النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
مقدمة المصنّف
بجحادةً(١)، عن الحكم بنِ عُتَيِيةً(٢) ، عن مُجاهدٍ، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى،
عن أَتَىِّ بنِ كعبٍ، قال: أتى النبيَّ ◌َّهِ جبريلُ وهو بأَضَاةِ بنى غِفارٍ، فقال: إن
اللَّهَ يَأْمُك أن تُقْرِئَ أَمَّتَك القرآنَ على حرفٍ واحدٍ. قال: فقال: ((أَسْأَلُ اللَّهَ
مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ - (أو قال: مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ) - سَلِ اللَّهَ لَهُمُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّهم لَا
يُطِيقُونَ ذلك)). فَانْطَلَقَ ثُمَّ رَجَعَ، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُكُ أن تُقْرِئَ أَمَّتَك القرآنَ على
حرفين. فقال: ((أَسأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ - ("أو قال: مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ" - إِنَّهُمْ لَا
يُطِيقُونَ ذلك، فَسَلِ اللَّهَ لهم التَّخْفِيفَ)). فانْطَلَق ثم رجَع. فقال: إن اللَّهَ يَأْمُوك أن
تُقْرِئَ أُمتَك القرآنَ على ثلاثةٍ(٤) أحرفٍ. "فقال: ((أَسْأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ
وَمُعَافَاتَهُ - أو قال(١): مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَّهُ - إِنَّهِم لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، ( سَلِ اللَّهُ
لهم التَّخْفِيفَ)). / فانْطَلَق ثم رجَع، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أَمَّتَك القرآنَ على ٢٠/١
سبعة أحرف٢ٍ، فمَن قرأ منها بحرفٍ فهو كما قرأ(١).
قال أبو جعفرٍ: صحَّ وثبت أن الذى نزَل به القرآنُ مِن ألسنِ العربِ ، البعضُ منها
دونَ الجميع ؛ إذ كان معلومًا أن ألسنتَها ولُغاتِها أكثرُ مِن سبعةٍ ، بما يُعْجَزُ عن إحصائِه .
فإن قال: وما برهانُك على أن معنى قولِ النبيِّ عَّهِ: ((نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ
أَحْرِفٍ)). وقولِه: ((أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةٍ أَخْرُفٍ)). هو ما اذَّعَيْتَه - مِن أنه
(١) فى ت ٢: (( حجارة)).
(٢) فى ت ١، ت ٢: ((عيينة)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ٢.
(٤) فى ص، ت ٢: ((سبعة)).
(٥) زيادة من: م.
(٦ - ٦) سقط من: ت ١.
(٧) أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد ٢٨٧/٨ من طريق أبى معمر به .
٤٢
مقدمة المصنّف
نزَل بسبع لغاتٍ، وأَمِر بقراءتِه على سبعةٍ ألسُنٍ - دونَ أن يكونَ معناه ما قاله
مخالفوك ، مِن أنه نزَل بأمرٍ ، وزجْرٍ ، وتَرْغيبٍ، وترهيبٍ ، وقَصَصٍ ، ومَثَلٍ ، ونحوَ
ذلك مِن الأقوالِ ، فقد علمتَ قائلَ ذلك مِن سلفِ الأمةِ وخيارِ الأئمةِ؟
قيل له : إن الذين قالوا ذلك لم يَدَّعُوا أن تأويلَ الأخبارِ التى تقَدَّم ذكرناها هو ما
زعمتَ أنهم قالوه فى الأحرفِ السبعةِ التى نزل بها القرآنُ دون غيرِهِ، فيكونَ ذلك
لقولِنا مُخالِفًا، وإنما أُخْبَروا أن القرآنَ نزَل على سبعة أحرفٍ ، يَعْنون بذلك أنه نزَل
على سبعة أوجهٍ. والذى قالوه مِن ذلك [٦/١ و] كما قالوا .
وقد رَوَيْنا بمثل الذى قالوا مِن ذلك، عن النبيِّ مَّه وعن جماعةٍ مِن أصحابِهِ ،
أخبارًا قد تقدم ذكرنا بعضَها ، وسنَسْتَقْصِى ذكرَ باقيها ببيانِه، إذا انتهَيْنا إليه إن
شاء اللّهُ .
فأما الذى تقَدَّم(٢) ذِكْرُناه مِن ذلك، فخبرُ أُبِىِّ بنِ كعبٍ، مِن روايةٍ أبى
كُرَيْبٍ، عن ابنِ فُضَيْلِ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، الذى ذكر فيه عن النبيِّ عَ لِّ
أنه قال: ((أُمِوْثُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ، مِن سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِن(٢) الجَنَّةِ)) .
والسبعةُ الأحرفُ هو ما قلْنا مِن أنه الألسنُ السبعةُ . والأبوابُ السبعةُ مِن الجنةِ
هى المعانى التى فيها؛ مِن الأمرِ والنهي، والترغيب والترهيبِ، والقَصَصِ والمَثَلِ،
التى إذا عَمِل بها العاملُ ، وانتهى إلى حدودِها المُتَهِى، اسْتَوْجَب به الجنةَ . وليس -
والحمدُ للَّهِ - فى قولٍ مَن قال ذلك مِن المتُقَدِّمِين خلافٌ لشىءٍ مما قلْناه .
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢: ((ذكرنا فيها)).
(٢) تقدم فى ص ٣٣ .
(٣) سقط من : م.
٤٣
مقدمة المصنّف
والدَّلالةُ على صحةٍ ما قلْناه، مِن أن معنى قولِ النبيِّ عَّ اله: «نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى
سَبْعَةٍ أَعْرُفٍ)). إنما هو أنه نزَل بسبع لغاتٍ، كما تقَدَّم ذكرنا مِن الرواياتِ الثابتةِ عن
عمرَ بنِ الخطابِ ، وعبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، وأُبىّ بنِ كعبٍ، وسائرٍ مَن قد قدَّمْنا الروايةَ
عنه عن النبيِّ ◌َّهِ فى أولِ هذا البابِ ، أنهم تَمَارَوْا فى القرآنِ ، فخالَف بعضُهم بعضًا
فى نفسِ التلاوةِ، دون ما فى ذلك مِن المعانى، وأنهم احْتَكَموا فيه إلى النبيِّ عَلَّهِ،
فاشتقرأ كلَّ رجلٍ منهم، ثم صوَّب جمیعھم فی قراءتهم على اختلافها ، حتى ارتاب
بعضُهم لتصويبِه إياهم، فقال ◌َ ◌ِّ للذى ارتاب منهم عندَ تصويبه جميعَهم: ((إِنَّ اللَّهَ
أَمَرَنِى أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْرُفٍ)) .
ومعلوم أن تَمارِيَهم فيما تَمارَوْا فيه مِن ذلك ، لو كان تَماريًا واختلافًا فيما دَّت
عليه تِلاواتُهم ؛ مِن / التحليلِ والتحريم، والوعدِ والوَعيدِ، وما أشبه ذلك، لكان ٢١/١
مستحيلًا أن يُصَوِّبَ (٢) جميعَهم عَّهِ، ويَأْمُرَ(٣) كلَّ قارئٍّ منهم أن يَلْزَمَ قراءته فى
ذلك على النحو الذى هو عليه ؛ لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحًا وجَب أن يَكونَ
الله جل ثناؤه قد أمر بفعلِ شىءٍ بعينه ، وفرضه فى تلاوةِ مَن دلّت تلاوتُه على فرضِه ،
ونهَى عن فعلٍ ذلك الشىءٍ بعينه وزجَر عنه فى تلاوةِ الذى دلَّت تلاوته على النھی
والزجرِ عنه ، وأباح وأُطْلَق فِعْلَ ذلك الشىءٍ بعينه، وجعَل لمن شاء مِن عبادِه أن يَفْعَلَه
فِعْلَه ، ولمن شاء منهم أن يَتْرُكَه تَرْكَه، فى تلاوةِ مَن دلَّت تلاوتُه على (٤) التخييرِ !
