النص المفهرس
صفحات 741-760
الجزء الثاني
٧٤١
سورة البقرة
أخرج وكيع والفريابي وابن جرير وابن المنذر والحاكم من طريق سعيد بن جبير
عن ابن عباس في قوله ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر
الموت﴾ قال : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون ، وقالوا : نأتي أرضا
ليس بها موت ، حتى اذا كانوا بموضع كذا وكذا ، قال لهم الله: موتوا. فمر عليهم
نبي من الانبياء ، فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه فاحياهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية
قال : كانوا أربعة آلاف من أهل قرية يقال لها داوردان ، خرجوا فارين من
الطاعون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي عن
أبي مالك في الآية قال : كانت قرية يقال لها داوردان قريب من واسط ، فوقع
فيهم الطاعون ، فأقامت طائفة وهربت طائفة ، فوقع الموت فيمن أقام وسلم الذين
أجلوا ، فلما ارتفع الطاعون رجعوا اليهم ، فقال الذين بقوا : اخواننا كانوا أحزم منا لو
صنعنا كما صنعوا سلمنا ، ولئن بقينا الى أن يقع الطاعون لنصنعن كما صنعوا .
فوقع الطاعون من قابل فخرجوا جميعا ، الذين كانوا أجلوا والذين كانوا أقاموا
وهم بضعة وثلاثون ألفا ، فساروا حتى أتوا واديا فسيحا فنزلوا فيه وهو بين جبلين ،
فبعث الله إليهم ملكين ، ملكا بأعلى الوادي وملكا بأسفله ، فناداهم : ان موتوا
فماتوا . فمكثوا ما شاء اللّه، ثم مر بهم نبي يقال له حزقيل ، فرأى تلك العظام فوقف
متعجبا لكثرة ما يرى منهم ، فأوحى الله إليه أن ناد أيتها العظام ان الله يأمرك أن
تجتمعي ، فاجتمعت العظام من أعلى الوادي وأدناه حتى التزق بعضها ببعض كل
عظم من جسد التزق بجسده ، فصارت أجسادا من عظام لا لحم ولا دم ، ثم أوحى
اللّه اليه ان ناد أيتها العظام ان الله يأمرك أن تكتسي لحا فاكتست لحما، ثم أوحى الله
اليه ان ناد أيتها الأجساد ان الله يأمرك أن تقومي فبعثوا أحياء .
فرجعوا إلى بلادهم فاقاموا لا يلبسون ثوبا الا كان عليهم كفنا دسما ، يعرفهم
أهل ذلك الزمان انهم قد ماتوا ، ثم أقاموا حتى أتت عليهم آجالهم بعد ذلك قال
أسباط : وقال منصور عن مجاهد : كان كلامهم حين بعثوا ان قالوا سبحانك اللهم
ربنا وبحمدك لا اله الا أنت ...!
الجزء الثاني
٧٤٢
سورة البقرة
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز في قوله تعالى ﴿ ألم ترالى الذين
خرجوا من ديارهم﴾ قال : هم من أذرعات .
وأخرج عن أبي صالح في الآية قال : كانوا تسعة آلاف .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ﴿ألم ترالى الذين خرجوا من ديارهم
وهم ألوف حذر الموت﴾ قال : مقتهم اللّه على فرارهم من الموت، فأماتهم اللّه
عقوبة ثم بعثهم الى بقية آجالهم ليستوفوها ، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد
موتهم .
وأخرج ابن جرير عن أشعث بن أسلم البصري قال : بينا عمر يصلي ويهوديان
خلفه قال أحدهما لصاحبه : أهو هو؟ فلما انتعل عمر قال : أرأيت قول أحدكما
لصاحبه أهو هو؟ قالا : انا نجده في كتابنا قرنا من حديد يعطى ما يعطى حزقيل
الذي أحيا الموتى بإذن اللّه. فقال عمر: ما نجد في كتاب اللّه حزقيل ولا أحيا الموتى
بإذن الله الا عيسى. قال: أما تجد في كتاب الله (ورسلا لم نقصصهم عليك)(١)؟
فقال عمر : بلى. قال : وأما احياء الموتى فسنحدثك ان بني اسرائيل وقع عليهم
الوباء ، فخرج منهم قوم حتى اذا كانوا على رأس ميل أماتهم اللّه ، فبنوا عليهم حائطا
حتى اذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل ، فقام عليهم فقال ما شاء الله، فبعثهم الله
له، فأنزل الله في ذلك ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ... ﴾
الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن هلال بن يساف في الآية قال : هؤلاء قوم
من بني اسرائيل ، كانوا اذا وقع فيهم الطاعون خرج أغنياؤهم وأشرافهم ، وأقام
فقراؤهم وسفلتهم فاستحر القتل على المقيمين ولم يصب الآخرين شيء ، فلما كان
عام من تلك الأعوام قالوا : لو صنعنا كما صنعوا نجونا ، فظعنوا جميعا فأرسل عليهم
الموت فصاروا عظاما تبرق ، فجاءهم أهل القرى فجمعوهم في مكان واحد ، فمر بهم
نبي فقال: يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك. فقال : قل كذا
وكذا، فتكلم به، فنظر الى العظام تركب ، ثم تكلم فإذا العظام تكسى لحما ، ثم تكلم
فاذا هم قعود يسبحون ويكبرون، ثم قيل لهم ﴿وقاتلوا في سبيل الله واعلموا ان اللّه
سميع عليم ﴾ .
(١) النساء الآية ١٦٤ .
الجزء الثاني
٧٤٣
سورة البقرة
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال : هم
قوم فروا من الطاعون ، فاماتهم الله قبل آجالهم عقوبة ومقتا ، ثم أحياهم ليكملوا بقية
آجالهم .
وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه . ان كالب بن يوقنا لما قبضه الله بعد يوشع
خلف في بني اسرائيل حزقيل من بوزى وهو ابن العجوز، وانما سمي ابن العجوز لأنها
سألت الله الولد وقد كبرت فوهبه لها ، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر اللّه في كتابه
في قوله ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم﴾ الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن وهب قال : أصاب ناسا من بني اسرائيل بلاء وشدة
من زمان ، فشكوا ما أصابهم وقالوا : يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه ، فأوحى
اللّه الى حزقيل ان قومك صاحوا من البلاء ، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا واستراحوا ،
وأي راحة لهم في الموت ، أيظنون اني لا أقدر على ان أبعثهم بعد الموت ؟ فانطلق الى
جبانة كذا وكذا ، فان فيها أربعة آلاف قال وهب: وهم الذين قال اللّه (ألم ترالى
الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾ فقم فناد فيهم ، وكانت عظامهم
قد تفرقت كما فرقتها الطير والسباع ، فنادى حزقيل : أيتها العظام ان الله يأمرك ان
تجتمعي . فاجتمع عظام كل انسان منهم معا ، ثم قال : أيتها العظام ان الله يأمرك أن
ينبت العصب والعقب ، فتلازمت واشتدت بالعصب والعقب ، ثم نادى حزقيل
فقال : أيتها العظام ان اللّه يأمرك أن تكتسي اللحم . فاكتست اللحم وبعد اللحم
جلدا فكانت أجسادا ، ثم نادى حزقيل الثالثة فقال : أيتها الأرواح ان الله يأمرك أن
تعودي في أجسادك . فقاموا بإذن الله فكبروا تكبيرة رجل واحد .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿ ألم
ترالى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ﴾ يقول: عدد كثير خرجوا
فرارا من الجهاد في سبيل الله ، فاماتهم الله حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه ، ثم
أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم، فذلك قوله تعالى ﴿وقاتلوا في سبيل اللّه
واعلموا أن الله سميع عليم﴾ وهم الذين قالوا لنبيهم ( ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل
اللّه) (١) .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في الآية
(١) البقرة الآية ٢٤٦ .
الجزء الثاني
٧٤٤
سورة البقرة
قال : كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف حظر عليهم حظائر، وقد أروحت أجسادهم
وأنتنوا ، فانها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح ، خرجوا فرارا من
الجهاد في سبيل اللّه ، فاماتهم الله ثم أحياهم فأمرهم بالجهاد ، فذلك قوله ﴿ وقاتلوا
في سبيل الله ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : خرجوا فرارا من الطاعون وهم
ألوف ليست الفرقة أخرجتهم كما يخرج للحرب والقتال قلوبهم مؤتلفة ، فلما كانوا
حيث ذهبوا يبتغون الحياة قال اللّه لهم : موتوا ، ومر رجل بها وهي عظام تلوح ،
فوقف ينظر فقال ( انى يحيي هذه اللّه بعد موتها فاماته اللّه مائة عام)(١).
وأخرج البخاري والنسائي عن عائشة قالت ((سألت رسول اللّه عَّل عن الطاعون
فأخبرني أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء وجعله رحمة للمؤمنين ، فليس من
رجل يقع الطاعون ويمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه الا ما كتب الله له
الا كان له مثل أجر الشهيد)) .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف
((سمعت رسول اللّه عَ لّل يقول في الطاعون: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه،
واذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه)) .
وأخرج سيف في الفتوح عن شرحبيل بن حسنة قال: قال رسول الله عظيم ((اذا
وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فان الموت في أعناقكم ، واذا كان بأرض
فلا تدخلوها فانه يحرق القلوب )» .
وأخرج عبد بن حميد عن أم أيمن ((أنها سمعت رسول اللّه عَّم يوصي بعض أهله
فقال: وان أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت)).
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الطواعين وأبو يعلى والطبراني في الأوسط
وابن عدي في الكامل عن عائشة قالت: قال رسول اللّه عَئته (( لا تفنى أمتي الا بالطعن
والطاعون . قلت : يا رسول اللّه هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون ؟ قال : غدة
كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف)).
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن خزيمة والطبراني عن جابر بن عبدالله
(١) البقرة الآية ٢٥٩.
الجزء الثاني
٧٤٥
سورة البقرة
الذي يقرض اللّه قرضاً حسنا ... ﴾ قال رسول اللّه عَّالقيم: يا أهل الاسلام اقرضوا اللّه
من أموالكم يضاعفه لكم أضعافاً كثيرة . فقال له ابن الدحداحة: يا رسول اللّه لي
مالان مال بالعالية ومال في بني ظفر ، فابعث خارصك فليقبض خيرهما . فقال رسول
اللّه ◌ُعَظله لفروة بن عمر: انطلق فانظر خيرهما فدعه واقبض الآخر ، فانطلق فأخبره
فقال : ما كنت لاقرض ربي شر ما أملك ولكن أقرض ربي خير ما أملك ، اني لا
أخاف فقر الدنيا. فقال رسول اللّه عَظله: يا رب عذق مدلل لابن الدحداح في
الجنة)).
وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال ((استقرض رسول اللّه عل ◌ّ من رجل تمراً فلم
يقرضه قال : لو كان هذا نبياً لم يستقرض ، فأرسل إلى أبي الدحداح فاستقرضه
فقال : والله لانت أحق بي وبمالي وولدي من نفسي ، وانما هو مالك فخذ منه ما
شئت واترك لنا ما شئت، فلما توفي أبو الدحداح قال رسول اللّه عَ له: رب عذق
مدلل لابي الدحداح في الجنة)) .
وأخرج ابن اسحق وابن المنذر عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية ﴿ من ذا
الذي يقرض اللّه قرضاً حسناً ... ) الآية . في ثابت بن الدحداحة حين تصدق
بماله .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب في قوله ﴿من ذا
الذي يقرض اللّه قرضاً حسناً﴾ قال : النفقة في سبيل الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا ان رجلاً على عهد
النبي عَ لَه لما سمع هذه الآية قال: أنا أقرض الله، فعمد الى خير مال له فتصدق
به .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ﴿ فيضاعفه له اضعافاً كثيرة﴾ قال : هذا
التضعيف لا يعلم أحد ما هو.
