو يلقب بابن برفق))، والمثبت من: ص. وينظر تهذيب
الكمال ٢/ ١٦١، وتفسير ابن كثير ٣٣/١، ونزهة الألباب للحافظ ٣٣٨/١.

١٢٠
تفسير البسملة
یحیی ، عن ابنِ أبی مُلَیْکةً ، عمَّن حدَّثه، عن ابن مسعودٍ ، ومِشْعَرِ بنِ کِدَامٍ ، عن
عطيةً، عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَ لَهِ: ((إِنَّ عِيسى ابنَ مَرْيَمَ أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ
إِلى الكُتَّابِ لِيُعَلِّمَه، فقال لَه المُعَلِّمُ: اكتُبْ باسم. فقال له عِيسَى : وما باسمِ؟ فقال
له المُعلِّمُ: مَا أَذْرِى، فَقَالَ له(١) عيسى: الباءُ بَهاءُ اللَّهِ، والسينُ سَناؤُهُ، والميُ
تملكته))(٢) .
فأخْشَى أن يكونَ غلطًا مِن المحدِّثِ، وأن يكونَ أراد [ ب س م] على سبيلِ ما
يُعَلَّمُ المُجْتَدِئُ مِن الصِّئْيانِ فى الكُتابِ حروفَ "أبی جاد" ، فغلِط بذلك فوصَله،
فقال: باسم. لأنه لا معنَى لهذا التأويلِ إذا تُلِى: ﴿يِسْمِ اللَّهِ الََّنِ
الرَّحَيَةِ﴾. على ما يَتْلُوه القارئُ فى كتابِ اللهِ تعالى؛ لاستحالةِ معناه
عن المفهومِ به عندَ جميعِ العربِ وأهلِ لسانِها، إذا حُمِل تأويلُه على ذلك.
(١) سقط من: ص، م، ت١.
(٢) حديث موضوع. أخرجه ابن عدى ٢٩٩/١ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٣٩/١٤
(مخطوط)، وابن الجوزى فى الموضوعات ٢٠٣/١ - من طريق إبراهيم بن العلاء به.
وأخرجه ابن مردویه - کما فی تفسير ابن كثير ١/ ٣٣، وتدريب الراوى ٦١/١ - وابن عساكر ٣٩/١٤
من طريق إسماعيل بن عياش به. وعند ابن مردويه بالإسناد الثانى فقط .
وأخرجه ابن حبان فى المجروحين ١٢٦/١، ١٢٧، وأبو نعيم فى الحلية ٢٥١/٧ - ومن طريقه ابن الجوزى
٢٠٣/١، ٢٠٤ - من طريق إبراهيم بن العلاء به بالإسناد الثانى .
وإسماعيل بن يحيى كذاب . وقال ابن عدى: حديث باطل . وقال ابن الجوزى : حديث موضوع محال .
وقال ابن كثير: غريب جدا ، وقد يكون صحيحا إلى من دون رسول اللَّه عَلتيم، ويكون من الإسرائيليات لا من
المرفوعات . والله أعلم. وسيأتى هذا الحديث فى ص ١٢٣، ١٢٦ .
وژُوى نحوه من قول سعيد بن جبير. أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح، كما فى الدر المنثور ٢٥/٢.
وعن الضحاك نحوه . أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥/١(٢).
(٣ - ٣) هذه الكلمة يعنى بها الأحرف الأبجدية ((أبجد هوز حطى ... )) إلخ.