النص المفهرس

صفحات 121-140

- الماعون -
تَمَكُّنَ ما هو فصيحٌ؛ إذ لا حاجةَ أَنْ يُشارَ إلى الذي يزورُنا؛ بل الفصيحُ:
أَكرَمْتُ الذي يزورُنا، فالذي يُحْسِن إلينا، أو أكرَمْتُ الذي يزورُنا فيُحْسِنُ
إلينا. وأمَّا قولُه ((إِمَّا عَطْفَ ذاتٍ على ذاتٍ)) فلا يَصِحُّ لأنَّ ((فذلك)) إشارةٌ
إلى الذي يُكَذِّبُ فليسا بذاتَيْنِ؛ لأنَّ المشارَ إليه بـ ((ذلك) واحدٌ. وأمَّا
قولُه: ((ويكونُ جوابُ أرأيتَ محذوفاً) فهذا لا يُسَمَّى جواباً بل هو في
موضع المفعولِ الثاني لـ ((أَرَأَيْتَ)). وأمَّا تقديرُه («أنِعْمَ ما يصنعُ))؟ فهمزةٌ
الاستفهام لا نعلُم دخولَها على نِعْم ولا بئسَ؛ لأنهما إنشاءٌ، والاستفهامُ
لا يدخلُ إلاَّ على الخبر)) انتهى.
والجوابُ عن قولِه: ((فاسمُ الإِشارةِ غيرُ متمكُّنٍ)) إلى آخره: أنَّ
الفرقَ بينهما أنَّ في الآيةِ الكريمةِ استفهاماً وهو ((أرأيْتَ)) فحَسُنَ أَنْ يُفَسِّرَ
ذلك المُسْتَفْهَمَ عنه، بخلافِ المثالِ الذي مَثَّل به، فِمِنْ ثَمَّ حَسُنَ التركيبُ
المذكورُ. وعن قوله: ((لأنَّ ((فذلك)) إشارةٌ إلى ((الذي يُكَذِّب)) بالمنع، بل
مُشارٌ به إلى ما بعدَه كقولك: ((اضْرِبْ زيداً، فذلك القائمُ)) إشارةٌ إلى
القائِم لا إلى زيد، وإنْ كان يجوزُ أَنْ يكونَ إشارةٌ إليه. وعن قوله:
(فلا يُسَمَّى جواباً)) أنَّ النحاةَ يقولون: جوابُ الاستفهام، وهذا قد تَفَدَّمه
استفهامٌ فحَسُنَ ذلك. وعن قوله: ((والاستفهامُ لا يَدْخُلُ إلَّ على الخبر))؛
بالمعارضةِ بقوله تعالى: ((فهل عَسَيْتُمْ))(١) فإنَّ ((عَسَى)) إنشاءٌ، فما كان
جواباً له فهو جوابٌ لنا.
وقرأ العامَّةُ بضمِّ الدال وتشديد العينِ مِنْ دَعَّه، أي: دَفَعه. وأمير (٢)
المؤمنين والحسن وأبو رجاء ((يَدَعُ)) بفتح الدالِ وتخفيفِ العين،
(١) الآية ٢٢ من سورة محمد صلَّى الله عليه وسلم.
(٢) المحتسب ٣٧٤/٢، والبحر ٥١٧/٨، والشواذ ١٨١.
١٢١

- الماعون -
أي: يَتْرُكُ ويُهْمِلُ وزيدُ بن علي(١) ((ولا يُحاضُّ)) مِن المَحَاضَّة وتقدَّم في
[٩٢٩ /أ] الفجر (٢)./
آ. (٤) قوله: ﴿للمُصَلِّيْنَ﴾: خبرٌ لقولِه: ((فوَيْلٌ)). والفاءُ
للتسَبُّبِ، أي: تَسَبَّبَ عن هذه الصِّفاتِ الذَّميمةِ الدعاءُ عليهم بالوَيْلِ لهم.
قال الزمخشري بعد قوله: ((كأنَّه قيل: أُخْبِرْني، وما تقول فيمَنْ يُكذِّبُ
بالدين إلى قوله: أنِعْمَ ما يصنعُ؟ ثم قال الله تعالى: ((فَوَيْلٌ للمُصَلِّين))،
أي: إذا عُلِمَ أنَّه مُسِيْءٌ فوَيْلٌ للمُصَلَّيْنَ على معنى فوَيْلٌ لهم، إلاّ أنَّهِ
وَضَعَ صفتَهم موضعَ ضميرِهم؛ لأنهم كانوا - مع التكذيب وما أُضِيفَ
إليه - ساهين عن الصلاة مُرائين غيرَ مُزَكِّيْنَ أموالَهم. فإنْ قلتَ: كيف
جَعَلْتَ المُصَلِّين قائماً مَقامَ ضميرٍ الذي يُكَذِّبُ وهو واحدٌ؟ قلت: لأنَّ
معناه الجمعُ، لأنَّ المرادَ به الجنسُ)) .
قال الشيخ(٣): ((وأمَّا وَضْعُه المُصَلِّين موضعَ الضميرِ، وأنَّ المُصَلُّيْنَ
جمعٌ؛ لأنَّ ضميرَ الذي يُكذِّبُ معناه الجمعُ فتكلُّفٌ واضحٌ. ولا يَنْبغي أَنْ
يُحْمَلَ القرآنُ إلَّ على ما عليه الظاهرُ. وعادةُ هذا الرجلِ تكلُّفُ أشياءَ في
فَهْمِ القرآنِ ليسَتْ بواضحةٍ)) انتهى، قلت: وعادةُ شيخنا - رحمه الله -
التَّحامُل على الزمخشري حتى يَجْعلَ حسَنَه قبيحاً. وكيف يُرَدُّ ما قاله وفيه
ارتباطُ الكلامِ بعضِه ببعضٍ، وجَعْلُه شيئاً واحداً، وما تضمَّنه من المبالغةٍ
في الوعيدِ في إبرازِ وَصْفِهِم الشَّنيع؟ ولا يُشَكُّ أنَّ الظاهرَ من الكلام أن
(١) البحر ٨/ ٥١٧.
انظر إعرابه للآية ١٨.
(٢)
البحر ٥١٨/٨.
(٣)
١٢٢

