النص المفهرس

صفحات 181-200

الجزء الرابع عشر
١٨١
سورة النحل
(١٧) سُوْرَةُ الأَسْرَاءِ مَكِيَّة
وَأَيَاتِهَا إِخْرِفُ عَشِرَة وَمَانِشَةْ
أخرج النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة بني اسرائيل
بمكة .
وأخرج البخاري وابن الضريس وابن مردويه ، عن ابن مسعود أنه قال في بني
اسرائيل والكهف ومريم : انهن من العتاق الاول وهن من تلادي .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وابن مردويه ، عن عائشة
قالت: كان رسول اللّه عَل يقرأ كل ليلة بني اسرائيل والزمر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عمرو الشيباني قال: صلى بنا عبداللّه الفجر فقرأ
بسورتين ، الآخرة منهما بنو اسرائيل .
بِسْمِ لَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
إِلَى الْمَسْجِدِالْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِغُرِيَهُ ، مِنْ ءَايَتِنَآ إِنَّهُهُوَالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ
﴿ وَءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدَّى لِبْنِىّ ◌ِسْرَِّ يَلَ أَلَّا تَتَّخِذُ وأمِن دُونِي وَكِيلًا
ذُرِيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوعَ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ وَقَضَيْنَا إِلَى بِ إِسْرِلَ
فِي الْكِتَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِىِ الْأَرْضِ مَّيْنٍ وَنَعَلُنَّ عُلُؤَا كَثِيرًا ﴾ فَإِذَاجَآءُ وَعْدُ
أُولَئُهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادَالَّنَّا أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْخِلَلَ الذِيَارِ
.ج

الجزء الخامس عشر
١٨٢
سورة الاسراء
وَكَانَ وَعْدَّ مَّفْعُولًا ؛ ثُمَّرَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْ نَكُم بِأَمْوَالِ
وَبَنِينَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (﴿ إِنْ أَحْسَنُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنفُسِكُمَّ وَإِنْ
أَسَأَهُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءٌ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسْتَهُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمُشْبِدَ
كَمَا دَخَلُوهُ أَوْلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَّبِرُواْ مَا عَلَوْأَنَّتِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ
وَإِنْ عُدُمْ عُدْتَا وَبْعَلْنَا جَمْتَمَ لِلْكَفْرِنَ حَصِيرًّا ﴾
أخرج ابن جرير عن حذيفة أنه قرأ ((سبحان الذي أسرى بعبده من الليل من
المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى)).
وأخرج الطستي عن ابن عباس ، أن نافع بن الازرق سأله عن قوله تعالى
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ قال: ﴿سبحان﴾ تنزيه الله تعالى ﴿ الذي
أسرى﴾ بمحمد لم ﴿ من المسجد الحرام﴾ الى بيت المقدس، ثم رده الى المسجد
الحرام. قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الاعشى وهو
يقول :
سبحان من علقمة الفاخر
ـه لما علا فخره
قلت لـ
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن مردويه من طريق ثابت ، عن أنس أن رسول
اللّه ◌َه قال: أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل ، يضع
حافره عند منتهى طرفه ... فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط
بها الأنبياء ، ثم دخلت المسجد فصليت ركعتين ثم خرجت ، فجاءني جبريل بإناء
من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن فقال جبريل : اخترت الفطرة . ثم عرج بنا
الى سماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. قيل : ومن
معك ؟ قال : محمد، قيل: وقد بعث إليه ؟ قال: قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا
بآدم ، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا الى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال :
جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد بعث اليه ؟ قال : قد بعث
اليه . ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة ، عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ، فرحّبا بي
ودعوا الي بخير .

الجزء الخامس عشر
١٨٣
سورة الإسراء
ثم عرج بنا الى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث اليه . ففتح
لنا فإذا أنا بيوسف ، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل ، قيل : من هذا؟ قال :
جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل: وقد بعث اليه ؟ قال: قد بعث
إليه . ففتح لنا فإذا أنا بإدريس ، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا الى السماء الخامسة فاستفتح جبريل ، قيل : من هذا؟ قال :
جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد بعث اليه ؟ قال: قد بعث
اليه . ففتح لنا فإذا أنا بهارون ، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا الى السماء السادسة فاستفتح جبريل ، قيل : من هذا؟ قال :
جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد بعث اليه ؟ قال: قد بعث
اليه . ففتح لنا فإذا أنا بموسى ، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا الى السماء السابعة فاستفتح ، قيل : من هذا؟ قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل: وقد بعث اليه ؟ قال: قد بعث اليه . ففتح
لنا فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره الى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون
ألف ملك لا يعودون إليه ، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، فاذا ورقها فيها كآذان
الفيلة ، واذا ثمرها كالقلال ، فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت ، فما أحد من
خلق اللّه يستطيع أن ينعتها من حسنها ، فأوحى الي ما أوحى وفرض عليّ خمسين
صلاة في كل يوم وليلة ، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال : ما فرض ربك على
أمتك ؟ قلت : خمسين صلاة. قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فإن
أمتك لا تطيق ذلك ، فاني قد بلوت بني اسرائيل وخبرتهم. فرجعت الى ربي
فقلت : يا رب ، خفف عن أمتي . فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقلت :
حط عني خمساً ، فقال : ان أمتك لا يطيقون ذلك ، فارجع إلى ربك فاسأله
التخفيف. قال : فلم أزل أرجع بين ربي وموسى حتى قال : يا محمد ، إنهن
خمس صلوات لكل يوم وليلة ، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة ، ومن
همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن همّ بسيئة
فلم يعملها لم تكتب شيئاً ، فإن عملها كتيت سيئة واحدة . فنزلت حتى انتهيت الى