وذلك مِن قائلِه - إن قاله - إثباتُ ما قد نفَى اللَّهُ جَلّ ثناؤه عن تنزيله وحكمٍ
(١) فى ت ٢: ((تلاوتهم)).
(٢) فى ت ٢: (( تصوب)).
(٣) فى ت ٢: ((تأمر)).
(٤) فى م، ت ٢: ((عن)).
٤٤
مقدمة المصنّف
كتابِهِ ، فقال تعالى ذِكرُه: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ
فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. وفى نفْىِ اللّهِ جل ثناؤه ذلك عن حكم كتابِه،
أوضحُ الدليلِ على أنه لم يُنَزِّلْ كتابَه على لسانِ محمدٍ عَّهِ إلا بحكمٍ واحدٍ مُتَّفِقٍ فى
جميعٍ خلقِه ، لا بأحكام فيهم مختلفةٍ .
وفی صحة کون ذلك کذلك ما يُٹطِلُ دعوی مَن ادَعی خلاف قولِنا فی تأويلٍ
قولِ النبىِّ عَّهِ: ((أَنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ)). للذين تخاصَموا إليه عندَ
اختلافِهم فى قراءتِهم؛ لأنه مَّمِ قد أمَر جميعَهم بالثبوتِ على قراءتِه ، ورضِى قراءةً
كلِّ قارىٌّ منهم - على خلافِها قراءةَ خصومِه ومُنازِعيه فيها - وصوَّبها .
ولو كان ذلك منه تصويبًا فيما اخْتَلَفت فيه المعانى، وكان قولُه (١) عَلَّمِ:
((أُنْزِلَ عَلَىَّ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْرُفٍ)). إعلامًا منه لهم أنه نزَل بسبعةٍ أَوجهٍ مختلفةٍ ،
وسبعة معانٍ مُفْتَرِقةٍ - کان ذلك إثباتًا لما قد نفَى اللَّهُ عن کتابه مِن الاختلافِ ، ونفيًا
لما قد أوْجَب له مِن الاثْتِلافِ.
مع أن فى قيام الحجة بأن النبىَّ ټئتے لم یقْضِ فى شىءٍ واحدٍ فى وقتٍ واحدٍ
بحكمين مختلفين ولا أذن بذلك لأمتهِ - ما يُغْنِى عن الإكثارِ فى الدَّلالةِ على أن
ذلك مَنْفٌّ عن كتابِ اللهِ .
وفى انتفاءِ ذلك عن كتابِ اللَّهِ وجوبُ صحّةٍ القولِ الذى قلْناه فى معنى قولٍ
النبيِّ ◌َّهِ: (( أَنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ أَخْرُفٍ)). عندَ اخْتِصامِ المَخْتَصِمِين إليه فيما
اخْتَلَفوا فيه مِن(١) تلاوةِ ما تَلَوْه مِن القرآنِ، وفسادٍ تأويلٍ قولٍ مَن خالَف قولَنا فى ذلك.
(١) بعده فى ر: ((لهم)) .
(٢) فى ص، ت١: ((فى)).
٤٥
مقدمة المصنّف
وأُخْرى(١)، أنَّ الذين تَمَارَوْا فيما تمارَوْا فيه مِن قراءتِهم(١) فاحْتَكموا إلى
النبىِّ عَ لِّ، لم يَكُنْ مُنْكَرًا عندَ أحدٍ منهم أن يَأْمُرَ اللَّهُ عبادَه جل ثناؤه فى كتابه
وتنزيلِه بما شاءِ، ويَنْهَى عما شاء، ويَعِدَ فيما أحبَّ مِن طاعاتِهِ، ويُوعِدَ على
مَعاصِيه، ويَحْتِمَ (١) لنبيِّه ويَعِظَهُ(٤) فيه، ويَضْرِبَ فيه لعبادِه الأمثالَ، فيُخاصِمَ غيرَه
على إنكارِه سماعَ ذلك مِن قارئه؛ بل على الإقرارِ بذلك كلِّه كان إسلامُ مَن أُسْلَم
منهم. فما الوجهُ الذى أُوْجَب له إنكارَ ما أنكر ، إن لم يَكُنْ كان ذلك اختلافًا منهم
فى الألفاظِ واللغاتِ ؟
وبعدُ ، فقد أبان صحةً ما قلنا الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ عَ لِّ نصًّا، وذلك الخبر الذى
ذكَوْنا(٥):/ أن أبا كُرَيْبِ حدَّثنا، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحبابِ، عن حمادِ بنِ سلمةً، ٢٢/١
عن علىٍّ بنِ زيدٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبِى بَكْرةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ
اللَّهِ عَهِ: ((قَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى حَوْفٍ. قَالَ مِيَكائِيلُ: اسْتَزِدْه . فقال:
على حَرْفَيْنٍ . حَتَّى بَلَغَ سِنَّةَ أَوْ سَبْعَةَ أَخْرُفٍ ، فقال: كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ يَخْتِمْ
آيَةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةٍ عَذَابٍ ، كَقَوْلِكَ: هَلُمَّ وَتَعَالَ )) .
فقد أَوْضَح نصُ هذا الخبرِ أن اختلافَ الأحرفِ السبعةِ إنما هو اختلافُ
ألفاظٍ ، كقولِك: هَلُمَّ وتعال. باتفاقِ المعانى، لا باختلافِ معانٍ مُوجِبةٍ
اختلافَ أحكام، وبمثل الذى قلْنا فى ذلك صحَّت (١) الأخبارُ عن جماعةٍ مِن
(١) فى ص، م، ت١، ت٢: ((أحرى)).
(٢) فى ص: ((قراءاتهم)).
(٣) فى ر، م: ((يحتج)).
(٤) فى ر، ت ١: ((يعظ))، وفى ت ٢: (( بعضا)).
(٥) تقدم فى ص ٣٨.
(٦) بعده فى ص، ت ١: (( به)).
٤٦
مقدمة المصنّف
السلفِ والخلفِ .
حدَّثنى أبو السائبِ [٦/١] سَلْمُ(١) بنُ مُنادةَ الشُّوَائِىُّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ،
وحدَّثنا محمدُ بنُ المُنُنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن شعبةَ، جميعًا عن
الأعمشِ، عن شَقيقٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: إنى قد سمِعْتُ القَرَأةَ(١) فوجَدْتُهم
مُتَقَارِبِين، فاقْرُوا كما عُلِّمْتُم، وإياكم والتَّطُّعَ، فإنما هو كقولِ أحدِكم: هَلُمَّ
-(٣)
وتَعَالَ(٣) .
وحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا شعبةُ ، عن أبى
إسحاقَ ، عمَّن سمِع ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَن قرَأُ منكم على حرفٍ فلا يَتَحَوَّلَنَّ ، ولو
أَعْلَمُ أحدًا أَعْلَمَ منى بكتابِ اللَّهِ لَأَيُه (٤).
وحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدیٍّ، قال: حدَّثنا شعبةُ،
عن عبدِ الرحمنِ بنِ عابسٍ، عن رجلٍ مِن أصحابٍ عبدِ اللهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ
مسعودٍ ، قال: مَن قرأ القرآنَ(٥) على حرفٍ فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى غيرِه(١).
فمعلوم أن عبدَ اللَّهِ لم يَغْنِ بقولِه هذا: مَن قرأ ما فى القرآنِ مِن الأمرِ والنهي
فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى قراءةٍ ما فيه مِن الوعدِ والوَعيدِ، ومَن قرَأْ ما فيه مِن الوعدِ والوَعيدِ
(١) فى ر، م، ت ١: ((سالم)). وينظر تهذيب الكمال ٢١٨/١١.
(٢) فى ص: ((إلى القرأة))، وفى ر: ((إلى القراءة))، وفى م: ((القرّاء)).
(٣) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ٢٠٧، ٢١٧، وابن أبى شيبة ٤٨٨/١٠ عن أبى معاوية به .
وأخرجه البيهقى ٣٨٥/٢ من طريق شعبة به. وسيأتى فى سورة يوسف ، الآية ٢٣ من وجه آخر عن
الأعمش .
(٤) ژُوى من طرق عن ابن مسعود، وسيأتى تخريجه فى ص ٧٥.
(٥) زيادة من : م، ت ٢.
(٦) أخرجه أحمد وغيره من طريق شعبة به. وهو جزء من أثر مطول تقدم فى ص ٢٦ .
٤٧
مقدمة المصنّف
فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى قراءةٍ ما فيه مِن القَصَصِ والمَثَلِ . وإنما عنَى رحمةُ اللَّهِ عليه أن مَن
قرَأ بحرفِه - وحرفُه قراءتُه، وكذلك تقولُ العربُ لقراءةِ رجلٍ : حرفُ فلانٍ . وتقولُ
للحرفِ مِن حروفِ الهِجاءِ المُقَطّعةِ: حرفٌ. كما تقولُ لقصيدةٍ مِن قصائِدٍ
الشاعرِ : كلمةُ فلانٍ - فلا يَتَحَوَّلَنَّ عنه إلى غيرِهِ رغبةً عنه. ومَن قرأ بحرفٍ أُبِيٍّ ، أو
بحرفٍ زيدٍ، أو بحرفٍ بعضٍ مَن قرَأُ مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ مْلَّمِ ببعضِ الأحرفِ
السبعة - فلا يَتَحَوَّلَنَّ عنه إلى غيرِهِ رغبةٌ عنه، فإن الكفرَ ببعضِه كفرٌ بجميعِه ،
والكفرُ بحرفٍ مِن ذلك كفرٌ بجميعِه. يعنى بالحرفِ ما وصَفْنا مِن قراءةِ بعضِ مَن قَرَأ
ببعضِ الأحرفِ السبعةِ .
وقد حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطىُ، قال: حدَّثنا أبو أسامةً، عن الأعمشِ،
قال: قرَأ أنش هذه الآيةَ: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطئًا وَأَضْوَبُ قِلًا). فقال
له بعضُ القومِ: يا أبا حمزةَ، إِنما هى ﴿وَأَقْوَمُ﴾. فقال: ((أقومُ)) و ((أصوبُ))
و ((أهْيَأُ))(١) واحدٌ .
وحدّثنی محمدُ بنُ محمید الرازىُّ ، قال : حدّثنا حكّام ، عن عَنْتَسةً ، عن لیثٍ ،
عن مُجاهدٍ أنه كان يَقْرَأُ القرآنَ على خمسةِ أحرفٍ .
/وحدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكْامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن سالم، أن سعيدَ بنَ ٢٣/١
مجبيرٍ كان يَقْرأُ القرآنَ على حرفين .
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ ، قال: كان يزيدُ بنُ الوليدِ
يَقْرَأُ القرآنَ على ثلاثةِ أُخْرُفٍ .
(١) فى م: ((أهدى))، وفى ت ٢: ((أهنى)).
٤٨
مقدمة المصنّف
أُقْتَرَى الزاعمَ أن تأويلَ قولِ النبيِّ ◌َّهِ: ((أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ أَخْرُفٍ)). إِنما
هو أنه نزَل(١) على الأوجهِ السبعةِ التى ذكَرْنا؛ مِن الأمرِ، والنهي، والوعدِ ،
والوَعيدِ ، والجَدَلِ، والقَصَصِ، والمَثَلِ - كان يَرَى أن مُجاهِدًا وسعيدَ بنَ مُجُبيرٍ لم
يقرأا مِن القرآن إلا ما كان مِن وجهیه أو وجوهه الخمسةِ دون سائرٍ معانیه؟ لئن كان
ظنَّ ذلك بهما لقد ظنَّ بهما غيرَ الذى يُعْرفانِ به مِن منازٍلهما مِن القرآنِ ، ومعرفتِهما
بآي الفُرْقانِ .
وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَةَ، قال : حدَّثنا أيوبُ ، عن
محمدٍ، قال: نُبْتُ أن جبرائيلَ وميكائيلَ أَتَّيا النبىَّ عَّمِ، فقال له جبرائيلُ: اقْرَأُ
القرآنَ على حرفين. فقال له ميكائيلُ: اسْتَزِدْه. فقال: اقْرَأُ القرآنَ على ثلاثةٍ
أحرفٍ . فقال له ميكائيلُ : اسْتَزِدْه. قال: حتى بلَغ سبعةَ أحرفٍ . قال محمدٌ : لا
تَخْتَلِفُ فى حَلالٍ ولا حَرامٍ ، ولا أمرٍ ولا نَهْىٍ، هو كقولك: تعالَ وهَلُمَّ وأقْبِلْ.
قال: وفى قراءتنا ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً﴾ [يس: ٢٩]. وفى قراءةِ ابنِ
مسعودٍ : (إن كانت إلا زَقْيةً واحدةً)(٢) .
وحدَّثنى يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةً، قال: حدَّثنا شعيبٌ - يعنى ابنَ
الحَحابِ - قال: كان أبو العاليةِ إذا قرَأُ عندَه رجلٌ لم يَقُلْ: ليس كما تقْراً . وإنما
يقولُ : أما أنا فَأَقْرَأَ كذا وكذا. قال: فذكَوْتُ ذلك لإبراهيمَ النَّخَعيِّ، فقال: أُرَى
(١) فى ص، ت ١: ((أنزل)).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٥ - تفسير) من طريق أيوب وهشام عن ابن سيرين إلى قوله: حتى
بلغ سبعة أحرف . وأخرج باقيه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ٢٠٨، ٢٠٩ عن ابن علية به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٢/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
٤٩
مقدمة المصنّف
صاحبَك قد سمِع أنه مَن كفَر بحرفٍ منه فقد كفَر به كلِّه(١).
حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أنْبَأنا ابنُ وهبٍ ، قال : حدَّثنا يونسُ ، عن
ابنِ شِهابٍ ، قال: أخْبَرَنى سعيدُ بنُ المسيبِ أن الذى ذكّر اللَّهُ تعالى ذِكْرُه ﴿إِنَّمَا
يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [ النحل: ١٠٣]. إنما افتَتَن أنه كان يَكْتُبُ الوحِىَ، فكان يُحْلِى(٢) عليه
رسولُ اللَّهِ مَّهِ: سمِيعٌ عليمٌ، أو عزيزٌ حكيم، أو غير ذلك مِن خواتم الآي، ثم
يَشْتَغِلُ عنه رسولُ اللّهِ عَّهِ وهو على الوحى، فَيَسْتَفْهِمُ رسولَ اللَّهِ مَّه فيقولُ: أعزيزٌ
حكيمٌ، أو سميع عليمٌ، أو عزيزٌ عليمٌ؟ فيقولُ له رسولُ اللَّهِ عَّهِ: ((أىَّ ذلك كتَبْتَ
فهو كذلك)). ففتَنه ذلك، فقال: إنَّ محمدًا وكَل ذلك إلىَّ فأَكْتُبُ ما شئتُ . وهو
الذى ذكَر لى سعيدُ بنُّ المسيبِ مِن الحروفِ السبعةِ .
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ ، عن عبدِ اللهِ
قال: مَن كفَر بحرفٍ مِن القرآنِ أو بآيةٍ منه فقد كفر به كلِّه(٣).
/قال أبو جعفرٍ: فإن قال لنا قائلٌ: فإذْ(٩) كان تأويلُ قولِ النبىّ ◌َّهِ: ((أُنْزِلَ ٢٤/١
الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ)). عندَك ما وصَفْتَ ، بما عليه اسْتَشْهَدْتَ ، فأُؤْجِدْنا حرفًا
فى كتابِ اللَّهِ مَقْرُوءًا بسبع لغاتٍ ، فَتُحَقِّقَ بذلك قولَك، وإلَّ، فإن لم تَجِدْ ذلك
كذلك، كان معلومًا بِعَدَمِكَهُ صحّةُ قولٍ مَن زعَم أن تأويلَ ذلك أنه نزَل بسبعةٍ
مَعانٍ؛ وهو الأمرُ، والنهىُ، والوعدُ، والوَعيدُ، والجَدَلُ، والقَصَصُ، والمثَلُ،
وفسادُ قولِك. أو تقولَ فى ذلك: إن الأحرفَ السبعةَ لغاتٌ فى القرآنِ سبعٌ، مُتَفَرِّقَةٌ
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ١٧٤/١٨ من طريق ابن علية به .
وأخرجه ابن أبى شيبة ٥١٣/١٠ من طريق شعيب به. وينظر ما تقدم فى ص ٢٧ .
(٢) فى ص، ت١: ((يُمِلّ)). وهما بمعنَّى.
(٣) تقدم فى ص ٢٦، ٢٧ ضمن أثر طويل من طريق آخر عن ابن مسعود .
(٤) فى ص: ((فإن))، وفى م: ((فإذا)).
( تفسير الطبرى ٤/١ )
٥٠
مقدمة المصنّف
فى جميعِه ، مِن لغاتِ أحياءٍ مِن قبائلِ العربِ مُخْتلفةِ الألسنِ، كما كان يقولُه بعضُ
مَن لم يُنْعِم النظرَ فى ذلك، فيصيرُ بذلك إلى القول بما لا يَجْهَلُ فسادَه ذو عقلٍ ،
ولا يَلْتَبِسُ خطَؤُه على ذى لُبِّ؛ وذلك أن الأخبارَ التى بها احْتَجَجْتَ لتصحيحٍ
مقالتِك فى تأويلِ قولِ النبيِّ ◌َهِ: ((نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ)). وهى الأخبارُ
التى روَيْتَها (١) عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، وأُبىّ بنِ كعبٍ، رحمةُ
اللَّهِ عليهم، وعمّن روَيْتَ ذلك عنه مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ عَلِ ، بأنهم تَمَارَوا فى
تلاوةِ بعضِ القرآنِ ، فاخْتَلَفوا فى قراءتِه دونَ تأويله، وأَنْكَر بعضٌ قراءةً بعضٍ، مع
دغْوَى كلِّ قارئٌّ منهم قراءةً منها أن رسولَ اللَّهِ [٧/١ و] ◌ََّمِ أَقْرَأَه ما قرأ بالصفةِ التى
قرَأْ، ثم احْتَكموا(٢) إلى رسولِ اللهِ عٍَّ، فكان مِن حكمِ رسولِ اللَّهِ عَّهِ بينَهم أن
صوَّب قراءةَ كلِّ قارئٌّ منهم، على خلافِها قراءةَ أصحابِه الذين نازعوه فيها ، وأمَر
كلَّ امرئٌّ منهم أن يَقْرَأَ كما عُلِّم، حتى خالَط قلبَ بعضِهم الشكُّ فى الإسلام؛ لما
رأَى مِن تَصْويبٍ رسولِ اللهِ وَهِ قراءةَ كلِّ قارئٍ منهم على اختلافِها، ثم جَلاه اللَّهُ عنه
بيانِ رسولِ اللَّهِ ◌ٍَّ له أن القرآنَ أُنْزِل على سبعة أحرفٍ.
فإن كانت الأحرفُ السبعةُ التى نزَل بها القرآنُ عندَك - كما قال هذا القائلُ -
مُتَفَرِّقةً فى القرآنِ ، مُثْبَتَةٌ اليومَ فى مَصاحفِ أهلِ الإسلامِ ، فقد بطَلَت معانى الأخبارِ
التى روَيْتَها عمَّن رويتَ(٤) عنه مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ عَ لِ أنهم اخْتَلَفوا فى قراءةٍ
سورةٍ مِن القرآنِ، فاخْتَصَموا إلى رسولِ اللَّهِ مَِّلّهِ ، فأمَر كلََّ أن يَقْرَأَ كما عُلِّم؛ لأن
(١) فى م: ((يمعن))، وفى ت ٢: ((يعن)).
(٢) فى ت٢: ((رويناها)).
(٣) فى ص، ت ١: ((اختلفوا)).
(٤) فى م، ت ١: ((رويتها)).
۔۔
٥١
مقدمة المصنّف
الأحرفَ السبعةَ إذا كانت لغاتٍ متفرقةً فى جميع القرآنِ ، فغیرُ مُوجِبٍ حرفٌ مِن
ذلك اختلافًا بينَ تاليه ؛ لأن كلَّ تالٍ فإنما يَتْلُو ذلك الحرفَ تِلاوةً واحدةً ، على ما هو
به فى المصحفِ، وعلى ما أُنْزِل .
وإذ كان ذلك كذلك، بطَل وجهُ اختلافِ الذين رُوِى عنهم ١١ أنهم اخْتَلَفوا
فى قراءةٍ سورةٍ، وفسَد معنى أمرِ النبيِّ مَّهِ كلَّ قارئٍّ منهم أن يَقْرَأَه على ما عُلِّم؛ إذ
كان لا معنى هنالك يُوجِبُ اخْتِلافًا فى لفظٍ ، ولا افتراقًا فى معنًى، وكيف يَجوزُ أن
يكونَ هنالك اختلافٌ بينَ القوم ، والمُعَلِّمُ واحدٌ ، والعلمُ واحدٌ غيرُ ذى أوجهٍ؟ وفى
صحةِ الخبرِ عن الذين رُوِى عنهم الاختلافُ فى حروفِ القرآنِ على عهدٍ رسولٍ
اللَّهِ عَه بأنهم اخْتَلفوا وتَحاكموا إلى رسولِ اللَّهِ مَّله فى ذلك، على ما تقَدَّم
وَصْفُناه - أبينُ الدَّلالةِ على فسادِ القولِ بأن الأحرفَ السبعةَ إنما هى / أحرفٌ سبعةٌ ٢٥/١
متفرقةٌ فى سورِ القرآنِ ، لا أنها لغاتٌ مختلفةٌ فى كلمةٍ واحدةٍ باتفاقٍ المعانى .
