النص المفهرس

صفحات 141-160

الجزء الثامن عشر
١٤١
سورة النور
عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة واحدة ، ولا سمعت منه كلمة
غير استرجاعه ، حتى أناخ راحلته فوطىء على يديها ، فركبتها فانطلق يقود بي
الراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك .
وكان الذي تولى الافك عبدالله بن أبي ابن سلول . فقدمنا المدينة فاشتكيت
حين قدمت شهرا ، والناس يفيضون في قول أصحاب الافك لا أشعر بشيء من
ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول اللّه عَّ اللطف الذي كنت أرى
منه حين أشتكى ، انما يدخل عليَّ فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ؟ ثم ينصرف . فذاك
الذي يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح
قبل المناصع وهي متبرزنا ، وكنا لا نخرج الا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف
قريبا من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط . فكنا نتاذى بالكنف
أن نتخذها عند بيوتنا ، فانطلقت انا وأم مسطح ، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي
قد أشرعنا من ثيابنا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح فقلت
لها : بئس ما قلت اتسبين رجلا شهد بدرا ! قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما
قال !؟ قلت : وما قال .. ؟ فاخبرتني بقول أهل الافك ، فازددت مرضا على
مرضي .
فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول اللّه عَّ فسلم ثم قال : كيف تیكم ؟
فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قالت : - وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من
قبلها - قالت: فاذن لي رسول اللّه عَ لفي ، فجئت لابوي فقلت لامي يا امتاه ما
يتحدث الناس ؟ قالت يا بنية هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند
رجل يحبها ولها ضرائر الا اكثرن عليها ، فقلت ــ سبحان اللّه ــ ولقد تحدث الناس
بهذا ؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم ، ثم
أصبحت أبكي ودعا رسول اللّه عَ ئي علي بن أبي طالب ، واسامة بن زيد ، حين
استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله. فاما اسامة فأشار على رسول اللّه عليه بالذي
يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله : أهلك ولا
تعلم الاخيرا ، وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله: لم يضيّق الله عليك
والنساء سواها كثير، وان تسأل الجارية تصدقك. فدعا رسول اللّه عز له بريرة فقال :

الجزء الثامن عشر
١٤٢
سورة النور
أي بريرة هل رأيت شيئاً يريبك ؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق ان رأيت
عليها أمرا أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن عجين أهلها فتأتي
الداجن فتأكله .
فقام رسول اللّه عَفي فاستعذر يومئذ من عبدالله بن أبي فقال وهو على المنبر: يا
معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي ؟ فوالله ما علمت على
أهلي الا خيراً، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه الا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي
الا معي. فقام سعد بن معاذ الانصاري فقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه، ان كان من
الاوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من بني الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ،
فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته
الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله ما تقتله ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن
حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة : كذبت لنقتلنه فانك منافق تجادل
عن المنافقين. فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا، ورسول الله عز ئهم.
قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللّه عَلجم يخفضهم حتى سكتوا وسكت .
فبكيت يومي ذلك فلا يرقا لي دمع ولا أكتحل بنوم ، فأصبح أبواي عندي وقد
بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ولا يرقا لي دمع ، وأبواي يظنان ان البكاء فالق
كيدي . فبينما هما جالسان عندي وأنا ابكي فاستأذنت على امرأة من الانصار فأذنت
لها فجلست تبكي معي ، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول اللّه عَّه ثم جلس ولم
يجلس عندي منذ قيل فيّ ما قيل قبلها وقد لبث شهراً لا يوحي إليه في شأني بشيء ،
فَتَشَهَّدْ حين جلس ثم قال : أما بعد يا عائشة فانه بلغني عنك كذا وكذا .. فان
كنت بريئة فسيبرئك اللّه، وان كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي اليه ، فان
العبد اذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه، فلما قضى رسول اللّه عَظيم مقالته قلص
دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي: أجب عني رسول اللّه عَ ئخ قال: والله
ما أدري ما أقول لرسول اللّه عَ لفل! فقلت لامي: أجيبي عني رسول اللّه ◌َ ◌ّل قالت:
والله ما أدري ما أقول لرسول اللّه عَّهُ! فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً
من القرآن : اني والله لقد علمت انكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم
وصدقتم به ، فلئن قلت لكم اني بريئة - والله يعلم اني بريئة - لا تصدقوني ولئن

الجزء الثامن عشر
١٤٣
سورة النور
اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلا
الا قول أبي يوسف (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) (١)
ثم تحوات فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم اني بريئة وان الله مبرقي
ببراءفي ، ولكن والله ما كنت أظن ان الله منزل في شأني وحياً يتلى ، ولشأني في نفسي
كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى. ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله عزّ}
رؤيا يبرئني الله بها قالت: فوالله ما رام رسول اللّه ◌َفي مجلسه ولا خرج أحد من أهل
البيت حتى أنزل عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه
ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه ،
فلما سري عن رسول اللّه عَل سري عنه وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها أن
قال : ابشري يا عائشة اما اللّه فقد برأك فقالت أمي: قومي إليه فقلت: والله لا
أقوم اليه ولا أحمد الا الله الذي أنزل براءتي . وأنزل الله ﴿ إن الذين جاؤا بالافك
عصبة منكم ﴾ العشر الآيات كلها .
فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر : وكان ينفق على مسطح بن اثاثة لقرابته
منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبدا بعد الذي قال لعائشة ما
قال، فأنزل الله ( ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى
والمساكين)(٢) إلى قوله (رحيم) قال أبو بكر: والله اني أحب أن يغفر الله لي فرجع الى
مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال : والله لا أنزعها منه أبدا قالت عائشة :
فكان رسول اللّه في يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال: يا زينب ماذا علمت
أو رأيت ؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت الا خيرا قالت : وهي
التي كانت تساميني من أزواج النبي عَ ، فعصمها اللّه بالورع ، وطفقت أختها
حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الافك .
وأخرج البخاري والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة
قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به. قام رسول اللّه عَ ئع في خطيبا،
فتشهد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أشيروا عليّ في أناس أنبوا أهلي - وأيم
الله - ما علمت على أهلي من سوء، وأنبوهم بمن - والله - ما علمت عليه من
سوء قط ، ولا يدخل بيتي قط الا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر الاغاب معي ،
(١) يوسف ، الآية ١٨.
(٢) النور . الآية ٢٢.