الجزء الخامس عشر
١٨٤
سورة الإسراء
موسى فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فقلت : قد رجعت إلى
ربي حتی استحیت منه)) .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه من طريق شريك بن عبد الله بن
أبي نمر، عن أنس قال: ((ليلة أسرى برسول اللّه يَّم من مسجد الكعبة، جاءه
ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام ، فقال أولهم : ايهم هو؟
فقال أوسطهم : هو خيرهم . فقال أحدهم : خذوا خيرهم . فكانت تلك الليلة فلم
يرهم حتى أتوه ليلة أخرى ، فيما يرى قلبه ، وتنام عيناه ولا ينام قلبه ، وكذلك
الانبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر
زمزم ، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره الى لبته حتى فرغ من صدره
وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب محشوا إيمانا
وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه ثم عرج به الى
السماء الدنيا ، فضرب بابا من أبوابها فقيل : من هذا؟ قال: جبريل. قيل : ومن
معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد بعث اليه؟ قال : نعم. قالوا : مرحباً به وأهلا .
ووجد في السماء الدنيا آدم ، فقال له جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه ، فسلم عليه
ورد عليه آدم وقال : مرحبا وأهلا بابني ... نعم الابن أنت . فاذا هو في السماء الدنيا
بنهرين يطردان مال : ما هذان النهران يا جبريل؟ قال : هذا النيل والفرات
عنصرهما . ثم مضى به في السماء فاذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد ،
فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر. قال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الكوثر الذي
خبأ لك ربك .
ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى : من
هذا؟ قال : جبريل. قالوا : ومن معك؟ قال : محمد. قالوا : وقد بعث اليه ؟
قال : نعم. قالوا : مرحبا به وأهلاً .
ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الاولى والثانية .
ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك ، ثم عرج به الى الخامسة فقالوا
مثل ذلك ، ثم عرج به إلى السادسة فقالوا له مثل ذلك ، ثم عرج به الى السابعة
فقالوا له مثل ذلك ، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم ، منهم إدريس في الثانية ،
وهارون في الرابع ، وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه ، وابراهيم في السادسة ،

الجزء الخامس عشر
١٨٥
سورة الإسراء
وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله ، فقال موسى : رب لم أظن أن ترفع عليّ
أحدا ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ، ودنا الجبار.
رب العزة فتدّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما يوحي اليه
خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة ، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى
فقال : يا محمد ، ماذا عهد اليك ربك ؟ قال : عهد الي ، خمسين صلاة كل يوم
وليلة . قال : ان أمتك لا تستطيع ذلك ، ارجع فليخفف عنك ربك وعنهم .
فالتفت النبي ◌َ ◌ّه الى جبريل كأنه يستشيره فأشار اليه جبريل أن نعم إن شئت ، فعلا
به الى الجبار تبارك وتعالى فقال وهو مكانه : يا رب ، خفف عنا ... ؛ فإن أمتي لا
تستطيع ذلك . فوضع عنه عشر صلوات . ثم رجع الى موسى واحتبسه ، فلم يزل
يردده موسى الى ربه حتى صارت الى خمس صلوات ، ثم احتبسه موسى عند
الخمس فقال : يا محمد ، والله لقد راودت بني اسرائيل على أدنى من هذا فضعفوا
وتركوه ، فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً ، فارجع فليخفف
عنك ربك كل ذلك. يلتفت النبي ع فر الى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك
جبريل ، فرفعه عند الخامسة فقال : يا رب ، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم
وأسماعهم وأبدانهم ، فخفف عنا . فقال الجبار: يا محمد ، قال : لبيك وسعديك .
قال : إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب ، وكل حسنة بعشر
أمثالها . فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك . فرجع إلى موسى فقال :
كيف فعلت ؟ فقال : خفف عنا ، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها . فقال موسى :
قد والله راودت بني اسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ، ارجع إلى ربك فليخفف
عنك. فقال رسول اللّه يَظٍّ: يا موسى، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت
اليه. قال: فاهبط بسم اللّه. واستيقظ وهو في المسجد الحرام)).
وأخرج النسائي وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك ، عن أنس رضي اللّه
عنه ان رسول اللّه ◌َ لي قال: ((أتيت ليلة اسرى بي بدابة فوق الحمار ودون البغل ،
خطوها عند منتهى طرفها ... كانت تسخّر للأنبياء قبلي ، فركبته معي جبريل
فسرت ، فقال : انْزِلْ فَصَلِّ . ففعلت ... فقال : أتدري أين صليت ؟ صليت
بطيبة وإليها المهاجر إن شاء الله . ثم قال : انزل فصَلِّ . ففعلت فقال : أتدري أين
صليت ؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى ، ثم قال : انزل فَصلِّ . فصليت

الجزء الخامس عشر
١٨٦
سورة الإسراء
فقال : أتدري أين صليت ؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى . ثم دخلت بيت
المقدس فجمع لي الانبياء عليهم السلام ، فقدَّمني جبريل فصليت بهم .
ثم صعد بي الى السماء الدنيا فإذا فيها آدم فقال لي : سلم عليه فقال : مرحبا
بابني والنبي الصالح .
ثم صعد بي الى السماء الثانية ، فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى ، ثم صعد بي
الى السماء الثالثة ، فاذا فيها يوسف. ثم صعد بي الى السماء الرابعة ، فاذا فيها
هارون. ثم صعد بي الى السماء الخامسة فإذا فيها ادريس . ثم صعد بي الى السماء
السادسة فاذا فيها موسى ، ثم صعد بي الى السماء السابعة فاذا فيها ابراهيم ، ثم صعد
بي الى فوق السبع سماوات، وأتيت سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة ... فخررت
ساجدا ، فقيل لي : اني يوم خلقت السماوات والارض فرضت عليك وعلى أمتك
خمسين صلاة ، فقم بها أنت وأمتك ، فمررت على ابراهيم فلم يسألني شيئاً ، ثم
مررت على موسى فقال لي : كم فرض عليك وعلى أمتك ؟ قلت : خمسين صلاة .
قال : انك لن تستطيع أن تقوم بها أنت ولا امتك ، فاسأل ربك التخفيف .
فرجعت فأتيت سدرة المنتهى فخررت ساجدا ... فقلت : يا رب ، فرضت عليَّ
وعلى أمتي خمسين صلاة ، فلن أستطيع ان أقوم بها انا ولا أمتي ... فخفف عني
عشرا. فمررت على موسى فسألني فقلت: خَفَّفَ عني عشرا. قال : ارجع الى
ربك فاسأله التخفيف ، فخفف عني عشرا ثم عشرا حتى قال : هن خمس
بخمسين ، فقم بها أنت وأمتك . فعلمت أنها من اللّه صرى . فمررت على موسى
فقال لي : كم فرض عليك ؟ فقلت : خمس صلوات ، فقال : فرض على بني
اسرائيل صلاتان فما قاموا بهما، فقلت : إنها من اللّه فلم أرجع)).
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر ، عن يزيد بن أبي مالك ، عن أنس رضي
اللّه عنه قال: (( لما كان ليلة أسرى برسول اللّه ◌َّه، أتاه جبريل عليه السلام بداية
فوق الحمار ودون البغل . حمله جبريل عليها ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها ، فلما بلغ
بيت المقدس أتى الى الحجر الذي ثمة ، فغمزه جبريل عليه السلام باصبعه فثقبه ، ثم
ربطها ثم صعد ... فلما استويا في صرحة المسجد قال جبريل : يا محمد ، هل سألت
ربك ان يريك الحور العين؟ قال : نعم. قال : فانطلق الى أولئك النسوة فسلّم
عليهن، وهن جلوس عن يسار الصخرة ، فأتيتهن فسلّمت عليهن فرددن عليَّ

