النص المفهرس

صفحات 581-600

الجزء التاسع
٥٨١
سورة الاعراف
الامم ، واجعلهم أمة وسطاء شهداء على الناس ، اذا غضبوا هللوني ، وإذا قبضوا
كَبَّروني، وإذا تنازعوا سبّحوني، يطهرون الوجوه والاطراف ، ويشدون الثياب الى
الانصاف ، ويهللون على التلال والاشراف ، قربانهم دماؤهم ، وأناجيلهم
صدورهم ، رهبان بالليل ليوث بالنهار، مناديهم في جو السماء ، لهم دوي كدوي
النحل ، طوبى لمن كان معهم وعلى دينهم ومناهجهم وشريعتهم ، ذلك فضلي أوتيه
من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم)).
وأخرج البيهقي في الدلائل عن وهب بن منبه قال : ان الله أوحى في الزبور
((يا داود انه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقا نبيا لا أغضب عليه أبدا
ولا يعصيني أبدا ، وقد غفرت له أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وأمته
مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الانبياء ، وافترضت عليهم الفرائض التي
افترضت على الانبياء والرسل ، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الانبياء ،
وذلك اني افترضت عليهم ان يتطهروا لي لكل صلاة كما افترضت على الانبياء
قبلهم ، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الانبياء قبلهم ، وأمرتهم بالحجٍ كما
أمرت الانبياء قبلهم ، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم . يا داود اني فضّلت
محمدا وأمته على الامم ، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الام . لا
أؤاخذهم بالخطأ والنسيان ، وكل ذنب ركبوه على غير عمد اذا استغفروني منه
غفرته ، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم أضعافا مضاعفة ،
ولهم عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك ، وأعطيتهم على المصائب في البلايا
اذا صبروا وقالوا انا لله وانا اليه راجعون ، الصلاة والرحمة والهدى الى جنات النعيم ،
فان دعوني استجبت لهم، فاما ان يروه عاجلا واما أن أصرف عنهم سوءاً واما أن
أؤخره لهم في الآخرة ، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد ان لا اله الا أنا وحدي
لا شريك لي صادقا بها فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذب محمداً
وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صبا ، وضربت
الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره ، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار)).
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبدالله بن عمرو قال : أجد في
الكتب أن هذه الأمة تحب ذكر اللّه كما تحب الحمامة وكرها ، ولهم أسرع الى ذكر الله
من الابل الی وردها یوم ظمتها .

الجزء التاسع
٥٨٢
سورة الاعراف
قوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ﴾ الآية.
أخرج الطبراني عن حبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عن جده ((ان النبي عليه
أتاه رجل من الاعراب يستفتيه عن الرجل ، ما الذي يحل له والذي يحرم عليه في
ماله ونسكه وماشيته وعنزه وفرعه من نتاج ابله وغنمه؟ فقال له رسول اللّه علقم :
أحلَّ لك الطيبات وحرم عليك الخبائث الا ان تفتقر الى طعام فتأكل منه حتى
تستغني عنه. قال : ما فقري الذي آكل ذلك اذا بلغته؟ أمْ ما غناي الذي يغنيني
عنه ؟ قال : اذا كنت تر جو نتاجا فتبلغ بلحوم ماشیتك الى نتاجك ، أو كنت ترجو
عشاء تصيبه مدركا فتبلغ اليه بلحوم ماشيتك ، واذا كنت لا ترجو من ذلك شيئاً
قاطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه . قال الأعرابي : وما عشائي الذي أدعه
اذا وجدته؟ قال : اذا رويت أهلك غبوقا من اللبن فاجتنب ما حرم عليك من
الطعام ، واما مالك فانه ميسور كله ليس منه حرام غير أن في نتاجك من ابلك
فرعا ، وفي نتاجك من غنمك فرعا تغذوه ماشيتك حتى تستغني ، ثم ان شئت
فاطعمه أهلك وان شئت تصدَّق بلحمه ، وأمره ان يعقر من الغنم في كل مائة
عشرا)).
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن جريج في قوله ﴿ ويحل لهم
الطيبات﴾ قال: الحلال ﴿ويضع عنهم أصرهم والاغلال التي كانت عليهم ﴾
قال : التثقيل الذي کان في دينهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله
﴿ ويحرم عليهم الخبائث﴾ قال : كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلون من
المحرمات من المآكل التي حرَّمها اللّه . وفي قوله ﴿ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي
كانت عليهم﴾ قال : هو ما كان أخذ اللّه عليهم من الميثاق فيما حرم عليهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ﴿ ويضع
عنهم أصرهم﴾ قال : عهدهم ومواثيقهم في تحريم ما أحلَّ اللّه لهم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي ﴿ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي
كانت عليهم﴾ يقول : يضع عنهم عهودهم ومواثيقهم التي أخذت عليهم في التوراة
والانجيل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ﴿ويضع عنهم اصرهم﴾