- الماعون -
السورةَ كلَّها في وصفِ قومٍ جَمَعوا بين هذه الأوصافِ كلِّها: من التكذيب
بالدِّين ودَفْعِ اليتيمِ وعَدَمِ الحَضِّ على طعامِهِ، والسَّهْوِ في الصلاة،
والمُراءاةِ ومَنْعِ الخيرِ .
آ. (٥) قوله: ﴿الذين هم﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مرفوعَ المَحَلِّ،
وأَنْ يكونَ منصوبَه، وأَنْ يكونَ مجرورَه تابعاً: نعتاً أو بدلاً أو بياناً،
وكذلك الموصولُ الثاني، إلاَّ أنَّه يُحْتمل أَنْ يكونَ تابعاً للمُصَلِّيْنَ، وأَنْ
يكونَ تابعاً للموصولِ الأولِ. وقوله: ((يُراؤُون) أصلُهُ يُرائِيُوْنَ كيُقاتِلون(١).
ومعنى المُراءاة: أنَّ المُرائيَ يُري الناسَ عملَه، وهم يُرُونَه الثناءَ عليه،
فالمفاعَلَةُ فيها واضحةٌ. وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك(٢).
آ. (٧) قوله: ﴿الماعونَ﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه فاعُول
من المَعْنِ(٣) وهو الشيءُ القليل. يُقال: ((مالُهُ مَعْنَةٌ))، أي: قليلٌ، قاله
قطرب. الثاني: أنَّه اسمُ مفعولٍ مِنْ أعانه يُعينه. والأصلُ: مَعْوُوْن. وكان
مِنْ حَقِّه على هذا أَنْ يقال: مَعُوْن كمَقُوْل ومَصُون اسمَيْ مفعول مِنْ قال
وصان، ولكنه قُلِبَتِ الكلمةُ: بأنْ قُدِّمَتْ عينُها قبل فائِها(٤) فصار مَوْعُوْن،
ثم قُلِبَتِ الواوُ الأولى ألفاً كقولهم: ((تابةٌ) و ((صامَةٌ)) في تَوْبة وصَوْمَة،
فوزنُهُ الآن مَعْفُوْل. وفي هذا الوجه شذوذٌ من ثلاثةِ أوجهٍ، أوَّلُها: كَوْنُ
(١) استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت اللام، ثم ضُمَّ ما قبل
الواو لكيلا تنقلب الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فيلتبس الجمع بالمفرد.
انظر: معجم مفردات الإعلال والإبدال ٣٨٥.
(٢)
انظر: الدر المصون ١٢٦/٤.
وهو قول الزجاج وقطرب. انظر: اللسان معن، ومعجم المفردات ٢٤٧ .
(٣)
(٤) وهو مذهب ابن جني في المبهج ١١١ .
١٢٣

- الماعون -
مَفْعول جاء من أَفْعَل(١)، وحقُّه أَنْ يكونَ على مُفْعَل كمُكْرَم فيقال: مُعان
كمُقامٍ. وأمَّا مَفْعول فاسمُ مفعولِ الثلاثي. الثاني: القَلْبُ وهو خلافُ
الأصلِ. الثالث: قَلْبُ حرفِ العلةِ ألفاً، وإنْ لم يتحرَّكْ، وقياسُه على تابة
وصامة بعيدٌ لشذوذِ المَقيس عليه. وقد يُجاب عن الثالث: بأنَّ الواوَ
متحركةٌ في الأصل قبل القلبِ فإنه بزنةٍ مَعْوُوْن.
الثالث من الأوجه الأُوَّل: أنَّ أصله مَعُوْنَة والألفُ عوضٌ من الهاء؛
ووزنُهُ مَفُعْل(٢) كمَلُؤْمٍ ووزنُه بعد الزيادة: ما فُعْل. واختلفَتْ عباراتُ أهلِ
التفسير فيه، وأحسنُها: أنَّه كلُّ ما يُستعان به ويُنتفع به كالفَأْس والدَّلْوِ
والمِقْدحة. وأُنْشِد قولُ الأعشى(٣):
٤٦٥٧- بأَجْوَدَ مِنْه بماعُوْنِه
إذا ما سماؤُهُمُ لم تَغِمْ
ولم يَذْكُرِ المفعولَ الأولَ للمَنْعِ: إمَّا للعِلْمِ به، أي: يَمْنِعون الناسَ
أو الطالبين، وإمَّا لأنَّ الغَرَضَ ذِكْرُ ما يمنعونه لاَ مَنْ يمنعون، تنبيهاً على
خساسَتِهِم وضَئِّهم بالأشياءِ التافهةِ المُسْتَقْبَح مَنْعُها عند كلِّ أحدٍ.
[تمَّت بعونه تعالى سورة أرأيت]
مِنْ أَعانه.
(١)
(٢) هذا وزنه بعد النقل، ووزنه قبل النقل مَفْعُل حيث تحركت الواو وقبلها حرف
صحیح ساکن ڤنقلت حركة الواو.
(٣) ديوانه ٣٩. وغامت السماء: أطبق بها السحاب، فهو يجود وقت الجدب.
١٢٤