الجزء الخامس عشر
١٨٧
سورة الإسراء
السلام ، فقلت : من أنتن؟ فقلن : خيرات حسان ... نساء قوم أبرار نقوا فلم
يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا ، وخلدوا فلم يموتوا . ثم انصرفت فلم ألبث الا يسيرا حتى
اجتمع ناس كثير ، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة ، فقمنا صفوفا فانتظرنا من يؤمنا ،
فأخذ جبريل بيدي فقدّمني ... فصليت بهم ، فلما انصرفت قال جبريل : يا محمد ،
اتدري من صلَّى خلفك؟ قلت : لا . قال : صلى خلفك كل نبي بعثه الله. ثم
أخذ بيدي فصعد بي الى السماء ، فلما انتهينا إلى الباب استفتح ، قالوا : من أنت ؟
قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قالوا : وقد بعث اليه ؟ قال :
نعم. ففتحوا له وقالوا . مرحبا بك وبمن معك . فلما استوى على ظهرها اذا فيها آدم .
فقال لي جبريل : الا تسلّم على أبيك آدم ؟ قلت : بلى ... فأتيته فسلمت عليه ،
فردّ عليّ وقال لي : مرحبا بابني والنبي الصالح. ثم عرج بي الى السماء الثانية
فاستفتح فقالوا له مثل ذلك ، فإذا فيها عيسى ويحيى . ثم عرج بي الى السماء الثالثة
فاستفتح ، فقالوا له مثل ذلك فإذا فيها يوسف. ثم عرج بي الى السماء الرابعة
فاستفتح ، قالوا له مثل ذلك فإذا فيها ادريس . ثم عرج بي الى السماء الخامسة
فاستفتح ، فقالوا له مثل ذلك فاذا فيها هارون . ثم عرج بي الى السماء السادسة
فاستفتح ، فقالوا له مثل ذلك فإذا فيها موسى . ثم عرج بي الى السماء السابعة
فاستفتح ، فقالوا له مثل ذلك فاذا فيها ابراهيم ، ثم انطلق بي على ظهر السماء
السابعة حتى انتهى بي الى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد ، وعليه طير خضر
أنعم طير رأيت . فقلت : يا جبريل ، ان هذا الطير لناعم . قال : يا محمد ، آكله
انعم منه ، ثم قال : اتدري أي نهر هذا؟ قلت : لا . قال : الكوثر الذي أعطاك الله
اياه ، فاذا فيه آنية الذهب والفضة تجري على رضراض من الياقوت والزمرّد ، ماؤه
أشد بياضا من اللبن ، فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت ، فإذا هو
أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك .
ثم انطلق بي حتى انتهى إلى الشجرة ، فغشيتني سحابة فيها من كل لون ،
فرفضني جبريل وخررت ساجداً لله. فقال اللّه لي : يا محمد ، إني يوم خلقت
السماوات والارض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة ، فقم بها أنت
وأمتك . ثم انجلت عني السحابة وأخذ بيدي جبريل فانصرفت سريعاً ، فأتيت على
ابراهيم فلم يقل ني شيئاً ، ثم أتيت على موسى فقال : ما صنعت يا محمد ؟ قلت :

الجزء الخامس عشر
١٨٨
سورة الإسراء
فرض عليَّ وعلى أمتي خمسين صلاة . قال: فلن تستطيعها أنت ولا أمتك . فارجع
الى ربك فاسأله أن يخفف عنك. فرجعت سريعا حتى انتهيت إلى الشجرة ،
فغشيتني السحابة وخررت ساجداً وقلت : ربي ، خفف عنّا . قال : قد وضعت
عنكم عشرا، ثم انجلت عني السحابة ، فرجعت الى موسى فقلت : وضع عني
عشراً . قال : ارجع الى ربك فاسأله أن يخفف عنكم . فوضع عشرا إلى أن قال :
هن خمس بخمسين، ثم انحدر فقال رسول اللّه ◌َّةٍ لجبريل: ما لي لم آت على أهل
سماء إلا رحبوا بي وضحكوا الي ، غير رجل واحد سلمت عليه فرد عليّ السلام
ورحب بي ولم يضحك إليَّ ؟! قال : ذاك مالك خازن النار، لم يضحك منذ
خلق ولو ضحك لأحد لضحك اليك . قال : ثم ركبت منصرفا ، فبينما هو في بعض
طريقه مرّ بعير من قريش تحمل طعاما منها جمل عليه غرارتان ، غرارة سوداء وغرارة
بيضاء ، فلما حاذى العير نفرت منه واستدارت وصرع ذلك البعير وانكسر ، ثم انه
مضى فأصبح فأخبر عما كان ، فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر رضي الله عنه
فقالوا : يا أبا بكر ، هل لك في صاحبك ؟ يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ثم
رجع من ليلته ...! فقال أبو بكر رضي الله عنه : ان كان قاله فقد صدق ، وانا
لنصدقه فيما هو أبعد من هذا ، نصدقه على خبر السماء. فقال المشركون لرسول الله
عَاقِ ما علامة ما تقول ؟ قال : مررت بعير لقريش وهي في مكان كذا وكذا ،
فنفرت العير منا واستدارت ... وفيها بعير عليه غرارتان : غرارة بيضاء ، وغرارة
سوداء . فصرع فانكسر ، فلما قدمت العير سألوهم فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم
رسول اللّه ◌َ ئي، ومن ذلك سمي أبو بكر ( الصديق ) وسألوه : هل كان فيمن حضر
معك موسى وعيسى ؟ قال : نعم. قالوا : فصفها . قال : أما موسى ، فرجل آدم
كأنه من رجال ازد عمان . وأما عيسى ، فرجل ربعة سبط ، تعلوه حمرة كأنه يتحادر
من لحيته الجمان )) .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق عبد الرحمن بن
هاشم بن عتبة، عن أنس رضي الله عنه قال: (( لما جاء جبريل عليه السلام الى
رسول اللّه ◌َ له بالبراق، فكأنها هزت أذنيها فقال جبريل: يا براق، فوالله ما ركبك
مثله . وسار رسول اللّه ◌َطٍّ فاذا هو بعجوز على جانب الطريق ، فقال : ما هذه يا
جبريل ؟ قال : سريا محمد . فسار ما شاء الله أن يسير فاذا شيء يدعوه متنحيا عن