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي قال : بلغني عن
أبي هريرة حديث أنه قال : ان اللّه ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف
حسنة ، فحججت ذلك العام ولم أكن أريد أن أحج الا لالقاه في هذا الحديث ،
فلقيت أبا هريرة فقلت له ؟ فقال : ليس هذا قلت : ولم يحفظ الذي حدثك ، انما
قلت ان اللّه ليعطي العبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة ، ثم قال أبو هريرة :
الجزء الثاني
٧٤٦
سورة البقرة
قال: قال رسول اللّه عَ لَله ((الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه
كالصابر في الزحف» .
◌َزْذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ ولَهٍُ
قوله تعالى :
أَضْعَافًا كَثِيرَةُ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُّطُ وَإِلَيْهِ تَُّعُونَ
أخرج سعيد بن منصور وابن سعد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود
قال ((لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض اللّه قرضا حسنا فيضاعفه له﴾ قال أبو
الدحداح الانصاري : يا رسول اللّه وان الله ليريد منا القرض ؟ قال : نعم يا أبا
الدحداح : قال : أرني يدك يا رسول اللّه ، فناوله يده قال : فاني قد أقرضت ربي
حائطي وحائط له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها ، فجاء أبو الدحداح
فناداها : يا أم الدحداح قالت : لبيك . قال : اخرجي فقد اقرضته ربي عز
وجل)).
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن زيد بن أسلم قال ((لما نزلت ﴿من ذا الذي
يقرض الله قرضاً حسناً﴾ الآية. جاء أبو الدحداح الى النبي ◌َ ◌ٍّ فقال: يا نبي الله
ألا أرى ربنا يستقرضنا مما أعطانا لأنفسنا ، وان لي أرضين احداهما بالعالية والأخرى
بالسافلة، وإني قد جعلت خيرهما صدقة ، وكان النبي ◌ٍَّ يقول: كم من عذق
مدلل لأبي الدحداح في الجنة)) .
وأخرج الطبراني في الأوسط وزيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب .
مثله .
وأخرج ابن مردويه من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن الاعرج عن
أبي هريرة قال ((لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض اللّه قرضاً حسناً ... ﴾ قال ابن
الدحداح : يا رسول اللّه لي حائطان أحداهما بالسافلة والآخر بالعالية وقد أقرضت
ربي احدهما. فقال النبي ◌َ ◌ّ: قد قبله منك. فاعطاه النبي ◌َّ اليتامى الذين
في حجره ، فكان النبي ◌َ ◌ّم يقول: رب عذق لابن الدحداح مدلى في الجنة)).
وأخرج ابن سعد عن يحيى بن أبي كثير قال ((لما نزلت هذه الآية :-
-
الجزء الثاني
٧٤٧
سورة البقرة
أو ليس تجدون هذا في كتاب اللّه ؟ - ﴿من ذا الذي يقرض اللّه قرضاًأحسنا فيضاعفه له
أضعافاً كثيرة ﴾ فالكثيرة عند الله أكثر من ألف ألف وألفي ألف ، والذي نفسي بيده
لقد سمعت رسول اللّه عَّهم يقول ((ان الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة)).
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحة وابن مردويه والبيهقي في
شعب الايمان عن ابن عمر قال : لما نزلت (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله
كمثل حبة أنبتت سبع سنابل )(١) إلى آخرها. قال رسول اللّه تَّم ((رب زد أمني.
فنزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ قال:
رب زد أمتي، فنزلت ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (٢).
وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال: لما نزلت ( من جاء بالحسنة فله عشر
أمثالها)(٣) قال: رب زد أمتي. فنزلت ﴿من ذا الذي يقرض اللّه قرضاً
حسنا ... ﴾ الآية. قال : رب زد أمتي. فنزلت (مثل الذين ينفقون أموالهم في
سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ... )(٤) الآية. قال: رب زد أمتي . فنزلت
( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب )(٥) فانتهى)).
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله ﴿قرضا حسنا﴾ قال : النفقة
على الاهل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم من طريق أبي سفيان عن أبي حيان عن
أبيه عن شيخ لهم. أنه كان إذا سمع السائل يقول ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً
حسنا﴾ قال: سبحان الله، والحمدلله، ولا اله الا الله، والله أكبر، هذا القرض
الحسن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب . ان رجلاً قال له : سمعت رجلاً يقول من قرأ
( قل هو الله أحد) مرة واحدة بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من در وياقوت في
الجنة أفأصدق بذلك ؟ قال : نعم، أوعجبت من ذلك وعشرين ألف ألف ،
وثلاثين ألف ألف ، وما لا يحصى ، ثم قرأ ﴿ فيضاعفه له اضعافاً كثيرة ﴾ فالكثير من
الله ما لا يحصى.
(١) البقرة الآية ٢٦١
(٤) البقرة الآية ٢٦١ .
(٢) الزمر الآية ١٠ .
(٥) الزمر الآية ١٠
(٣) الانعام الآية ١٦٠ .
الجزء الثاني
٧٤٨
سورة البقرة
وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة عن النبي
عَ له ((ان ملكاً بباب من أبواب السماء يقول: من يقرض الله اليوم يجز غداً، وملك
باب آخر ينادي : اللهم اعط منفقاً خلفاً واعط ممسكا تلفا ، وملك بباب آخر
ينادي : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ، ما قل وكفى خير مما كثر والهى ، وملك
بباب آخر ينادي: يا بني آدم لِدُوا للموت وابنوا للخراب)).
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن قال: قال رسول اللّه عَ لّه ((يروي
ذلك عن ربه عز وجل أنه يقول : يا ابن آدم أودع من كنزك عندي ولا حرق ولا
غرق ولا سرق ، أوفيكه أحوج ما تكون اليه .
أما قوله تعالى: ﴿ والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ﴿ واللّه يقبض﴾ قال : يقبض الصدقة
﴿ ويبسط﴾ قال: يخلف ﴿وإليه ترجعون﴾ قال: من التراب خلقهم والى
التراب يعودون .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير والبيهقي في
سننه عن أنس قال ((غلا السعر فقال الناس: يا رسول اللّه سعر لنا . فقال رسول الله
عَلترٍ : ان اللّه هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجوان القى اللّه وليس أحد
منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا مال)).
وأخرج أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة ((ان رجلاً قال: يا رسول الله سعر.
قال : بل ادعو. ثم جاءه رجل فقال : يا رسول اللّه سعر. فقال : بل الله يخفض
ويرفع ، واني لأرجو ان ألقى الله وليس لاحد عندي مظلمة)).
وأخرج البزار عن علي قال : قيل : يالرسول اللّه قّم لنا السعر. قال: ان غلاء
السعر ورخصه بيد اللّه ، أريد أن القى ربي وليس أحد يطلبني بمظلمة ظلمتها اياه .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : علم اللّه ان فيمن يقاتل في سبيله
من لا يجد قوة ، وفيمن لا يقاتل في سبيله من يجد ، فندب هؤلاء الى القرض فقال
﴿ من ذا الذي يقرض اللّه قرضاً حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة واللّه يقبض
ويبسط﴾ قال : يبسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده ، ويقبض عن هذا
وهو يطيب نفساً بالخروج ويخف له ، فقوّه مما في يدك يكن لك في ذلك حظ .
الجزء الثاني
٧٤٩
سورة البقرة
أَلْتَرَ إِلَى الْتُلِّمِنَ بَقِي إِسْرَةِ بِلَ مِنْ بَعَدٍ مُوسَى إِذْ قَالُواْ
قوله تعالى :
لِِّ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكَا تُقَئِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِقَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُبّ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلََّنُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلََّنْقَدِلَ فِى سَبِيلِ الَّهِ
وَقَدْ أُخْرِيْنَا مِن دِيَكِنَا وَأَنْتَبِنَّا فَلَنَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تُوَلَّوْاْ
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُزُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِينَ ﴾ وَقَالَ لَهُمْ تَتُهُمْ إِنَّاللَّهُ قَدْ بَعَثَ
7
لَكُمْ طَالُونَ مَلِكًا قَالُوَ اْ أَنِّ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَىُّ
بِلْلّكِ مِنْهُ وَلَمْ بُؤْنَ سَعَةٌ مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهُ أَضْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ
وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِى الْعِلْمِ وَالْجِسِْ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ
وَسِعٌ عَلِيمٌ﴾
أخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال: ذكر لنا - والله
أعلم - ان موسى لما حضرته الوفاة استخلف فتاه يوشع بن نون على بني اسرائيل ،
وان يوشع بن نون سار فيهم بكتاب الله التوراة وسنة نبيه موسى ، ثم ان يوشع بن نون
توفي واستخلف فيهم آخر ، فسار فيهم بكتاب الله وسنة نبيه موسى ، ثم استخلف آخر
فسار فيهم بسيرة صاحبيه ، ثم استخلف آخر فعرفوا وأنكروا ، ثم استخلف آخر
فانكروا عامة أمره ، ثم استخلف آخر فانكروا أمره كله ، ثم ان بني اسرائيل أتوا نبياً
من أنبيائهم حين أوذوا في أنفسهم وأموالهم ، فقالوا له : سل ربك ان يكتب علينا
القتال . فقال لهم ذلك النبي : ﴿هل عسيتم ان كتب عليكم القتال ألا
تقاتلوا ... ) الآية . فبعث الله طالوت ملكاً، وكان في بني اسرائيل سبطان سبط
نبّة وسبط مملكة ، ولم يكن طالوت من سبط النبوّة ولا من سبط المملكة ، فلما بعث
لهم ملكاً أنكروا ذلك وقالوا: ﴿أنى يكون له الملك علينا﴾ فقال: ﴿ان الله
اصطفاه عليكم ) الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله ﴿ ألم
الجزء الثاني
٧٥٠
سورة البقرة
تر الى الملأ من بني اسرائيل من بعد موسى ... ) الآية. قال : هذا حين رفعت
التوراة واستخرج أهل الايمان ، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم ،
فلما كتب عليهم القتال وذلك حين أتاهم التابوت قال : وكان من بني اسرائيل سبطان
سبط نبّة وسبط خلافة ، فلا تكون الخلافة الا في سبط الخلافة ، ولا تكون النبّة
الا في سبط النبوّة ﴿ فقال لهم نبيهم ان اللّه قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى
يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه﴾ وليس من أحد السبطين ، لا من سبط
النبّة ولا من سبط الخلافة ﴿ قال ان اللّه اصطفاه عليكم ... ) الآية فابوا ان
يسلموا له الرياسة حتى قال لهم ( ان آية ملكه ان يأتيكم التابوت فيه سكينة من
ربكم ) (١) وكان موسى حين ألقى الالواح تكسرت ورفع منها ، وجمع ما بقي فجعله
في التابوت ، وكانت العمالقة قد سبت ذلك التابوت - والعمالقة فرقة من عاد كانوا
بأريحا - فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى
وضعته عند طالوت ، فلما رأوا ذلك قالوا : نعم ، فسلموا له وملكوه ، وكانت الانبياء
اذا حضروا قتالاً قدموا التابوت بين أيديهم. ويقولون : ان آدم نزل بذلك التابوت ،
وبالركن ، وبعصا موسى من الجنة ، وبلغني ان التابوت وعصا موسى في
بحيرة طبرية ، وانهما يخرجان قبل يوم القيامة .
وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن وهب بن منبه قال : خلف بعد موسى في بني
اسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله ، ثم خلف فيهم
كالب بن يوقنا يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله ، ثم خلف فيهم حز قيل بن
بوری وهو ابن العجوز، ثم ان اللّه قبض حزقيل وعظمت في بني اسرائيل الاحداث
ونسوا ما كان من عهد الله اليهم حتى نصبوا الاوثان وعبدوها من دون الله، فبعث
اليهم الياس بن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هرون بن عمران نبياً .
وانما كانت الانبياء من بني اسرائيل بعد موسى يبعثون اليهم بتجديد ما نسوا من
التوراة ، وكان الياس مع ملك من ملوك بني اسرائيل يقال له اجان وكان يسمع منه
ويصدقه، فكان الياس يقيم له أمره ، وكان سائر بني اسرائيل قد اتخذوا صنماً
يعبدونه ، فجعل الياس يدعوهم إلى الله وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً إلا ما كان من
ذلك الملك ، والملوك متفرقة بالشام كل ملك له ناحية منها يأكلها ، فقال ذلك الملك
(١) البقرة الآية ٢٤٨ .
الجزء الثاني
٧٥١
سورة البقرة
لإلياس : ما أرى ما تدعو اليه الا باطلاً، أرى فلان وفلانا ـ يعدد ملوك بني
اسرائيل - قد عبدوا الاوثان ، وهم يأكلون ويشربون ويتنعمون ما ينقص من
دنياهم ، فاسترجع الياس وقام شعره ثم رفضه وخرج عنه ، ففعل ذلك الملك فعل
أصحابه وعبد الاوثان .
ثم خلف من بعده فيهم اليسع فكان فيهم ما شاء الله أن يكون ، ثم قبضه الله اليه
وخلفت فيهم الخلوف وعظمت فيهم الخطايا وعندهم التابوت يتوارثونه كابراً عن
كابر ، فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون ، وكان لا يلقاهم عدو فيقدمون
التابوت ويرجعون به معهم الا هزم اللّه ذلك العدو، فلما عظمت أحداثهم وتركوا
عهد اللّه اليهم، نزل بهم عدو فخرجوا اليه وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا
يخرجونه ، ثم زحفوا به فقوتلوا حتى استلب من أيديهم ، فمرج أمرهم غليهم ووطنهم
عدوهم حتى أصاب من أبنائهم ونسائهم ، وفيهم نبي لهم يقال له شمويل ، وهو
الذي ذكره الله في قوله ﴿ ألم تر الى الملأ من بني اسرائيل من بعد موسى اذ قالوا لنبي
لهم ... ) الآية. فكلموه وقالوا ﴿ ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل اللّه﴾ .
وانما كان قوام بني اسرائيل الاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم ، وكان
الملك هو يسير بالجموع والنبي يقوم له بأمره ويأتيه بالخبر من رب ، فإذا فعلوا ذلك
صلح أمرهم ، فاذا عتت( ملوكهم وتركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم ، فكانت الملوك
اذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر الرسل ، ففريقاً يكذبون فلا يقبلون منه شيئاً
وفريقاً يقتلون ، فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا له ﴿ ابعث لنا ملكاً نقاتل في
سبيل اللّه) فقال لهم : انه ليس عندكم وفاء ، ولا صدق ، ولا رغبة في الجهاد .
فقالوا : انا كنا نهاب الجهاد ونزهد فيه ، انا كنا ممنوعين في بلادنا لا يطؤها أحد فلا
يظهر علينا عدو، فاما اذا بلغ ذلك فانه لا بد من الجهاد ، فنطيع ربنا في جهاد
عدونا ونمنع أبناءنا ونساءنا وذرارينا .
فلما قالوا له ذلك سأل الله شمويل ان يبعث لهم ملكاً. فقال الله له : انظر القرن
الذي فيه الدهن في بيتك ، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في
القرن - فهو ملك بني اسرائيل - فادهن رأسه منه وملكه عليهم ، فأقام ينتظر متى
ذلك الرجل داخلاً عليه ، وكان طالوت رجلاً دبَّغاً يعمل الادم ، وكان من سبط
بنيامين بن يعقوب ، وكان سبط بنيامين سبطاً لم يكن فيهم نبوة ولا ملك ، فخرج
الجزء الثاني
٧٥٢
سورة البقرة
طالوت في ابتغاء دابة له أضلته ومعه غلام ، فمرا ببيت النبي عليه السلام فقال غلام
طالوت لطالوت : لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن أمر دابتنا فيرشدنا ويدعو
لنا فيها بخير. فقال طالوت : ما بما قلت من بأس فدخلا عليه ، فبينما هما عنده
يذكران له شأن دابتهما ويسألانه ان يدعو لهما فيها اذ نش الدهن الذي في القرن ،
فقام إليه النبي عليه السلام فأخذه ، ثم قال لطالوت : قرب رأسك فقربه ، فدهنه
منه ثم قال : أنت ملك بني اسرائيل الذي أمرني اللّه أن أملكك عليهم ، وكان اسم
طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أشال بن ضرار بن يحرب بن أفيح بن أنس بن
يامين بن يعقوب بن إسحق بن ابراهيم ، فجلس عنده وقال : الناس ملك طالوت .
فأتت عظماء بني اسرائيل نبيهم فقالوا له : ما شأن طالوت تملك علينا وليس من
بيت النبوة ولا المملكة ، قد عرفت ان النبوة والملك في آل لاوي وآل يهوذا ؟! فقال
لهم ﴿ ان اللّه اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن وهب بن منبه قال : قالت
بنو اسرائيل لشمويل : ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل اللّه قال: قد كفاكم الله القتال
قالوا : انا نتخوف من حولنا فيكون لنا ملك نفزع اليه ، فأوحى الله الى شمويل : ان
ابعث لهم طالوت ملكاً ، وادهنه بدهن القدس . وضلت حمر لأبي طالوت فأرسله
وغلاماً له يطلبانها ، فجاؤوا الى شمويل يسألونه عنها فقال : ان اللّه قد بعثك ملكاً على
بني اسرائيل. قال: أنا؟! قال: نعم. قال: وما علمت ان سبطي ادنى أسباط بني
اسرائيل؟ قال : بلى. قال : فبأي آية ؟ قال : بآية أن ترجع وقد وجد أبوك
حمره ، فدهنه بدهن القدس فقال لبني اسرائيل ﴿ان الله قد بعث لكم طالوت
ملكاً قالوا أنى يكون له الملك ... ) الآية .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ﴿ اذ قالوا لنبي لهم﴾ قال : شمول .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في الآية قال : هو يوشع بن نون .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مرة عن أبي عبيدة ﴿ اذ قالوا لنبي
لهم﴾ قال : هو الشمول ابن حنة بن العاقر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : كانت بنو اسرائيل
يقاتلون العمالقة ، وكان ملك العمالقة جالوت ، وأنهم ظهروا على بني اسرائيل فضربوا
عليهم الجزية وأخذوا توراتهم ، وكانت بنو اسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبياً
الجزء الثاني
٧٥٣
سورة البقرة
يقاتلون معه ، وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم الا امرأة حبلى ، فأخذوها
فحبسوها في بيت رهبة اناتلد جارية فتبدله بغلام لما ترى من رغبة بني اسرائيل في
ولدها ، فجعلت تدعو الله أن يرزقها غلاماً ، فولدت غلاماً فسمته شمعون .
فكبر الغلام فاسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس ، وكفله شيخ من علمائهم
وتبناه ، فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبياً أتاه جبريل والغلام نائم الى جنب الشيخ ،
وكان لا يأتمن عليه أحداً غيره ، فدعاه بلحن الشيخ يا شاؤل. فقام الغلام فزعاً الى
الشيخ فقال : يا أبتاه دعوتني ؟ فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام ، فقال :
يا بني ارجع فنم. فرجع فنام ، ثم دعاه الثانية فأتاه الغلام أيضاً فقال : دعوتني ؟
فقال : ارجع فنم فان دعوتك الثالثة فلا تجبني .
فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال : اذهب الى قومك فبلغهم رسالة ربك ،
فان اللّه قد بعثك فيهم نبياً ، فلما أتاهم كذبوه وقالوا : استعجلت بالنبوة ولم يأن لك ،
وقالوا : ان كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية نبوتك . فقال لهم
شمعون : عسى ان كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا ﴿قالوا وما لنا أن لا نقاتل في
سبيل الله ... ) الآية. فدعا الله فأتي بعصا تكون على مقدار طول الرجل الذي
يبعث فيهم ملكاً . فقال : ان صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا . فقاسوا
أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها .
وكان طالوت رجلاً سقاء يسقي على حمار له، فضلّ حماره، فانطلق يطلبه في
الطريق، فلما رأوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها. فقال لهم نبيهم ﴿ان الله قد بعث
لكم طالوت ملكاً ﴾ قال القوم : ما كنت قط أكذب منك الساعة ، ونحن من سبط
المملكة وليس هو من سبط المملكة ، ولم يؤت سعة من المال فنتبعه لذلك . فقال
النبي ﴿ ان اللّه اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم) قالوا: فان كنت
صادقاً فاتنا بآية ان هذا ملك. قال ﴿ان آية ملكه أن يأتيكم التابوت ... )(١)
الآية . فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت ، فآمنوا بنبوة شمعون وسلموا بملك
طالوت .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال : كان طالوت سقاء يبيع
الماء .
(١) البقرة الآية ٢٤٨ .
الدر المشورم ٤٧ ج ١
الجزء الثاني
٧٥٤
سورة البقرة
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله
قالوا انى يكون له الملك علينا﴾ قال : لم يقولوا ذلك ، الا أنه كان في بني
اسرائيل سبطان كان في أحدهما النبوة وفي الآخر الملك ، فلا يبعث نبي الا من كان
من سبط النبوة، ولا يملك على الارض أحد الا من كان من سبط الملك، وأنه ابتعث
طالوت حين ابتعثه وليس من أحد السبطين ﴿ قال ان الله اصطفاه ﴾ يعني اختاره
علیکم .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك في قوله ﴿ أنى﴾ يعني
من أين .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس
﴿ وزاده بسطة﴾ يقول: فضيلة ﴿في العلم والجسم﴾ يقول: كان عظيما جسيما
يفضل بني اسرائيل بعنقه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه في قوله ﴿وزاده بسطة في العلم﴾
قال : العلم بالحرب .
وأخرج ابن جرير عن وهب في قوله ﴿ والجسم﴾ قال : كان فوق بني اسرائيل
بمنكبيه فصاعداً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ والله يؤتي ملكه من يشاء ﴾
قال : سلطانه .
وأخرج ابن المنذر عن وهب أنه سئل انبي كان طالوت ؟ قال : لا ، لم يأته
وحي .
وأخرج اسحق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن
الضحاك عن ابن عباس ومن طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله
﴿ ألم تر الى الملأ﴾ يعني ألم تخبر يا محمد عن الملأ ﴿من بني اسرائيل من بعد موسى
اذ قالوا لنبي لهم﴾ اشمويل ﴿ابعث لنا ملكاً نقاتل﴾ الى قوله ﴿وقد أخرجنا من
ديارنا وأبنائنا ﴾ يعني أخرجتنا العمالقة، وكان رأس العمالقة يومئذ جالوت، فسأل الله
نبيهم أن يبعث لهم ملكاً .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني اسرائيل من بعد
الجزء الثاني
٧٥٥
سورة البقرة
موسى﴾ قال : هم الذين قال الله (ألم تر الى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا
الصلاة وآتوا الزكاة )(١).
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ونحن أحق بالملك منه﴾ قال: لأنه
لم يكن من سبط النبوة ولا من سبط الخلافة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : بعث الله لهم طالوت ملكاً وكان من
سعبط لم تكن فيه مملكة ولا نبوة ، وكان في بني اسرائيل سبطان سبط نبوة وسبط
مملكة ، فكان سبط النبوة سبط لاوي ، وكان سبط المملكة سبط يهوذا ، فلما بعث
طالوت من غير سبط النبوة والمملكة أنكروا ذلك وعجبوا منه و﴿ قالوا أنى يكون له
الملك علينا﴾ قالوا : كيف يكون له الملك علينا وليس من سبط النبوة ولا المملكة .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبيدة قال : كان في بني اسرائيل رجل له
ضرتان ، وكانت احداهما تلد والاخرى لا تلد ، فاشتد على التي لا تلد فتطهرت ،
فخرجت إلى المسجد لتدعو الله فلقيها حكم بني اسرائيل - وحكماؤهم الذين يدبرون
أمورهم - فقال: أين تذهبين؟ قالت: حاجة لي الى ربي . قال : اللهم اقض لها
حاجتها فعلقت بغلام وهو الشمول ، فلما ولدت جعلته محرراً ، وكانوا يجعلون المحرر
اذا بلغ السعي في المسجد يخدم أهله ، فلما بلغ الشمول السعي دفع الى أهل المسجد
يخدم ، فنودى الشمول ليلة ، فأتى الحكم فقال : دعوتني ؟ قال : لا . فلما كانت
الليلة الأخرى دعي ، فاتى الحكم فقال : دعوتني ؟ فقال: لا ، وكان الحكم يعلم
كيف تكون النبوة فقال: دعيت البارحة الأولى؟ قال: نعم. قال : ودعيت
البارحة ؟ قال : نعم. قال : فان دعيت الليلة فقل لبيك وسعديك والخير في يديك
والمهدي من هديت ، أنا عبدك بين يديك مرني بما شئت .
فأوحي اليه ، فأتى الحكم فقال : دعيت الليلة؟ قال : نعم ، وأوحي الي .
قال : فذكرت لك بشيء؟ قال : لا عليك أن لا تسألني. قال: ما أبيت ان
تخبرني الا وقد ذكر لك شيء من أمري ، فالح عليه وأبى ان يدعه حتى أخبره .
فقال : قيل لي : انه قد حضرت هلكتك وارتشی ابنك في حكمك ، فكان لا يدبر
أمراً الا انتكث ولا يبعث جيشاً الا هزم ، حتى بعث جيشاً وبعث معهم بالتوراة
(١) النساء الآية ٧٧ .
الجزء الثاني
٧٥٦
سورة البقرة
يستفتح بها فهزموا ، وأخذت التوراة فصعد المنبر وهو آسف غضبان ، فوقع
فانكسرت رجله أو فخذه فمات من ذلك ، فعند ذلك قالوا لنبيهم : ابعث لنا ملكا
وهو الشمول بن حنة العاقر .
قوله تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نَيْتُهُمْ إِنَّءَايَةً مُلْكِهِيّ أَن يَأْتِيَّكُمُ
الثَّابُونُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ زَبِّكُمْ وَيَقِيَّةٌ شِمَاتَّكَ قَالُ مُوسَى وَءَالُ
هَرُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَتْحِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُ
مُؤْمِنِينَ ه
أخرج ابن المنذر من طريق الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال :
أمرني عثمان بن عفان أن أكتب له مصحفا فقال : اني جاعل معك رجلا لسناً
فصيحاً، فما اجتمعتًا عليه فاكتباه وما اختلفتما فيه فارفعاه اليّ . قال زيد: فقلت
أنا : التابوه . وقال أبان بن سعيد : التابوت . فرفعاه الى عثمان فقال : التابوت ،
فكتبت .
وأخرج سعید بن منصور وعبد بن حميد عن عمرو بن دينار. ان عثمان بن عفان
أمر فتيان المهاجرين والانصار أن يكتبوا المصاحف ، قال : فما اخلفتم فيه فاجعلوه
بلسان قريش . فقال المهاجرون : التابوت . وقال الأنصار: التابوه . فقال عثمان :
اكتبوه بلغة المهاجرين . التابوت .
وأخرج ابن سعد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي داود وابن الأنباري معا
في المصاحف وابن حبان والبيهقي في سننه من طريق الزهري عن أنس بن مالك . أن
حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في قرى أرمينية واذربيجان
مع أهل العراق ، فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين
أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلف اليهود والنصارى ، فأرسل الى
حفصة أن ارسلي الي بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها اليك ، فأرسلت
حفصة الى عثمان بالصحف ، فأرسل عثمان الى زيد بن ثابت ، وسعيد بن العاص ،
وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعبدالله بن الزبير: ان انسخوا الصحف في
الجزء الثاني
٧٥٧
سورة البقرة
المصاحف ، وقال للرهط القرشيين الثلاثة : ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه
بلسان قريش فانما نزل بلسانها . قال الزهري : فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه .
فقال النفر القرشيون : التابوت . وقال زيد: التابوه. فرفع اختلافهم الى عثمان
فقال : ا کتبوا التابوت ، فانه بلسان قریش نزل .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه . انه سئل عن تابوت موسی
ما سعته ؟ قال : نحو من ثلاثة أذرع في ذراعين .
أما قوله تعالى : ﴿ فيه سكينة من ربكم ﴾ .
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : السكينة الرحمة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : السكينة الطمأنينة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : السكينة دابة قدر الهرلها
عينان لها شعاع ، وكان اذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت اليهم ، فيهزم
الجيش من الرعب .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند فيه من لا يعرف من طريق خالد بن عرعرة
عن علي عن النبي {ل قال ((السكينة ريح خجوج)).
وأخرج ابن جرير من طريق خالد بن عرعرة عن علي قال : السكينة ريح
خجوج ولها رأسان .
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي
حاتم والحاكم وصححه وابن عساكر والبيهقي في الدلائل من طريق أبي الأحوص
عن علي قال : السكينة لها وجه كوجه الانسان ، ثم هي بعد ريح هفافة .
وأخرج سفيان بن عيينة وابن جرير من طريق سلمة بن كهيل عن علي في قوله
﴿ فيه سكينة من ربكم﴾ قال : ريح هفافة ، لها صورة ولها وجه كوجه الانسان.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن سعد بن مسعود الصدفي ((ان النبي عليه
كان في مجلس ، فرفع نظره الى السماء ثم طأطأ نظره ، ثم رفعه فسئل عن ذلك؟
فقال: ان هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله - يعني أهل مجلس أمامه - فنزلت عليهم
السكينة تحملها الملائكة كالقبة ، فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل فرفعت
عنهم)).
وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في
الجزء الثاني
٧٥٨
سورة البقرة
الدلائل عن مجاهد قال : السكينة من اللّه كهيئة الريح ، لها وجه كوجه الهر
وجناحان وذنب مثل ذنب الهر.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير من طريق أبي مالك عن
ابن عباس ﴿فيه سكينة من ربكم﴾ قال : طست من ذهب من الجنة كان يغسل
فيها قلوب الأنبياء ، ألقى موسى فيها الألواح .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن
منبه . انه سئل عن السكينة ؟ فقال : روح من اللّه تتكلم اذا اختلفوا في شيء تكلم ،
فأخبرهم ببيان ما يريدون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿فيه سكينة﴾ قال : فيه شيء تسكن اليه
قلوبهم ، يعني ما يعرفون من الآيات يسكنون اليه .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ﴿فيه سكينة ﴾ أي وقار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وبقية مما ترك آل موسى ﴾
قال : عصاه ، ورضاض الالواح .
وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح
قال : كان في التابوت عصا موسى ، وعصا هرون ، وثياب موسى ، وثياب هرون ،
ولوحان من التوراة ، والمن ، وكلمة الفرج لا اله الا الله الحليم الكريم ، وسبحان الله
رب السموات السبع ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين .
وأخرج اسحق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح
عن ابن عباس قال : البقية رضاض الألواح ، وعصا موسى ، وعمامة هرون ، وقباء
هرون الذي كان فيه علامات الاسباط، وكان فيه طست من ذهب فيه صاع من منّ
الجنة ، وكان يفطر عليه يعقوب . وأما السكينة فكانت مثل رأس هرة من زبرجدة
خضراء .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله ﴿تحمله الملائكة ؟
قال : أقبلت به الملائكة تحمله حتى وضعته في بيت طالوت ، فأصبح في داره .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿إن في ذلك لآية﴾ قال : علامة .
الجزء الثاني
٧٥٩
سورة البقرة
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوُنُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهُ مُبْتَلِيكُم
قوله تعالى :
بِنْهَرِ فَمَنْ شَّرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِى إِلَّمَّنِ
أَغْتَرَفَ غُرُفَةٌ بِيَدِهِ فَشَرِبُواْمِنْهُ إِلَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْلَاَطَاقَةٌ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُونَ وَيُجُنُودِهٍ قَالَ
الَّذَّبْنَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِكَمَ قْنِ فِيَةٍ قَلِلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : خرجوا مع طالوت وهم
ثمانون ألفا ، وکان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأسا، فخرج یسیر بين يدي
الجند فلا تجتمع اليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي ، فلما خرجوا قال لهم طالوت
﴿ان اللّه مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فانه مني﴾ فشربوا منه
هيبة من جالوت ، فعبر منهم أربعة آلاف ورجع ستة وسبعون ألفا ، فمن شرب منه
عطش ، ومن لم يشرب منه الا غرفة روي ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾
فنظروا الى جالوت رجعوا أيضا و﴿ قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ فرجع
عنه ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون ، وجلس في ثلثمائة وبضعة عشر عدة أهل
بدر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ان الله مبتليكم بنهر﴾ يقول:
بالعطش ، فلما انتهوا الى النهر - وهو نهر الاردن كرع فيه عامة الناس فشربوا،
فلم يزد من شرب الا عطشا ، وأجزأ من اغترف غرفة بيده وانقطع الظمأ عنه .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ غازيا الى
جالوت قال طالوت لبني اسرائيل ﴿ ان الله مبتليكم بنهر﴾ بين فلسطين والاردن ،
نهر عذب الماء طيبه ، فشرب كل انسان كقدر الذي في قلبه ، فمن اغترف غرفة
واطاعه روي بطاعته ، ومن شرب فأكثر عصى فلم يرو ﴿ فلما جاوزه هو والذي آمنوا
معه﴾ قال الذين شربوا ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون﴾
الذين اغترفوا .
الجزء الثاني
٧٦٠
سورة البقرة
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ان الله مبتليكم بنهر﴾
قال : نهر فلسطين .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في الآية قال : كان الكفار يشربون فلا يروون ،
وكان المسلمون يغترفون غرفة فيجزئهم ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : في تلك الغرفة ما شربوا وسقوا
دوابهم .
وأخرج سعيد بن منصور عن عثمان بن عفان أنه قرأ ﴿ الا من اغترف غرفة ﴾
بضم الغين .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿فشربوا منه الا قليلا
منهم﴾ قال : القليل ثلثمائة وبضعة عشر، عدة أهل بدر.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي
حاتم والبيهقي في الدلائل عن البراء قال : كنا أصحاب محمد نتحدث ان أصحاب
بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ، ولم يجاوز معه الا مؤمن
بضعة عشر وثلثمائة .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا ان النبي يتم قال لأصحابه يوم بدر
((أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي، وكان الصحابة يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر
رجلا)).
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال : كان عدة أصحاب طالوت يوم
جالوت ثلثمائة وبضعة عشر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيدة قال : عدة الذين شهدوا مع النبي عَّم بدرا
كعدد الذين جاوزوا مع طالوت النهر ، عدتهم ثلثمائة وثلاثة عشر.
وأخرج اسحق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن
ابن عباس قال : كانوا ثلثمائة ألف وثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة عشر رجلا ، فشربوا
منه كلهم الا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا ، عدة أصحاب النبي عَلّم يوم بدر، فردهم
طالوت ومضى في ثلثمائة وثلاثة عشر، وكان اشمويل دفع الى طالوت درعا فقال
له : من استوى هذا الدرع عليه فانه يقتل جالوت باذن الله تعالى ، ونادى منادي
طالوت ، من قتل جالوت زوجته ابنتي ، وله نصف ملكي ومالي . وکان الله سبب