سورة الكوثر
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿أَعْطَيْناك﴾: قر(١) الحسن/ وابنُ محيصن [٩٢٩/ب]
وطلحة والزعفراني ((أَنْطَيْناك)) قال الرازيُّ(٢) والتبريزيُ: ((أبدلَ من العين
نوناً، فإنْ عَنَيا البدلَ الصناعيَّ فليس بمُسَلَّمٍ؛ لأنَّ كلا من المادتَيْنِ مستقلةٌ
بنفسِها بدليلٍ كمال تَصْرِيفِهما، وإنْ عَنَيَا بَالبدلِ أنَّ هذه وقعَتْ موقِعَ هذه
لغةً فقريبٌ، ولا شك أنها لغةُ ثابتةٌ. قال التبريزي: ((هي لغةُ العربِ
العاريةِ مِنْ أُوْلِي قُرَيْشٍ)). وفي الحديث(٣) عنه صلَّى الله عليه وسلَّم:
((اليدُ العليا المُنْطِيَةُ، واليدُ السُّفْلىُ المُنْطاة)). وقال الشاعر - هو
الأعشى(٤) - :
(١) الشواذ ١٨١، والبحر ٥١٩/٨، والقرطبي ٢١٦/٢٠.
(٢) لعله يعني صاحب اللوامح وليس الفخر لأن هذا النص لم يرد عند الفخر.
(٣)
انظر: النهاية ٧٦/٥.
(٤)
ديوانه ٩٩ برواية :
جيادُكَ في الصيف في نعمةٍ تُصان الجِلال وتُعطى الشعير!
وهو برواية السمين في المحرر ٣٧٢/١٦، والبحر ٥١٩/٨. والجلال: ج جُلَّ
وهو ما تلبسه الدابة.
١٢٥

- الكوثر-
٤٦٥٨- جيادُك خيرُ جيادِ الملوك
تُصان الجِلالَ وتُنْطِي الشَّعِيرًا
والكَوْثر: فَوْعَل من الكَثْرَةِ، وصفُ مبالغةٍ في المُفْرِطِ الكثرةِ. قال
الشاعر(١):
٤٦٥٩- وأنت كثيرٌ يا بنَ مروانَ طَيِّبٌ
وكان أبوكَ ابنَ العَقائِلِ كَوْثَرًا
وسُئِلَتْ أعرابيٌّ عن ابنها: بمَ آَبَ ابْنُكِ؟ فقالت: ((آب بِكَوْثَرٍ))، أي:
بخيرٍ کثیرٍ .
آ. (٢) قوله: ﴿وانْحَرْ﴾: أمرٌ من النَّخر وهو في الإِبِلِ بمنزلة
الذَّبْحِ في البقر والغنم. وقيل: اجعَلْ يديك عند نَحْرِك أو تحت نَحْرِك في
الصلاة. والثانِىءُ: المُبْغِضُ. يُقال: شَنَاَه يَشْتَؤُه، أي: أَبْغَضَه. وقد تقدَّم.
في المائدة (٢).
آ. (٣) قوله: ﴿هو الأبْتَرُ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ ((هو)) مبتدأً،
و((الأبترُ)) خبرُه. والجملةُ خبرُ ((إِنَّ)، وأَنْ يكون فصلاً. وقال
أبو البقاء (٣): ((أو توكيدٌ)) وهو غَلَطُ منه لأنَّ المُظْهَرَ لا يُؤَكَّدُ بالمضمر.
والأبترُ: الذي لا عَقِبَ له، وهو في الأصلِ الشيءُ المقطوع، مِنْ بَتَرَه،
(١). البيت للكميت، وهو في اللسان (كثر)، والبحر ٨/ ٥٢٠.
(٢) الدر المصون ١٨٩/٤.
(٣) الإملاء ٢٩٥/٢.
١٢٦

- الكوثر -
أي: قطعه. وحمارٌ أبترُ: لا ذَنَبَ له. ورجلٌ أُباتِرٌ بضم الهمزة: قاطعُ
رَحِمِه قال(١):
٤٦٦٠- لَئِيمٌ نَزَتْ فِي أَنْفِه خُتْزُوانَةٌ
على قَطْعِ ذي القربىُ أَحَذُّ أُباتِرُ
وبَتِرِ هو بالكسرِ: انقطعَ ذَنُّه .
وقرأ العامة ((شانِتَك)) بالألفِ اسمُ فاعل بمعنىُ الحالِ أو الاستقبالِ
أو الماضي. وقر (٢) ابن عباس ((شَنِتَك)) بغيرِ ألفٍ. فقيل: يجوزُ أَنْ يكونَ
بناءَ مبالغةٍ كَفَعَّال ومِفْعال. وقد أثبته سيبويهِ(٣)، وأنشد(٤):
٤٦٦١- حَذِرُ أُموراً لا تَضِيْرُ وآمِنٌ
ما ليسَ مُنْجِيَه من الأَقْدارِ
وقال زيد الخيل(٥):
٤٦٦٢- أتاني أنهم مَزِقونٍ عِرْضي
جِحاشُ الكِرْمَلَيْنِ لها فَديدُ
فإنْ كانَ بمعنى الحالِ أو الاستقبالِ(٦) فإضافتهُ لمفعولِه مِنْ نصبٍ.
(١) البيت لعبادة بن طَهْفة يهجو أبا حصن السلمي. وهو في الصحاح واللسان
(بتر). والخُنْزُوانة: الكبر.
(٢) البحر ٥٢٠/٨ ولم تتضح قراءته هل هي بالهمزة أو تخفيفه بالياء: شَنِتَك،
شَيَك.
(٣) الكتاب ٥٨/١.
تقدم برقم ٢٥١١.
(٤)
(٥)
تقدم برقم ٣٧١٩.
(٦) انظر: البحر ٨/ ٥٢٠.
١٢٧