الجزء الخامس عشر
١٨٩
سورة الإسراء
الطريق يقول : هلم يا محمد ، فقال له جبريل : سريا محمد. فسار ما شاء الله ان
يسير فلقيه خلق من خلق الله فقالوا : السلام عليك يا أول ... السلام عليك يا
آخر ... السلام عليك يا حاشر. فقال له جبريل عليه السلام : اردد السلام . فرد
السلام ، ثم لقيه الثانية فقال له مثل ذلك ، ثم الثالثة كذلك حتى انتهى الى بيت
المقدس، فعرض عليه الماء والخمر واللبن، فتناول رسول اللّه عَ لمه اللبن. فقال له
جبريل عليه السلام : أصبت الفطرة ، ولو شربت الماء لغرقت أمتك ، ولو شربت
الخمر لغوت أمتك ، ثم بعث له آدم عليه السلام فمن دونه من الأنبياء ، فأمّهم
رسول اللّه ◌َبِّ تلك الليلة، ثم قال جبريل: أما العجوز التي رأيت على جانب
الطريق ، فلم يبق من الدنيا الا ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل
اليه ، فذاك عدو اللّه ابليس أراد أن تميل اليه . وأما الذين سلموا عليك فابراهيم
وموسی وعیسی )» .
وأخرج ابن مردويه من طريق كثير بن خنيس ، عن أنس رضي اللّه عنه قال :
قال رسول اللّه عَطيٍ: ((بينما أنا مضطجع في المسجد ليلة نائماً، اذ رأيت ثلاثة نفر
أقبلوا نحوي ، فقال الأول: هو ... هو. قال الأوسط : نعم. قال الآخر : خذوا
سيد القوم ، فرجعوا عني ، ثم رأيتهم الليلة الثانية ، فقال الاول : هو .. هو. فقال
الاوسط : نعم. وقال الآخر : خذوا سيد القوم ، فرجعوا عني حتى اذا كانت الليلة
الثالثة رأيتهم ، فقال الاول : هو هو. وقال الاوسط : نعم. وقال الآخر : خذوا
سيد القوم ، حتى جاؤوا بي زمزم فاستلقوني على ظهري ثم غسلوا حشوة بطني ، ثم
قال بعضهم لبعض : انقوا . ثم أتى بطست من ذهب مملوءة حكمة وإيمانا ، فأفرغ في
جوفي ، ثم عرج بي الى السماء فاستفتح فقالوا : من هذا؟ قال : جبريل . قالوا :
ومن معك ؟ قال : محمد. قالوا : وقد أرسل اليه ؟ قال : نعم. ففتح ... فإذا آدم
إذا نظر عن يمينه ضحك ، واذا نظر عن شماله بكى . قلت : يا جبريل ، من
هذا ...! ؟ قال : هذا أبوك آدم ، اذا نظر عن يمينه رأى من في الجنة من ذريته
ضحك ، واذا نظر عن يساره رأى من في النار من ذريته بکی .
ثم قال أنس بن مالك : يا ابن أخي انه يطول علي الحديث ، ثم عرج بي حتى
جاء السماء السادسة فاستفتح ... فقال : من هذا؟ قال : جبريل. قال : ومن
معك ؟ قال : محمد. قال : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم. ففتح فاذا موسى ، ثم

الجزء الخامس عشر
١٩٠
سورة الإسراء
عرج بي السماء السابعة فاستفتح ... قيل من هذا؟ قال : جبريل. قيل : ومن
معك ؟ قال : محمد . قال : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم. ففتح فاذا ابراهيم ، قال
مرحبا بالابن والرسول ، ثم مضى حتى جاء الى الجنة فاستفتح فقيل : من هذا؟
قال : جبريل. قيل : ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد أرسل
اليه ؟ قال : نعم. ففتح الباب . قال : فدخلت الجنة فأُعْطِيتُ الكوثر ، فاذا نهر في
الجنة عضادتاه بيوت مجوفة من لؤلؤ، ثم مضى حتى جاء سدرة المنتهى ( فتدلى فكان
قاب قوسين أو أدنى فأوحى الى عبده ما أوحى )(١) ففرض عليّ وعلى أمتي خمسين
صلاة ، فرجعت حتى أمّ بموسى فقال : كم فرض عليك وعلى أمتك ؟ قلت :
خمسين صلاة . قال : فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك . فرجعت
اليه فوضعٍ عني عشرا ، فمررت على موسى فقال : كم فرض عليك وعلى أمتك ؟
فقلت : أربعين صلاة . قال : فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك .
فرجعت اليه فوضع عني عشرا. فمررت على موسى فقال : كم فرض عليك وعلى
أمتك ؟ قلت : ثلاثين صلاة . قال : فارجع الى ربك فاسأله يخفف عنك وعن
أمتك . فرجعت إليه فوضع عني عشرا. فرجعت الى موسى فقال : كم
فرض عليك وعلى أمتك؟ فقلت : عشرين صلاة . قال : فارجع إلى ربك
فاسأله يخفف عنك وعن أمتك ، فرجعت فوضع عني عشرا، ثم مررت
على موسى فقال : كم فرض عليك وعلى أمتك ؟ قلت : عشر صلوات .
قال : فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك . فرجعت فوضع عني
خمسا . ثم قال : انه لا يبدل قولي ولا ينسخ كتابي ، تخفيفها عنكم كتخفيف
خمس صلوات ، وإنها لكم كأجر خمسين صلاة . فمررت على موسى فقال : كم
فرض عليك وعلى أمتك ؟ قلت : خمس صلوات . قال : فارجع إلى ربك فاسأله
يخفف عنك وعن أمتك . فان بني اسرائيل قد أُمِرُوا بأيسر من هذا فلم يطيقوه .
قال : لقد رجعت إلى ربي حتى اني لأستحي منه)) .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل
وصححه ، عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: ((قلنا يا رسول الله ، كيف أسرى
(١) النجم ٩٠ .