الجزء الثامن عشر
١٤٤
سورة النور
فقام سعد بن معاذ فقال : ائذن لي يا رسول اللّه ان تضرب أعناقهم ، وقام رجل من
بني الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل فقال : كذبت أما والله
لو كانوا من الاوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الاوس
والخزرج شرقي المسجد وما علمت .
فلما كان مساء ذلك اليوم ، خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ، فعثرت
فقالت : تعس مسطح فقلت : أي أم تسبين ابنك ؟ فسكتت ثم عثرت الثانية
فقالت : تعس مسطح فقلت لها : أي أم تسبين ابنك ؟ ثم عثرت الثالثة فقالت :
تعس مسطح فانتهرتها فقالت: والله لم أسبه الا فيك فقلت : في أي شأني؟! فقرأت
لي الحديث . فقلت وقد كان هذا! قالت: نعم. والله ..
فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا ، ووعكت
فقلت لرسول اللّه عَّم: أرسلني الى بيت أبي ، فأرسل معي الغلام ، فدخلت
الدار، فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ . فقالت أمي : ما جاء
بك يا بعية ؟ فاخبرتها وذكرت لها الحديث ، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني .
فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن، فانه - والله - لقلما كانت امرأة حسناء عند
رجل يحبها لها ضرائر الا حسدتها وقيل فيها . قلت : وقد علم به أبي؟ قالت: نعم .
قلت: ورسول اللّه عَّةٍ؟ قالت: نعم. فاستعبرت ، وبكيت ، فسمع أبو بكر صوتي
وهو فوق البيت يقرأ ، فنزل فقال لامي : ما شأنها ؟ قالت : بلغها الذي ذكر من
شأنها ففاضت عيناه فقال : أقسمت عليك أي بنية الا رجعت إلى بيتك،
فرجعت .
ولقد جاء رسول اللّه عٍَّ بيتي فسأل عني خادمي فقالت : لا والله ما علمت عليها
عيبا الا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة ، فتأكل خميرها أو عجينها ، وانتهرها
بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول اللّه ◌َلٍ حتى أسقطوا لهابه فقالت - سبحان
الله - ما علمت عليها الا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الاحمر ، فبلغ الى ذلك
الرجل الذي قيل له فقال - سبحان الله - والله ما كشفت كنف أنثى قط قالت:
فقتل شهيدا في سبيل اللّه قالت : وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل على
رسول اللّه عَّ وقد صلى العصر، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي ،

الجزء الثامن عشر
١٤٥
سورة النور
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا عائشة أن كنت قارفت سوأ، أو ظلمت ،
فتوبي الى اللّه ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده .
قالت : وقد جاءت امرأة من الانصار فهي جالسة بالباب فقلت : ألا تستحي
من هذه المرأة ان تذكر شيئاً ، فوعظ رسول اللّه عَّ فالتفت الى أبي فقلت : أجبه
قال : ماذا أقول ؟ فالتفت إلى أمي فقلت : أجيبيه قالت : أقول ماذا؟ فلما لم يجيباه
تشهدت ، فحمدت الله وأثنيت عليه ، ثم قلت: أما بعد - فوالله لئن قلت لكم أني لم
أفعل - والله يشهد اني الصادقة - ما ذاك بنافعي عندكم، وقد تكلمتم به وأشربته
قلوبكم . وان قلت : اني فعلت - والله يعلم اني لم أفعل - لتقولن قد باءت به على
نفسها واني - والله - لا أجد لي ولكم مثلا. والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه
الا أبا يوسف حين قال ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) (١).
وأنزل على رسول اللّه ◌ٍَّ من ساعته فسكتنا، فرفع عنه . واني لأتبين السرور في
وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: ابشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك قالت : وقد
كنت أشد مما كنت غضبا فقال لي أبواي : قومي اليه فقلت : والله لا أقوم اليه ولا
أحمده، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي . لقد سمعتموه فما أنكر تموه ولا غيرتموه،
وكانت عائشة تقول : أما زينب بنة جحش فعصمها اللّه بدينها ، فلم تقل الا خيرا ،
وأما أختها حمنة ، فهلكت فيمن هلك ، وكان الذي تكلم فيها مسطح ، وحسان بن
ثابت ، والمنافق عبد الله بن أبي، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه ، وهو الذي كان
تولى كبره منهم ، هو وحمنة قالت : فحلف أبو بكر ان لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا ،
فأنزل الله (ولا يأتل أولو الفضل منكم) (٢) .. إلى آخر الآية. يعني أبا بكر. (والسبعة
أن يؤتوا أولي القربى والمساكين) يعني مسطحا . إلى قوله ﴿الا تحبون أن يغفر الله لكم
والله غفور رحيم﴾ قال أبوبكر: بلى والله انا نحب ان يغفر الله لنا، وعاد له كما كان
يصنع .
وأخرج أحمد والبخاري وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه عن أم رومان
قالت : بينا أنا عند عائشة ، اذ دخلت عليها امرأة فقالت : فعل اللّه بابنها وفعل
فقالت عائشة : ولم ؟ قالت : انه كان فيمن حدث الحديث قالت عائشة : وأي
حديث ؟ قالت : كذا وكذا قلت: وقد بلغ ذلك رسول اللّه عَظئه؟ قالت : نعم ..
(١) يوسف ، الآية ١٨.
(٢) النور ، الآية ٢٢
الدر المنثور م ١٠ ج ٦