- الكوثر -
وإنْ كان بمعنى المُضِيِّ فهي لا مِنْ نصبٍ. وقيل(١): يجوزُ أن يكونَ
مقصوراً مِنْ فاعِل كقولهم: بَرِّ وبارٍّ، وبَرِدٌ وبارِدٌ.
قوله: ((فَصَلٌ))(٢) الفاء للتعقيب والتسبيبِ، أي: تَسَبَّبُ عن هذه
المِنَّةِ العظيمةِ وعَقَبها أَمْرُك بالتخَلِّي لعبادةِ المُنْعِم عليكَ وقَصْدِك إليه
بالنَّخْرِ، لا كما تفعلُ قُرَيْشٌ مِنْ صَلاتِها ونَحْرِها لأصنامِها.
وقال أهل العلم(٣): قد احتوَتْ هذه السورةُ، على كونِها أَقْصَرَ
سورةٍ في القرآن، على معانٍ بليغةٍ وأساليبَ بديعةٍ وهي اثنان وعشرون.
الأول: دلالةُ استهلالِ السورةِ على أنه إعطاءٌ كثيرٌ من كثير. الثاني: إسنادُ
الفعل للمتكلم المعظّم نفسَه. الثالث: إيرادُه بصيغة الماضي تحقيقاً
لوقوعِه كـ («أتى أَمْرُ اللَّهِ»(٤). الرابع: تأكيدُ الجملةِ بـ إنَّ. الخامس: بناءُ
الفعلِ على الاسم ليُفيدَ الإِسنادَ مرتين. السادس: الإتيانُ بصيغةٍ تَدُلُّ على
مبالغةِ الكثرةِ. السابع: حَذْفُ الموصوفِ بالكَوْثَر؛ لأنَّ في حَذْفِهِ مِنْ فَرْطٍ
الشُّياعِ والإِبهامِ ما ليس في إثباتِه. الثامن: تعريفُه بأل الجنسيةِ الدالَّةِ على
الاستغراق. التاسع: فاءُ التَّعْقيب، فإنَّها كما تقدَّم دالَّةٌ على التَّسْبيب، فإنَّ
الإِنعامَ سببٌ للشُّكر والعبادةِ. العاشر: التَّعْرِيضُ بِمَنْ كانَتْ صلاتُهُ ونَخْرُه
لغيرِ اللَّهِ تعالى. الحادي عشر: أنَّ الأمرَ بالصَّلاةِ إشارةٌ إلى الأعمالِ
الدينية التي الصلاةُ قِوامُها وأفضلُها، والأمرُ بالنَّخْرِ إشارةٌ إلى الأعمالِ
البدنيةِ التي النَّحْرُ أَسْناها. الثاني عشر: حَذْفُ متعلَّقِ ((انحَرْ)) إذ التقديرُ:
(١) في قراءة ابن عباس السابقة.
(٢) عاد إلى الآية الثانية.
(٣) انظر: تفسير الفخر الرازي ١٢١/٣٢.
(٤) الآية ١ من النخل.
١٢٨

- الكوثر -
فَصَلٌ لربِّك وانْحَرْ له. الثالثَ عشرَ: مراعاةُ السَّجْع فإنَّه من صناعةِ البديعِ
العاري عن التَّكلُّفِ. الرابعَ عشرَ قوله: ((رَبِّك)) في الإِثْيان بهذه الصفةِ [١/٩٣٠]
دونَ سائرٍ صفاتِهِ الحُسْنى دلالةٌ على أنَّه هو المُصْلِحُ له المُرَبِّي لِنِعَمِه
فلا تلتمِسْ كلَّ خيرٍ إلَّ منه. الخامسَ عشرَ: الالتفاتُ من ضمير المتكلم
إلى الغائب في قولِه: ((لربِّك)). السادسَ عشرَ: جَعْلُ الأَمْرِ بِتَرْكِ
الاهتبالِ(١) بشانِئيه للاستئناف، وجَعْلُه خاتمةً للإِعراضِ عن الشانىءِ،
ولم يُسَمِّه ليشملَ كلَّ مَنْ اتَّصَفَ - والعياذُ بالله - بهذه الصفةِ القبيحة،
وإن كان المرادُ به شخصاً مَعْنِيَّاً. السابعَ عشرَ: التنبيهُ بذِكْرِ هذه الصفةِ
القبيحةِ على أنه لم يَتَّصِفْ إلَّ بمجرَّدٍ قيامِ الصفةِ به، مِنْ غير أَنْ يُؤَنِّرَ في
مَنْ يَشْتَؤُه شيئاً البتةَ؛ لأنَّ مَنْ يَشْنَأُ شخصاً قد يُؤَثِّر فيه شَنَانُه شيئاً. الثامنَ
عشرَ: تأكيدُ الجملةِ بـ ((إِنَّ) المُؤْذِنَةِ بتأكيدِ الخبرِ، ولذلك يُتَلَقَّى بها
القسمُ، وتقديرُ القسمِ يَصْلُح هنا. التاسعَ عشرَ: الإِتيانُ بضميرِ الفَصْلِ
المُؤْذِنِ بالاختصاصِ والتأكيدِ إنْ جَعَلْنا ((هو)) فصلاً، وإنْ جَعَلْناه مبتدأً
فكذلك يُقيد التأكيدَ، إذ يصيرُ الإِسنادُ مَرَّتَيْن. العشرون: تعريفُ الأبترِ
بـ أل المُؤْذِنَةِ بالخصوصيَّةِ بهذه الصفةِ، كأنه قيل: الكامِلُ في هذه الصفةِ.
الحادي والعشرون: الإتيانُ بصيغة أَفْعَل الدالَّةِ على التناهي في هذه
الصفةِ. الثاني والعشرون: إقبالُه على رسولِه عليه السلام بالخطاب مِنْ
أول السورة إلى آخرها.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الكوثر]
(١) اهتبل: حزن، أو أسرع.
١٢٩