مع أن المُدَبِّرَ إذا تدَبَّر قولَ هذا القائلِ، فى تَأْوِيلِه قولَ النبيّ ◌َهِ: ((أُنْزِلَ
الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)) . وادعائِه أن معنى ذلك أنها سبعُ لغاتٍ متفرقةٍ فى جميعِ
القرآنِ ، ثم جمَع بينَ قِيله ذلك واعتلالِه لقِيله ذلك بالأخبارِ التى رُوِيَت عمَّن رُوِى
ذلك عنه مِن الصحابة والتابعِين أنه قال : هو بمنزلةِ قولِك : تعالَ وهلمَّ وأقبلْ. وأن
بعضَهم قال: هو بمنزلةٍ قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إلا زَقِيَةً). وهى فى قراءتنا: ﴿إِلَّا
صَيْحَةٌ﴾. وما أشبه ذلك من حُجَجِه - علِمٍ أن حججَه مُفْسِدةٌ فى ذلك مقالتَه ،
وأن مقالته فيه مُضادّةٌ حُجَجَه؛ لأن الذى نزَل به القرآنُ عندَه إحدى القراءتين : إمّا
﴿صَيْحَةٌ﴾(١)، وإمَّا (زقية)، وإما ((تعالَ))، أو ((أقبلْ))، أو ((هَلُمّ))، لا جميعُ
(١) فى م: ((منهم)).
(٢) فى م: ((صحيحة)).
٥٢
مقدمة المصنّف
ذلك؛ لأن كلَّ لغةٍ مِن اللغاتِ السبع عندَه فى كلمةٍ أو حرفٍ مِن القرآنِ ، غيرُ الكلمةِ
أو الحرفِ الذى فيه اللغةُ الأخرى .
وإذا كان ذلك كذلك، بَطل اعتلالُه لقولِه بقولٍ مَن قال: ذلك بمنزلةِ ((هلُمَّ))،
و((تعالَ))، و ((أقبلْ))؛ لأن هذه الكلماتِ هى ألفاظٌ مختلفةٌ يَجْمَعُها فى التأويلِ
معنّى واحدٌ . وقد أَبْطَل قائلُ هذا القولِ الذى حكَيْنا قولَه اجتماعَ اللغاتِ السبعِ فى
حرفٍ واحدٍ مِن القرآنِ ، فقد تبينَّ بذلك إفسادُهُ(١) حجته لقولِه بقوله، وإفساده .
قوله بحجته .
فقيل له : ليس القولُ فى ذلك بواحدٍ مِن الوجهين اللذين وصَفْتَ ، بل
الأحرفُ السبعةُ التى أَنْزَل اللَّهُ بها القرآنَ هن لغاتٌ سبعٌ، فى حرفٍ واحدٍ وكلمةٍ
واحدةٍ، باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعانى، كقولِ القائلِ: ((هلم)»، و «تَعالَ)» و
((أقبل))، و ((إلىَّ))، و (قَضْدی))، و «نخوی))، و «قُزیی))، ونحو ذلك مما
تَخْتَلِفُ فيه الألفاظُ بضُروبٍ مِن المَنَّطِقِ، وتَتَّفِقُ فيه المعانى ، وإن اختلفتْ بالبيانِ به
الألسنُ، كالذى رَوَينا آنفًا عن رسولِ اللَّهِ ◌َّهِ، وعمّن رَوَيْنا ذلك عنه مِن
الصحابةِ، أن ذلك بمنزلةٍ قولِه (١): ((هلم))، و ((تعال))، و ((أقبل)). وقوله: ﴿ مَا
يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً﴾، و(إلا زَقْيَةً).
فإن قال : ففى أىِّ كتابٍ اللَّهِ نَجِدُ حرفًا واحدًا مَقْروءًا بلغاتٍ سبعٍ مختلفاتٍ
الألفاظِ مُتَّفِقاتِ المعنى، فتُسَلِّمَ لك صحةً ما ادَّعَيْتَ مِن التأويلِ فى ذلك؟
قيل : إنا لم نَدَّع أن ذلك موجودٌ اليومَ، وإنما أخبرنا أن معنى قولِ النبيِّ عَلَّهِ :
((أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ أَخْرُفٍ)). على نحوٍ ما جاءت به الأخبارُ التى تقَدَّم
(١) فى ص، ت ١: ((إفساد)).
(٢) فى م: ((قولك))، وفى ت ١: ((قولهم)).
٥٣
مقدمة المصنّف
ذِكْرِناها، وهو ما وصَفْنا، دون ما ادَّعاه مُخالِفونا فى ذلك، للعللِ التى قد بينًا.
فإن قال(١) : فما بالُ الأحرفِ الأُخَرِ السنةِ غيرُ موجودةٍ ، إن كان الأمرُ فى
ذلك على ما وصَفْتَ، وقد أقْرَأَهن رسولُ اللَّهِ يَِّلَّمِ أصحابَه، وأمَر بالقراءة بهن،
وأَنْزَلَهن اللَّهُ مِن عندِه على نبيِّه عَّهِ، أَنْسِخَت فِرُفِعَت، فما الدَّلالةُ على نَشْخِها
ورَفْعِها؟ أم نسِيَتْهن الأمةُ؟ فذلك تَضْبِيعُ ما قد أُمِروا بحفظِهِ، أم ما القصةُ فى
ذلك ؟
قيل له : لم تُنْسَخْ فِتْفَعَ ، ولا ضيَّعَتْها الأمَّةُ وهى مأمورةً بحفظِها، ولكنَّ الأُمَّةَ
أَمِرَت بحفظِ القرآنِ، وخُيّرَت فى قراءتِه وحفظِه بأىِّ تلك الأحرفِ السبعةِ شاءَت ،
كما أُمِرَت إذا هى حتَثَتْ فى يمينٍ وهى مُوسِرةٌ، أن تُكَفِّرَ بأىِّ الكفَّاراتِ الثلاثِ
شاءت؛ إِما بعتقٍ ، أو إطعامٍ، أو كسوةٍ، فلو أجْمَعَ جميعُها على /التكفير فيها (١) ٢٦/١
بواحدةٍ مِن الكفاراتِ الثلاثِ، دونَ حَظْرِها التكفيرَ فيها(٢) بأىِّ الثلاثِ شاء المُكَفِّرُ،
كانت مُصيبةٌ حُكْمَ اللَّهِ ، مُؤَدَِّةً فى ذلك الواجبَ عليها مِن حقِّ اللَّهِ. فكذلك
الأمةُ أُمِرَت بحفظِ القرآنِ وقراءتِه، وخُيَّت فى قراءتِه بأىِّ الأحرفِ السبعةِ
شاءت، فرأَتْ لعلةٍ مِن العللِ أوْ جَبَت عليها الثباتَ على حرفٍ وا قراءته
بحرفٍ واحدٍ ، [٧/١ظ] ورفْضَ القراءةِ بالأحرفِ الستةِ الباقيةِ ، ولم تَحْظُرْ قراءتَه
بجمیع حروفه على قارئه، بما أُذِن له فى قراءتِه به .
فإن قال : وما العلةُ التى أَوْجَبَت عليها الثبات على حرفٍ واحدٍ دونَ سائرٍ
الأحرفِ الستةِ الباقيةِ ؟
(١) بعده فى ر: ((قائل)).
(٢) زيادة من : ر.
(٣) سقط من: ص، وفى ت ١: (( بها)).
٥٤
مقدمة المصنّف
قيل: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّىُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ
الدَّرَاوَرْدىُّ، عن عُمارةَ بنِ غَزِيَّةً، عن ابنِ شِهابٍ ، عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ ،
عن أبيه زيدٍ ، قال: لما قُتِل أصحابُ رسولِ اللهِ عَه باليمامةِ، دخَل عمرُ بنُ الخطابِ
عَلَى أبى بكرٍ، فقال: إن أصحابَ رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ باليمامةِ تَهافَتوا تَهافُتَ الفَراشِ فى
النارِ، وإنى أَخْشَى أَلا يَشْهَدوا موطنًا إلا فعلوا ذلك حتى يُقْتَلوا - وهم حملةُ
القرآنِ - فِيَضِيعَ القرآنُ ويُنْسَى، فلو جَمَعْتَه وكتَبْتَه. فنفَر منها أبو بكرٍ ، وقال: أَفْعَلُ
ما لم يَفْعَلْ رسولُ اللَّهِ ◌ِّهِ ! فتَرَاجَعا فى ذلك ، ثم أَرْسَل أبو بكرٍ إلى زيدِ بنِ ثابتٍ ،
قال زيدٌ : فدخَلْتُ عليه، وعمرُ مُخْزَيِلٌ(١) ، فقال أبو بكرٍ: إن هذا قد دعانى إلى أمرٍ
فَأَبَيْتُ عليه، وأنت كاتبُ الوحي، فإن تَكُنْ معه اتَّبَعْتُكما، وإن تُوافِقْنى لا أَفْعَلْ.
قال : فاقْتَصَّ أبو بكرٍ قولَ عمرَ، وعمرُ ساكتٌ ، فنفَوْتُ مِن ذلك ، وقلتُ: نَفْعَلُ ما
لم يَفْعَلْ رسولُ اللَّهِ عَظَهِ؟ إلى أن قال عمرُ كلمةً: وما عليكما لو فعَلْتُما ذلك؟ قال :
فذهَبْنا نَنْظُرُ، فقلْنا: لا شىءَ، واللهِ ما علينا فى ذلك شىءٌ. قال زيدٌ: فأمَرَنى أبو
بكرٍ فَكَتَبُه فى قِطَعِ الأُدُمِ وكِسَرِ الأَكْنَافِ والعُسُبِ(٣) ، فلما هلك أبو بكرٍ ، وكان
عمرُ، كتَب ذلك فى صحيفةٍ واحدةٍ ، فكانت عندَه ، فلما هلك كانت الصحيفةُ
عندَ حفصةَ زوج النبيِّ عَِّ ، ثم إن حذيفةَ بنَ اليمانِ قدِم مِن غزوةٍ كان غزاها فى
فرج إزمِينِيَةَ، فلم يَدْخُلْ بيتَه حتى أتَى عثمانَ بنَ عفانَ ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ،
(١) محزئل: أى منضم بعضه إلى بعضٍ، وقيل: مستوفز. النهاية ٣٧٩/١.
(٢) الأُدُم، جمع أديم: وهو الجلد المدبوغ. والأكتاف، جمع كتف: وهو عظم عريض خلف المنكب.
والعُشب، جمع عسيب : وهو جريدة النخل المستقيمة يكشف خوصها .
(٣) فى ص: ((مرج))، والفرج: الثغر المخوف .
وإرمينية جمهورية صغيرة من جمهوريات ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتى، وتقع على حدود تركيا وإيران .
ينظر : البلدان الإسلامية والأقليات الإسلامية فى العالم المعاصر ص ٥٧٧ .
٥٥
مقدمة المصنّف
أدْرِكِ الناسَ. فقال عثمانُ، وما ذاك؟ قال: غَزَوْتُ فرجَ إِزْمِينِيَةَ، فحضَرها أهلُ
العراقِ وأهلُ الشامِ ، فإذا أهلُ الشامِ يَقْرَءون بقراءةِ أُبىّ بنِ كعبٍ، فيأْتُون بما لم يَشْمَعْ
أهلُ العراقِ ، فيُكَفِّرُهم أهلُ العراقِ ، وإذا أهلُ العراقِ يَقْرَءون بقراءةِ ابنِ مسعودٍ ،
فِيَأْتُون بما لم يَسْمَعْ أهلُ الشامٍ ، فَيُكَفِّرُهم أهلُ الشامٍ . قال زيدٌ : فأمَرَنِى عثمانُ بنُ
عفانَ(١) أكْتُبُ له مصحفًا. وقال: إنى مُدْخِلٌ معك رجلًا لَبِيبًا فَصيحًا، فما
اْتَمَعْتُما عليه فاكْتُباه، وما اخْتَلَفْتُما فيه فارْفَعاه إلىّ. فجعَلُ(١) أبانَ بنَ سعيدِ بنِ
العاصِ. قال: فلما بلغا: ﴿إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ، أَن يَأْنِيَكُمُ الْتَّابُوتُ﴾ [ البقرة:
٢٤٨]. قال زيدٌ: فقلتُ: (التابوه). وقال أبانُ بنُ سعيدٍ: ﴿التَّابُوتُ﴾. فرفَعْنا
ذلك إلى عثمانَ فَكتَب: ﴿ التَّابُوتُ﴾. قال: فلما فرَغْتُ عرَضْتُه(٢) معه عَرْضةٌ،
فلم أَجِدْ فيه (٤) هذه الآيةَ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ / مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. إلى ٢٧/١
قوله: ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قال: فاسْتَعْرَضْتُ المهاجرين أَسْألُهم
عنها ، فلم أُجِدْها عندَ أحدٍ منهم، ثم اسْتَعْرَضْتُ الأنصارَ أَسْألُهم عنها ، فلم أَجِدْها
عندَ أحدٍ منهم، حتى وجَدْتُها عندَ خُزَيْمَةَ بنِ ثابتٍ ، فكتبتُها، ثم عَرَضتُه عَرْضَةً
أخرى، فلم أَجِدْ فيه هاتين الآيَتَيْن: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَّكُمْ﴾ إلى آخرِ السورةِ. [التوبة: ١٢٨، ١٢٩]
فاسْتَعْرَضْتُ المهاجرِين، فلم أجِدْها عند أحدٍ منهم، ثم اسْتَغْرَضْتُ الأنْصارَ
أَسْأَلُهم عنها ، فلم أُجِدْها عندَ أحدٍ منهم، حتى وجَدْتُها مع رجلٍ آخرَ يُدْعَى خزيمةً
أيضًا ، فأثْبُتُها فى آخرِ ((براءة))، ولو تَمَّتْ ثلاثَ آياتٍ لجعَلْتُها سورةً على حِدَةٍ ، ثم
(١) بعده فى ت ١: ((أن)).
(٢) زيادة من : م.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((عرضت).
(٤) بعده فى ر: ((إلا)).
(٥ - ٥) سقط من : ر.
٥٦
مقدمة المصنّف
عرّضْتُه عَرْضةً أخرى فلم أَجِدْ فيه شيئًا ، ثم أرْسَل عثمانُ إلى حفصةَ يَسْأَلُها أن تُعْطِيَه
الصَّحيفةَ، وحلَف لها لَيَرُدَّنَّها إليها ، فأعطَتْه إياها، فعرَض المصحفَ عليها ، فلم
يَخْتَلِفا فى شىءٍ ، فردَّها إليها ، وطابت نفسُه، وأمَر الناسَ أن يَكْتُبوا مَصاحفَ ، فلما
ماتتِ حفصةُ أَرْسَل إلى عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ فى الصَّحيفةِ بعَزْمةٍ، فأعطاهم إياها ،
فُغُسِلَت غَسْلًا(١).