الجزء الثامن عشر
١٤٦
سورة النور
قلت : وأبا بكر؟ قالت: نعم .. فخرت عائشة مغشياً عليها ، فما أفاقت الا وعليها
حمى بنافض ، فقمت فزبرتها ، وجاء النبي ◌َ ◌ٍّ فقال : ما شأن هذه ؟ قلت : يا
رسول الله اخذتها حمى بنافض قال : فلعله من حديث تحدث به .
قالت واستوت عائشة قاعدة فقالت : والله لئن حلفت لا تصدقوني . ولئن
اعتذرت اليكم لا تعذروني ، فمثلى ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه ، ( والله المستعان على
ما تصفون) وخرج رسول اللّه عَله، فأنزل الله عذرها، فرجع رسول اللّه عَلَّه معه
أبو بكر فدخل فقال : يا عائشة ان اللّه قد أنزل عذرك فقالت : بحمد الله لا بحمدك
فقال لها أبو بكر : أتقولين هذا لرسول اللّه عَّ؟! قالت: نعم ..
قالت : وكان فيمن حدث الحديث رجل كان يعوله أبوبكر ، فحلف أبو بكر أن
لا يصله، فأنزل الله ﴿ ولا يأتل اولوا الفضل منكم والسعة .. ﴾ الى آخر الآية قال أبو
بکر : بلى .. فوصله .
وأخرج البزار وابن مردويه بسند حسن عن أبي هريرة قال: كان رسول الله سعد له
اذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق ، فلما
كان في جوف الليل انطلقت عائشة لحاجة فانحلت قلادتها ، فذهبت في طلبها ،
وكان مسطح يتيما لابي بكر وفي عياله ، فلما رجعت عائشة لم تَرَ العسكر، وكان
صفوان بن المعطل السلمي يتخلف عن الناس ، فيصيب القدح والجراب والاداوة
فيحمله ، فنظر فاذا عائشة ، فغطى وجهه عنها ثم أدنى بعيره منها ، فانتهى الى
العسكر فقالوا : قولا : وقالوا فيه قال : ثم ذكر الحديث حتى انتهى ، وكان رسول
اللّهَ عَّه يجيء، فيقوم على الباب فيقول : كيف تيكم ؟ حتى جاء يوما فقال:
ابشري يا عائشة قد أنزل الله عذرك فقالت: بحمد الله لا بحمدك وأنزل في ذلك عشر
آيات ﴿ان الذين جاؤا بالافك عصبة منكم﴾ فحد رسول اللّه عَطهر مسطحا،
وحمنة ، وحسان .
وأخرج ابن مردويه بسنده عن ابن عباس أن النبي عَ ◌ٍّ كان اذا سافر جاء
ببعض نسائه . وسافر بعائشة وكان لها هودج ، وكان الهودج له رجال يحملونه .
ويضعونه ، فعرس رسول اللّه مَ ئله وأصحابه ، وخرجت عائشة للحاجة فباعدت ،
فلم يعلم بها ، فاستيقظ النبي ◌َ ◌ّ والناس قد ارتحلوا ، وجاء الذين يحملون الهودج ،
..!

الجزء الثامن عشر
١٤٧
سورة النور
فحملوه فلم يعلموا الا أنها فيه ، فساروا، وأقبلت عائشة فوجدت النبي عليه والناس
قد ارتحلوا ، فجلست مكانها ، فاستيقظ رجل من الانصار يقال له صفوان بن
معطل ، وكان لا يقرب النساء ، فتقرب منها ومعه بعير له ، فلما رآها وكان قد عرفها
وهي صغيرة قال : أم المؤمنين! ولوى وجهه، وحملها ثم أخد بخطام الجمل ، وأقيل
يقوده حتى لحق الناس .
والنبي عَّ قد نزل وفقد عائشة، فأكثروا القول وبلغ ذلك النبي عليه ، فشق
عليه حتى اعتزلها ، واستشار فيها زيد بن ثابت وغيره فقال : يا رسول اللّه دعها لعل
اللّه أن يحدث أمره فيها فقال علي بن أبي طالب: النساء كثير. وخرجت عائشة ليلة
تمشي في نساء فعثرت أم مسطح فقالت : تعس مسطح قالت عائشة : بئس ما قلت
فقالت : انك لا تدري ما يقول فاخبريها . فسقطت عائشة مغشياً عليها ، ثم أنزل الله
﴿ان الذين جاؤا بالافك .. ﴾ الآيات .
وكان أبو بكر يعطي مسطحاً ويصله ويبره ، فحلف أبو بكر لا يعطيه ، فنزل
( ولا يأتل أولوا الفضل منكم ... ) فأمره النبي ◌َّ أن يأتيها ويبشرها . فجاء
أبو بكر فأخبرها بعذرها ، وما أنزل الله فيها فقالت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد
صاحبك .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسنده عن عمر قال: كان رسول اللّه عَلّم اذا أراد
سفراً أقرع بين نسائه ثلاثا ، فمن أصابته القرعة خرج بها معه ، فلما غزا بني
المصطلق ، اقرع بينهن ، فأصابت عائشة ، وأم سلمة ، فخرج بهما معه ، فلما كانوا
في بعض الطريق ، مال رحل أم سلمة ، فاناخوا بعيرها ليصلحوا رحلها ، وكانت
عائشة تريد قضاء حاجة ، فلما أبركوا ابلهم قالت عائشة : فقلت في نفسي الى ما
يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي . قالت : فنزلت من الهودج ولم يعلموا بنزولي .
فأتيت خربة ، فانقطعت قلادني ، فاحتبست في جمعها ونظامها ، وبعث القوم
إبلهم ومضوا وظنوا اني في الهودج ، فخرجت ولم أر أحداً ، فاتبعتهم حتى أعييت .
فقلت في نفسي : ان القوم سيفقدوني ويرجعون في طلبي ، فقمت على بعض
الطريق . فمر بي صفوان بن المعطل وكان سأل النبي ◌َ ◌ّر ان يجعله على الساقة
فجعله . وكان اذا رحل الناس قام يصلي ثم اتبعهم ، فما سقط منهم من شيء حمله

الجزء الثامن عشر
١٤٨
سورة النور
حتى يأتي به أصحابه قالت عائشة : فلما مربي ظن أني رجل فقال : يا نومان قم
فان الناس قد مضوا فقلت : اني لست رجلاً ، أنا عائشة قال : انا لله وانا اليه
راجعون ، ثم أناخ بعيره ، فعقل يديه ، ثم ولى عني ، فقال يا امه : قومي فاركبي .
فاذا ركبت فآذنيني قالت : فركبتُ ، فجاء حتى حلَّ العقال ثم بعث جمله فأخذ
بخطام الجمل قال عمر: فما كلمها كلاماً حتى أتى بها رسول اللّه عَ لَّه.
فقال عبد الله بن أبي ابن سلول للناس: فجربها ورب الكعبة. وأعانه على ذلك
حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة ، وشاع ذلك في العسكر ، فبلغ ذلك
النبي عليه، فكان في قلب النبي ◌َج مما قالوا حتى رجعوا الى المدينة ، وأشاع
عبدالله بن أبي هذا الحديث في المدينة، واشتد ذلك على رسول اللّه ◌َيٍ.
قالت عائشة: فدخلت ذات يوم أم مسطح ، فرأتني وأنا أريد المذهب ،
فحملت معي السطل وفيه ماء ، فوقع السطل منها فقالت : تعس مسطح قالت لها
عائشة - سبحان الله - تسبين رجلا من أهل بدر وهو ابنك؟ قالت لها أم مسطح:
انه سال بك السيل وأنت لا تدرين واخبرتها بالخبر. قالت : فلما اخبرتني اخذتني
الحمى بنافض مما كان ، ولم أجد المذهب .
قالت عائشة: وقد كنت أرى من النبي ﴾ قبل ذلك جفوة ، ولم ادر من أي
شيء هو، فلما حدثني أم مسطح علمت أن جفوة رسول اللّه ◌َ ئٍ من ذاك ، فلما دخل
عليَّ قلت : تأذن لي أن أذهب الى أهلي ؟ قال: اذهبي ، فخرجت عائشة حتى أتت
أباها فقال لها : ما لك؟ قلت : اخرجني رسول اللّه عٍَّ من بيته قال لها أبو بكر:
فأخرجك رسول اللّه ◌َي من بيته وآويك انا، والله لا آويك حتى يأمر رسول الله
﴾، فأمره رسول اللّه عليه أن يؤويها فقال لها أبو بكر: والله ما قيل لنا هذا في
الجاهلية قط فكيف وقد اعزنا الله بالاسلام؟ فبكت عائشة ، وامها أم رومان ، وأبو
بكر، وعبد الرحمن ، وبكى معهم أهل الدار.
وبلغ ذلك النبي ، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه فقال: أيها الناس
من يعذرني ممن يؤذيني ؟ فقام إليه سعد بن معاذ ، فسل سيفه وقال : يا رسول الله انا
أعذرك منه ، ان يكن من الأوس اتيتك برأسه ، وإن يكن من الخزرج امرتنا بأمرك

الجزء الثامن عشر
١٤٩
سورة النور
فيه ، فقام سعد بن عبادة فقال : كذبت والله ما تقدر على قتله ، انما طلبتنا بذحول
كانت بيننا وبينكم في الجاهلية فقال هذا : يال الاوس وقال هذا : يال الخزرج.
فاضطربوا بالنعال والحجارة فتلاطموا ، فقام أسيد بن حضير فقال : فيم الكلام؟
هذا رسول الله يأمرنا بأمره فتفعله عن رغم أنف من رغم .
ونزل جبريل وهو على المنبر ، فلم سري عنه ، تلا علهم ما نزل به جبريل ( وان
طائفتان من المؤمنين اقتتلوا .. )(١) إلى آخر الآيات فصاح الناس : رضينا بما أنزل
اللّه وقام بعضهم إلى بعض، وتلازموا، وتصايحوا، فنزل النبي عَؤهم عن المنبر ..
وأبطأ الوحي في عائشة ، فبعث النبي م الى علي بن أبي طالب ، وأسامة بن
زيد ، وبريرة ، وكان اذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يعد عليا، وأسامة بن زيد،
بعد موت أبيه زيد فقال لعلي : ما تقول في عائشة فقد أهني ما قال الناس ؟ قال : يا
رسول اللّه قد قال الناس، وقد حل لك طلاقها، وقال لاسامة : ما تقول أنت ؟
قال - سبحان الله- ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. فقال
لبريرة: ما تقولين يا بريرة؟ قالت والله يا رسول الله ما علمت على أهلك الا خيرا ،
الا أنها امرأة نؤم تنام حتى تجيء الداجن ، فتأكل عجينها وان كان شيء من هذا
ليخبرنك الله .
فخرج ﴾ حتى أتى منزل أبي بكر، فدخل عليها فقال : يا عائشة ان كنت
فعلت هذا الامر فقولي لي حتى أستغفر الله لك فقالت : والله لا أستغفر الله منه أبدا .
ان كنت قد فعلته فلا غفر الله لي ، وما أجد مثلي ومثلكم الا مثل أبي يوسف ،
اذهب اسم يعقوب من الأسف قال (انما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما
لا تعلمون) (٢) .
فبينا رسول اللّه عليه يكلمها اذ نزل جبريل بالوحي، فأخذت النبي ◌َئ نعسة،.
فسري وهو يتبسم فقال : يا عائشة أن الله قد أنزل عذرك فقالت: بحمد الله لا
بحمدك. فتلا عليها سورة النور الى الموضع الذي انتهى إليه عذرها وبراءتها فقال
رسول اللّه عَّ : قومي الى البيت فقامت .
وخرج رسول اللّه يخ الى المسجد، فدعا أبا عبيدة بن الجراح، فجمع
الناس ، ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة ، وبعث الى عبدالله بن أبي ،
(١) الحجرات ، الآية ٩
(٢) يوسف ، الآية ٨٦.

الجزء الثامن عشر
١٥٠
سورة النور
فجيء به ، فضربه النبي عَطِّ حدين ، وبعث الى حسان ، ومسطح ، وحمنة ،
فضربوا ضربا وجيعا ووجىء في رقابهم قال ابن عمر: انما ضرب رسول اللّه عَ لاته
عبد الله بن أبي حدين لأنه من قذف أزواج النبي ◌َ ◌ّ فعليه حدان.
فبعث أبو بكر الى مسطح لاوصلتك بدرهم أبدا ، ولا عطفت عليك بخير
أبدا، ثم طرده أبو بكر وأخرجه من منزله . ونزل القرآن ﴿ولا يأتل أولو الفضل
منكم الى آخر الآية . فقال أبو بكر : أما اذ نزل القرآن يأمرني فيك لاضاعفن
لك .
وكانت امرأة عبد الله بن أبيّ منافقَةَ معه، فنزل القرآن ﴿الخبيثات ﴾ يعني امرأة
عبد الله ﴿للخبيثين﴾ يعني عبدالله ﴿ والخبيثون للخبيثات﴾ عبداللّه وامرأته (والطيبات)
يعني عائشة وأزواج النبي عَئِ ﴿للطيبين﴾ يعني النبي عظي ..
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي اليسر الانصاري أن النبي عَّ قال
لعائشة: يا عائشة قد أنزل الله عذرك قالت: بحمد اللّه لا بحمدك. فخرج رسول الله
عَ ◌ّم من عند عائشة، فبعث الى عبدالله بن أبي ، فضربه حدين، وبعث الى
مسطح ، وحمنة ، فضربهم .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﴿ان الذین جاؤا بالافك عصبة منكم ﴾ یرید ان
الذين جاؤا بالكذب على عائشة أم المؤمنين أربعة منكم ﴿ لا تحسبوه شرا لكم بل هو
خير لكم ﴾ يريد خيراً لرسول اللّه عَ لَّه، وبراءة لسيدة نساء المؤمنين، وخير لأبي
بكر، وأم عائشة ، وصفوان بن المعطل ﴿لكل امرىء منهم ما اكتسب من الاثم
والذي تولى کېره منهم ﴾ یرید اشاعته منهم یرید عبدالله بن أبي بن سلول ﴿ له عذاب
عظيم﴾ يريد في الدنيا جلده رسول اللّه عَ لجهله، وفي الآخرة مصيره الى النار﴿ لولا اذ
سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا أفك مبين﴾ وذلك ان رسول
اللّه ◌َِّ استشار فيها بريرة وأزواج النبي عَّ فقالوا: خيرا وقالوا : هذا كذب عظيم
رد لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء﴾ لكانوا هم والذين شهدوا كاذبين ﴿فاذ لم يأتوا
بالشهداء فاولئك عندالله هم الكاذبون﴾ يريد الكذب بعينه ﴿ ولولا فضل الله عليكم
ورحمته﴾ يريد ولولا ما من الله به عليكم وستركم ﴿هذا بهتان عظيم﴾ يريد البهتان
الافتراء مثل قوله في مريم بهتانا عظيما ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله﴾ يريد مسطحا،

الجزء الثامن عشر
١٥١
سورة النور
وحمنة ، وحسان (ويبين الله لكم الآيات) التي أنزلها في عائشة والبراءة لها (والله
عليم ) بما في قلوبكم من الندامة فيما خضتم به ( حكيم ) في القذف ثمانين جلدة (ان
الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ) يريد بعد هذا ( في الذين آمنوا ) يريد المحصنين
والمحصنات من المصدقين (لهم عذاب أليم) وجيع في الدنيا يريد الحد ، وفي الآخرة
العذاب في النار ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ما دخلتم فيه وما فيه من شدة العذاب
وأنتم لا تعلمون شدة سخط الله على من فعل هذا .
( ولولا فضل الله علیکم ) یرید لولا ما تفضل الله به علیکم ( ورحمته) یرید
مسطحا ، وحمنة ، وحسان ( وان الله رؤوف رحيم) يريد من الرحمة رؤوف بكم
حيث ندمتم ورجعتم الى الحق ( يا أيها الذين آمنوا) يريد صدقوا بتوحيد الله (لا
تتبعوا خطوات الشيطان) يريد الزلات ( فانه بامر الفحشاء والمنكر) يريد بالفحشاء
عصيان الله ، والمنكر كل ما يكره الله تعالى ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) یرید
ما تفضل الله به عليكم ورحمكم ( ما زكي منكم من أحد أبدا) يريد ما قبل توبة
أحد منكم أبدا ( ولكن الله يزكي من يشاء) فقد شئت أن يتوب عليكم ( والله سميع
عليم) يريد سميع لقولكم عليم بما في أنفسكم من الندامة .
( ولا يأتل) يريد ولا يحلف ( أولو الفضل منكم والسعة) يريد ولا يحلف أبو بكر
أن لا ينفق على مسطح (ان يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله
وليعفوا وليصفحوا ) فقد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل ، وجعلت عندك السعة
والمعرفة بالله ، فسخطت يا أبا بكر على مسطح فله قرابة ، وله هجرة ، ومسكنة ،
ومشاهد رضيتها منه يوم بدر ( ألا تحبون ) يا أبا بكر ( أن يغفر الله لكم ) يريد فاغفر
لمسطح ( والله غفور رحيم ) يريد فاني غفور لمن أخطأ ، رحيم باوليائي .
( ان الذين يرمون المحصنات ) يريد العفائف ( الغافلات المؤمنات ) يريد
المصدقات بتوحيد الله وبرسله وقد قال حسان بن ثابت في عائشة
حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرنى من لحوم الغوافل
فقالت عائشة : لكنك لست كذلك ( لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم )
يقول أخرجهم من الإيمان مثل قوله في سورة الاحزاب للمنافقين ( ملعونين أينما تقفوا
أخذوا وقتلوا تقتيلا) (١).
(١) الاحزاب ، الآية ٦١ .

الجزء الثامن عشر
١٥٢
سورة النور
( والذي تولى كبره) يريد كبر القذف واشاعته عبدالله بن أبي الملعون ( يوم تشهد
عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) يريد أن الله ختم على ألسنتهم
فشهدت الجوارح ، وتكلمت على أهلها بذلك ، وذلك أنهم قالوا تعالوا نحلف بالله
ما كنا مشركين ، فختم الله على ألسنتهم ، فتكلمت الجوارح بما عملوا ، ثم شهدت
ألسنتهم عليهم بعد ذلك. ( يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ) يريد يجازيهم بأعمالهم
بالحق ، كما يجازي أولياءه بالثواب ، كذلك يجازي أعداءه بالعقاب ، كقوله في الحمد
( مالك يوم الدين ) يريد يوم الجزاء ( ويعلمون ) يريد يوم القيامة ( ان الله هو الحق
المبين) وذلك ان عبد الله بن أبي كان يشك في الدنيا ، وكان رأس المنافقين فذلك
قوله ( يومئذ يوفيهم اللّه دينهم الحق ) ويعلم ابن سلول ( ان الله هو الحق المبين) يريد
انقطع الشك واستيقن حيث لا ينفعه اليقين .
(الخبيثات للخبيثين) يريد أمثال عبدالله بن أبي، ومن شك في اللّه ويقذف
مثل سيدة نساء العالمين ( والطيبات للطيبين) عائشة طيبها اللّه لرسوله. أتى بها جبريل
في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم أمها فقال له : عائشة بنت أبي بكر
زوجتك في الدنيا ، وزوجتك في الجنة عوضا من خديجة ، وذلك عند موتها بشر بها
رسول اللّه عَّهِ ، وقر بها عيناه .
( والطيبون للطيبات ) يريد رسول اللّه تع طيبه اللّه لنفسه ، وجعله سيد ولد آدم
( والطيبات) يريد عائشة ( أولئك مبرؤن مما يقولون) يريد برأها الله من كذب عبدالله
بن أبي (لهم مغفرة) يريد عصمة في الدنيا ( ومغفرة ) في الآخرة (ورزق كريم )
يريد الجنة وثواب عظيم .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير﴿ان الذين جاؤا بالافك﴾
الكذب ﴿عصبة منكم﴾ يعني عبدالله بن أبي المنافق، وحسان بن ثابت، ومسطح
بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش، ﴿لا تحسبوه شرا لكم﴾ يقول لعائشة وصفوان :
لا تحسبوا الذي قيل لكم من الكذب﴿شرالكم بل هو خير لكم﴾ لانكم تؤجرون على
ذلك. ﴿لكل امرىء منهم﴾ يعني ممن خاض في أمر عائشة ﴿ما اكتسب من الاثم﴾
على قدر ما خاض فيه من أمرها ﴿والذي تولى كبره﴾ يعني حظه منهم يعني القذفة وهو
ابن أبي رأس المنافقين ، وهو الذي قال : ما برئت منه ، وما برىء منها ﴿له عذاب