سورة الكافرون
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٢) [قوله]: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدون﴾: ((ما)) في هذه
السورةِ يجوزُ فيها وجهان، أحدُهما: أنها بمعنى الذي. فإنْ كان المرادُ
الأصنامَ - كما في الأولى والثالثة - فالأمرُ واضحٌ لأنهم غيرُ عقلاءَ.
و ((ما)) أصلُها أَنْ تكونَ لغيرِ العقلاءِ. وإذا أُريد بها الباري تعالى، كما في
الثانيةِ والرابعةِ، فاسْتَدَلَّ به مَنْ جوَّز وقوعَها على أولي العلمِ. ومَنْ مَنَعَ
جَعَلَها مصدريةً. والتقديرُ: ولا أنتم عابدون عبادتي،، أي: مثلَ
عبادتي. وقال أبو مسلم(١): ((ما) في الأَوَّلَيْن(٢) بمعنى الذي، والمقصودُ
المعبودُ، و((ما)) في الأخيرَيْن(٣) مصدريةٌ، أي: لا أَعْبُدُ عبادتكم المبنيَّةَ
على الشكُّ وتَرْكِ النظرِ، ولا أنتم تعبدون مثلَ عبادتي المبنية على اليقين.
فتحصَّلَ مِنْ مجموع ذلك ثلاثةُ أقوالٍ: أنها كلَّها بمعنى الذي أو مصدريةٌ،
أو الأُوْلَيان بمعنىَ الذي، والأخيرتان مصدريَّتان. ولِقائلٍ أَنْ يقولَ:
لو قيل: بأنَّ الأولى والثالثةَ بمعنى الذي، والثانيةَ والرابعةَ مصدريةٌ، لكان
(١) انظر: البحر ٥٢١/٨.
(٢) الآية ٢ - ٣.
الآية ٤ - ٥.
(٣)
١٣١

- الكافرون-
حسناً حتى لا يَلْزَمَ وقوعُ ((ما)) على أولي العلمِ، وهو مقتضى قولٍ مَنْ
يمنعُ وقوعَها على أولي العلم كما تقدَّم.
واختلف الناسُ: هل التَّكرارُ في هذه السورةِ للتأكيد أم لا ؟ وإذا
لم يكنْ للتأكيدِ فبأيِّ طريقٍ حَصَلَتِ المغايرةُ حتى انتفى التأكيدُ؟ ولا بُدَّ
مِنْ إيرادِ أقوالِهِم في ذلك. فقال جماعة: هو للتوكيدِ. فقولُه ((ولا أنا
عابدٌ ما عَبَدْتُم)، تأكيدٌ لقولِه («لا أعبدُ ما تَعْبدون)) وقولُه: ((ولا أنتمْ عابدونَ
ما أعبُد)» ثانياً توكيدٌ لقولِه ((ولا أنتم عابدونَ ما أعبدُ» أولاً. ومثلُهَ قولُه
((فبأيِّ آلاءِ ربِّكما تُكَذِّبان))(١) و ((وَيْلٌ يومئذٍ للمكذِّبين))(٢) في سورتَيْهما،
و(كلا سَوْفَ تعلمون ثم كلا سَوْفَ تَعْلمون))(٣) و((كلا سَيَعْلَمون، ثم كلا
سيعلمون))(٤). وفي الحديث: ((فلا آذَنُ ثم لا آذَنُ، إنما فاطمةُ بَضْعَةٌ
مني)»(٥) قال الشاعر (٦):
٤٦٦٣- هَلَّ سَأَلْتَ جنودَ كِنْـ
ـدَةَ يومَ وَلَّوْا أينِ أَيْنا
وقال آخر (٧).
(١) الآية ١٣ من الرحمن.
الآية ١٥ من المرسلات.
(٢)
الآية ٣ - ٤ من من التكاثر.
(٣)
(٤)
الآية ٤ من النبأ.
رواه البخاري في: ٦٧ من كتاب النكاح، ١٠٩ باب ذَبِّ الرجل عن ابنته،
(٥)
الفتح ٢٣٨/٩.
البيت لعبيد بن الأبرص. وهو في ديوانه ١٣٦.
(٦)
لم أهتد إلى قائله. وهو في القرطبي ٢٩٧/٢٠.
(٧)
١٣٢

- الكافرون -
٤٦٦٤- يا علقمَهْ يا عَلْقَمَهْ يا علقَمَهْ
خيرَ تميم كلُّها وأكرمَهْ
وقال آخر (١):
٤٦٦٥- يا أقرعُ بنَ حابسٍ يا أقرعُ
إنك إن يُصْرَغْ أخـوكَ تُصْرَعُ
وقال آخر (٢):
٤٦٦٦- ألا يا اسْلَمي ثُمَّ اسْلَمي ثُمَتَ اسْلّمي
ثلاثُ تحيَّاتٍ وإن لم تَكَلَّم
وقال آخر(٣):
٤٦٦٧_ یا لَبَكْرٍ أَنْشِرُوا لي كُلَيْباً
يا لَّبِكْرٍ أينَ أينَ الفِرارُ
قالوا: والقرآنُ جاء على أساليبِ كلامِ العربِ. وفائدةُ التوكيد هنا
قَطْعُ أَطْماعِ الكفارِ وتحقيقُ الإِخبارِ بموافاتِهِم على الكفرِ، وأنّهم
لا يُسْلِمون إيداً.
وقال جماعةٌ: ليس للتوكيدِ. فقال الأخفش(٤): ((لا أعبد الساعةً
ما تعبدون، ولا أنتم عابدون السنةَ ما أعبدُ، ولا أنا عابدٌ في المستقبلِ
تقدم برقم ١٢٣٩ .
(١)
(٢)
تقدم برقم ٣٥٦١.
البيت لمهلهل وهو في الكتاب ٣١٨/١، والخصائص ٢٢٩/٣، والخزانة
(٣)
٣٠٠/١.
(٤) لم يرد في كتابه المعاني.
١٣٣