الجزء التاسع
٥٨٣
سورة الاعراف
قال : التشديد في العبادة ، كان أحدهم يذنب الذنب فيكتب على باب داره : ان
توبتك ان تخرج أنت وأهلك ومالك الى العدو فلا ترجع حتى يأتي الموت على
آخركم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن
سعيد بن جبير في قوله ﴿ويضع عنهم أصرهم﴾ قال : ما غلظ على بني اسرائيل من
قرض البول من جلودهم اذا أصابهم ونحوه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شودب في قوله ﴿ والاغلال التي كانت عليهم ﴾
قال : الشدائد التي كانت عليهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ﴿ ويضع عنهم
اصرهم والاغلال التي كانت عليهم ﴾ قال: تشديد شدد على القوم، فجاء محمد
سَلتزم بالتجاوز عنهم .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير﴿ويضع عنهم اصرهم ﴾ قال : ما غلظوا
على أنفسهم من قطع أثر البول ، وتتبع العروق في اللحم وشبهه .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ويضع عنهم اصرهم ﴾ قال : عهدهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿عزروه﴾
يعني عَظَّموه وَقَّروه .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله ﴿وعزَّروه ونصروه ﴾ قال: بالسيف.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ﴿وعزَّروه﴾ يقول: نصروه. قال: فأما
نصره وتعزيره قد سبقتم به ، ولكن خيركم من آمن واتبع النور الذي أنزل معه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ وعَزَّروه﴾ قال : شددوا أمره
وأعانوا رسوله ونصروه .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿وعزروه﴾ مثقلة .
قوله تعالى: قُلْ يَّهَا النَّاسُ إِّ رَسُولُ اللَّهِإِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ
مُلَكُ السَّوَنِ وَالْأَرْضِ لَآ إِلَهَ إِلَّهُوَيْحِىءٌ وَيُحِيثٌ فَنَامِنُواْ بِلّهِ وَرَسُولِ النَّبِى
اْأُمِى الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِيَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ®

الجزء التاسع
٥٨٤
سورة الاعراف
أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: بعث الله محمداً عَتع الى
الاحمر والاسود فقال ﴿ يا أيها الناس اني رسول اللّه اليكم جميعا﴾ .
وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : كانت بين أبي بكر وعمر
محاورة ، فاغضب أبوبكر عمر ، فانصرف عمر عنه مغضبا ، فأتبعه أبو بكر فسأله أن
يستغفر له ، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله عزئهم ،
وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلَّم وجلس إلى النبي معَ وقصَّ الخبر،
فغضب رسول اللّه ◌َباقي (هل أنتم تاركو لي صاحبي ، اني قلت ﴿ يا أيها الناس اني
رسول اللّه اليكم جميعا﴾ فقلتم : كذبت . وقال أبو بكر : صدقت .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله
يؤمن بالله وکلمته ﴾ قال : عيسى .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم انه قرأ ﴿ يؤمن بالله وكلماته ﴾ على الجماع .
وَمِن قَوْمِمُوسَىأُمُّهُ بھدُونیالحق وہِدِیَعْدِلُون
قوله تعالى :
١٥٠
وَقَطَعْنَهُمُ اثْنَىْ عَشْرَةٍ أَسْبَاطًا أُمَمَّا وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىّ إِذِاسْتَسْقَلُهُ
قَوْمْهُ أَنْضْرِب ◌ِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَتْبَحَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ عَنْتَّا قَدْ
عَلِمَ كُ أَنَامٍ مُشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَّمَمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ
وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِنْ طَيِّبَنِ مَارَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَهُوْنَا وَلَكِنْ كَانُواْ
أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ وَإِذْقِلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْمِنْهَا
حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْحِظَّةٌ وَأَدْ خُلُواْ الْبَابَ سُبَدًّا نَّغْفِرْلَكُمْ
خَطِيَةِكُمْسَنِزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ
الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَزْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزَّاتِنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ
يَظْلِئُونَ ﴾

الجزء التاسع
٥٨٥
سورة الاعراف
أخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال موسى : يا رب ، أجد
أمة انجيلهم في قلوبهم ؟ قال : تلك أمة تكون : عدك أمة أحمد. قال : يا رب ، أجد
أمة يصلون الخمس تكون كفارة لما بينهن ؟ قال : تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد .
قال : يا رب، أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم فيأكلون ؟ قال : تلك
أمة تكون بعدك أمة أحمد . قال : يا رب ، اجعلني من أمة أحمد . فأنزل الله كهيئة
المرضية لموسى ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي ليلى الكندي قال : قرأ عبدالله بن
مسعود (( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)) فقال رجل : ما أحب اني
منهم. فقال عبدالله : لم ما يزيد صالحوكم على أن يكونوا مثلهم ؟
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله ﴿ومن قوم
موسی أمة ) الآية . قال : بلغني ان بني اسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني
عشر سبطا ، تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم ،
ففتح الله لهم نفقا في الارض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين ، فهم هنالك
حنفاء مستقبلين يستقبلون قبلتنا . قال ابن جريج : قال ابن عباس : فذلك قوله
( وقلنا من بعده لبني اسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم
لفيفا)(١) ووعد الآخرة عيسى بن مريم. قال ابن عباس : ساروا في السرب سنة
ونصفا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال : افترقت بنو اسرائيل بعد
موسى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار الا فرقة ، وافترقت النصارى بعد عيسى على
اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار الا فرقة ، وتفترق هذه الامة على ثلاث وسبعين فرقة
كلها في النار الا فرقة ، فاما اليهود فان الله يقول ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق
وبه يعدلون﴾ وأما النصارى فان الله يقول (منهم أمة مقتصدة)(٢) فهذه التي
تنجو، وأما نحن فيقول ( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون )(٣) فهذه التي
تنجو من هذه الامة .
(١) الاسراء الآية ١٠٤ .
(٢) المائدة الآية ٦٦ .
(٣) الأعراف الآية ١٨١ .

