النص المفهرس

صفحات 1-20

تفسِيُ الطَّيُرى
٧
جَامِعُ الْبَّيّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَى الْقُرَآنِ
لأَنِ جَعَفَر محمّد بن جَرِيِ الطَّبَرِيّ
(٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ)
تحقيق
الدكتور عدالنَّدبن عبد لحسن التركي
بالتعاون مع
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الجزء الأول
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

٣
مقدمة المصنّف
(١)
#
٣/١
"قُرِئ على أبى جعفرٍ محمدِ بنِ جريرِ الطَّبَرِىِّ، فى سنةِ ستٍّ وثلاثِمائَةٍ،
قال(٢) :
٢)
الحمدُ للَّهِ الذى حَجَّت (٣) الألبابَ بَدائعُ محُكْمِهِ(٤)، وخصَمَت العقولَ لَطائفُ
حُجَجِه، وقَطعَت عُذْرَ المُلْحِدِينِ عَجائبُ صُنْعِه، وهتَف فى أسماع العالمين
أَلْسِنُ أدلَّتِهِ، شاهدةً أنه اللَّهُ الذى لا إلهَ إلَّ هو، الذى لا عِدْلَ له مُعادِلٌ(١)، ولا مِثْلَ له
مُماثِلٌ، ولا شريكَ له مُظاهِرٌ، ولا ولدَ له ولا والدٌ، ولم يَكُنْ له صاحبةٌ، ولا كُفُوًا
أحدٌ ، وأنه الجبارُ الذى خضَعَت لجَبروتِهِ الجَابرةُ ، والعزيزُ الذى ذَلَّت لعزَّتِه الملوكُ
الأعِزَّةُ، وخشَعَت لمهابةٍ سَطْوتِهِ(٧) ذَؤُو المهابةِ، وأَذْعَن له جميعُ الخلقِ بالطاعةِ ،
طَوْعًا وكَرْهًا، كما قال جلَّ ثناؤه وتقدَّسَتْ أسماؤه: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ﴾ [ الرعد: ١٥].
* الأرقام التى بين المعقوفين أرقام المخطوط المشار له بالرمزت ١ ، وهو أحد نسخ مكتبة الفاتح التى حصلنا عليها
من مكتبة آياصوفيا .
(١) بعده فى ص: ((رب تمم برحمتك))، وفى م: ((وبه ثقتى وعليه اعتمادى رب يسر))، وفى ت١: ((وبه نستعين)).
(٢ - ٢) فى ص: ((قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى رحمه اللَّه))، ومثله فى ت١ دون قوله: ((الإمام)).
(٣) فى م، ت١، ت٢: ((حجبت)).
(٤) فى ت٢: (( حكمته) .
(٥) فى ت١، ت٢: ((هتفت).
(٦) سقط من : ر، ت٢ .
(٧) فى ت٢: ((سطواته)).

٤
مقدمة المصنّف
فكلُّ موجودٍ إلى وَخْدانيتِه داع ، وكلّ مَحسوسٍ إلی رِبُوبیتِه هادٍ ، بما وسَمهم
به مِن آثارِ الصَّنْعةِ؛ مِن نقصٍ وزيادةٍ، وعجزٍ وحاجةٍ، وتصَرُّفٍ فى عاهاتٍ
عارضةٍ(١)، ومُقارَنةِ أحداثٍ لازمةٍ؛ لِتَكونَ له الحُجّةُ البالغةُ ، ثم أردف ما شهِدت به
مِن ذلك أدلته، وأكَّد ما اسْتَنارت فى القلوبِ منه بهجتُه، برسلٍ ابْتَعَتهم إلى"
(٢)
عبادِه، دُعاةً إلى ما اتَّضَحَت لديهم صحتُه، وثبَتَت فى العقولِ حُجَّتُه؛ ﴿لِئَّلَا
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ولِيَذَّكَّرَ أولو النُّهَى
والحِلْم ، فأمَدَّهم بعونِه ، وأبانَهم مِن سائرٍ خلقِه، بما دلَّ به على صدقِهم مِن الأدلةِ ،
وأيَّدَهم به مِن الحُجَج البالغةِ ، والآيِ المُعْجِزةِ؛ لئلا يقولَ القائلُ منهم(١): ﴿مَا
هَذَا(٤) إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴿ وَلَيِنْ أَطَعْتُم
بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣، ٣٤].
فجعَلهم سُفَراءَه (٥) بينَه وبينَ خلقِه، وأُمناءَه على وَخِهِ ، واخْتَصَّهم بفضلِهِ ،
واصْطَفاهم برسالتِهِ، ثم جعَلهم فيما خصَّهم به مِن مَواهبِهِ ، ومَنَّ به عليهم مِن
كراماتِه - مَراتبَ مُختلفةً، ومَنازلَ مُفْتَرقةٌ، ورفَع بعضَهم فوقَ بعضٍ دَرَجاتٍ
مُتَفَاضِلاتٍ مُتَبايناتٍ؛ فكرَّم بعضَهم بالتَّكْلِيم والنَّجْوَى، وأيَّد بعضَهم برُوحِ
القُدُسِ، وخصَّه بإحياء الموتى، وإثراءِ أُولِى العاهةِ والعَمَى،/ وفضَّل نبيَّنا
محمدًاً مٍَّ مِن الدرجاتِ بالعُلْيا، ومِن المراتبِ بالعُظْمَى ، فحَباه مِن أقسامِ كَرامتِه
بالقسم الأُفْضلِ، وخصَّه مِن درجاتِ النبوَّةِ بالحظّ الأْزَلِ، ومِن الأتباع
والأصحابِ بالنصيبِ الأوْفرِ، وابْتَعَثه بالدَّعوةِ التامَّةِ ، والرسالةِ العامةِ، وحاطه
٤/١
(١) فى ر: ((المعارضة)).
(٢) بعده فى م، ت١: ((من يشاء من)).
(٣) فى م ((فيهم)).
(٤) فى ص: ((هؤلاء))، وفى ر، ت٢: ((هو)).
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢: ((سفراء)).

٥
مقدمة المصنّف
وحيدًا، وعصَمه(١) فَرِيدًا، مِن كلِّ جبارٍ عائدٍ، وكلِّ شيطانٍ ماردٍ ، حتى أَظْهَر به
الدينَ، وأَوْضَح به السبيلَ، وأَنْهَجُ(١) به مَعالمَ الحقِّ، ومحَق به مَنارَ الشركِ ، وزهَق
به الباطلُ، واضْمَحَلَّ به الضلالُ، وخُدَعُ الشيطانِ ، وعبادةُ الأصنام والأوثانِ ،
مُؤَيَّدًا بدَلالةٍ على الأيام باقيةٍ، وعلى الدُّهورِ والأزْمانِ ثابتةٍ، وعلى مرّ الشهورِ
والسنينَ دائمةٍ ، يَزْدادُ ضِياؤُها على كَرّ الدُّهورِ إِشْراقًا، وعلى مرّ الليالي والأيام
اثْيِلاقًا (٤)، خِصِّيصَى (٥) مِن اللَّهِ له بها دونَ سائرٍ رسلِه الذين قَهَرَتهم الجبابرةُ ،
واسْتَذَلَّنهم الأممُ الفاجرةُ، فتعفَّت بعدَهم منهم الآثارُ، وأَحْمَلَت ذكرَهم الليالى
والأيامُ، ودونَ مَن كان منهم مُرْسَلًا إلى أمةٍ دونَ أمةٍ ، وخاصةٍ دونَ عامَّةٍ ، وجماعةٍ
دون كافَّةٍ .
فالحمدُ للَّهِ الذى كرَّمَنا بتصديقِه، وشرَّفَنَا باتِّباعِه، وجعَلَنا مِن أهلِ الإِقْرارِ
والإيمانِ به ، وبما دعا إليه وجاء به، صلى اللَّهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم، أزْكَى صَلواتِه،
(٦ ٢ ٣
وأفضلَ سلامِه، (وأتمَّ تحيّاتِه) .
ثُمَّ أَمَّا بعدُ ، فإن مِن جَسيم ما خصَّ اللَّهُ به أمَّةَ نبيّنا محمدٍ عَّهِ مِن الفضيلةِ،
وشرَّفهم به على سائرِ الأمم مِن المنازلِ الرفيعةِ ، وحَبَاهم به مِن الكرامةِ السَّنِيّةِ، حِفْظَه
ما حفظ عليهم جل ذكرُه وتقدَّست أسماؤه ، مِن وحيِه وتَنْزِيلِه ، الذى جعله على
(١) سقط من : ر .
(٢) فى ر، ت٢: ((أبهج)).
(٣) فى م: (( ممر)).
(٤) فى ر، ت٢: ((انفلاقا)).
(٥) فى م: ((تخصيصا)). يقال: خصه بالشىء، خصًّا وخصوصا وخصوصية وخصيصى، ويمد : إذا فضله
دون غيره .
(٦ - ٦) زيادة من : م .
+

٦
مقدمة المصنّف
حقيقةِ نُبُوَّةٍ نبيِّهِم مَِّلِّ دَلالةً، وعلى ما خصَّه به مِن الكرامةِ علامةً واضحةً ، وحُجَّةٌ
بالغةً ، أبانه [٢/١و] به مِن كلِّ كاذبٍ ومُفْتَرٍ، وفصَل به بينَهم وبينَ كلِّ جاحدٍ
ومُلْحِدٍ ، وفرَق به بينَهم وبينَ كلِّ كافرٍ ومشركٍ، الذى لو اجْتَمَع جميعُ مَن بينَ
أَقَطارِها ؛ مِن جِنِّها وإنْسِها ، وصغيرِها وكبيرِها ، على أن يأتوا بسورةٍ مِن مثله ، لم
يأتوا بمثلِه ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظَهيرًا (١)، فجعله لهم فى دُجَى الظَّلَم نورًا ساطعًا،
وفى سُدَفٍ (٢) الشُّبَهِ(٢) شِهابًا لامعًا، وفى مَضَلَّةِ الْمَسالكِ دليلًا هاديًا، وإلى سُبْلٍ
النجاةِ والحقِّ حاديًا، ﴿يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ
وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَىَ النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ
◌ُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: ١٦]. حرَسه بعينٍ منه لا تَنامُ، وحاطه برُكّنٍ منه لا يُضامُ ،
لا تَهِى على الأيامِ دَعائمُه، ولا تَبِيدُ على طولِ الأزمانِ مَعالمُهُ، ولا يَجورُ(٤) عن قصدٍ
المَحَّةِ تابعُه، ولا يَضِلُّ عن سُبُلِ الهُدَى مُصاحِبُه، مَن اتَّبَعه فاز وهَدَى ، ومَن حاد
عنه ضلَّ وغَوَى ، فهو مَوْئِلُهم الذى إليه عند الاختلافِ يَئِلون ، ومَعْقِلُهم الذى إليه
فى النَّوازلِ يَعْتَقِلون١٢ُ، وحِصْنُهم الذى به مِن وَساوسِ الشيطانِ يَتَحَصَّنون،
وحِكْمةُ ربِّهم التى إليها يَحْتَكِمون ، وفَصْلُ قَضائِه بينَهم الذى إليه يَنْتَهون ، وعن
الرِّضا به يَصْدُرون، وحَبْلُه الذى بالتَّمَشُكِ(٢) به مِن الهَلَكَةِ يَعْتَصِمون.
اللهم فوَفِّْنا لإصابةِ صَوابِ القولِ فى مُحْكَمِه ومُتَشابِهِه ، وحَلالِهِ وحَرامِه ،
(١) اقتباس من الآية ٨٨ من سورة الإسراء.
(٢) السدف، وإحدها سدفة: وهى ظلمة الليل يخالطها بعض الضوء، وتكون فى أول الليل وآخره. ينظر تاج
العروس (س د ف) .
(٣) فى ص، ت١: ((الشبهة)).
(٤) فى ر: (( يجوز)).
(٥) فى ر: ((يعقلون)).
(٦) فى ر: ((يتمسك)).