- الكافرون
ما عَبَدْتُمْ، ولا أنتم عابدون في المستقبلِ ما أعبد، فزال التوكيدُ، إذ قد
تقيَّدَتْ كلُّ جملةٍ بزمانٍ غيرِ الزمانِ الآخر" انتهى. وفيه نظرٌ كيف يُقَيِّدُ
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نَفْيَ عبادتِه لِما يَعْبُدُون بزمانٍ، هذا
لا يَصِحُ. وفي الأسبابِ(١): أنهم سَأَلُوه أَنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهُم سنةً ويَعْبُدُونِ إِلهَهِ
سنةً، فنزَلَتْ فكيفُ يَسْتقيم هذا؟ وجعل أبو مسلم التغايُرَ بما قَدَّمْتُه عنه؛
وهو كونُ ((ما)» في الأوَّلَيْن بمعنى الذي، وفي الآخِرَيْنِ مصدريةً. وفيه
نظرٌ أيضاً: مِنْ حيث إنَّ التكرارَ إنما هو مِنْ حيث المعنى وهذا موجودٌ
[٩٣٠/ ب] كيف قَدَّرَتْ ((ما)). وقال ابن عطية (٢): / ((لَمَّا كان قولُه («لا أَعْبُدُ)) محتمِلاً
أَنْ يُرادَ به الآن ويبقى المستقبلُ (٣) منتظراً ما يكونُ فيه جاء البيانُ بقوله
(ولا أنا عابدٌ ما عبدتُمْ))، أي: أبداً وما حَيِنْتُ، ثم جاء قولُه ((ولا أنتم
عابدونَ ما أعبدُ)) الثاني حَتْماً عليهم أنهم لا يُؤمنون أبداً كالذي كَشَفٍ
الغيبَ، كما قيل لنوح عليه السلام: ((أنَّه لن يؤمِنَ مِنْ قومِك إلاَّ مَنْ قد
آمَنَ))(٤) فهذا معنى الترديدِ في هذه السورةِ وهو بارعُ الفصاحةِ، وليس
بتكرارِ فقط، بل فيه ما ذكْرَتُه)).
وقال الزمخشريُّ(٥): ((لا أعبدُ أُريد به العبادةُ فيما يُسْتَقبل؛ لأنَّ
(y)) لا تدخُلُ إلَّ على مضارع في معنى الاستقبال، كما أنَّ ((ما)) لا تدخُلُ
إلّ على مضارع في معنى الحال. والمعنى: لا أفعلُ في المستقبل
(١) أي: في أسباب النزول. انظر: فتح القدير ٥٠٨/٥.
(٢)
المحرر ٣٧٤/١٦.
المحرر: ((المستأنف)) وهو تحريف.
(٣)
الآية ٣٦ من سورة هود.
(٤)
(٥) الكشاف ٤/ ٢٩٢.
١٣٤
٠

- الكافرون -
ما تَطْلبونه مني مِنْ عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلونَ فيه ما أَطْلُبُه منكم مِنْ
عبادةِ إلهي، ولا أنا عابدٌ ما عبَدُتُمْ، أي: وما كنتُ قطُّ عابداً فيما سَلَفَ
ما عبدتُمْ فيه، يعني ما عُهِدَ مني قَطُّ عبادةُ صنمٍ في الجاهلية. فكيف
تُرجَى مني في الإِسلامِ؟ ولا أنتم عابدون ما أعبدُ، أي: وما عبَدْتُمْ في
وقتٍ ما أنا على عبادتِهِ. فإنْ قلتَ: فهلاّ قيل: ما عَبَدْتُ كما قيل
ما عبدتُمْ. قلت: لأنهم كانوا يَعْبُدُون الأصنامَ قبل المَبْعَثِ، وهو لم يكُنْ
يعبدُ اللَّه تعالى في ذلك الوقتِ. فإن قلت: فِلِمَ جاء على ((ما)) دونَ
مَنْ؟ قلت: لأنَّ المرادَ الصفةُ كأنه قيل: لا أعبدُ الباطلَ، ولا تعبدون
الحقَّ. وقيل: إن ((ما)) مصدريةٌ، أي: لا أعبد عبادتكم ولا تعبُدون
عبادتي" انتهى. يعني بقوله «لأن المرادَ الصفةُ)) يعني أنه أريدُ بـ ((ما))
الوصفُ، وقد قَدَّمْتُ تحقيقَ هذا قريباً في سورةٍ والشمس وضحاها،
واعتراضَ الشيخ عليه، والجوابَ عنه، وأصلُه في سورة النساء عند قوله:
(فانكِحوا ما طابَ لكم من النساء))(١).
وناقشه الشيخ(٢) هنا فقال: ((أمَّا حَصْرُه في قوله: ((لأن ((لا))
لا تَدْخُلِ» إلى آخره. وفي قوله: ((كما أن ((ما)) لا تَدْخُلُ)) إلى آخرِهِ؛
فليس بصحيحٍ، بل ذلك غالِبٌ فيهما لا مُتحتِّمٌ. وقد ذكر النحاةُ دخولَ
(لا)) على المضارع يُرادُ به الحالُ، ودخول ((ما)) على المضارع يُراد به
الاستقبالُ. وذلك مذكورٌ في المبسوطات مِنْ كتب النحوِ، ولذلك
لم يَذْكُرْ سيبويه (٣) ذلك بأداة الحصرِ إنما قال: ((وتَكونُ ((لا)) نفياً لقولِه
الآية ٣ من النساء. وانظر: الدر المصون ٥٦١/٣.
(١)
(٢)
البحر ٥٢٢/٨.
الكتاب ٣٠٦/٢.
(٣)
١٣٥