الجزء التاسع
٥٨٦
سورة الاعراف
وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال: ان مما فضل الله به محمدا عَ لِّ انه عاين ليلة
المعراج قوم موسى الذين من وراء الصين ، وذلك ان بني اسرائيل حين عملوا
بالمعاصي وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس ، دعوا ربهم وهم بالارض المقدسة
فقالوا : اللهمَّ أخرجنا من بين أظهرهم ، فاستجاب لهم فجعل لهم سربا في الارض
فدخلوا فيه ، وجعل معهم نهرا يجري وجعل لهم مصباحا من نور بين أيديهم ،
فساروا فيه سنة ونصفا وذلك من بيت المقدس الى مجلسهم الذي هم فيه ، فأخرجهم
اللّه الى أرض تجتمع فيها الهوام والبهائم والسباع مختلطين بها ، ليس فيها ذنوب ولا
معاص، فأتاهم النبي ◌ِ لِ تلك الليلة ومعه جبريل ، فآمنوا به وصدقوه وعلَّمهم
الصلاة وقالوا : ان موسى قد بشّرهم به .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق
وبه يعدلون ﴾ قال : بينكم وبينهم نهر من سهل ، يعني من رمل يجري .
وأخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن عمرو قال : هم الذين قال الله ﴿ومن
قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ يعني سبطان من أسباط بني اسرائيل يوم الملحمة
العظمى ينصرون الاسلام وأهله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال : ان لله عبادا من وراء الاندلس كما بيننا
وبين الاندلس لا يرون ان اللّه عصاه مخلوق ، رضراضهم الدر والياقوت وجبالهم
الذهب والفضة ، لا يزرعون ولا يحصدون ولا يعملون عملاً، لهم شجر على أبوابهم
لها أوراق عراض هي لبوسهم ، ولهم شجر على أبوابهم لها ثمر ، فمنها يأكلون .
قوله تعالى : ﴿فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ﴾ .
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله
فانبجست ﴾ قال : فانفجرت .
وأخرج الطستي عن ابن عباس ان نافع بن الازرق قال له : أخبرني عن قوله عزَّ
وجلَّ ﴿ فانبجست منه اثنتا عشرة عينا﴾ قال : أجرى اللّه من الصخرة اثنتي عشرة
عينا ، لكل سبط عين يشربون منها . قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، أما
سمعت بشر بن أبي حازم يقول :
فاسلبت العينان مني بواكف كما انهل من واهي الكلى المتبجس

الجزء التاسع
٥٨٧
سورة الاعراف
قوله تعالى: وَسْتَلْهُمْ عَنِ الْقَرَّيَةِالَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ
إِذْ يَعْدُونَ فِى السّبْكِ إِذْ تَأْنِهِمْ حِينَا ثُمْ يَوْمَ سَدْنِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا
يَسْبِتُونٌَ لاَ تَأْتِهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَاكَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴿ وَإِذْ قَالَتْ
عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى
أُّةٌ مِّنْهُمْ لِمَتَعِظُونَ قَوْمًّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْمُعَذِيرُهُمْ
فَلَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُ واْ بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عِنْ السُّوْءِ
رَّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَهُواْبِعَذّابٍ بِيٍِ بِمَاكَانُواْيَفْسُقُونَ ﴿﴿﴿ فَلَتَّاعَتَوْاْ عَزْقَانُهُوْعَنْهُ
قُلْنَالَهُمْ كُونُواْفِرَدَةٌ خَسِينَ *
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال : دخلت على ابن
عباس وهو يقرأ هذه الآية ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾ قال :
يا عكرمة ، هل تدري أي قرية هذه ؟ قلت : لا . قال : هي ايلة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب ﴿واسألهم عن القرية﴾ قال : هي
طبرية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد واسألهم عن القرية قال : هي قرية يقال لها
مقنا بين مدين وعينونا .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ واسألهم عن القرية﴾ قال : هي
مدين .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ﴿اذ يعدون في السبت ﴾ قال :
يظلمون .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ﴿ شرعا﴾ يقول : من كل مكان .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ﴿ شرعا﴾ قال: ظاهرة على الماء .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ﴿ شرعا﴾ قال : واردة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿ واسألهم
عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾ قال: هي قرية على شاطىء البحر بين مصر

الجزء التاسع
٥٨٨
سورة الاعراف
والمدينة يقال لها أيلة ، فحرَّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم ، فكانت تأتيهم يوم سبتهم
شرعا في ساحل البحر ، فاذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها ، فمكثوا كذلك ما شاء
اللّه ، ثم ان طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم ، فنهتهم طائفة فلم يزدادوا الا غيّا.
فقالت طائفة من النهاة : تعلمون ان هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب ﴿ لم تعظون
قوما اللّه مهلكهم﴾ وكانوا أشد غضبا من الطائفة الاخرى ، وكل قد كانوا ينهون ،
فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالتا : لم تعظون ؟ والذين ﴿ قالوا :
معذرة الى ربكم ) وأهلك اللّه أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ﴿ واسألهم
عن القرية ... ) الآية. قال : ان اللّه انما افترض على بني اسرائيل اليوم الذي
افترض عليكم يوم الجمعة ، فخالفوا الى السبت فعظَّموه وتركوا ما أمروا به ، فلما
ابتدعوا السبت ابتلوا فيه ، فحرمت عليهم الحيتان ، وهي قرية يقال لها مدين بين ايلة .
والطور، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون اليها في البحر ، فاذا
انقضى السبت ذهبت فلم تر حتى مثله من السبت المقبل، فاذا جاء السبت عادت
شرعا ، ثم ان رجلا منهم أخذ حوتا فحزمه بخيط ثم ضرب له وتدا في الساحل
وربطه وتركه في الماء ، فلما كان الغد جاء فأخذه فأكله سرا ، ففعلوا ذلك وهم
ينظرون لا يتناهون الا بقية منهم ، فنهوهم حتى اذا ظهر ذلك في الاسواق علانية
قالت طائفة للذين ينهونهم ﴿ لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ﴾
قالوا ﴿ معذرة إلى ربكم﴾ في سخطنا أعمالهم ﴿ولعلهم يتقون ﴾ فكانوا أثلاثا . ثلثا
نهى، وثلثا قالوا ﴿ لم تعظون﴾ وثلثا أصحاب الخطيئة، فما نجا الا الذين نهوا
وهلك سائرهم ، فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس لا
يرونهم ، وقد باتوا من ليلتهم وغلقوا عليهم دورهم ، فجعلوا يقولون : ان للناس شأناً
فانظروا ما شأنهم ، فاطلعوا في دورهم فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه وانه
لقرد ، والمرأة بعينها وانها لقردة .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عكرمة
قال : جئت ابن عباس يوما وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره فقلت : ما يبكيك
يا ابن عباس؟ فقال : هؤلاء الورقات . واذا في سورة الاعراف قال : تعرف ایلة ؟
قلت : نعم. قال : فانه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان اليهم يوم السبت ، ثم