الجزء الثامن عشر
١٥٣
سورة النور
عظيم﴾ وفي هذه الآية عبرة عظيمة لجميع المسلمين اذا كانت فيهم خطيئة فمن أعان
عليها بفعل ، أو كلام ، أو عرض لها ، أو أعجبه ذلك ، أو رضي ، فهو في تلك
الخطيئة على قدر ما كان منه ، واذا كان خطيئة بين المسلمين فمن شهد وکره فهو مثل
الغائب ، ومن غاب ورضي فهو مثل شاهد .
( لولا اذ سمعتوه ) قذف عائشة وصفوان ( ظن المؤمنون والمؤمنات ) لأن منهم
حمنة بنت جحش هلاكذبتم به ( بأنفسهم خيرا ) هلا ظن بعضهم ببعض خيرا أنهم
لم يزنوا ( وقالوا هذا افك مبين) الا قالوا هذا القذف كذب بين ( لولا جاؤا عليه )
يعني على القذف ( بأربعة شهداء فاذ لم يأتوا بالشهداء فاولئك ) يعني الذين قذفوا
عائشة ( عند الله هم الكاذبون ) في قولهم ( ولولا فضل الله علیکم ورحمته في الدنيا
والآخرة ) من تأخير العقوبة (لمسكم فيما أفضتم فيه) يعني فيما قلتم من القذف (عذاب
عظيم ، اذ تلقونه بالسنتكم ) وذلك حين خاضوا في أمر عائشة فقال بعضهم :
سمعت فلانا يقول كذا وكذا وقال بعضهم: بل كان كذا وكذا فقال (تلقونه بالسنتكم)
يقول : يرويه بعضكم عن بعض ( وتقولون بأفواهكم ) يعني بالسنتكم من قذفها ( ما
ليس لكم به علم) يعني من غير أن تعلموا ان الذي قلتم من القذف حق ( وتحسبونه
هينا) تحسبون ان القذف ذنب هين (وهو عند الله عظيم) يعني من الزور (لولا اذ
سمعتموه) يعني القذف (قلتم ما يكون) يعني ألا قلتم ما يكون (ما ينبغي لنا أن نتكلم
بهذا) ولم تره أعيننا (سبحانك هذا بهتان عظيم) يعني ألا قلتم هذا كذب عظيم مثل
ما قال سعد بن معاذ الانصاري : وذلك ان سعداً لما سمع قول من قال في أمر عائشة
قال (سبحانك هذا بهتان عظيم) والبهتان الذي يبهت فيقول ما لم يكن .
( يعظكم اللّه ان تعودوا لمثله أبدا ) يعني القذف ( ان كنتم مؤمنين) يعني مصدقين
( ويبين الله لكم الآيات ) يعني ما ذكر من المواعظ (ان الذين يحبون أن تشيع
الفاحشة ) تفشوا ويظهر الزنا ( لهم عذاب أليم في الدنيا ) بالحد ( وفي الآخرة عذاب.
النار) .
( ولولا فضل الله) لعاقبكم بما قلتم لعائشة (وان اللّه رؤوف رحيم) حين
عفا عنكم فلم يعاقبكم ( ومن يتبع خطوات الشيطان ) يعني تزيينه ( فانه يأمر
بالفحشاء) يعني بالمعاصي ( والمنكر) ما لا يعرف مثل ما قيل لعائشة ( ولولا فضل الله

الجزء الثامن عشر
١٥٤
سورة النور
عليكم ورحمته) يعني نعمته ( ما زكا) ما صلح (ولكن الله يزكي ) يصلح (من
يشاء ) .
فلما أنزل الله عذر عائشة ، وبرأها ، وكذب الذين قذفوها ، حلف أبو بكر ان لا
يصل مسطح بن اثاثة بشيء أبدا ، لأنه كان فيمن ادعى على عائشة من القذف ،
وكان مسطح من المهاجرين الاولين ، وكان ابن خالة أبي بكر، وكان يتما في
حجره فقيرا، فلما حلف أبو بكر ان لا يصله نزلت في أبي بكر ( ولا يأتل ) أي ولا
يحلف ( أولو الفضل منكم ) يعني في الغنى أبا بكر الصديق ( والسعة ) يعني في الرزق
( أن يؤتوا أولي القربى ) يعني مسطح ابن اثاثة قرابة أبي بكر وابن خالته
( والمساكين) يعني ان مسطحا كان فقيرا ( والمهاجرين في سبيل الله) يعني ان مسطحا
كان من المهاجرين ( وليعفوا وليصفحوا ) يعني ليتجاوزوا عن مسطح ( ألا تحبون أن
يغفر الله لكم) فقال رسول اللّه تعظيم لابي بكر: أما تحب أن يغفر الله لك قال: بلى
يا رسول الله قال: فاعف واصفح فقال أبو بكر: قد عفوت وصفحت لا أمنعه
معروفا بعد اليوم .
( ان الذين يرمون المحصنات ) يعني يقذفون بالزنا الحافظات لفروجهن العفائف
( الغافلات ) يعني عن الفواحش يعني عائشة (المؤمنات) يعني الصادقات (لعنوا) يعني
جلدوا ( في الدنيا والآخرة ) يعذبون بالنار يعني عبدالله بن أبي لانه منافق له عذاب
عظيم .
( يوم تشهد عليهم ألسنتهم ) يعني من قذف عائشة يوم القيامة (يومئذ) يعني في
الآخرة ( يوفيهم اللّه دينهم الحق ) حسابهم العدل لا يظلمهم ( ويعلمون ان الله هو
الحق المبين) يعني العدل المبين ( الخبيثات يعني السيء من الكلام قذف عائشة
(للخبيثين) من الرجال والنساء يعني الذين قذفوها ( والخبيثون) يعني من الرجال
والنساء ( للخبيئات ) يعني السيء من الكلام لأنه يليق بهم الكلام السيء
( والطيبات ) يعني الحسن من الكلام ( للطيبين) من الرجال والنساء يعني الذين ظنوا
بالمؤمنين والمؤمنات خيرا ( والطيبون) من الرجال والنساء ( للطيبات ) للحسن من
الكلام لأنه يليق بهم الكلام الحسن (أولئك ) يعنى الطيبين من الرجال والنساء
( مبرؤن ما يقولون ) هم برآء من الكلام السيء (لهم مغفرة ) يعني لذنوبهم ( ورزق