الجزء الخامس عشر
١٩١
سورة الإسراء
بك ؟ فقال : صليت بأصحابي العتمة بمكة معتماً ، فأتاني جبريل بدابة بيضاء فوق
الحمار ودون البغل وقال : اركب ، فاستصعبت علي فأدارها بأذنها ثم حملني عليها ،
فانطلقت تهوي بنا ... يقع حافرها حيث أدرك طرفها حتى بلغنا أرضا ذات نخل ،
فقال: انزل. فنزلت فقال: صَلّ. فصليت ، ثم ركبنا فقال : أتدري أين
صليت؟ قلت : اللّه أعلم. قال: صليت بيثرب ... صليت بطيبة، ثم انطلقت
تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها ، ثم بلغنا أرضا فقال : انزل . فنزلت .
فقال : صلِّ فصليت ، ثم ركبنا فقال : أتدري أين صليت؟ قلت : اللّه أعلم .
قال : صليت بمدين ، صليت عند شجرة موسى ، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها
حيث أدرك طرفها ، ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصورها ، فقال : انزل فنزلت ، ثم
قال: صَلِّ فصليت ، ثم ركبنا فقال : أتدري أين صليت ؟ فقلت : اللّه أعلم .
فقال : صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح بن مريم ، ثم انطلق بي حتى
دخلنا المدينة من بابها اليماني ، فأتى قبلة المسجد فربط فيه الدابة ، ودخلنا المسجد
من باب فيه تميل الشمس والقمر فصليت من المسجد حيث شاء اللّه ، وأخذفي من
العطش أشد ما أخذني فأُتِيتُ بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل ، أُرْسِلَ الي
بهما جميعا فعدلت بينهما ، فهداني الله فأخذت اللبن فشربت حتى فرغت منه ،
وكان إلى جانبي شيخ متكئ على منبره فقال : أخذ صاحبك الفطرة وانه لمهدي، ثم
انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة ، فاذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابي
فقلنا : يا رسول اللّه، كيف وجدتها ؟ قال: مثل الحمة السخنة ، ثم انصرف بي
فمررنا بعير قريش بمكان كذا وكذا ، وقد أضلوا بعيراً لهم قد جمعه فلان ، فسلّمت
عليهم فقال بعضهم : هذا صوت محمد ، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة فأتاني
أبو بكر فقال : يا رسول الله، أين كنت الليلة؟ قد التمستك في مكانك . فقلت :
أعلمت أني أتيت بيت المقدس الليلة ؟ فقال: يا رسول اللّه، انه مسيرة شهر فصفه
لي. قال : ففتح لي صراط كأني أنظر اليه ، لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم عنه .
فقال أبو بكر رضي الله عنه : أشهد أنك رسول الله. وقال المشركون : انظروا الى ابن
أبي كبشة ، زعم أنه أتى بيت المقدس الليلة فقال : ان من آية ما أقول لكم : اني
مررت بعير لكم بمكان كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم فجمعه فلان ، وان مسيرهم
ينزلون بكذا ثم كذا ، ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه شيخ أسود

الجزء الخامس عشر
١٩٢
سورة الإسراء
وغرارتان سوداوان ، فلما كان ذلك اليوم أشرف القوم ينظرون حتى كان قريبا من
نصف النهار قدمت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول اللّه عَ لِ)).
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه من
طريق قتادة رضي الله عنه ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ان مالك بن صعصعة
حدثه ان رسول اللّه ◌ِّ حدثهم عن ليلة أسري به قال: (( بينما أنا في الحطيم - وربما
قال قتادة رضي الله عنه - في الحجر مضطجعاً، إذ أتاني آت فجعل يقول
لصاحبه : الأوسط بين الثلاثة ، فأتاني فشق ما بين هذه الى هذه - يعني من ثغر
نحره الى شعرته - فاستخرج قلبي ، فأوتيت بطست من ذهب مملوء ايمانا وحكمة
فغسل قلبي بماء زمزم ثم حشى ثم أعيد مكانه ، ثم أوتيت بدابة أبيض دون البغل
وفوق الحمار يقال له البراق ، يقع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي
جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا فاستفتح ، فقيل : من هذا؟ قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم. قيل : مرحبا
به ، ولنعم المجيء جاء ، ففتح لنا فلما خلصت فاذا فيها آدم فقلت : يا جبريل ، من
هذا؟ قال: هذا أبوك آدم عليه السلام، فسلّمْ عليه. فسلّمت عليه فرد عليّ
السلام ثم قال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ، ثم صعد حتى أتى الى السماء
الثانية فاستفتح ، فقيل : من هذا؟ قال : جبريل. قيل: ومن معك ؟ قال:
محمد. قيل : أو قد أرسل إليه ؟ قال: نعم. قال : مرحبا ولنعم المجيء جاء. ففتح
لنا فلما خلصت اذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة فقلت : يا جبريل ، من هذان ؟
قال : هذان يحيى وعيسى فسلم عليهما ، فسلمت عليهما فردا السلام ثم قالا :
مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح
قيل : من هذا؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك؟ قال : محمد. قيل : وقد
أرسل إليه ؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به ولنعم المجيء جاء ، ففتح لنا فلما خلصت اذا
يوسف فسلمت عليه فرد السلام ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، ثم
صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح ، قيل : من هذا؟ قيل : جبريل . قيل :
ومن معك ؟ قال : محمد . قيل: وقد أرسل اليه ؟ قال : نعم. قيل : مرحبا به ولنعم
المجيء جاء. ففتح لنا فلما خلصت اذا ادريس فسلمت عليه فرد السلام ثم قال :
مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح

الجزء الخامس عشر
١٩٣
سورة الإسراء
فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال: محمد . قيل : وقد
أرسل إليه ؟ قال : نعم. قيل : مرحبا به ولنعم المجيء جاء ، فلما خلصت اذا هارون
فسلمت عليه فرد عليّ السلام ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، ثم
صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل :
ومن معك ؟ قال : محمد . قيل: وقد أرسل اليه ؟ قال: نعم. قيل : مرحبا به ولنعم
المجيء جاء ، ففتح لنا فلما خلصت اذا أنا بموسى فسلمت عليه فرد السلام ثم قال :
مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، فلما تجاوزت بكى . قيل له : ما يبكيك ؟
قال : أبكي لأن غلاما بُعِثَ بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ،
ثم صعد حتى أتى الى السماء السابعة فاستفتح ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل اليه ؟ قال : نعم. قيل : مرحبا
به ولنعم المجيء جاء ، ففتح لنا فلما خلصت إذا ابراهيم ، قلت : من هذا يا جبريل ؟
قال : هذا أبوك ابراهيم فسلّمْ عليه ، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال : مرحبا
بالابن الصالح والنبي الصالح ، ثم رفعت الى سدرة المنتهى فاذا نبقها مثل قلال
هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة واذا أربعة أنهار يخرجن من أصلها : نهران
باطنان : ونهران ظاهران ، فقلت : يا جبريل ، ما هذه الأنهار ...! ؟ فقال : أما
الباطنان ، فنهران في الجنة . وأما الظاهران فالنيل والفرات ، ثم رفع إليَّ البيت المعمور
قلت : يا جبريل ، ما هذا؟ قال : هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا من
الملائكة ، اذا خرجوا منه لم يعودوا فيه . آخر ما عليهم ، ثم أُتِيتُ باناءين أحدهما
خمر والآخر لبن ، فعرضا عليّ فقيل : خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فقيل لي :
أصبت الفطرة ، أنت عليها وأمتك . ثم فرضت عليَّ الصلاة خمسون صلاة كل
يوم ، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت :
خمسين صلاة كل يوم . قال : ان أمتك لا تستطيع ذلك واني قد خبرت الناس
قبلك وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة ، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك .
فرجعت الى ربي فحط عني خمسا ، فأقبلت حتى أتيت على موسى فانبأته بما حط
فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فان أمتك لا يطيقون ذلك .
قال : فما زلت بين موسى وبين ربي يحط عني خمسا خمسا حتى أقبلت بخمس
صلوات ، فأتيت على موسى فقال : بم أمرت ؟ قلت : بخمس صلوات كل يوم .
الدر المنثورم ١٣ ج ٥