الجزء التاسع
٥٨٩
سورة الاعراف
غاصت لا يقدرون عليها حتی یغوصوا عليها بعد كد ومؤنة شديدة ، وكانت تأتيهم يوم
السبت شرعا بيضا سمانا كأنها الماخض ، فكانوا كذلك برهة من الدهر ثم ان الشيطان
أوحى اليهم فقال : انما نهيتم عن أكلها يوم السبت فخذوها فيه وكلوها في غيره من
الايام. فقالت : ذلك طائفة منهم ، وقالت طائفة : بل نهيتم عن أكلها وأخذها
وصيدها في يوم السبت ، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها ، واعتزلت طائفة
ذات اليمين ، وتنحَّت واعتزلت طائفة ذات اليسار، وسكتت وقال الايمنون :
ويلكم ... ؟ لا تتعرضوا لعقوبة اللّه، وقال الايسرون ﴿ لم تعظون قوما اللّه مهلكهم أو
معذبهم عذابا شديدا﴾ قال الايمنون: ﴿ معذرة الى ربكم ولعلهم يتقون ﴾ ان
ينتهوا فهو أحب الينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا ، وان لم ينتهوا فمعذرة الى ربكم . فمضوا
على الخطيئة وقال الايمنون : قد فعلتم يا أعداء الله، والله لنبايسّكم الليلة في
مدينتكم ، والله ما أراكم تصبحون حتى يصبحكم اللّه بخسف أو قذف أو بعض ما
عنده من العذاب ، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا فلم يجابوا ، فوضعوا سلما
وعلوا سور المدينة رجلا، فالتفت اليهم فقال: أي عباد الله قردة ـ والله ــ تعاوى
لها أذناب ...! ففتحوا فدخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها من الانس ولا تعرف
الانس أنسابها من القردة ، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الانس فتشم ثيابه
وتبكي ، فيقول : ألم ننهكم ؟ فتقول برأسها : أي نعم. ثم قرأ ابن عباس ﴿ فلما نسوا
ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ قال:
اليم وجيع . قال : فارى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذكروا ، ونحن نرى
أشیاء ننكرها ولا نقول فيها . قلت : أي جعلني الله فداك ، ألا تری انهم کرهوا ما
هم عليه وخالفوهم ، وقالوا ﴿ لم تعظون قوما اللّه مهلكهم ﴾ قال: فأمر بي
فکسیت ثوبین غليظین .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : كانت قرية على ساحل البحر يقال لها
ايلة ، وكان على ساحل البحر صنمان من حجارة مستقبلان الماء ، يقال لاحدهما لقيم
والآخر لقمانة ، فأوحى الله الى السمك: ان حج يوم السبت الى الصنمين ، وأوحى
الى أهل القرية : اني قد أمرت السمك ان يحجوا الى الصنمين يوم السبت فلا تعرضوا
للسمك يوم لا يمتنع منكم ، فاذا ذهب السبت فشأنكم به فصيدوه ، فكان اذا طلع
الفجر يوم السبت أقبل السمك شرعا الى الصنمين لا يمتنع من آخذ يأخذه ، فظهر

الجزء التاسع
٥٩٠
سورة الاعراف
يوم السبت شيء من السمك في القرية فقالوا : نأخذه يوم السبت فتأكله يوم
الاحد ، فلما كان يوم السبت الآخر ظهر أكثر من ذلك ، فلما كان السبت الآخر ظهر
السمك في القرية ، فقام اليهم قوم منهم فوعظوهم فقالوا: اتقوا الله . فقام آخرون
فقالوا ﴿ لم تعظون قوما اللّه مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة الى ربكم
ولعلهم يتقون ﴾ فلما كان سبت من تلك الاسبات فشى السمك في القرية ، فقام
الذين نهوا عن السوء فقالوا : لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية . فقيل لهم : لو
أصبحتم فانقلبتم بذراريكم ونسائكم . قالوا : لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية ،
فان أصبحنا غدونا فاخرجنا ذرارينا وأمتعتنا من بين ظهرانيكم وكان القوم شاتين ،
فلما أمسوا أغلقوا أبوابهم فلما أصبحوا لم يسمع القوم لهم صوتا ولم يروا سرجا خرج من
القرية ...! قالوا : قد أصاب أهل القرية شر ...! فبعثوا رجلا منهم ينظر اليهم ،
فلما أتى القرية اذا الأبواب مغلقة عليهم ، فاطلع في دار فإذا هم قرود كلهم ، المرأة
أنثى والرجل ذكر، ثم اطلع في دار أخرى فإذا هم كذلك الصغير صغير والكبير
كبير، ورجع الى القوم فقال : يا قوم نزل بأهل القرية ما كنتم تحذرون ، أصبحوا
قردة كلهم لا يستطيعون أن يفتحوا الابواب ، فدخلوا عليهم فاذا هم قردة كلهم ،
فجعل الرجل يومئ الى القرد منهم أنت فلان ، فيومئ برأسه : نعم. وهم ييكون
فقالوا : أبعدكم الله قد حذرناكم هذا ، ففتحوا لهم الأبواب فخرجوا فلحقوا
بالبرية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن
عباس قال : نجا الناهون وهلك الفاعلون ، ولا أدري ما صنع بالساكتين .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : والله لئن أكون علمت
ان القوم الذين قالوا ﴿ لم تعظون قوما﴾ نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحب الى ما
عدل به. وفي لفظ: من حمر النعم. ولكني أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : قال ابن
عباس : ما أدري انجا الذين قالوا لم تعظون قوما أم لا؟ قال : فما زلت أبصره حتى
عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة .
وأخرج عبد بن حميد عن ليث بن أبي سليم قال : مسخوا حجارة الذين قالوا
تعظون قوما الله مهلكـ

الجزء التاسع
٥٩١
سورة الاعراف
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو
الشيخ عن الحسن في قوله ﴿ واسألهم عن القرية ... ) الآية . قال : كان حوتا
حرمه الله عليهم في يوم وأحله لهم فيما سوى ذلك ، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه
الله عليهم كأنه المخاض ما يمتنع من أحد ، فجعلوا يهمون ويمسكون رقلما رأيت أحدا
أكثر الاهتمام بالذنب الا واقعه ، فجعلوا يهمون ويمسكون حتى أخذوه فأكلوا
بها- والله- أوخم أكلة اكلها قوم قط أبقاه خزيا في الدنيا وأشده عقوبة في
الآخرة ، وأيم الله للمؤمن أعظم حرمة عند الله من حوت ، ولكن الله عز وجل
جعل موعد قوم الساعة والساعة أدهى وأمر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال : اخذ موسى عليه السلام
رجلا يحمل حطبا يوم السبت ، وكان موسى يسبت فصلبه .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : احتطب رجل في السبت ، وكان داود
عليه السلام يسبت فصلبه .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش قال : كان حفظي عن عاصم
(( بعذاب بئيس)) على معنى فعيل ، ثم دخلني منها شك فتركت روايتها عن عاصم
وأخذتها عن الأعمش ((بعذاب بئيس)) على معنى فعيل.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ﴿ بعذاب بئيس ﴾ قال : لا رحمة
فيه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ بعذاب بئيس ؟
قال : وجيع .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ﴿ بعذاب بئيس ﴾
قال : أليم بشدة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : نودي الذين اعتدوا في السبت ثلاثة
أصوات ، نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة ، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة
أكثر من الأولى ، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبه الرجال والنساء والصبيان ، فقال الله
لهم ( كونوا قردة خاسئين)(١) فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون : يا فلان
ألم ننهكم ؟ فيقولون برؤوسهم : أي بلى .
(١) البقرة آية ٦٥ .

الجزء التاسع
٥٩٢
سورة الاعراف
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وماهان الحنفي قال : لما مسخوا جعل
الرجل يشبه الرجل وهو قرد ، فيقال : أنت فلان .. ؟! فيومئ الى يديه بما كسبت
يداي .
وأخرج ابن بطة عن أبي هريرة رضي الله عنه ((ان رسول اللّه عز لته قال: لا
ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بادنى الحيل)).
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان قال : قالوا لعبد الله بن عبد العزيز العمري في الامر
بالمعروف والنهى عن المنكر : تأمر من لا يقبل منك ؟ قال : يكون معذرة ، وقرأ
قالوا معذرة الى ربكم ﴾ .
قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبِّكَ لَيَبْعَثَّنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِالْقِيَمَةِ مَنْ يَسْومُهُمْ
سُوءَ الْعَذَّبِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْحِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمْ وَقَطَّعْنَهْ فِى
الْأَرْضِ أُمَمَّا قِنْهُمْ الضَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ وَبَكَوْنَهُم بِالْحَسَنَبِ
وَاَلسَّيْئَاِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله
﴿ وإذ تأذن ربك ... ) الآية. قال : الذين يسومونهم سوء العذاب محمد وأمته الى
يوم القيامة ، وسوء العذاب الجزية .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾
الآية . قال : هم اليهود ، بعث عليهم العرب يحبونهم الخراج فهو سوء العذاب ، ولم
يكن من نبي جبا الخراج الا موسى ، جباه ثلاث عشرة سنة ثم كفَّ عنه ولا النبي
سَلّ. وفي قوله ﴿وقطعناهم ... ﴾ الآية. قال: هم اليهود بسطهم الله في
الارض ، فليس في الارض بقعة الا وفيها عصابة منهم وطائفة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن
مجاهد في قوله ﴿وإذ تأذن ربك﴾ يقول: قال ربك: ليبعثن عليهم قال: على
اليهود والنصارى الى يوم القيامة ﴿من يسومهم سوء العذاب﴾ فبعث الله عليهم أمة
محمد عٍَّ يأخذون منهم الجزية وهم صاغرون ﴿وقطعناهم في الأرض امما﴾ قال:

الجزء التاسع
٥٩٣
سورة الاعراف
يهود ﴿ منهم الصالحون﴾ وهم مسلمة أهل الكتاب ﴿ومنهم دون ذلك ﴾ قال :
اليهود ﴿ وبلوناهم بالحسنات﴾ قال: الرخاء والعافية ﴿والسيئات﴾ قال: البلاء
والعقوبة .
وأخرج ابن الانباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس ان نافع بن الازرق قال
له: أخبرني عن قول الله ﴿وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ ما الامم ؟ قال: الفرق ،
وقال فيه بشربن أبي حازم :
من قيس غيلان في ذوائبها منهم وهم بعد قادة الأمم
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿وبلوناهم بالحسنات
والسيئات﴾ قال : بالخصب والجدب .
قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِقُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَذْنَ
وَيَقُولُونَ سَُيُغْفَرُ لْنَا وَإِن يَأْنِهِمْ عٌَ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤَخَذْ عَلَيْهِمْ فِيَقُ
اَلْكِتَكِأَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّ الْحَقِّ وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ وَالذَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ
لِلَّذِينَ يَتَّقُونٌ أَفَلَا تَعْقِلُونَ () وَالَّذِينَ يُمَتِكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ إِنَّا
لَا تُضِعْ أَخْرَ الْمُصْلِحِينَ ثه
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية ﴿فخلف من بعدهم
خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ﴾ قال : أقوام يقبلون على الدنيا
فيأكلونها ويتبعون رخص القرآن ويقولون : سيغفر لنا ، ولا يعرض لهم شيء من الدنيا
الا أخذوه ، ويقولون : سيغفر لنا .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في
قوله ﴿فخلف من بعدهم خلف﴾ قال : النصارى ﴿يأخذون عرض هذا
الادنى﴾ قال : ما أشرف لهم شيء من الدنيا حلالا أو حراما يشتهونه أخذوه
ويتمنون المغفرة ، وان يجدوا آخر مثله يأخذونه .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿فخلف من بعدهم خلف ... ﴾ الآية .
يقول : يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاؤوا من حلال أو حرام ، ويقولون سيغفر لنا .

الجزء التاسع
٥٩٤
سورة الاعراف
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ﴿ فخلف
من بعدهم خلف﴾ قال: خلف سوء ﴿ ورثوا الكتاب﴾ بعد أنبيائهم ورسلهم
أورثهم اللّه الكتاب وعهد اليهم ﴿يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ﴾
قال : آمانيّ تمنوها على اللّه وغرة يغترون بها ﴿وان يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ ولا
يشغلهم شيء عن شيء ولا ينهاهم شيء عن ذلك ، كلما أشرف لهم شيء من الدنيا
أخذوه ولا يبالون حلالا كان أو حراما .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في
الشعب ، عن سعيد بن جبير في قوله ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر
لنا﴾ قال : كانوا يعملون بالذنوب ، ويقولون : سيغفر لنا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء في قوله ﴿ يأخذون عرض هذا
الادنى ويقولون سيغفر لنا﴾ قال : يأخذون ما عرض لهم من الدنيا ، ويقولون :
نستغفر اللّه ونتوب إليه .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال : كانت بنو اسرائيل لا يستقضون قاضيا الا
ارتشى في الحكم ، فاذا قيل له يقول : سيغفر لي .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الجلد قال : يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم
من القرآن ، وتتهافت وتبلى كما تبلى ثيابهم ، لا يجدون لهم حلاوة ولا لذاذة ، ان
قصروا عما أُمروا به قالوا: ان اللّه غفور رحيم ، وان عملوا بما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا
أنَّا لا نشرك بالله شيئاً أمرهم كله طمع ليس فيه خوف ، لبسوا جلود الضان على
قلوب الذئاب أفضلهم في نفسه المدهن .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال : المؤمن يعلم ان ما قال اللّه كما قال اللّه،
والمؤمن أحسن عملا وأشدَّ الناس خوفا لو أنفق جبلا من مال ما أمن دون أن يعاين ،
لا يزداد صلاحا وبرًا وعبادة الا ازداد فرقا يقول: الا أنجو ... ؟ والمنافق يقول :
سواد الناس كثير وسيغفر لي ولا بأس عليَّ، فيسيء العمل ويتمنى على الله .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لا يقولوا
على الله الا الحق ﴾ فیما یوجهون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون اليها
ولا يتوبون منها .

الجزء التاسع
٥٩٥
سورة الاعراف
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ﴿ ودرسوا ما فيه﴾ قال : علموا ما
في الكتاب لم يأتوه بجهالة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله ﴿والذين يمسكون
بالكتاب ﴾ قال : هي لأهل الأيمان منهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو
الشيخ عن مجاهد في قوله ﴿ والذين يمسكون بالكتاب ﴾ قال : من اليهود
والنصارى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ﴿ والذين يمسكون بالكتاب ﴾
قال : الذي جاء به موسى عليه السلام .
: وَإِذْ نُنَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَتَّهُ ظُلَّةٌ وَظُنُّوْأَتَّهُ , وَاقِعٌ عِلْ
قوله تعالى :
خُذُ وامَاءَانَتْتَكُم بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُ واْمَافِيهِلَعَلَّكُمْنَنَّقُونَ
١٧١
٥
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ﴿ واذ
نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة) يقول : رفعناه وهو قوله ( ورفعنا فوقهم الطور
بميثاقهم)(١) فقال ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ والا أرسلته عليكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾ قال: رفعته
الملائكة فوق رؤوسهم فقيل لهم ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ فكانوا اذا نظروا إلى
الجبل قالوا : سمعنا وأطعنا ، واذا نظروا الى الكتاب قالوا : سمعنا وعصينا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : إني لأعلم لم تسجد
اليهود على حرف قال الله ﴿واذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم﴾
قال : لتأخذن أمري أو لأرمينكم به ، فسجدوا وهم ينظرون اليه مخافة ان يسقط
عليهم ، فكانت سجدة رضيها اللّه تعالى فاتخذوها سنة .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال : أتى ابن عباس يهودي ونصراني فقال
لليهودي :
ما دعاكم ان تسجدوا بجباهكم؟ فلم يدر ما يجيبه ، فقال : سجدتم بجباهكم لقول
(١) النساء الآية ١٥٤ .

الجزء التاسع
٥٩٦
سورة الاعراف
الله ﴿ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة) فخررتم لجباهكم تنظرون اليه، وقال
للنصراني: سجدتم الى الشرق لقول الله ( انتبذت به مكانا شرقيا)(١).
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : ان هذا الجبل ، جبل الطور، هو الذي
رفع على بني اسرائيل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله
وإذ نتقنا الجبل﴾ قال : كما تنتق الزبدة أخرجنا الجبل .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ثابت بن الحجاج قال : جاءتهم التوراة
جملة واحدة ، فكبر عليهم فأبوا أن يأخذوه حتى ظلَّل الله عليهم الجبل ، فأخذوه
عند ذلك .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ وإذ نتقنا الجبل.
قال : انتزعه الله من أصله ثم جعله فوق رؤوسهم ، ثم قال: لتأخذن أمري أو
لأرمینکم به .
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن الكلبي قال : كتب هرقل ملك الروم
الى معاوية يسأله عن الشيء ولا شيء ، وعن دين لا يقبل اللّه غيره ، وعن مفتاح
الصلاة ، وعن غرس الجنة ، وعن صلاة كل شيء ، وعن أربعة فيهم الروح ولم
يركضوا في اصلاب الرجال ولا ارحام النساء ، وعن رجل لا أب له ، وعن رجل لا
قوم له ، وعن قبر جرى بصاحبه ، وعن قوس قزح ، وعن بقعة طلعت عليها الشمس
مرة لم تطلع عليها قبلها ولا بعدها ، وعن ظاعن ظعن مرة لم يظعن قبلها ولا بعدها ،
وعن شجرة نبتت بغير ماء ، وعن شيء بتنفس لا روح له ، وعن اليوم وأمس وغد
وبعد غد ما أجزاؤها في الكلام، وعن الرعد والبرق وصوته ، وعن المجرة ، وعن المحو
الذي في القمر؟ فقيل له : لست هناك وانك متى تخطىء شيئاً في كتابك اليه يغتمزه
فيك ، فاكتب الى ابن عباس. فكتب إليه فأجابه ابن عباس : اما الشيء :
فالماء ، قال اللّه ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) واما لا شيء : فالدنيا تبيد وتفنى ،
واما الدين الذي لا يقبل اللّه غيره: فلا اله الا الله، واما مفتاح الصلاة: فاللّه
أكبر، واما غرس الجنة . فلا حول ولا قوة الا بالله، واما صلاة كل شيء : فسبحان
الله وبحمده ، واما الاربعة التي فيها الروح ولم يرتكضوا في أصلاب الرجال ولا أرحام
(١) مريم الآية ١٦.

الجزء التاسع
٥٩٧
سورة الاعراف
النساء : فآدم ، وحواء ، وعصا موسى ، والكبش الذي فدی الله به اسحق ، واما
الرجل الذي لا أب له : فعيسى ابن مريم ، واما الرجل الذي لا قوم له : فآدم ،
واما القبر الذي جرى بصاحبه : فالحوت حيث سار بيونس في البحر ، واما قوس
قزح : فأمان الله لعباده من الغرق ، واما البقعة التي طلعت عليها الشمس ولم تطلع
عليها قبلها ولا بعدها : فالبحر حيث انفلق لبني اسرائيل ، واما الظاعن الذي ظعن
مرة لم يظعن قبلها ولا بعدها : فجبل طور سيناء، كان بينه وبين الأرض المقدسة
أربع ليال ، فلما عصت بنو اسرائيل أطاره اللّه يجناحين من نور فيه ألوان العذاب ،
فأظله الله عليهم وناداهم مناد ان قبلتم التوراة كشفته عنكم والا ألقيته عليكم ،
فأخذوا التوراة معذورين فرده اللّه الى موضعه ، فذلك قوله ﴿ واذ نتقنا الجبل فوقهم
كأنه ظلة ... ﴾ الآية ، واما الشجرة التي نبتت من غير ماء : فاليقطينة التي أنبتت
على يونس ، واما الذي تنفس بلا روح فالصبح. قال اللّه ( والصبح اذا
تنفس )(١) ، واما اليوم : فعمل ، واما أمس : فمثل ، واما غد : فاجل وبعد غد
فأمل ، واما البرق : فمخاريق بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب ، واما الرعد :
قاسم الملك الذي يسوق السحاب وصوته زجره ، واما المجرة : فابواب السماء ومنها
تفتح الأبواب ، واما المحو الذي في القمر فقول الله ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا
آية الليل ) (٢) ولولا ذلك المحو لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل . فبعث بها
معاوية الى قيصر، وكتب اليه جواب مسائله . فقال قيصر: ما يعلم هذا الا نبي أو
رجل من أهل بيت نبي . والله تعالى أعلم .
وَإِذْأَ خَذَرَبُّكَ مِنْ سَبِيَّادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ
قوله تعالى :
عَلَى أَنفُسِهِمْ أَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُواَّْ شَهِدْ نَأَنْ تَقُولُواْيَوْمَ الْقِيَامَةِإِنَّاكُنَّا عَنْ هَذَّا
غَفِلِينَ ﴾ أَوْنَّقُولُوْإِنَّمَا أَشْرَكَ ءَ آبَا ؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُتَّا ذُرِّيَّةٌ مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفْلِكُنَا
بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ () وَكَذَلِكَ نُفَصِلُ الْأَيْنِ وَلَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ ◌َ
(١) التكوير الآية ١٨ .
(٢) الاسراء الآية ١٢ .