وحدَّثنى (" به أيضًا) يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثْنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ ، قال :
حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ ، عن عُمارةً بنٍ غَزِيَّةَ، عن ابنِ شِهابٍ ، عن خارجةً بنِ
(٣)
زيدٍ ، عن أبيه زيدِ بنِ ثابتٍ ، بنحوِه سواءً .
وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ ، عن
أبى قِلابَةً، قال: لما كان فى خِلافةِ عثمانَ، جعَل المُعلِّمُ يُعَلِّمُ قراءةَ الرجلِ، والمُعُلِّمُ
يُعَلِّمُ قراءةَ الرجلِ ، فجعَل الغِلْمانُ يَلْتَقون فيَخْتَلِفِون ، حتى ارْتَفَع ذلك إلى المُعَلِّمِين،
قال أيوبُ : فلا أَعْلَمُه إلا قال: حتى كفَر بعضُهم بقراءةِ بعضٍ. فبلَغ ذلك عثمانَ ،
(١) أخرجه الطبرانى فى الكبير (٤٨٤٤)، والخطيب فى المدرج ٣٩٧/١ من طريق الدراوردى به .
وأخرجه البخارى (٤٩٨٦ - ٤٩٨٨) من طريق ابن شهاب، عن عبيد بن السباق ، عن زيد
بقصته مع أبى بكر وعمر، وعن أنس بقصة حذيفة مع عثمان، وعن خارجة بن زيد بقصة فقد الآية من
سورة الأحزاب .
وقال الحافظ : هذا هو الصحيح عن الزهرى .... وأغرب عمارة بن غزية فرواه عن الزهرى فقال: عن
خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه . وساق القصص الثلاث بطولها ؛ قصة زيد مع أبى بكر وعمر، ثم قصة
حذيفة مع عثمان أيضا، ثم قصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب، أخرجه الطبرى، وبين
الخطيب فى المدرج أن ذلك وهم منه وأنه أدرج بعض الأسانيد على بعض. ينظر المدرج ١/ ٣٩٩، ٤٠٠،
والفتح ٩/ ١١، ١٢، ومسند الطيالسى (٦٠٩).
(٢ - ٢) فى ص: ((أيضا))، وفى م: (( به)).
(٣) أخرجه الطحاوى فى المشكل (٣١١٨) عن يونس به.
٥٧
مقدمة المصنّف
فقام خطيبًا، فقال: أنتم عندى تَخْتَلِفون فيه وتَلْحَنون، فمَن نأَى(١) عنى مِن أهلِ
الأمصارِ أشدُّ فيه اخْتِلافًا ، وأشدُّ لَحْنًا، اجْتَمِعوا ( يا أصحابَ" محمدٍ، فاكْتُبوا
للناسِ إِمامًا. قال أبو قِلابةَ: فحدَّثنى ( مالكٌ أبو أنسٍ)، قال: كنتُ فى مَن يُمْلَى
عليهم ، قال: فربما اخْتَلَفوا فى الآيةِ ، فَيَذْكُرُون الرجلَ قد تَلَقًّاها مِن رسولِ اللهِ عَّهِ ،
ولعله أن يكونَ غائبًا ، أو فى بعضِ البَوادِى، فَيَكْتُبُون ما قبلَها وما بعدَها ، ويَدَعُون
موضعَها حتى يَجِىءَ أو يُرْسَلَ إليه ، فلما فرَغْ مِن المصحفِ ، كتَب عثمانُ إلى أهلِ
الأمصارِ: إنى قد صنَعْتُ كذا وكذا، ومحَوْتُ ما عندى، فامْحُوا ما عندَكم(١).
حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، قال : أُخْبَرنى يونُسُ ،
قال : قال ابنُ شهابٍ : أُخْبَرنى أنسُ بنُ مالكِ الأنصارىُّ، أنه اجْتَمَع لغزوةٍ أَذْرَبِيجانَ
وإزْمِينِيَةَ أَهلُ الشام وأهلُ العراقِ ، فتذاكروا القرآنَ ، فاخْتَلَفوا فيه حتى كاد يَكونُ
بينَهم فتنةٌ ، فركِب حذيفةُ بنُ اليَمانِ لَّ رَأَى اختلافَهم فى القرآنِ إلى عثمانَ ، فقال:
إن الناسَ قد اخْتَلَفوا فى القرآنِ(٥)، حتى إنى واللَّهِ لَأَخْشَى أن يُصِيبَهم مثلُ ما أصاب
اليهود والنصارى مِن الاختلافِ. قال: ففزع لذلك فزعًا شديدًا، فأرسَل إلى حفصةً،
(١) فى ر: ((غاب)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((بأصحاب)).
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((أنس بن مالك)). وفى المصاحف لابن أبى داود - وعنه الكنز
(٤٧٧٦) -: ((مالك بن أنس - قال أبو بكر بن أبى داود: هذا مالك بن أنس جد مالك بن أنس)).
والصواب ما أثبتنا كما فى ((ر)). وهو مالك بن أبى عامر الأصبحى - وهكذا ذكره الحافظ فى الفتح ١٩/٩
عن ابن أبى داود - كان ممن قرأ فى زمان عثمان، وكان يكتِّبه المصاحف . ينظر المصاحف ص ٢٦، وجمهرة
أنساب العرب ص ٤٣٥، ٤٣٦ وتهذيب الكمال ١٤٨/٢٧.
(٤) أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص ٢١ من طريق ابن علية به. وعزاه المتقى الهندى فى الكنز
(٤٧٧٦) إلى ابن الأنبارى. وينظر المتفق والمفترق للخطيب ١٢٩/١، ١٣٠.
(٥) فى ت ٢: ((القراءة)).
٥٨
مقدمة المصنّف
فاسْتَخْرَج الصحفَ (١) التى كان أبو بكرٍ أَمَر زيدًا بجمعِها، فنسَخ منها مَصاحفَ،
فبعَث بها إلى الآفاقِ (٢).
٢٨/١
/حدَّثنى سعيدُ بنُ الربيع، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُبَيْنةَ، عن الزهرىِّ، قال:
قُبِض النبىُّ عَّهِ ولم يَكُنِ القرآنُ جُمِع، وإنما كان فى الكَرانيفِ(٢) () والعُشُبِ
والسَّعَفِ".
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيع، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن مُجالِدٍ ، عن الشعبىِّ ، عن
صَعْصَعَةَ، أن أبا بكرٍ أولُ مَن وَرَّث الكَلالةَ، وجَمَع المصحفَ(٥).