الجزء الخامس عشر
١٩٤
سورة الإسراء
قال : ان أمتك لا يطيقون ذلك ... إني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل
أشد المعالجة ، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فقلت : لقد رجعت الى
ربي حتى لقد استحيت ، ولكني أرضى وأسلم فنوديت أن يا محمد ، اني قد
أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي وجعلت الحسنة بعشر أمثالها)).
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه من طريق يونس ، عن
ابن شهاب ، عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال : كان أبو ذر رضي الله عنه يحدث أن
رسول اللّه ◌َ لَّه قال: ((فرج سقف بيتي وأنا بمكة . فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله
بماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثم
أطبقه ، ثم أخذ بيدي فعرج بي الى السماء ، فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل عليه
السلام لخازن السماء : افتح. قال : من هذا؟ قال : جبريل . قال : هل معك
أحد؟ قال : نعم ، معي محمد . قال : أرسل إليه ؟ قال : نعم. ففتح ، فلما علونا
السماء الدنيا إذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة ، فاذا نظر قبل يمينه
تبسم واذا نظر قبل شماله بكى ، فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح ،
قلت لجبريل : من هذا؟ قال : هذا آدم ، وهذه الاسودة عن يمينه وعن شماله نسم
بنيه ، فأهل اليمين منهم أهل الجنة . والاسودة التي عن شماله أهل النار ، فاذا نظر عن
يمينه ضحك ، واذا نظر عن شماله بكى ، ثم عرج بي الى السماء الثانية فقال لخازنها
افتح. فقال له خازنها مثل ما قال الاول ، ففتح)) .
قال أنس رضي الله عنه : فذكر أنه وجد في السماوات آدم وادريس وموسى
وعيسى وابراهيم ، ولم يثبت كيف منازلهم .
قال ابن شهاب : وأخبرني ابن حزم ان ابن عباس وابا حبّة الأنصاري كانا
يقولان: قال النبي ◌َ ◌ّه: ((ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف
الاقلام)). قال ابن حزم وأنس: قال رسول اللّه عَ ل: ((ففرض الله على أمتي
خمسين صلاة ، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال : ما فرض الله على
أمتك ؟ قلت : فرض خمسين صلاة . قال : فارجع إلى ربك فان أمتك لا تطيق
ذلك ، فرجعت فوضع شطرها ، فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال : راجع ربك ،
فان أمتك لا تطيق ذلك . فراجعت ربي فقال : هي خمس وهن خمسون ، لا
يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك. قلت : قد

الجزء الخامس عشر
١٩٥
سورة الإسراء
استحيت من ربي . ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيتها ألوان لا
أدري ما هي ، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ واذا ترابها المسك)).
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر ،
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حدثنا رسول اللّه ◌َ له بالمدينة عن ليلة
أسري به من مكة إلى المسجد الاقصى قال: ((بينا أنا نائم عشاء بالمسجد الحرام اذ
أتاني آت فأيقظني ، فاستيقظت فلم أر شيئاً وإذا أنا بكهيئة خيال فأتبعته بصري حتى
خرجت من المسجد ، فإذا أنا بدابة أدنى شبهة بدوابكم هذه بغالكم ، غير أنه
مضطرب الاذنين يقال له البراق ، وكانت الانبياء تركبه قبلي .. يقع حافره عند مد
بصره فركبته فبينا أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يميني : يا محمد ، انظرني أسألك .
فلم أجبه ، ثم دعاني داع عن شمالي يا محمد ، انظرني أسألك فلم أجبه ، فبينا أنا سائر
إذا بامرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينةٍ خَلَقَهَا اللّه ، فقالت : يا محمد ،
انظرني أسألك . فلم ألتفت اليها حتى أتيت بيت المقدس ، فأوثقت دابتي بالحلقة التي
كانت الأنبياء عليهم السلام توثقها بها ، ثم أتاني جبريل عليه السلام باناءين أحدهما
خمر والآخر لبن فشربت اللبن وتركت الخمر ، فقال جبريل : أصبت الفطرة ، أما
انك لو أخذت الخمر غوت أمتك. فقلت : الله أكبر ... الله أكبر ... فقال
جبريل : ما رأيت في وجهك هذا ؟ قلت : بينا أنا أسير إذ دعاني داع عن يميني : يا
محمد ، أنظرني اسألك فلم أجبه. قال : ذاك داعي اليهود ، أما انك لو أجبته
لتّدت أمتك. قلت : وبينا أنا أسير اذ دعاني داع عن يساري: يا محمد ، انظرني
أسألك ، فلم أجبه . قال : ذاك داعي النصارى ، أما انك لو أجبته لتنصرت
أمتك ، فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة ، تقول : يا
محمد ، انظرني اسألك فلم أجبها . قال : تلك الدنيا أما انك لو أجبتها لاختارت
أمتك الدنيا على الآخرة .
ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين ، ثم أُتِيتُ
بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم ، فلم تر الخلائق أحسن من المعراج ..! أما
رأيت الميت حين رمى بصره طامحا الى السماء عَجَبُهُ بالمعراج ... ؟ فصعدت أنا
وجبريل فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل. وهو صاحب سماء الدنيا وبين يديه سبعون
ألف ملك ، مع كل ملك جنده مائة ألف . فاستفتح جبريل باب السماء قيل : من