.- الكافرون -
يَفْعَلُ ولم يقع الفعلُ)) وقال (١): ((وأمَّا ((ما)) فهي نفيٌ لقوله: هو يفعلُ إذا
كان في حالِ الفعل))، فذكر الغالبَ فيهما. وأمَّا قولُه، في قولِه: (ولا أنا
عابد ما عبدْتُمْ)، أي: وما كنت قَطُّ عابداً فيما سلفَ ما عبدتُمْ فيه، فلا
يَسْتقيم لأنَّ عابداً اسمُ فاعلٍ قد عَمِلَ في ((ما عَبَذْتُمْ)) فلا يُفَسَّر بالماضي
إنما يُفَسَّر بالحالِ أو الاستقبالِ، وليس مذهبُه في اسم الفاعلِ مذهبَ
الكسائي وهشام مِنْ جوازِ إعمالِهِ ماضياً(٢). وأمَّا قولُه: ((ولا أنتم عابدون
ما أعبدُ»، أي: وما عَبَدْتُمْ في وقتٍ ما أنا على عبادتِهِ فعابدون قد أعملَه
في ((ما أعبد)» فلا يُفَسَّر بالماضي.
وأمَّا قولُه ((وهو لم يكن)) إلى آخره فسوهُ أدبٍ على منصبِ النبوةِ،
وغيرُ صحيح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يَزَلْ مُؤَخِّداً لله تعالى، مُتَرِّهاً
عن كلِّ ما لا يليق بجلالِهِ، مُجْتنباً لأصنامِهم، يقفُ على مشاعر أبيه
إبراهيمَ عليه السلام ويَحُجُّ البيتَ، وهذه عبادةٌ، وأيُّ عبادةٍ أعظمُ مِنْ
توحيدِ اللَّهِ تعالىُ ونَبْذِ أصنامِهم؟ ومعرفةُ اللَّهِ تعالى أعظمُ العباداتِ. قال
تعالى: ((وما خَلَقْتُ الجنَّ والإِنسَ إلاَّ لَيَعْبُدُونِ))(٣). قال المفسِّرون: إلاَّ
لِيَعْرِفونِ، فَسَمَّى المَعْرِفَةَ بالله تعالى عبادةً)). انتهى ما ناقَشَه به ورَدُّه
عليه .
ويُجَابُ عنِ الأولِ: أنه بَنَى أمرَه على الغالبِ فلذلك أتى بالخَصْرِ
وأمّا ما حكاه عن سيبويهِ فظاهرُه معه حتى يقومَ دليلٌ على غيرِهِ. وعن
إعمالِهِ اسمَ الفاعلِ مُفَسِّراً له بالماضي بأنه على حكايةِ الحالِ كقوله
(١) الكتاب ٤٦٠/١.
(٢) انظر: الارتشاف ١٨٤/٣ _ ١٨٥.
(٣)
الآية ٥٦ من الذاريات .
١٣٦

- الكافرون -
تعالى: ((وكلبُهم باسِطٌ ذِراعَيْه)(١) وقوله: ((واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كنتم تكتمونُ))(٢)
ونحوهُ.
وأمَّا/ قولُه: ((كان مُوَحِّداً مُتَزِّهاً) فمُسَلَّمٌ. وقوله: ((وهذه أعظمُ [١/٩٣١]
العباداتِ)) مُسَلَّم أيضاً. ولكنَّ المرادَ في الآية عبادةٌ مخصوصةٌ، وهي
الصلاةُ المخصوصةُ؛ لأنَّها يُقابِلُ بها ما كان المشركون يَفْعَلونه من
سجودِهم لأصنامِهِم وصلاتِهِم لها، فقابَلَ هذا صلى الله عليه وسلم
بصَلاتِه للَّهِ تباركَ تعالى. ولكنَّ نَفْيَ كلامِ الزمخشريِّ يُفْهِمُ أنه صلى الله
عليه وسلم لم يكُنْ مُتعبَّداً قبل المبعَثِ، وهو مذهبٌ مرجوحٌ جداً ساقطُ
الاعتبارِ؛ لأنَّ الأحاديث الصحيحة تَرُدُّه وهي: كان يتحنَّث، كان يتعبَّدُ،
كان يصومُ، كان يطوفُ، كان يقفُ، ولم يقُلْ بخلافه إلاَّ شذوذٌ مِنْ
الناس. وفي الجملةِ فالمسألةُ خلافيةٌ. وإذا كان متعبِّداً فبأيِّ شَرْعٍ كان
يتعبَّد؟ قيل: بشرعٍ نوحٍ. وقيل: إبراهيم. وقيل: موسى. وقيل: عيسىُ،
ودلائلُ هذه في الأصولِ فلا نتعرَّضُ لها.
ثم قال الشيخ(٣): (والذي أَختارُ في هذه الجملِ أنه نفى عبادتَه في
المستقبل؛ لأن الغالِبَ في ((لا)) أَنْ تنفي المستقبلَ، ثم عَطَفَ عليه
(ولا أنتم عابدونَ ما أعبد)» نَفْياً للمستقبلِ، على سبيل المقابلةِ. ثم قال:
(ولا أنا عابدٌ ما عبدتُمْ)) نَفْياً للحال؛ لأنَّ اسمَ الفاعلِ العاملَ الحقيقةُ فيه
دلالته على الحالِ، ثم عَطَفَ عليه ((ولا أنتم عابدون ما أَعْبُدُ» نَفْياً للحال
على سبيل المقابلةِ، فانتظم المعنى أنَّه عليه السلام لا يَعْبُدُ ما يعبدون
(١) الآية ١٨ من الكهف.
الآية ٧٢ من البقرة.
(٢)
(٣) البحر ٨/ ٥٢٢.
١٣٧