الجزء التاسع
٥٩٨
سورة الاعراف
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن
عباس في قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم ... ) الآية. قال : خلق الله آدم وأخذ
ميثاقه أنه ربه ، وكتب أجله ورزقه ومصيبته ، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر ،
فأخذ مواثيقهم انه ربهم ، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس في قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من
بني آدم ... ) الآية . قال : لما خلق الله آدم أخذ ذريته من ظهره كهيئة الذر، ثم
سماهم بأسمائهم فقال : هذا فلان بن فلان يعمل كذا وكذا ، وهذا فلان بن فلان
يعمل كذا وكذا ، ثم أخذ بيده قبضتين فقال : هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن ابن عباس في قوله
﴿وإذ أخذ ربك ) الآية . قال : ان الله خلق آدم ثم أخرج ذريته من صلبه مثل
الذر، فقال لهم : من ربكم ؟ فقالوا : الله ربنا . ثم أعادهم في صلبه حتی یولد کل
من أخذ ميثاقه لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم الى أن تقوم الساعة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : لما أهبط آدم عليه السلام حين أهبط
بدحناء ، فمسح اللّه ظهره فأخرج كل نسمة هو خالقها الى يوم القيامة ، ثم قال :
ألست بربكم ؟ قالوا: بلى. فيؤمئذ جف القلم بما هو كائن الى يوم القيامة .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال : مسح اللّه على
صلب آدم فأخرج من صلبه ما يكون من ذريته الى يوم القيامة ، وأخذ ميثاقهم أنه
ربهم وأعطوه ذلك ، فلا يسأل أحد كافر ولا غيره من ربك ؟ الا قال : الله .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ
واللالكائي في السنة عن عبدالله بن عمرو في قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من
ظهورهم ذرياتهم ﴾ قال : أخذهم من ظهرهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن منده في کتاب الرد على
الجهمية وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال : أخرج ذريته من صلبه كأنهم الذر
في آذىء من الماء .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال : ان الله ضرب بيمينه على
منكب آدم فخرج منه مثل اللؤلؤ في كفه ، فقال : هذا للجنة . وضرب بيده

الجزء التاسع
٥٩٩
سورة الاعراف
الاخرى على منكبه الشمال فخرج منه سواد مثل الحمم فقال: هذا ذرء النار. قال :
وهي هذه الآية ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس)(١).
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في
الآية قال: مسح اللّه ظهر آدم وهو ببطن نعمان - واد الى جنب عرفة - فأخرج منه
كل نسمة هو خالقها الى يوم القيامة، ثم أخذ عليهم الميثاق وتلا ((ان يقولوا يوم
القيامة )) هكذا قرأها يقولوا بالياء .
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الكريم بن أبي أمية قال : أخرجوا من ظهره مثل
طريق النمل .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال : أقروا له بالايمان والمعرفة
الارواح قبل أن يخلق أجسادها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن كعب قال: خلق الله الارواح قبل ان يخلق
الأجساد ، فأخذ ميثاقهم .
وأخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي
صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله
تعالى ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ قالوا: لما أخرج الله آدم
من الجنة قبل تهبيطه من السماء ، مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء
مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم : ادخلوا الجنة برحمتي . ومسح صفحة ظهره
اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال : ادخلوا النار ولا أبالي . فذلك
قوله : أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، ثم أخذ منهم الميثاق فقال ﴿ألست بربكم
قالوا بلى﴾ فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية ، فقال : هو
والملائكة ﴿ شهدنا ان يقولوا يوم القيامة انَّا كنا عن هذا غافلين ، أو يقولوا انما أشرك
آباؤنا من قبل ﴾ قالوا: فليس أحد من ولد آدم الا وهو يعرف الله انه ربه ، وذلك
قوله عز وجل ( وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها )(٢) وذلك قوله
( فله الحجة البالغة فلوشاء لهداكم أجمعين) (٣) يعني يوم أخذ الميثاق .
(١) الاعراف الآية ١٧٩ .
( (٢) آل عمران الآية ٨٣ .
(٣) الأنعام الآية ١٤٩ .

الجزء التاسع
٦٠٠
سورة الاعراف
وأخرج ابن جرير عن أبي محمد رجل من أهل المدينة قال : سألت عمر بن
الخطاب عن قوله ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ قال :
سألت رسول اللّه ◌َ هل كما سألتني فقال «خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه ، ثم
أجلسه فمسح ظهره بيده اليمنى فأخرج ذراً ، فقال : ذرء ذرأتهم للجنة ، ثم مسح
ظهره بيده الاخرى - وكلتا يديه يمين - فقال: ذرء ذرأتهم للنار يعملون فيما شئت
من عمل ، ثم اختم لهم بأسوأ أعمالهم فأدخلهم النار)) .
وأخرج عبد بن حميد وعبدالله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وابن جرير
وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن منده في كتاب الرد على الجهمية واللالكائي وابن
مزدويه والبيهقي في الاسماء والصفات وابن عساكر في تاريخه عن أبي بن كعب في
قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم﴾ الى قوله ﴿ بما فعل
المبطلون جميعا فجعلهم أرواحا في صورهم ، ثم استنطقهم فتكلموا ، ثم أخذ عليهم
العهد والميثاق ﴿ وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ﴾ قال: فاني أشهد
عليكم السموات السبع ، وأشهد عليكم أباكم آدم (ان تقولوا يوم القيامة ﴾ أنّا لم
نعلم بهذا ، اعلموا انه لا اله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئاً ، اني سأرسل
الیکم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي ، وأنزل عليكم كتبي قالوا : شهدنا بأنك
ربنا والهنا ، لا رب لنا غيرك ولا اله لنا غيرك ، فأقروا ورفع عليهم آدم ينظر اليهم ،
فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك ، فقال : يا رب لولا سوّيت بين
عبادك؟ قال : اني أحببت ان أشكر. ورأى الانبياء فيهم مثل السرج عليهم النور ،
وخصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة ان يبلغوا وهو قوله ( وإذ أخذنا من النبيين
ميثاقهم ) (١) الآية وهو قوله ( فطرة الله التي فطر الناس عليها)(٢) وفي ذلك قال
( وما وجدنا لاكثرهم من عهد وان وجدنا أكثرهم لفاسقين) (٣) وفي ذلك قال ( فما
كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) (٤) قال : فكان في علم اللّه يومئذ من يكذب به
ومن يصدق به ، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عهدها وميثاقها في
زمن آدم ، فأرسله الله الى مريم في صورة بشر فتمثل لها بشرا سويا. قال : أبي
فدخل من فيها .
(١) الاحزاب الآية ٧ .
(٣) الاعراف الآية ١٠٢ .
(٢) الروم الآية ٣٠ .
(٤) الأعراف الآية ١٠١ .