٧
مقدمة المصنّف
وعامِّه وخاصِّه، ومُجْمَلِه ومُفَسَّرِه، وناسخِه ومَنْسوخِه، وظاهره وباطنه، وتأويل
آيِهِ ، وتفسيرٍ مُشْكِلِه، وأَلْهِمْنا التمسكَ به، / والاغْتِصامَ بِمُحْكَمِه، والثَّباتَ(١) على ٥/١
التسليم لَمْتُشابِهِه، وأَوْزِعْنا الشكرَ على ما أَنْعَمْتَ به علينا، مِن حفظِهِ، والعلم
بحُدودِهِ ، إنك سميعُ الدعاءِ، قريبُ الإجابةِ ، وصلى اللَّهُ على محمد النبيِّ وآلِهِ ،
وسلَّم تسليمًا .
اعْلَموا عبادَ اللَّهِ، رحِمكم اللَّهُ، أن أحقَّ ما صُرِفت إلى علمِه العِنايةُ، ويُلِغت
فى معرفته الغايةُ ، ما كان للَّهِ فى العلمِ به رِضًا، وللعالمِ به إلى سبيلِ الرشادِ هُدِّى،
وأنّ أجْمَعَ ذلك لباغيه، كتابُ اللَّهِ الذى لا ريبَ فيه، وتَنْزِيلُه الذى لا مِرْيةً فيه ،
الفائزُ بجزيلِ الذُّخْرِ وسَنِىٌّ الأجرِ تاليه ، الذى لا يَأْتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن
خلفِه ، تنزيلٌ مِن حكيمٍ حميدٍ (٢).
ونحن فى شرح تأويله وبيانِ ما فيه مِن معانيه، مُنْشِئون ، إن شاء اللَّهُ ذلك ،
كتابًا مُسْتَوْعِبًا لكلِّ ما بالناسِ إليه الحاجةُ مِن علمِه، جامعًا ، ومِن سائرِ الكتبِ غيرِه
فى ذلك كافيًا، ومُخْبِرون فى كلِّ ذلك بما انْتَهَى إلينا مِن اتفاقِ الحجةِ فيما اتَّفَقَت
عليه منه، واختلافِها فيما اختَلَفَت فيه منه، ومُبَيِّنو (٣) عِلَلِ كلِّ مذهبٍ مِن مذاهبهم،
ومُوَضِّحو الصحيح لدينا مِن ذلك، بأوْجَزٍ ما أمْكَن مِن الإيجازِ فى ذلك، وأُخْصَرِ ما
أَمْكَن مِن الاخْتِصارِ فيه ، واللَّهَ أسْألُ(٤) عونَه وتوفيقَه لما يُقَرّبُ مِن مَحابّه، ويُعِدُ مِن
مَساخِطِه، وصلَّى اللَّهُ على صَفْوتِهِ مِن خلقِه وعلى آلِهِ ، وسلّم تسليمًا كثيرًا .
(١) فى ر: ((البيان)).
(٢) اقتباس من الآية ٤٢ من سورة فصلت .
(٣) فى ص: ((مبينون))، وفى ر، ت٢: ((مثبتو)).
(٤) فى ر: ((يسأل))، وفى م: ((نسأل))، وفى ت٢: ((يسأله)).
د

٨
مقدمة المصنّف
و(١) أولُ مَا نَبْدَأُ به مِن القِيلِ فى ذلك الإبانةُ عن الأسبابِ التى البدايةُ بها أَوْلَى ،
وتقديمُها قبلَ ما عداها أُخْرَى ؛ وذلك البيانُ عما فى آي القرآنِ مِن المعانى التى مِن
قِتَلِها يَدْخُلُ اللَّسُ على مَن لم يُعانِ رِياضةَ العلومِ العربيةِ، ولم تَسْتَحْكِمْ معرفتُه
بتَصاريفِ وُجوهِ مَنْطِقِ الأَلسنِ السَّلِيقيَّةِ الطبيعيةِ .
القولُ فى البيانِ عن اتّفاقِ مَعانى آي القرآنِ ومعانی مَنْطِقٍ مَن نزَل
بلسانِهِ مِن وجهِ البيانِ ، والدَّلالةُ علی أن ذلك مِن اللهِ جل وعز هو
الحكمةُ البالغةُ ، مع الإبانةِ (١) عن فضلِ المعنى الذى به بايَن القرآنُ
سائرَ الكلامِ
قال أبو جعفرٍ: إن مِن عظيمٍ(١) نعمِ اللَّهِ على عبادِهِ، وَسيمٍ مِنَّه(٤) على خلقِه،
ما منَحهم مِن فضلِ البَيانِ ، الذى به عن ضمائرِ صُدورِهم يُبينون ، وبه على عَزائِمٍ
نفوسِهم يَدُلُّون، فذلَّل به منهم الألسنَ، وسهَّل به عليهم المُسْتَصْعبَ ، فبه إِیاه
يُوَحِّدون، وإياه به يُسَبِّحون ويُقَدِّسون، وإلى حاجاتِهِم به يَتَوَصَّلون، وبه بينَهم
يَتَحَاوَرون ، فيتَعارَفون ويَتَعامَلون .
ثم جعَلهم جل ذكرُه - فيما منَحهم مِن ذلك - طبقاتٍ، ورفَع بعضَهم فوقَ
بعضٍ درجاتٍ ، فَبَيْنَ خَطيبٍ مُشْهِبٍ ، وذَلِقِ اللسانِ مُهْذِبٍ ، ومُفْحَم عن نفسِه لا
يُبِينُ، وعَيِىٌّ عن ضميرٍ قلبِهِ لا يُعَبِّرُ، وجعَل أعْلاهم فيه رُتْبةٌ ، وأَرْفَعَهم فيه درجةٌ ،
أَبْلَغَهم فيما أراد به بلاغًا ، وأبينَهم عن نفسِه به بيانًا ، / ثم عرَّفهم فى تنزيله ومُحْكَم
٦/١
(١) بعده فى م، ت١، ت٢: ((إن)).
(٢) فى ر: ((الأمانة)).
(٣) فى ص، ر: ((أعظم)).
(٤) فى م، ت١، ت٢: ((مننه)).

٩
مقدمة المصنّف
آي كتابِهِ، فضْلَ ما حباهم به من البيانِ ، على مَن فضَّلهم به عليه مِن ذى البَكَم
والْمُسْتَعْجِم اللسانِ، فقال تعالى ذكره: ﴿أَوَمَن يُنَشَؤُأُ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِ الْخِصَامِ
غَيْرٌ مُبِينٍ ﴾ [الزخرف: ١٨].
فقد وضَح إذن لذَوِى الأَفْهامِ ، وتَيَّن لأُولى الألبابِ ، أنَّ فضْلَ أهلِ البيانِ على
أهلِ البَكم والمُسْتَعْجِم اللسانِ ، بفضلِ اقْتِدارِ هذا مِن نفسِه على إبانةِ ما أراد إبانته عن
نفسِه ببيانِه ، واسْتِعْجامٍ لسانِ هذا عما حاوَل إبانتَه بلسانِه .
فإن كان ذلك كذلك، وكان المعنى الذى به بايَن الفاضلُ (١) المفضولَ فى
ذلك، فصار به فاضلاً، والآخر مفضولًا، هو ما وصَفْنا مِن فضلٍ إبانةِ ذى البيانِ
عما قصّر عنه المُسْتَعْجِمُ اللسانِ ، وكان ذلك مُخْتَلِفَ الأُقْدَارِ، مُتَفاوِتَ الغاياتِ
والنِّهاياتِ ، فلا شكَّ أن أعْلَى منازلِ البيانِ دَرَجةٌ ، وأسْنَى مَراتِه مرتبةٌ ، أَبْلَغُه فى
حاجةِ المُبِينِ عن نفسِه ، وأبينُه عن مرادِ قائِلِه، وأقربُهُ(١) مِن فهم سامعِه ، فإن تجاوز
ذلك المِقْدارَ، وارتفع عن وُسْعِ الأُنامِ ، وعجَز عن أن يأتِىَ بمثله جمیعُ العبادِ ، كان
مُجَّةٌ وعَلَمًا لرسلِ الواحدِ القهارِ، كما كان حجةٌ وعَلَمًا لها إحياءُ الموتى وإبراءُ
الأَبْرصِ وَذَوِى العَمَى ، بارتفاع ذلك عن مقاديرٍ أعلى منازلٍ طبِّ المتطيِِّين، وأرْفَع
مراتبٍ علاج المُعالجِين، إلى ما يَعْجِزُ عنه جميعُ العالمين، وكالذى كان لها حُجَّةٌ
وعَلَمًا قطعُ مسافةٍ شهرَيْن فى الليلةِ الواحدةِ ، بارتفاع ذلك عن وُسْع الأنام ، وتعَذُّرٍ
مثلِه على جميعِ العبادِ ، وإن كانوا على قطعِ القليلِ مِن المسافةِ قادرين، ولليسيرِ منه
فاعلين .
(١) بعده فى ر: ((و)).
(٢) بعده فى م، ت١، ت٢: ((به).
(٣) فى ر، ت١: ((بهم)).