- الكافرون ــ
حالاً ولا مستقبلاً. وهم كذلك إذا حَتَم الله تعالى موافاتَهم على الكفر.
ولَمَّا قال: ((لا أعبد ما تعبدون)) فأطلق ((ما)) على الأصنام قابلَ الكلام
بـ ((ما)) في قوله ((ما أعبد)) وإنْ كان المرادُ بها اللَّهَ تعالى؛ لأنَّ المقابلةَ
يسوغُ فيها ما لا يَبُوغ في الانفرادِ. وهذا على مذهبٍ مَنْ يقول: إنَّ ((ما))
لا تقع على آحادٍ أولي العلم. أمَّا مَنْ يُجَوِّزُ ذلك - وهو مذهبُ
سيبويهِ _(١) فلا يَحْتاج إلى الاستعذارِ بالتقابلِ)).
آ. (٦) قوله: ﴿لكم دينكم وليَ دينٌ﴾: أتى بهاتَيْنِ
الجملتين الإِثباتِيَّيْن بعد جملٍ منفيةٍ؛ لأنه لَمَّا كان الأهمُّ انتفاءَه عليه
السلام مِنْ دينهم بدأ بالنفي في الجملِ السابقةِ بالمنسوبِ إليه، فلمَّا
تحقَّقَ النفيُ رَجَعَ إلى خطابِهِم بقولِه «لكم دينكم وليَ دينٌ)) مهادنةً لهم،
ثم نَسَخَ ذلك بالأمرِ بالقتال.
وفتح الياءَ مِنْ («لي)» نافعٌ(٢) وهشامٌ وحفصٌ والبزيُّ بخلافٍ عنه،
وأسكنها الباقون، وحَذَفَ ياءَ الإِضافةِ مِنْ ((ديني)) وقفاً ووَضْلاً السبعةُ
وجمهور القراء، وأثبتها في الحالَيْن سلامٌ(٣) ويعقوب، وأمرُها واضحٌ ممَّا
تقدَّم.
[تمت بعونه تعالى سورة الكافرون]
الكتاب ٣٠٩/٢.
(١)
السبعة ٦٩٩، والتيسير ٢٢٥، والإتحاف ٦٣٤/٢ .
(٢)
النشر ٤٠٤/٢، والإتحاف ٦٣٤/٢، والقرطبي ٢٢٩/٢٠، والبحر ٥٢٢/٨.
(٣)
١٣٨

سورة النصر
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿نَصْرُ الله﴾: مصدرٌ مضافٌ لفاعِلِه، ومفعولُه
محذوفٌ لفَهْم المعنى، أي: نَصْرُ اللَّهِ إياك والمؤمنين. وكذلك مفعولَيْ(١)
((الفتح)) ومُتَعَلَّقَهُ. والفتح، أي: فَتْحُ البلادِ عليك وعلى أمتِك.
أو المقصود : إذا جاء هذان الفعلان، مِنْ غير نظرٍ إلى متعلَّقَيْهما كقوله:
((أمات وأَخيا)(٢). وأل في الفتح عِوَضٌ مِنْ الإِضافة، أي: وفَتْحُه، عند
الكوفيين، والعائدُ محذوفٌ عند البصريين، أي: والفتحُ مِنْه، للدلالةِ على
ذلك. والعاملُ في ((إذا)): إمَّا ((جماء)) وهو قولُ مكي(٣)، وإليه نحا
الشيخ(٤) ونَضَرَه في مواضعَ. وقد تقدَّم ذلك كما نَقَلْتُه عن مكيّ وعنه.
والثاني: أنه ((فَسَبِّحْ))، وإليه نحا الزمخشريُّ(٥) والحوفيُّ. وقد رَدَّ الشيخُ(٦)
عليهما: بأنَّ ما بعد فاءِ الجواب / لا يعملُ فيما قبلَها. وفيه بحثٌ تقدَّم [٩٣١/ ب]
بعضُه في سورةِ ((والضُّحى)).
(١)
أي: حَذَفَ.
الآية ٤٤ من النجم.
(٢)
إعراب المشكل ٥٠٦/٢.
(٣)
(٤)
البحر ٨/ ٥٢٣.
الكشاف ٤/ ٢٩٣.
(٥)
البحر ٥٢٣/٨.
(٦)
١٣٩

- النصر-
آ. (٢) قوله: ﴿يَدْخُلون﴾: إمَّا حالٌ إنْ كان ((رَأَيْتَ)) بَصَريةً
وفي عبارة الزمخشري(١): ((إنْ كانَتْ بمعنى أَبْصَرْتَ أو عَرَفْتَ)). وناقشه
الشيخُ (٢): بأنَّ رَأَيْتَ لا يُعْرَفُ كونُها بمعنى عَرَفْتَ. قال: ((فِيَحْتاج في
ذلك إلى استثباتٍ، وإمَّا مفعولٌ ثانٍ إن كانت بمعنىُ عَلِمْتَ المتعدية
الاثنين. وهذه قراءةُ العامَّةِ أعني: يَدْخُلون مبنياً للفاعل. وابن كثير(٣) في
روايةٍ ((يُدْخَلون)) مبنياً للمفعول و ((في دين)) ظرفٌ مجازيٍّ، وهو مجازٌ
فصیحٌ بليغٌ هنا.
قوله: ((أفواجاً) حالٌ مِنْ فاعل ((يَذْخُلون)). قال مكي(٤): ((وقياسُه
أفْوُج. إلاَّ أنَّ الضمةَ تُسْتثقلُ في الواوِ، فشَبَّهوا فَعْلا يعني بالسكونِ بِفَعَلَ
يعني بالفتح، فجمعوه جَمْعَه)) انتهى. أي: إِنَّ فَعْلاً بالسكون قياسُهِ أَفْعُل
كَفَلْس وأَقْلُس، إلَّا أنه اسْتُثْقِلت الضمةُ على الواو فجمعوه جَمْعَ فَعَلْ
بالتحريكِ نحو: جَمَّل وأَجْمال؛ لأنَّ فَعْلاً بالشُّكون على أَفْعال ليسُ
بقياس إذا كان فَعْلٌ صحيحاً نحو: فَرْخ وأفراخ، وزَنْد وأزنادٍ، ووردَتْ
منه ألفاظٌ كثيرةٌ، ومع ذلك فلم يَقيسوه، وقد قال الحوفيُّ شيئاً مِنْ هذا.
قوله: ((بحمِدِ ربِّك)) حالٌ، أي: مُلْتبساً بحمده، وتقدَّم تحقيقُ هذا
في البقرة عند قوله: ((ونحن نُسَبِّح بحمدِك))(٥).
[تمت بعونه تعالى سورة النصر]
(١) الكشاف ٤/ ٢٩٤.
(٢) البحر ٨/ ٥٢٣.
(٣) البحر ٥٢٣/٨.
(٤) إعراب المشكل ٥٠٦/٢.
(٥): الآية ٣٠ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٢٥٦/١.
١٤٠