الجزء الثامن عشر
١٥٥
سوره النور
كريم) يعني حسنا في الجنة فلما أنزل الله عذر عائشة ضمها رسول اللّه ◌َايم الى نفسه
وهي من أزواجه في الجنة .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : أنزل الله عذري
وكادت الامة تهلك في سبي، فلما سري عن رسول اللّه عليه. وعرج الملك قال رسول
اللّه عَ لابي: اذهب الى ابنتك ، فاخبرها ان اللّه قد أنزل عذرها من السماء
قالت : فاتاني أبي وهو يعدو يكاد أن يعثر فقال : ابشري يا بنية بأبي وأمي ، فان
اللّه قد أنزل عذرك قلت : بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك الذي أرسلك ، ثم
دخل رسول اللّه تعمي ، فتناول ذراعي فقلت بيده هكذا ، فأخذ أبو بكر النعل
ليعلوني بها ، فمنعته أمي، فضحك رسول اللّه عَظيم فقال: أقسمت لا تفعل .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : والله ما كنت
أرجو أن ينزل فيّ كتاب الله، ولا أطمع فيه ، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله
24 رؤيا فيذهب ما في نفسه وقد سأل الجارية الحبشية فقالت: والله لعائشة أطيب
من طيب الذهب ، ولكنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها ، والله لئن كان ما
يقول الناس حقا ليخبرنك اللّه . فعجب الناس من فقهها.
وأخرج الطبراني عن الحكم ابن عتيبة قال : لما خاض الناس في أمر عائشة ،
أرسل رسول اللّه ◌َي الى عائشة فقال: يا عائشة ما يقول الناس ؟ فقالت : لا
أعتذر من شيء قالوه حتى ينزل عذري من السماء. فأنزل الله فيها خمس عشرة آية
من سورة النور، ثم قرأ حتى بلغ ( الخبيثات للخبيثين) .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : نزلت ثمان عشرة آية متواليات
بتكذيب من قذف عائشة وببراءتها .
وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن عائشة قالت : لما رميت
بها رمیت به ، هممت ان آتي قليباً فاطرح نفسي فيه .
وأخرج البزار بسند صحيح عن عائشة : أنه لما نزل عذرها قبّل أبو بكر رأسها
فقالت : الا عذرتني ؟ فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني ان قلت ما لا أعلم .
وأخرج أحمد عن عائشة قالت : لما نزل عذري من السماء ، جاءني النبي
◌َ، فأخبرني بذلك ، فقلت : بحمد اللّه لا بحمدك.

الجزء الثامن عشر
١٥٦
سورة النور
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي
وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه والطبراني والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت : لما
نزل عذري، قام رسول اللّه عَلجه على المنبر، فذكر ذلك وتلا القرآن ، فلما نزل .. أمر
برجلين وامرأة ، فضربوا حدين .
وأخرج ابن جرير عن محمد ابن عبدالله بن جحش قال : تفاخرت عائشة
وزينب فقالت زينب : أنا التي نزل تزويجي وقالت عائشة : وأنا التي نزل عذري في
كتابه حين حملني ابن المعطل فقالت لها زينب : يا عائشة ما قلت حين ركبتيها ؟
قالت : قلت حسبي الله ونعم الوكيل قالت : قلتِ كلمة المؤمنين .
وأخرج البخاري وابن مردويه عن ابن عباس : أنه دخل على عائشة قبل موتها
وهي مغلوبة فقال : كيف تجدينك ؟ قالت : بخير ان اتقيت قال : فأنت بخير.
زوج رسول اللّه عَّة ، ولم ينكح بكرا غيرك ، ونزل عذرك من السماء .
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت : خلال فيَّ تسع لم تكن لاحد الا
ما آتَى اللّه مريم، جاء الملك بصورتي الى رسول اللّه عَ ئه، وتزوجني وأنا ابنة سبع
سنين ، وأهديت اليه وأنا ابنة تسع ، وتزوّجني بكرا ، وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في
لحاف واحد ، وكنت من أحب الناس اليه ، ونزل في آيات من القرآن كادت الامة
تهلك فيها ، ورأيت جبريل ولم يره احد من نسائه غيري ، وقبض في بیتی لم یله أحد
غير الملك الا أنا .
وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: فضلت على نساء النبي عَّةٍ بعشر. قيل ما
هن يا أم المؤمنين ؟ قالت : لم ينكح بكرا قط غيري ، ولم ينكح امرأة أبواها
مهاجران غيري ، وأنزل الله براءتي من السماء ، وجاءه جبريل بصورتي من السماء في
حريرة وقال تزوّجها فانها امرأتك ، وكنت أغتسل أنا وهو من اناء واحد ولم يكن
يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري ، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه ولم يكن يفعل
ذلك بأحد من نسائه غيري ، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي ولم يكن ينزل عليه وهو
مع أحد من نسائه غيري ، وقبض الله نفسه وهو بين سحري ونحري ، ومات في الليلة
التي کان یدور عليَّ فيها ، ودُفِنَ في بيتي .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن مجاهد

الجزء الثامن عشر
١٥٧
سورة النور
في قوله ﴿ان الذين جاؤا بالافك عصبة منكم﴾ قال: أصحاب عائشة عبد اللّه بن
أبي ابن سلول ، ومسطح ، وحسان .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : الذين افتروا على عائشة
حسان، ومسطح ، وحمنة بنت جحش ، وعبدالله بن أبي .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عروة : أن عبد الملك بن مروان كتب اليه يسأله
عن الذين جاؤا بالافك ، فكتب إليه أنه لم يسم منهم الا حسان. ومسطح . وحمنة
بنت جحش . في آخرين لا علم لي بهم .
وأخرج البخاري وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن الزهري
قال : كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولى كبره منهم علي . فقلت :
لا . حدثني سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن
عبدالله بن عتبة بن مسعود ، كلهم سمع عائشة تقول : الذي تولى كبره عبد الله بن
أبي قال : فقال لي فما كان جرمه ؟ قلت : حدثني شيخان من قومك أبو سلمة بن
عبد الرحمن بن عوف ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أنهما سمعا
عائشة تقول : كان مسيئاً في أمري .
وقال يعقوب بن شبة في مسنده : حدثنا الحسن بن علي الحلواني ، ثنا الشافعي ،
ثنا عمى قال : دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له : يا سلمان
الذي تولى كبره من هو؟ قال : عبدالله بن أبي قال: كذبت هو علي. قال أمير
المؤمنين أعلم بما يقول فدخل الزهري فقال : يا ابن شهاب من الذي تولى كبره ؟ فقال
له : ابن أبي قال : كذبت . هو عليَ قال : أنا أكذب - لا أبا لك - لو نادى
مناد من السماء ان اللّه أحل الكذب ما كذبت. حدثني عروة ، وسعيد ، وعبيد اللّه ،
وعلقمة ، عن عائشة : ان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر
وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن مسروق قال : دخل حسان بن ثابت على
عائشة رضي الله عنها فشبب وقال :
حصان رزان ما تزن بريبة
وتصبح غربي من لحوم الغوافل