١٠
مقدمة المصنّف
فإن كان ما وصَفْنا مِن ذلك كالذى وصَفْنا ، فبَيِّنٌّ ألا بيانَ أَثْيَنُ، ولا حِكْمةً
أبلغُ، [٢/١ظ] ولا مَنْطِقَ أعلى، ولا كلامَ أشرفُ ، مِن بيانٍ ومَنْطِقٍ تحَدَّى به امرُؤٌ
قومًا ، فى زمانٍ هم فيه رُؤساءُ صناعةِ الخُطَبِ والبلاغةِ ، وقِيلِ الشعرِ والفَصاحةِ ،
والسَّجْعِ والكِهانة (١)، على(٢) كلِّ(٣) خطيبٍ منهم وبليغٍ، وشاعرٍ منهم وفَصيحٍ،
وكلِّ ذى سَجْع وكِهانةٍ - فسقَّه أحلامَهم ، وقصَّر بعقولهم(٤) ، وتَبَّأُ مِن دينهم،
ودعا جميعَهم إلى اتّباعِه ، والقَبولِ منه، والتَّصديقِ به، والإقرارِ بأنه رسولٌ إليهم مِن
ربِّهم ، وأخْبَرهم أنّ دَلالتَه على صدقٍ مقالتِه ، وحجّتَه على حقيقةٍ نبوته، ما أتاهم به
مِن البيانِ والحكمةِ والفُرْقانِ ، بلسانٍ مثلٍ ألسنتِهم، ومَنْطِقٍ موافقةٍ معانيه معانىَ
مَنْطِقِهم ، ثم أنْبَأْ جميعَهم أنهم عن أن يأتوا بمثلِ بعضِه عَجَزةٌ، ومِن القُدْرةِ عليه
نَقَصةٌ، فَأَقرَّ جميعُهم بالعجزِ، وأذْعَنوا له بالتَّصْديقِ، وشهِدوا على أنفسِهم
بالنقصِ ، إِلا مَن تجاهَل منهم وتَعامَى ، واسْتَكْبَر وتعاشَى ، فحاوَل تكَلُّفَ ما قد علِم
أنه عنه عاجزٌ، ورام ما قد تيَقَّن أنه عليه غيرُ قادرٍ ، فأَبْدَى مِن ضعفٍ عقلِه ما كان
مُسْتَتِرًا، ومِن عِىٌّ لسانِهِ ما كان مَصُونًا، فأتَى بما لا يَعْجِزُ عنه الضعيفُ الأخْرَقُ ،
والجاهلُ الأحمقُ، فقال(٥): والطاحناتِ طحنًا، والعاجناتِ عجنًا، فالخابزاتِ
خبزًا، والثارداتِ ثَرْدًا، واللاقماتِ لَقْمًا. ونحو ذلك مِن الْحَماقاتِ (٤) المُشْبِهِةِ دَغْواه
الكاذبة .
(١) إنما ضرب المثل بالكهان فى السجع؛ لأنهم كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين ،
يستميلون بها القلوب ويستصغون إليها الأسماع . اللسان (ك هـ ن).
(٢) زيادة من : ر .
(٣) سقط من : ص .
(٤) فى م: (( معقولهم)).
(٥) يعنى مسيلمة الكذاب . ينظر تاريخ المصنف ٢٨٤/٣، والبداية والنهاية ٤٧٣/٩ .
(٦) فى ص، ر: ((الحمقات)).
-------- "

١١
مقدمة المصنّف
فإذْ كان تَفاضُلُ مراتبِ البَيانِ ، وتَبَائُنُ منازلٍ دَرَجاتِ الكلامِ بما وصَفْنا قبلُ ،
وكان اللَّهُ تعالى ذِكْرُه / وتقَدَّست أسماؤُه أَحْكمَ الحُكماءِ، وأحْلَمَ الحُلماءِ، كان ٧/١
معلومًا أن أُبینَ البیانِ بیانُه ، وأفضلَ الكلام كلامُه، وأنَّ قدر فضلٍ بیانه جل ذکرُه
على بيانٍ (١) جميع خلقه، كفضلِهِ على جميعٍ عبادِه.
فإن كان ذلك كذلك، وكان غيرَ مُبِينٍ منا عن نفسِه مَن خاطَب غيرَه بما لا
يَفْهَمُه عنه المخاطَبُ، كان معلومًا أنه غيرُ جائزٍ أن يُخاطِبَ جل ذكرُه أحدًا مِن خلقِه
إلا بما يَفْهَمُه المخاطَبُ، ولا يُؤْسِلَ إلى أحدٍ منهم رسولاً برسالةٍ إلا بلسانٍ وبيانٍ يَفْهَمُه
الْمُؤْسَلُ إليه؛ لأن ("المخاطَبَ وَ المُؤْسَلَ إليه إن لم يَفْهَمْ ما خُوطِبَ به وأَرْسِل به إليه ،
فحالُه قبلَ الخطابِ وقبلَ مَجىءٍ الرسالةِ إليه وبعدَه سَواءٌ، إذ لم يُفِدْه الخطابُ
والرسالةُ شيئًا كان به قبلَ ذلك جاهلاً ، واللَّهُ جل ذكره يَتَعالَى عن أن يُخاطِبَ خِطابًا
أو يُؤْسِلَ رسالةً لا تُوجِبُ فائدةً لمن خُوطِب أو أُوْسِلَت إليه؛ لأن ذلك فينا مِن فعلِ
أهلِ النقصِ والعَبَثِ، واللَّهُ تعالى عن ذلك مُتَعالٍ، ولذلك قال جل ثناؤه فى مُحْكُمٍ
* [إبراهيم: ٤].
تَنْزِيلِه: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ
وقال لنبيِّه محمدٍ عَ اهِ: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيَّكَ اَلْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى أَخْتَلَفُواْ فِيٍ
وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. فغيرُ جائزِ أن يَكُونَ بِهُ ) مُهْتَدِيًّا مَن
كان بما (٤) يُهْدَى إليه جاهلًا .
فقد تبَيَّنَ إذن - بما عليه دلَّلْنا مِن الدَّلالةِ - أن كلَّ رسولٍ للَّهِ جل
(١) سقط من : ص ، ت١ .
(٢ - ٢) سقط من : ص .
(٣) سقط من : ر .
(٤) فى م: (( بها)).
م

١٢
مقدمة المصنّف
ثناؤُه أَرْسَله إلى قوم، فإنما أرْسَله بلسانٍ مَن أَرْسَله إليه، وكلَّ كتابٍ أَنْزَله
على نبيِّ، ورسالةٍ أَرْسَلَها إلى أُمَّةٍ ، فإنما أَنْزَلَه بلسانٍ مَن أَنْزَلَه أو أَرْسَله إليه .
فاتَّضَح بما قلْنا ووصَفْنا أنَّ كتابَ اللَّهِ الذى أَنْزَله إلى نبيّنا محمدٍ عَلَّهُ بلسانِ
محمدٍ عَظ ◌ِلّهِ، وإذْ كان لسانُ محمدٍ عَّهِ ١ عربيًّا، فَيِّنٌ أن القرآنَ عربىٌّ، وبذلك
أيضًا نطَق مُحْكَمُ تنزيلِ ربِّنا، فقال جل ذكره: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]. وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَغْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿٦) نَزَلَ بِهِ اُلُحُ
بِلِسَانٍ عَرَبٍِ تُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢-
الْأَمِينُّ ﴿ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُذِرِينَ !
١٩٥]. وإذْ كانت واضحةً صحةُ ما قلْنا - بما عليه اسْتَشْهَدْنا مِن الشَّواهدِ، ودلّلْنا
عليه مِن الدَّلائلِ - فالواجبُ أن تكونَ معانى كتابِ اللَّهِ المُزَّلِ على نبيّنا
محمدٍ عَ لِّ، لمعانى كلامِ العربِ موافقةً، وظاهرُه لظاهرٍ كلامِها ملائمًا، وإن
بايَنه كتابُ اللَّهِ بالفَضيلةِ(٢) التى فضَل بها سائرَ الكلامِ والبيانِ، بما قد تقَدَّم
(٣)
وَصْفُناهُ(٣) .
فإذْ كان ذلك كذلك، فبَيِّنّ - إذ كان موجودًا فى كلام العربِ الإيجازُ
والاخْتِصارُ، والاجْتِزاءُ) بالإخفاءِ مِن الإظْهارِ، وبالقلةِ مِن الإكثارِ فى بعضٍ
الأحوالِ ، واسْتِعْمالُ الإطالةِ والإِكْثَارِ، والتَّزْدادِ والتَّكْرَارِ، وإظهارُ المعانى بالأسماءِ
دونَ الكِنايةِ عنها) ، والإِسرارُ فى بعضِ الأوقاتِ ، والخبرُ عن الخاصِ فى المرادِ بالعامّ
الظاهرِ، وعن العامٌّ فى المرادِ بالخاصِّ الظاهرِ، وعن الكِنايةِ والمرادُ منه المُصَرَّمحُ، وعن
(١ - ١) سقط من : ص .
(٢) فى ص: ((بالفضلة)).
(٣) فى م، ت٢: ((وصفنا)).
(٤) فى ص: ((الإجزاء)).
(٥) زيادة من : م .

١٣
مقدمة المصنّف
الصفةِ والمرادُ الموصوفُ، وعن الموصوفِ والمرادُ الصفةُ، وتقديمُ (١) ما هو فى المعنى
مُؤَخَّرٌ، وتأخيرُ ما هو فى المعنى مُقَدَّمٌ ، والاكْتِفاءُ ببعضٍ مِن بعضٍ، وبما يَظْهَرُ عما
يُخْذَفُ (٢)، وإظهارُ ما حظُّه الحذفُ - أن يكونَ ما فى كتابِ اللَّهِ المُزَّلِ على نبيِّه
محمدٍ عَِّ مِن ذلك، فى كلِّ ذلك له نَظِيرًا، وله مِثْلًا وشبيهًا(١).
ونحن مُبَيِّو جميع ذلك فى أماكنِه، إن شاء اللَّهُ ذلك، وأيَّد(٤) منه
بعون وقوة .
٨/١
٧٠ / القولُ فى البَيانِ عن الأخرُفِ التى اتَّفَقَت فيها ألفاظُ العربِ
وأَلفاظُ غيرِها مِن بعضٍ أجناسِ الأممِ
قال أبو جعفرٍ : إن سألَنا سائلٌ ، فقال: إنك ذكَرْتَ أنه غيرُ جائزٍ أن يُخاطِبَ اللَّهُ
أحدًا مِن خلقِه إلا بما يَفْهَمُه، وأن يُؤْسِلَ إليه رسالةً إلا باللسانِ الذى يَفْقَهُه ، فما أنت
قائلٌ فيما حدَّثكم به محمدُ بنُ حُمَيْدِ الرازىُّ، قال: حدَّثنا حَكْامُ بنُ سَلْم ، قال :
B
حدَّثْنَا عَنْبَسةُ، عن أبى إسحاق، عن أبى الأُخْوَصِ، عن أبى موسى : ﴿ يُؤْتِكُمْ
كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، ﴾ [الحديد: ٢٨]. قال: الكِفْلان ضِعْفان مِن الأجرِ، بلسانِ
الحبشةِ .
وفیما حدًّٹكم به ابنُ حُمَيْدٍ ، قال : حدّثنا حكّامٌ ، قال حدَّثنا عَنْتَسهُ ، عن أبى
[٣/١و] إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ مُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ آلَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦].
(١) فى ص: (( تقدير)).
(٢) فى ص: ((يحد)).
(٣) فى ر: (( تشبيها)).
(٤) فى م: ((أمد)).

١٤
مقدمة المصنّف
قال : بلسانِ الحبشةِ إذا قام الرجلُ مِن الليلِ قالوا: نشَأ .
وفيما حدَّثْكم به ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ ، قال: حدَّثَنَا عَنْبَسةُ، عن
أبى إسحاقَ، عن أبى مَيْسَرَةَ: ﴿ يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]. قال: سبِّحى،
بلسانِ الحبشةِ .
قال أبو جعفرٍ: وكُلُّ ما قلْنا فى هذا الكتاب : حدَّثكم. فقد حدَّثونا به .
وفيما حدَّثكم به محمدُ بنُ خالدِ بنِ خِداشٍ(١) الأزْدِىُّ، قال: حدَّثْنَا سَلْمُ(٢)
ابنُّ قُتَئِيةَ ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن علىِّ بنِ زيدٍ ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ ،
عن ابنِ عباسٍ، رضِى اللَّهُ عنهما، أنه سُئِل عن قوله: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:
٥١]. قال: هو بالعربيةِ الأسدُ، وبالفارسيةِ شارُ) ، وبالنَّبَطيةِ أريا، وبالحبشيةِ
قَشْورةٌ .
- وفيما حذَّثكم به ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّىُ، عن جعفر بن أبى
المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: قالت قريشٌ: لولا أُنْزِل هذا القرآنُ(٤)
أعجميًّا وعربيًّا؟ فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوَ جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا
فُصِّلَتْ ءَانُهُو ◌َأعْجَمِىٌ وَعَرَبِىُّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدِّى وَشِفَاءٌٌ
[فصلت: ٤٤]. فَأَنْزَل اللَّهُ بعدَ هذه الآيةِ فى القرآنِ بكلِّ لسانٍ، فمنه (٥): ﴿حِجَارَةً
(١) فى ص: ((حداس))، وفى ر: ((حداش))، وفى ت٢: ((خراش)). وينظر تهذيب
الكمال ٠١٣٥/٢٥
(٢) فى ر: ((سالم))، وفى ت٢: ((مسلم)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٢/١١، ٢٣٤.
(٣) كذا فى النسخ ، وفارسيته: شير. ينظر المعجم الذهبى ص ٣٨١ .
(٤) بعده فى م، ت٢: ((على رجل)).
(٥) فى ص، م، ت١: ((فيه)).

١٥
مقدمة المصنّف
مِّن سِجِيلٍ﴾ [هود: ٨٢]. قال: فارسيةٌ أُغْرِبَت ((سنكُ وكِلْ))(١).
وفيما حدَّثكم به محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُّ مَهْدىٌّ، قال :
حدَّثْنَا إِسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى مَيْسَرةَ، قال: فى القرآنِ مِن كلِّ لسانٍ(٢).
وفيما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ التى يَطُولُ بذكرِها الكتابُ ، مما يَدُلُّ على أن فيه
مِن غيرِ لسانِ العربِ ؟
! قيل له : إن الذى قالوه مِن ذلك غيرُ خارج مِن معنى ما قلْنا - مِن أجلٍ أنهم لم
يقولوا: هذه الأحرفُ وما أشْبَهَها لم تَكُنْ للعربِ كلامًا ، ولا كان ذاك لها مَنْطِقًا
قبلَ نزولِ القرآنِ ، ولا كانت بها العربُ عارفةٌ قبلَ مجىءِ الفُرْقانِ - فيكونَ ذلك قولًا
لقولِنا خِلافًا، وإنما قال بعضُهم: حرفُ كذا بلسانِ الحبشةِ معناه كذا، / وحرفُ ٩/١
كذا بلسانِ العجم معناه كذا. ولم نَشْتَتْكِرْ أن يكونَ مِن الكلام ما يَتَّفِقُ فيه ألفاظُ
جميع أجناسِ الأمم المختلفةِ الأَلْسُنِ بمعنَى واحدٍ، فكيف بجنسَيْن منها؟ كما قد
وجَدْنا اتفاقَ كثيرٍ منه فيما قد علِمْناه من الألسنِ المختلفةِ، وذلك کالدرهم والدينارِ
والدَّوَاةِ والقلمِ والقِرْطاسِ ، وغيرِ ذلك - مما يُتْعِبُ إحصاؤُه، ويُمِلَّ تَعدادُه، كرِهْنا
إطالةَ الكتابِ بذكرِه - مما اتَّفَقَت فيه الفارسيةُ والعربيةُ باللفظِ والمعنى . ولعل ذلك
كذلك فى سائرِ الألسنِ التى يُجْهَلُ مَنْطِقُها ، ولا يُعْرَفُ كلامُها .
فلو أن قائلًا قال فيما ذكَرْنا مِن الأشياءِ التى عدَدْنا، وأخْبَرْنا اتفاقَه فى اللفظِ
والمعنى بالفارسيةِ والعربيةِ ، وما أشْبَه ذلك، مما سكَتْنا عن ذكره : ذلك كلُّه فارسىّ لا
(١) سيأتى الكلام فى سورة هود على هذه الكلمة .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٦٩/١٠ من طريق إسرائيل به ، بلفظ: نزل القرآن بكل لسان.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٧/٥ إلى عبد بن حميد.

١٦
مقدمة المصنّف
عربىٌّ ، أو ذلك كلَّه عربىٌّ لا فارسىٌّ، أو قال: بعضُه عربىٌّ وبعضُه فارسىٌّ . أو قال:
كان مَخْرَجُ أصلِهِ مِن عندِ العربِ، فوقَع إلى العجم فنطَقوا به. أو قال: كان مَخْرَجُ
أصلِه مِن عندِ الفرس، فوقَع إلى العربِ فأعْرَبَته. كَانَ مُسْتَجْهَلًا؛ لأنَّ العربَ ليست
بأوْلَى أن تكونَ كان مَخْرَجُ أصلٍ ذلك منها إلى العجم ، ولا العجمَ بأحقَّ أن تكونَ
كان مخرجُ أصلٍ ذلك منها إلى العربِ، إذْ كان استعمالُ ذلك بلفظٍ واحدٍ ومعنّی
واحدٍ موجودًا فى الجنسَیْن .
وإذْ كان ذلك موجودًا على ما وصَفْنا فى الجنسَيْن، فليس أحدُ الجنسين بأَولى
أن يكونَ أصلُ ذلك كان مِن عندِهِ مِن الجنسِ الآخرِ ، والمُدَّعِى أنَّ مخرجَ أصلِ ذلك
إنما كان مِن أحدِ الجنسين إلى الآخرِ - مُدَّع (١) أمرًا لا يُوصَلُ إلى حقيقةِ صَّتِه إلا
بخبرٍ (١) يُوجِبُ العلمَ، وَيُرِيلُ الشكَّ، وَيَقْطَعُ العُذْرَ مَحِيفُهُ(٣).
بل الصوابُ فى ذلك عندَنا أن يُسَمَّى عربيًّا أُعْجميًّا، أو حبشيًّا عربيًّا؛ إِذْ
كانت الأمَّتانِ له مستعملتَيْن فى بيانِها ومنطقِها، استعمالَ سائرٍ مَنْطِقِها وبيانِها ،
فليس غيرُ ذلك مِن كلام كلِّ أمةٍ منهما بأولى أن يَكونَ إليها منسوبًا منه .
فكذلك سبيلُ كلِّ كلمةٍ واسمِ اتَّفَقت ألفاظُ(٤) أجناسٍ أمم فيها وفى(9) معناها،
وؤُجِد ذلك مُسْتَعْمَلًا فى كلِّ جنسٍ منها، استعمالَ سائرٍ مَنْطِقِهم(٢)، فسبيلُ
(١) فى ص: ((يدعى)).
(٢) فى ر: ((بخير))، وفى ت١: ((بمعنى).
(٣) فى ص، م، ت١: ((صحته))، وفى ر: ((جيئه)). وجيئه ومجيئه بمعنّى.
(٤) سقط من : ر .
(٥) زيادة من : ر .
(٦) فى ر: ((منطقها)).

١٧
مقدمة المصنّف
إضافته إلى كلِّ جنسٍ منها سبيلُ ما وصَفْنا مِن الدرهمِ والدينارِ والدَّواةِ والقلمِ ، التى
أَنَّفَقَت ألسنُ الفرسِ والعربِ فيها بالألفاظِ الواحدةِ ، والمعنى الواحدِ، فى أنه مُسْتَحِقٌّ
إضافته إلى كلِّ جنسٍ مِن تلك الأجناسِ باجتماعٍ وافتراقٍ (١) .
وذلك هو معنى قولٍ (٢) مَن رَؤْينا عنه القولَ فى الأحرفِ التى مضَت فى صدرٍ
هذا البابِ (١)، مِن نسبةِ بعضِهم بعضَ ذلك إلى لسانِ الحبشةِ ، ونسبةِ بعضِهم بعضَ
ذلك إلى لسانِ الفرسِ، ونسبةٍ بعضِهم بعضَ ذلك إلى لسانِ الرومِ؛ لأَنَّ مَن نسَب
شيئًا مِن ذلك إلى ما نسَبه إليه، لم يَنْفِ - بنسبتِه ) إياه إلى ما نسَبه إليه - أن يكونَ
عربيًّا ، ولا مَن قال منهم: هو عربىٌّ. نفَى ذلك أن يكون مُسْتَحِقًّا النسبةَ إلى مَن هو مِن
كلامِه مِن سائرٍ أجناسِ الأمم غيرِها ، وإنما يكونُ الإثباتُ دليلًا على النفيِ فيما لا يَجوزُ
اجتماعُه مِن المعانى ، كقولِ القائلِ : فلانٌ قائمٌ . فيكونُ بذلك مِن قولِه دالًّا على أنه
غيرُ قاعدٍ ، ونحوِ ذلك مما يَمْتَنِعُ اجتماعُه لتنافيهما .
فأما ما جاز اجتماعُه ، فهو خارجٌ مِن هذا المعنى ، وذلك كقولِ القائلِ : فلانٌ
قائمٌ مُكَلِّمٌ فلانًا . فليس / فى تَثْبيتِ القيامِ له ما دلّ على نفى كلامٍ آخرَ؛ لجوازٍ ١٠/١
اجتماعٍ ذلك فى حالٍ واحدةٍ مِن شخصٍ واحدٍ ، فقائلُ ذلك صادقٌ إذا كان صاحبُه
علی ما وصفه به .
فكذلك ما قلْنا فى الأحرفِ التى ذكَرْنا ، وما أشْبَهَها ، غيرُ مستحيلٍ أن يكونَ
عربيًّا بعضُها أعجميًّا، وحبشيًّا بعضُها عربيًّا؛ إذ كان موجودًا استعمالُ ذلك فى كلتا
الأَمَّتَيْنِ، فناسِبُ ما نسَب مِن ذلك إلى إحدى الأَمَّتَيْن أو كلتيهما مُحِقٌّ غيرُ مُبْطِلٍ.
(١) فى ر: ((واقتران)).
(٢) زيادة من : ر .
(٣) فى ص: (( الكتاب)).
(٤) فى ر: ((بنسبه)).
( تفسير الطبرى ٢/١ )

١٨
مقدمة المصنّف
فإن ظنَّ ذو غَباءٍ أن اجتماعَ ذلك فى الكلام مستحيلٌ - كما هو مستحيلٌ فی
أنسابٍ بنى آدمَ - فقد ظن جهلاً، وذلك أن أنسابَ بنى آدمَ مَحصورةٌ على أحدٍ
الطرفَيْن دونَ الآخرِ ، لقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿ادْعُوهُمْ لَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ
اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. وليس ذلك كذلك فى المنطِقِ والبيانِ؛ لأن المنطِقَ إنما هو
منسوبٌ إلى مَن كان به معروفًا استعمالُه.
فلو عُرِف استعمالُ بعضٍ الكلام فى أجناسٍ من الأمم - جنسَيْن( أو أكثرَ -
بلفظٍ واحدٍ ومعنًى واحدٍ ، كان ذلك منسوبًا إلى كلِّ جنسٍ مِن تلك الأجناسِ ، لا
يَسْتَحِقُّ جنسٌ منها أن يكونَ به أولى مِن سائرِ الأجْناسِ غيرِه؛ كما لو أن أرضًا بينَ
سَهْلٍ وجبلٍ ، لها هواءُ السهلِ وهواءُ الجبلِ، [٣/١ظ] أو بينَ بِرِّ وبحرٍ، لها هواءُ البرّ
وهواءُ البحرِ، لم يَمْتَنِعْ ذو عقلٍ صحيحٍ أن يَصِفَها بأنها سُهْليةٌ جبليةٌ ، أو بأنها بريةٌ
بحريةٌ ؛ إذ لم تَكَنْ نسبتُها إلى إحدى صفتَيْها نافيةً حقَّها مِن النسبةِ إلى الأخرى ،
ولو أفْرَد لها مُفْرِدٌ إحدى صفتَيْها" ولم يَسْلُبِها صفتَها الأخرى، كان صادقًا مُحِقًّا .
وكذلك القولُ فى الأحرفِ التى تقَدَّم ذكرناها(٣) فى أولِ هذا البابِ.
وهذا المعنى الذى قلْناه فى ذلك ، هو معنى قولٍ مَن قال: فى القرآنِ مِن كلِّ
لسانٍ. عندَنا بمعنى - واللَّهُ أعلمُ - أن فيه مِن كلِّ لسانِ اتَّفَق فيه لفظُ العربِ ولفظُ
غيرِها مِن الأمم التى تَنْطِقُ به، نظيرَ ما وصَفْنا مِن القولِ فيما مضى .
وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يُتَوَهَّمَ على ذى فِطْرةٍ صحيحةٍ مُقِرٌ بكتابِ اللهِ، ممّن قد
قرَأْ القرآنَ ، وعرَف حدودَ اللَّهِ ، أن يَعْتَقِدَ أن بعضَ القرآنِ فارسىٌّ لا عربىٌّ، وبعضَه
(١) فى ر، ت٢: (خمسين)).
(٢ - ٢) سقط من : ر .
(٣) فى ص: ((ذكرها))، وفى م، ت٢: ((ذكرنا لها)).

١٩
مقدمة المصنّف
نَبَطْىٌّ لا عربىٌّ، وبعضَه رومىٌّ لا عربىٌّ، وبعضَه حَبَشيٌّ لا عربىٌّ، بعدَ ما أخْبَر
اللَّهُ تعالى ذكرُه عنه أنه جعَله قرآنًا عربيًّا؛ لأن ذلك إن كان كذلك، فليس قولُ
القائلِ : القرآنُ حبشىٌّ أو فارسىٌّ. ولا نسبةُ مَن نسبه إلى بعضٍ ألسنِ الأمم التى بعضُه
بلسانِها دونَ العربِ، بأولى بالتَّطْويلِ ١ مِن قولِ القائلِ: هو عربىٌّ . ولا قولُ القائل:
هو عربىٌّ. بأولى بالصحةِ والصوابِ مِن قولِ ناسِه إلى بعضٍ الأجناسِ التى ذكَرْنا ،
إذا كان الذى بلسانِ غيرِ العربِ مِن سائرٍ ألسن أجناسٍ الأمم فیه ، نظیر الذی فیه مِن
لسانِ العربِ .
وإِذْ كان ذلك كذلك ، فبَيِّنٌ إذن خطأً قولٍ مَن زعَم أن القائلَ مِن السلفِ: فى
القرآنِ مِن كلِّ لسانٍ . إنما عنَى بقِيلِه ذلك أن فيه مِن البيانِ ما ليس بعربىٌّ ، ولا جائزةً
نسبته(٢) إلى لسانِ العربِ .
ويقالُ لمن أتى ما قلنا - ممّن زعم أن الأحرفَ التى قدَّمْنا ذكرها فى أولِ البابِ
وما أشْبَهَها، إنما هى كلامُ أجناسٍ من (١) الأمم سوى العربِ، وقَعَت إلى العربِ
فعرّبَتْه(٥) - : ما برهانُك على صحةِ ما قلتَ فى ذلك مِن الوجهِ الذى يَجِبُ التسليمُ
له ، فقد علِمْتَ مَن خالَفك فى ذلك ، فقال فيه خلافَ قولِك ؟ وما الفرقُ بينَك
/وبينَ مَن عارضك فى ذلك، فقال: هذه الأحرفُ وما أشبهَها مِن الأحرفِ غيرِها ١١/١
(١ - ١) فى النسخ: ((عربى لا فارسى))، وهو خطأ لا يستقيم معه المعنى، والمثبت من تحقيق الشيخ
شاكر .
(٢) فى ر: ((بالبطول))، وفى م، ت١: ((بالتطول))، وفى ت٢: ((بالقول)). والمراد الإطالة والتزيد فى
الكلام .
(٣) فى ر، ت١: ((بسببه).
(٤) سقط من : م ، ت ٢ .
(٥) بعده فى م: (( و).

٢٠
مقدمة المصنّف
أصلُها عربىٌّ، غيرَ أنها وقَعَت إلى سائرٍ أجناسِ الأُمم غيرِها ، فنطَقَت كلُّ أَمَّةٍ منها
ببعضِ ذلك بألسنتِها ، مِن الوجهِ الذى يَجِبُّ التسليمُ له؟ فلن يَقولُ فى شىءٍ مِن
ذلك قولًا إلا أُلْزِم فى الآخرِ مثلَه .
فإن اعْتَلَّ فى ذلك بأقوالِ السلفِ التى قد ذكَرْنا بعضَها وما أشبهَها ، طُولِب
مطالبتنا مَن تأوَّل عليهم فى ذلك تأويله، بالذى قد تقَدَّم فى بيانِنا، وقيل له: ما
أَنْكَوْتَ أن يكونَ مَن نسَب شيئًا مِن ذلك منهم إلى مَن نسَبه مِن أجناسِ الأمم سوى
العربِ ، إنما نسبه إلى إحدى نسبتَيْه التى هو لها مُسْتَحِقٌّ، مِن غيرِ نفي منه عنه النسبةَ
الأخرى . ثم يقالُ له : أرأيتَ مَن قال لأرضٍ سُهليةٍ جبليةٍ: هى سُهْليةٌ . ولم يُتْكِزْ أن
تكون جبليةً . أو قال: هى جبليةٌ . ولم يَدْفَعْ أن تكونَ سُهْليةً ، أَنافٍ عنها أن تكونَ
لها الصفةُ الأخرى بقيلِه ذلك؟ فإن قال: نعم. كابَر عقله، وإن قال : لا . قيل له :
فما أَنْكَوْتَ أن يكونَ قولُ مَن قال فى سجيل: هى فارسيةٌ . وفى القِشطاسِ: هى
روميةٌ . نظيرَ ذلك . وسُئِلِ الفَرْقَ بينَ ذلك، فلن يقولَ فى أحدِهما قولًا إلَّا أُلْزِم فى
الآخرِ مثلَه .
القولُ فى اللغةِ التى نزَل بها القرآنُ مِن لُغاتِ العربِ
قال أبو جعفرٍ : قد دلَّلْنا على صحةِ القولِ ، بما فيه الكفايةُ لمن وُفِّق لفهمِه، على
أن اللَّهَ جل ثناؤه أَنْزَل جميعَ القرآنِ بلسانِ العربِ دونَ غيرِها مِن ألسنٍ سائرٍ أجناسٍ
الأممِ، وعلى فسادٍ قولٍ مَن زعَم أن منه ما ليس بلسانِ العربِ ولغتِها (١) .
فنقولُ الآن - إذْ كان ذلك صحيحًا - فى الدَّلالةِ عليه بأىِّ ألسنِ العربِ أُنْزِل :
أبألسنٍ جميعِها ، أم بألسنِ بعضِها؟ إذ كانت العربُ، وإن جمَع جميعَها اسمُ أنهم
(١) فى ص: ((لغاتها)).