الجزء الخامس عشر
١٩٦
سورة الإسراء
هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال: محمد. قيل : قد بعث إليه؟
قال : نعم ، فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته لم يتغير منه شيء ، وإذا هو
تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول : روح طيبة ونفس طيبة ، اجعلوها في
عليين . ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكفار الفجار فيقول : روح خبيثة ونفسٍ خبيثة
اجعلوها في سجّين. فقلت : يا جبريل ، من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم فسلّم عليّ
ورحب بي فقال : مرحبا بالابن الصالح . ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأخونة عليها لحم
قد أروح وأنتن ، عندها أناس يأكلون منها . قلت : يا جبريل ، من هؤلاء؟ قال
هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام . وفي لفظ : فإذا أنا بقوم على مائدة
عليها لحم مشوي كأحسن ما رأيت من اللحم وإذا حوله جيف ، فجعلوا يقبلون على
الجيف يأكلون منها ويدعون اللحم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء
الزناة ... عمدوا إلى ما حرّم الله عليهم وتركوا ما أحل الله لهم ، ثم مضيت هنيهة فاذا
أنا بقوم بطونهم أمثال البيوت ، كلما نهض أحدهم خرّ يقول : اللهم لاتقم الساعة
وهم على سابلة آل فرعون ، فتجيء السابلة فتطؤهم ، فسمعتهم يضجون الى اللّه
قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء من أمتك الذين يأكلون الربا ، لا يقومون
إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ، ثم مضيت هنيهة ، فإذا أنا بأقوام لهم
مشافر كمشافر الابل قد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ، ثم يجعل في أفواههم صخراً
من نار، ثم يخرج من أسافلهم ، فسمعتهم يضجون الى الله . قلت : يا جبريل ،
من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أمتك ( الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً انما يأكلون
في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) ثم مضيت هنيهة فاذا أنا بنساء يُعَلَّقْنَ بثديهن ،
ونساء مُنَكّسَاتٍ بأرجلهن، فسمعتهن يَضْجُجْنَ الى الله ، قلت يا جبريل من
هؤلاء النساء ؟ قال : هؤلاء اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن ، ثم مضيت هنيهة فإذا أنا
بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم ، ثم يدس في أفواههم ، ويقول : كلوا مما أكلتم ،
فاذا أكره ما خلق الله لهم ذلك . قلت : يا جبريل من هؤلاء؟ قال : هؤلاء الهمازون
من أمتك اللمازون الذين يأكلون لحوم الناس ، ثم صعدنا الى السماء الثانية ، فإذا أنا
برجل أحسن ما خلق اللّه قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر
الكواكب ! قلت : يا جبريل ، من هذا؟ قال : هذا أخوك یوسف ومعه نفر من
قومه ، فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي ، ثم صعدنا الى السماء الثالثة ، فإذا أنا

الجزء الخامس عشر
١٩٧
سورة الإسراء
بابني الخالة يحيى وعيسى ومعهما نفر من قومهما شبيه أحدهما بصاحبه ثيابهما
وشعرهما ، فسلمت عليهما وسلما علي ورحبا بي ، ثم صعدنا الى السماء الرابعة ، فاذا
أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا ، فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي. ثم صعدنا
الى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء ، تكاد لحيته
تصيب سرته من طولها ، قلت : يا جبريل ، من هذا؟ قال : هذا المحبب في
قومه ... هذا هرون بن عمران ومعه نفر كثير من قومه ، فسلمت عليه وسلم عليّ
ورحب بي ثم صعدنا إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى بن عمران رجل آدم كثير
الشعر ، لو كان عليه قميصان خرج شعره منهما ، وإذا هو يقول : يزعم الناس اني
أكرم الخلق على الله وهذا أكرم على الله مني ، ولو كان وحده لم أبال ، ولكن كل
نبي ومن تبعه من أمته . قلت : يا جبريل ، من هذا : قال هذا أخوك موسى بن
عمران ومعه نفر من قومه ، فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي ، ثم صعدنا الى
السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم ، وإذا هو جالس مسند ظهره الى البيت المعمور ومعه
نفر من قومه ، فسلمت عليه وسلم عليّ وقال : مرحباً بالابن الصالح ، فقيل لي :
هذا مكانك ومكان أمتك ، ثم تلا ( ان أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي
والذين آمنوا والله ولي المؤمنين)(١) وإذا بأمتي شطرين: شطر عليهم ثياب بيض كأنها
القراطيس ، وشطر عليهم ثياب رمد. ثم دخلت البيت المعمور ودخل معي الذين
عليهم الثياب البيض ، وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد ، وهم على خير .
فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي قال : والبيت
المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه الى يوم القيامة ، ثم رفعت
إلى سدرة المنتهى فاذا كل ورقة منها تكاد تغطي هذه الأمة ، واذا في أصلها عين
تجري يقال لها سلسبيل فيشق منها نهران ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ فقال : أما
هذا ، فهو نهر الرحمة : وأما هذا ، فهو نهر الكوثر الذي أعطاكه اللّه . فاغتسلت في
نهر الرحمة فغفر لي من ذنبي ما تقدم وما تأخر ، ثم أخذت على الكوثر حتى دخلت
الجنة فإذا فيها ما لا عين رأت وما لا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإذا أنا
بأنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة
(١) آل عمران ، آية ٦٨ .