الجزء الثامن عشر
١٥٨
سورة النور
قالت : لكنك لست كذلك قلت : تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله
و﴿ والذي تولى كبره منهم لهم عذاب عظيم﴾ فقالت: وأي عذاب أشد من العمى؟!
ولفظ ابن مردويه أو ليس في عذاب قد كف بصره ؟
وأخرج ابن جرير من طريق الشعبي عن عائشة أنها قالت : ما سمعت بشيء
أحسن من شعر حسان ، وما تمثلت به الا رجوت له الجنة. قوله لابي سفيان بن
الحارث بن عبد المطلب بن هاشم :
وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمدا وأجبت عنه
لعرض محمد منكم وقاء
فان أبي ووالده وعرضي
فشركما لخير كما الفداء
أتشتمه ولست له بكفء
وبجري لا تكدره الدلاء
لساني صارم لا عيب فيه
فقيل : يا أم المؤمنين أليس هذا لغوا ؟ قالت : لا انما اللغو ما قيل عند النساء قيل :
أليس الله يقول ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾؟ قالت : أليس قد أصابه
عذاب أليم؟ أليس قد أصيب بصره ، وكسع بالسيف ، وتعني الضربة التي ضربها
أياه صفوان بن المعطل حين بلغه عنه أنه تكلم في ذلك فعلاه بالسيف وكاد يقتله ؟
وأخرج محمد بن سعد عن محمد بن سيرين . أن عائشة كانت تأذن لحسان بن
ثابت ، وتدعو له بالوسادة وتقول: لا تؤذوا حسان فانه كان ينصر رسول اللّه زائم
بلسانه وقال الله :﴿ والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ وقد عمي، والله قادر أن
يجعل ذلك العذاب العظيم عماه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ والذي تولى كبره منهم ﴾ يقول:
الذي بدأ بذلك .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد
﴿والذي تولى كبره﴾ قال: عبد الله بن أبي ابن سلول يذيعه.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أن الذي تولى كبره رجلان من
أصحاب النبي ◌َّ. أحدهما من قريش، والآخر من الانصار. عبدالله بن أبي
بن سلول ولم يكن شرٌ قطُّ الا وله قادة ورؤساء في شرهم .
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين . أن عائشة كانت تأذن لحسان بن

الجزء الثامن عشر
١٥٩
سورة النور
ثابت ، وتلقي له الوسادة وتقول . لا تقولوا لحسان الا خيراً ، فانه كان يرد عن النبي
عطية وقد قال الله ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ وقد عمي، والعمى عذاب
عظيم، واللّه قادر على أن يجعله ذلك ، ويغفر لحسان ، ويدخله الجنة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن مسروق قال في قراءة عبدالله ((والذي
تولى كبره منهم له عذاب أليم )) .
قوله تعالى : لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَلْتُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ
هَلْآ إِفْكٌ تُبِينٌ ﴾ ◌َّوْلَاجَاءُ وعَلَيْهِ بِأَّةٍ شُهَدَاءٍ فَإِذْنَ نُواْبِالشُّهَدَآءٍ فَأُؤْلَِّكَ عِنْدَ
اَللَّهِ هُ الْكَذِبُونَ ﴾ وَلَوْلًا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَوَلَسَّكُمْ فِى
مَّ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
أخرج ابن إسحق وابنٍ جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن
عساكر عن بعض الانصار ان امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الافك ما
قالوا : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة
ذلك يا أم أيوب ؟ قالت : لا والله قال: فعائشة والله خير منك وأطيب ، انما هذا
كذب وأفك باطل ، فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل
الافك ، ثم قال ( ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا
أفك مين ) أي كما قال أبو أيوب وصاحبته .
وأخرج الواحدي وابن عساكر واحاكم عن أفلح مولى أبي أيوب ان أم أيوب
قالت : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى وذلك الكذب أفكنت يا أم
أيوب فاعلة ذلك ؟ قالت: لا واللّه قال: فعائشة واللّه خير منك. فلما نزل القرآن ،
وذكر أهل الافك قال اللّه ﴿لولا اذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات﴾.
قوله تعالى: إِذْتَلَقَوْنَهْ يَلْسِنَئِكُمْ وَنَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم ◌َّالَيْسَكُ بِعِلْمٌ وَفْسِبُونَهُ.
هَنْنَا وَهُوَ عِندَاللَّهِ عَظِيمٌ ﴾

لجزء الثامن عشر
١٦٠
سورة النور
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي
حاتم والطبراني عن مجاهد أنه قرأ ﴿اذ تلقونه بألسنتكم ﴾ قال : يرويه بعضكم عن
بعض .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿اذ تلقونه بألسنتكم﴾ قال : يرويه بعضكم
عن بعض .
وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه
عن ابن أبي مليكة قال : كانت عائشة تقرأ ﴿اذ تلقونه بألسنتكم﴾ وتقول: انما هو
ولق القول . والولق الكذب قال ابن أبي مليكة : هي أعلم به من غيرها لأن ذلك
نزل فيها .
أما قوله تعالى: ﴿ وتحسبونه وهو عند الله عظيم ﴾
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه عَائ ((ان الرجل
ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا ، يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء
والأرض )) .
وأخرج الطبراني عن حذيفة عن النبي عَّ قال ((قذف المحصنة يهدم عمل مائة
سنة )) .
قوله تعالى: وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم ◌َّايَكُونُ لَنْآَنَّتَكُلَمْ بِهَذَا سُبْحَنَّكَ هَذَا
◌ُهْشَرٌ عَظِيمٌ ﴾
أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : كان أبو أيوب الانصاري حين أخبرته
امرأته قالت: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث الناس ؟ فقال (( ما يكون لنا ان نتكلم
بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم)) فأنزل الله ﴿ ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن
نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم﴾.
وأخرج سنيد في تفسيره عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر
عائشة قال : سبحانك ! هذا بهتان عظيم .
وأخرج ابن أخي سمي في فوائده عن سعيد بن المسيب قال : كان رجلان من