وما أشبه ذلك [٨/١و] مِن الأخبارِ التى يَطولُ باستيعابٍ جميعِها الكتابُ ،
والآثارِ الدالةِ على أن إمامَ المسلمين وأميرَ المؤمنين عثمانَ بنَ عفانَ رحمةُ اللَّهِ عليه ،
جَمَع المسلمين ؛ نظرًا منه لهم، وإِشْفاقًا منه عليهم، ورأفةً منه بهم، حِذارَ الرِّدَّةِ (١)
مِن بعضِهم بعدَ الإسلامِ، والدخول فى الكفرِ بعدَ الإيمانِ ، إذ ظهَر مِن بعضِهم
بمحضَرِهِ وفى عصرِه التكذيبُ ببعضِ الأحرفِ السبعةِ التى نزَل عليها القرآنُ ، مع
سَماعٍ أصحابٍ رسولِ اللَّه عَّهِ مِن رسولِ اللَّهِ عَهِ النهىَ عن التكذيبِ بشيءٍ
منها ، وإخبارِه إياهم أن المِراء فيها كفرٌ، فحمَلهم رحمةُ اللَّهِ عليه، إذ رأَى ذلك
ظاهرًا بينَهم فى عصرِه، وبحَداثةِ عهدِهم بنزولِ القرآنِ ، وفِراقِ رسولِ اللَّهِ صَاحِ
(١) فى ص، وكتاب المصاحف ص ٢١: ((الصحيفة))، وفى ت ١: ((المصحف)).
(٢) أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص ١٨، ٢١ من طريق الزهرى به.
(٣) الكرانيف: جمع كُرنافة، وهى أصل السعفة الغليظة. النهاية ٤/ ١٦٨.
(٤ - ٤) فى ص، ت ١: ((والسعف))، وفى م: ((والعسب))، وفى ت ٢: (( والشعف)).
والأثر أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص٢٣ من طريق الزهرى به نحوه .
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٤٥/١٠ من طريق سفيان به .
(٦) بعده فى م بين معكوفين: ((بمحضره)).
(٧) سقط من: م.
٥٩
مقدمة المصنّف
إياهم، بما أمِن عليهم معه عظيمَ البلاءِ فى الدينِ؛ مِن تلاوةِ القرآنِ على حرفٍ
واحدٍ، وجَمَعهم على مصحفٍ واحدٍ (١)، وخرّق(١) ما عدا المصحفَ الذى
جَمَّعهم عليه، وعزَم على كلِّ مَن كان عندَه مصحفٌ مُخالِفٌ المصحفَ الذى
جَمَعَهم عليه أن يُخَرِّقَهُ(١) ، فاسْتَوْثَقَت له الأمةُ على ذلك بالطاعةِ، ورأت أن فيما
فعَل مِن ذلك الرشدَ والهدايةَ ، فترَكَّت القراءةَ بالأحرفِ الستةِ التى عزَم عليها إمامُها
العادلُ فى تركِها ، طاعةً منها له، ونظرًا منها لأنفسِها ولمن بعدَها مِن سائرِ أهلِ
مَّتِها، حتى دَرَسَت مِن الأمةِ معرفتُها، وتعَقَّت آثارُها، فلا سبيلَ اليومَ لأحدٍ إلى
القراءةِ بها ، لدُثورِها وعُفُوٌّ آثارِها ، وتتابعِ المسلمين على رفضٍ القراءةِ بها ، مِن غيرِ
بُجُحودٍ منها(٢) صحتَها وصحةَ شىءٍ منها، ولكن نظرًا منها لأنفسِها ولسائرِ أهلِ
دينِها ، فلا قراءةَ للمسلمين اليومَ إلا بالحرفِ الواحدِ الذى اخْتارَه لهم إِمامُهم الشفيقُ
الناصح، دونَ ما عداه مِن الأحرفِ الستةِ الباقيةِ .
فإن قال بعضُ مَن ضعُفَت معرفتُه: وكيف جاز لهم تركُ قراءةٍ أَقْرَأَهموها
رسولُ اللَّهِ عَّهِ وأمرهم بقراءتِها ؟
قيل : إن أمرَه إياهم بذلك لم يَكُنْ أمرَ إيجابٍ وفرضٍ، وإنما كان أمرَ إباحةٍ
ورُخْصةٍ؛ لأن القراءةَ بها لو كانت فرضًا عليهم، لَوجَب أن يكونَ العلمُ(٥) بكلِّ
حرفٍ مِن تلك الأحرفِ السبعةِ عندَ مَن يَقومُ بنقلِهِ الحُبَّةُ ، ويَقْطَعُ خبرُه العذرَ،
(١) بعده فى ص، م: (( وحرف واحد)).
(٢) فى ر، م، ت ١: (( حرق)).
(٣) فى ر، م، ت١: ((يحرقه)). قال الحافظ فى الفتح ٢٠/٩: فى رواية الأكثر: ((أن يخرق)) بالخاء
المعجمة، وللمروزى بالمهملة، ورواه الأصيلى بالوجهين، والمعجمة أثبت .
(٤) فى ص، ر، ت ١: ((منهم)). ومنها: أى من الأمة .
(٥) بعده فى ت ١: ((بذلك)).
٦٠
مقدمة المصنّف
ويُزِيلُ الشكَّ مِن قَرَأَةِ الأمةِ ، وفى تركِهم نقلَ ذلك كذلك أوضحُ الدليلِ على أنهم
كانوا فى القراءةِ بها مُخَيَّرِين، بعدَ (١) أن يكونَ فى نَقَلِ القرآنِ مِن الأمَّةِ مَن تَجِبُ بنقلِه
الحجةُ ببعضِ تلك الأحرف السبعةِ ، فإذ(٢) كان ذلك كذلك، لم يَكُنِ القومُ بتركهم
نقل جميع القراءات السبع تارِ کین ما كان علیھم نقلُه ، بل كان الواجبُ علیھم مِن
٢٩/١ الفعلِ ما فعلوا، إذ كان الذى / فعَلوا مِن ذلك، كان هو النَّظَرَ للإسلام وأهلِه ، فكان
القيامُ بفعلِ الواجبِ عليهم بهم أولى من فعلٍ ما لو فعلوه كانوا إلى الجنايةِ على
الإسلامِ وأهلِه أقربَ منهم إلى السلامةِ مِن ذلك .
فأما ما كان مِن اختلاف القرأة فی رفع حرف وجرّه ونصبه، وتَسْکینِ حرفٍ
وتحريكِه، ونقلٍ حرفٍ إلى آخرَ، مع اتفاقِ الصورةِ، فمِن معنى قول النبيِّ عَلِّ :
((أُمِرْتُ أن أَقْرَأَ الْقُرْآنَ على سَبْعَةٍ أُخْرُفٍ)) - بِمَعْزِلٍ؛ لأنه معلومٌ أنه لا حرفَ مِن
حروفٍ القرآنِ مما اخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءتِه بهذا المعنى يُوجِبُ المِراءُ به كفْرَ المُمارِى
به فى قولٍ أحدٍ مِن علماءِ الأمةِ(٣).
وقد أوْجَب ◌ِّهِ بالمراءِ فيه الكفرَ مِن الوجهِ الذى تَنَازَع فيه المتُّازِعون
إليه، وتَظاهَرَت عنه بذلك الروايةُ، على ما قد قدَّمْنا ذكرَها فى أولِ هذا
(٤)
الباب(4) .
(١) فى ت ١: ( بین)).
(٢) فى م: ((فإذا)).
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية : والنزاع فى أن القراءات السبعة المنسوبة إلى نافع وعاصم وغيرهما هل هى
حرف من الحروف السبعة أم لا؟ فالذى عليه جمهور العلماء من السلف والأئمة أنها حرف من الحروف
السبعة، وهو متضمن للعرضة الآخرة التى عرضها النبى معه على جبريل، والأحاديث والآثار المشهورة
المستفيضة تدل على هذا القول. مجموع الفتاوى ٣٩٥/١٣.
(٤) فى ت ٢: ((الكتاب)) .
.