الجزء الخامس عشر
١٩٨
سورة الإسراء
للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى. وإذا فيها رمان كأنه جلود الإبل المقتبة ، واذا
فيها طير كأنها البخت . قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول اللّه، ان تلك الطير
لناعمة ؟ قال : آكلها أنعم منها يا أبا بكر ، واني لأرجو أن تأكل منها . قال : ورأيت
فيها جارية لعساء ، فسألتها لمن أنت ؟ فقالت : لزيد بن حارثة . فبشر بها رسول الله
عَِّ زيداً. ثم عرضت عليّ النار فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته ، ولو طرح فيها
الحجارة والحديد لأكلتها ثم غلقت دوني ، ثم اني رفعت الى سدرة المنتهى فتغشاها
فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى ، ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة ، ثم ان
الله أمرني بأمره وفرض عليّ خمسين صلاة وقال: لك بكل حسنة عشر، اذا هممت
بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة فاذا عملتها كتبت لك عشرا ؛ وإذا هممت
بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء ، فان عملتها كتبت عليك سيئة واحدة . ثم
دفعت الى موسى فقال : بم أمرك ربك ؟ قلت : بخمسين صلاة . قال : ارجع الى
ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فان أمتك لا يطيقون ذلك. فرجعت الى ربي
فقلت : يا رب ، خفف عن أمتي فانها أضعف الأمم . فوضع عني عشرا ... فما زلت
أختلف بين موسى وبين ربي حتى جعلها خمسا ، فناداني ملك : عندها تمت
فريضتي وخففت عن عبادي ، فأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها . ثم رجعت الى
موسى فقال : بم أُمِرْتَ ؟ قلت : بخمس صلوات . قال : ارجع الى ربك فاسأله
التخفيف لأمتك . قلت : قد رجعت الى ربي حتى استحييته .
ثم أصبح بمكة يخبرهم العجائب : اني رأيت البارحة بيت المقدس وعرج بي
الى السماء ثم رأيت كذا وكذا ، فقال أبو جهل : ألا تعجبون مما يقول محمد ؟ قال :
فأخبرته بعیر لقریش لما كانت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا وانها نفرت ، فلما
رجعت رأيتها عند العقبة وأخبرتهم بكل رجل ، وبعيره كذا ومتاعه كذا ، فقال
رجل : أنا أعلم الناس ببيت المقدس ... فكيف بناؤه وکیف هيئته وکیف قربه من
الجبل؟ فرفع لرسول اللّه ◌َ يٍّ بيت المقدس فنظر إليه فقال: بناؤه كذا وهيئته كذا
وقربه من الجبل كذا . فقال : صدقت)).
وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن
أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ، عن أبي هريرة رضي اللّه
عنه في قوله تعالى ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد

الجزء الخامس عشر
١٩٩
سورة الإسراء
الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ قال: ((جاء
جبريل عليه السلام الى النبي عَلّم ومعه ميكائيل ، فقال جبريل لميكائيل عليهما
السلام : ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح صدره ، فشق عن بطنه
فغسله ثلاث مرات واختلف إليه ميكائيل عليه السلام بثلاث طساس من ماء زمزم ،
فشرح صدره ونزع ما كان فيه من غلّ وملأه حلما وعلما وإيماناً ويقينا وإسلاما ، وختم
بين كتفيه بخاتم النبّة ، ثم أتاه بفرس فحمل عليه ... كل خطوة منه منتهى بصره ،
فسار وسار معه جبريل ، فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم ... كلما
حصدوا عاد كما كان، فقال النبي صَ لّله: يا جبريل، ما هذا ..! ؟ قال: هؤلاء
المجاهدون في سبيل اللّه يضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف ، وما أنفقوا من شيء فهو
يخلفه . ثم أتی علی قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر ، کلما رضخت عادت کما کانت ولا
يفتر عنهم من ذلك شيء ، فقال : ما هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : هؤلاء الذين تتثاقل
رؤوسهم عن الصلاة ، ثم أتى على قوم على اقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع ...
يسرحون كما تسرح الابل والغنم ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها ،
قال : ما هؤلاء يا جبريل ...! ؟ قال : هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما
ظلمهم اللّه شيئاً ، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم آخر ني،
خبيث ، فجعلوا يأكلون من النيء الخبيث ويتركون النضيج الطيب . قلت : ما
هؤلاء يا جبريل !؟ قال : هذا الرجل من أمتك ... تكون عنده المرأة الحلال فيأتي
امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح ، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيباً فتأتي
رجلا خبيثاً تبيت معه حتى تصبح ، ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا
شقته ولا شيء إلا خرقته ، قال : ما هذا يا جبريل ...!! ؟ قال : هذا مثل أقوام
من أمتك ... يقعدون على الطريق فيقطعونه ، ثم أتى على رجل قد جمع حزمة
عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها ، فقال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا
الرجل من أمتك يَكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل
عليها ، ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار ... كلما قرضت
عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء ، قال : ما هؤلاء يا جبريل ...! ؟
قال : هؤلاء خطباء الفتنة . ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم .
فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع . قال : ما

الجزء الخامس عشر
٢٠٠
سورة الإسراء
هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها
فلا يستطيع أن يردها . ثم أتى على وادٍ فوجد ريحاً طيبة باردة وريح
مسك، وسمع صوتا فقال : يا جبريل ، ما هذا؟ قال : هذا صوت الجنة ...
تقول : يا رب ، ائتني بما وعدتني فقد كثرت غرفي واستبرقي وحريري وسندسي
وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي واكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي
وعسلي ومائي ولبني وخمري. فائتني ما وعدتني. فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن
ومؤمنة . قالت : رضيت . ثم أتى على وادٍ فسمع شكوى ووجد ريحاً منتنة فقال : ما
هذا يا جبريل ؟ قال : هذا صوت جهنم ، تقول : رب ائتني بما وعدتني ، فلقد
کثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي ، وقد بعد قعري
واشتد حري فائتني ما وعدتني ، قال : لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة ، وكل
خبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب . قالت : قد رضيت . ثم سار حتى
أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه الى صخرة ، ثم دخل فصلى مع الملائكة عليهم
السلام ... فلما قضيت الصلاة قالوا : يا جبريل ، من هذا معك؟ قال : محمد
عٍَّ. قالوا: وقد بعث اليه؟ قال: نعم. قالوا: حياه اللّه من أخ ومن خليفة، فنعم
الاخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء. ثم لقي أرواح الأنبياء عليهم السلام فأثنوا على
ربهم، فقال ابراهيم عليه السلام : الحمدلله الذي اتخذني خليلا وأعطاني ملكاً
عظيماً وجعلني أمة قانتاً يؤتم بي ، وأنقذني من النار وجعلها عليّ بردا وسلاماً. ثم أن
موسى عليه السلام أثنى على ربه عز وجل فقال : الحمدلله الذي كلمني تكليماً
وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني اسرائيل على يدي ، وجعل من أمتي ( قوما بهدون
بالحق وبه يعدلون)(١) ثم ان داود عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمدلله الذي
جعل لي ملكا عظيما ، وعلمني الزبور، وألان لي الحديد ، وسخر لي الجبال يسبحن
والطير ، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب . ثم ان سليمان عليه السلام أثنى على ربه
فقال : الحمد لله الذي سخر لي الرياح ، وسخر لي الشياطين يعملون ما شئت من
محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ، وعلمني منطق الطير ، وآتاني من
كل شيء فضلا ، وسخر لي جنود الشياطين والانس والطير، وفضلني على كثير من
عباده المؤمنين ، وآتاني ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعدي ، وجعل ملكي
(١) الأعراف الآية ١٥٩ . ونص الآية ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ).