النص المفهرس

صفحات 81-100

/ سورة العاديات
[٩٢٥/ أ]
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿العادِياتِ﴾: جمعُ ((عادِيَة))، وهي الجارِيَةُ
بسُرعةٍ، من العَدْوِ، وهو المَشْيُ بسُرْعةٍ. والياءُ عن واوٍ لكَسْرِ ما قبلها
نحو: الغازِيات من الغَزْوِ. يُقال: عَدا يَعْدُو عَدْواً، فهو عادٍ، وهي
عادِيَةٌ، وقد تقدَّمَ هذا في المؤمنين(١).
قوله: ((ضَبْحاً)) فيه أوجهٌ. أحدُها: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لاسم الفاعلِ؛
فإنَّ الضَّبْحَ نوعٌ من السيرِ والعَذْرِ كالضَّبْع. يقال: ضَبَحَ الفَرَسُ وضَبَعَ،
إذا عدا بشدةٍ، أَخْذاً مِن الضَّبْع، وهو الذُّرَاعِ لأنه يَمُدُّه عند العَدْوِ، وكأنَّ
الحاءَ بدلٌ من العين. وإلى هذا ذهب أبو عبيدةً(٢) والمبردُ. قالا: الضَّبْحُ
مِنْ إضباعِها في السَّيْرِ. وقال عنترةً (٣):
٤٦١٧- والخيلُ تعلَمُ حين تَضْـ
بَحُ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحاً
(١) انظر إعرابه للآية ٧.
مجاز القرآن ٣٠٧/٢.
(٢)
ديوانه ٣٣٣، واللسان (ضبح).
(٣)
٨١

--
- العاديات -
الثاني: أنه مصدرٌ في موضعِ الحالِ، أي: ضابحاتٍ، أو ذوي
ضَبْح. والضَّبْحُ: صوتٌ يُسْمَعُ مِنْ صدورِ الخيلِ عند العَدْوِ، ليس
بصَهِيلٍ. وعن ابن عباس: أنه حكاه فقال: أخْ أخْ. ونُقْل عنه: أنه
لم يَضْبَحْ من الحيوان غيرُ الخيلِ والكَلْبِ والثعلبِ. وهذا يَنْبغِي أَنْ
لا يَصِحَّ عنه، فإنه رُوي أنه قال: سُئِلْتُ عنها ففَسَّرْتُها بالخيل. وكان عليّ
رضي الله عنه تحب سِقاية زمزم فسأله، وذَكَر له ما قلتُ. فدعاني فلمَّا
وقفْتُ على رأسِه قال: ((تُفْتي الناسَ بغيرِ علمٍ، إنَّها لأولُ غزوةٍ في
الإِسلام وهي بدرٌ، ولم يكن معنا إلَّ فَرَسان: فرسٌ للمِقْداد، وفرسٌ
للزُّبَيْر. والعادياتِ ضَبْحاً: الإِبلُ مِنْ عرفَةً إلى المزدلفةِ، ومن المزدلفةِ
إلى مِنى)). إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ(١) قال بعد ذلك: ((فإنْ صَحَّتِ الروايةُ فقدٍ
اسْتُغير الضَّبْحُ للإِبِل، كما اسْتُعير المَشافِرُ والحافِرُ للإِنسان، والشَّفتان
للمُهْر)». ونَقَل(٢) غيرُه أن الضَّبْحَ يكونُ في الإِبلِ والأسْوَدِ مَن الْحَيَّاتِ
والبُومِ والصَّدَى والأرنبِ والثعلبِ والقوس. وأنشد أبو حنيفةَ في صفةٍ
قَوْس(٢).
٤٦١٨- حَتَّانَةٌ مِنْ نَشَمِ أو تالبٍ
تَضْبَحُ في الكَفِّ ضُباحَ الثعلبِ
وعندي أنَّ هذا مِن الاستعارةِ. ونَقَلَ أهلُ اللغةِ أنَّ أصلَ الضَّبْحِ في
الكشاف ٢٧٨/٤.
(١)
(٢). انظر: اللسان (ضبح)
(٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان (ضبح)، والمحرر ٣٥٣/١٦، والبحر
٥٠٢/٨. والنشم: شجر جبلي تتخذ منه القسيُّ.
٨٢

- العاديات -
الثعلبِ فاسْتُعير للخيلِ، وهو مِنْ ضَبَحَتْه النارُ: أي غَيَّرت لونَه ولم تُبَالِغْ
فيه. والضَّبْحُ لونٌ يُغَيِّرُ إلى السواد قليلاً.
الثالث من الأوجه: أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ مقدرٍ، أي: تَضْبَحُ
ضَبْحاً. وهذا الفعلُ حالٌ من ((العاديات)).
الرابع: أنَّه منصوبٌ بالعادِيات، وإنْ كان المرادُ به الصوتَ. قال
الزمخشري(١): ((كأنَّ قيل: والضَّابحاتِ لأنَّ الضَّبْحَ يكون مع العَدْوِ)). قال
الشيخ(٢): ((وإذا كان الضَّبْحُ مع العَذْرِ فلا يكون معنى ((والعادياتِ)):
والضَّابحاتِ فلا ينبغي أن يُفَسَّرَ به)). قلت: لم يَقُلْ الزمخشريُّ أنه بمعناه،
وإنما جعله منصوباً به؛ لأنه لازمٌ له لا يُقارِقُه فكأنَّه ملفوظٌ به. وقوله:
(كأنه قيل)) تفسيرٌ للتلازُمِ، لا أنه هو هو.
آ. (٢) قوله: ﴿قَدْحاً﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً مؤكِّداً؛ لأنَّ
الإِيراء (٣) من القَدْح يقال: قَدَحَ فَأَوْرَى. وقَدَح فَأَصْلَدَ. ويجوزُ أَنْ يكونَ
حالاً فالمعنى: قادحاتٍ، أي: صاكَّاتٍ بحوافِرِها ما يُؤْرِي النارَ يُقال:
((قَدَحْتُ الحجرَ بالحجرِ))، أي: صَكَكْتُه به. وقال الزمخشري(٤): ((انتصَبَ
بما انتصَبَ به ضَبْحاً)». وكان جَوَّزَ فِي نَصْبِهِ ثلاثةَ أوجهٍ: النصبَ بإضمارِ
فعلٍ، والنصبَ باسم الفاعلِ قبلَه، لأنه مُلازِمُه، والنصبَ على الحال.
وتُسَمَّى تلك النارُ التي تَخْرُج من الحوافرِ نارَ الحُباحِب. قال(٥):
(١) الكشاف ٤/ ٢٧٧.
(٢)
البحر ٨/ ٥٠٤.
(٣)
الإيراء: مصدر أورئ.
الكشاف ٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٤)
تقدم برقم ٢٧٦٦ .
(٥)
٨٣

- العاديات -
٤٦١٩- تَقُدُّ السُّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ
وتُوْقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ
آ. (٣) قوله: ﴿فالمُغيراتِ صُبْحاً﴾: صُبْحاً: ظرفٌ، أي:
التي تُغير وقتَ الصبح يقال: أغارَ يُغير إغارةٌ إذا باغَتَ عَدُوَّه لِنَهْبٍ
أو قَتْلٍ أو أَسْرٍ قالَ(١):
٤٦٢٠- فَلَيْتَ لي بهمُ قوماً إذا رَكِبوا
شَكُوا الإِغارةَ فُرْساناً ورُكْبانا
و((غار)) لُغَيَّةٌ، وأغار وغارَ أيضاً: نَزَل الغَوْرَ وهو المُنْهَبَطُ من
الأرض. واختلف الناسُ في موصوفاتِ هذه الصفاتِ أعني العاديات
وما بعدها فقيل: الخيلُ، أي: والخيلِ العادياتِ، فالمُورياتِ،
فالمُغيراتِ. ونظيرُ العطفِ هنا كالعطفِ في قولِه(٢):
٤٦٢١ - يا لَهْفَ زيَّابةَ لِلحارِث الـ
...
صابحٍ فالغانِمِ فَالْآَئِبِ
وتقدَّم تقريرُهُ أولَ البقرة (٣). وقيل: / التقديرُ: والإِبلِ العادياتِ مِنْ
عرفةَ إلى مزدلفةَ، ومِنْ مزدلفةَ إلى مِنى، كما تقدَّم عن أمير المؤمنين.
ويَدُلُّ له قولُ صفيَّةَ بنتِ عبد المطلب(٤).
[٩٢٥/ ب]
(١)
تقدم برقم ٨.
(٢)
تقدم برقم ١٢٢ .
انظر: الدر المضون ١ / ٩٧.
(٣)
تفسير الماوردي ٤/ ٥٠٠، والبحر ٥٠٣/٨.
(٤)
٨٤

- العاديات -
٤٦٢٢- أمَا والعادياتِ غَداةَ جَمْعٍ
بأَيْدِيها إذا سَطَع الغُبارُ
وقيل: ((فالموريات))، أي: الجماعةُ التي تَمْكُرُ في الحرب. تقول
العرب: لَأُوْرِيَنَّ لك، أي: لِأَمْكُرَنَّ بك.
آ. (٤) قوله: ﴿فَأَثَرْن﴾: عَطَفَ الفعلَ على الاسم؛ لأنَّ
الاسمَ في تأويل الفعلِ لوقوعِه صلةً لـ أل. قال الزمخشري(١): ((معطوفٌ
على الفعلِ الذي وُضِعَ اسمُ الفاعلِ موضعَه)» يعني في الأصل، إذ الأصلُ:
واللاتي عَدَوْنَ فَأَوْرَيْنَ فَأَغَرْنَ فَأَثَرْنَ.
قوله: (به)» في الهاء أوجهٌ. أحدُها: أنها ضميرُ الصُّبح، أي: فَأَثَرْنَ
في وقتِ الصُّبح غُباراً. وهذا حَسَنٌ؛ لأنه مذكورٌ بالصَّريح. الثاني: أنه
عائدٌ على المكانِ، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ؛ لأنَّ الإِثارةَ لا بُدَّ لها من مكان،
فالسِّياقُ والفعلُ يَدُلَن عليه. وفي عبارةِ الزمخشريٌّ(٢): ((وقيل: الضمير
لمكان الغارة». هذا على تلك اللُّغَيَّةِ، وإلاَّ فالفصيحُ أَنْ يقولَ:
الإِغارة (٣). الثالث: أنَّه ضميرُ العَذْوِ الذي دَلَّ عليه ((والعادياتِ».
وقرأ العامَّةُ بتخفيفِ الثاءِ، مِنْ أثار كذا: إذا نَشَره وفَرَّقه مع
ارتفاعٍ. وقرأ(٤) أبو حَيْوَةَ وابن أبي عبلة بتشديدها، وخَرَّجه الزمخشريُّ(٥)
(١) الكشاف ٢٧٨/٤.
(٢)
الكشاف ٢٧٨/٤ .
لأن المؤلف سبق أن أثبت «أغار)) فمصدرها الإغارة، وحكم على ((غار» بأنها
(٣)
ليست فصيحة، ومصدرها الغارة.
المحتسب ٣٧٠/٢، والبحر ٥٠٤/٨.
(٤)
(٥) الكشاف ٢٧٨/٤ .
٨٥

۔ العادیات ـ
على وجهَيْن: الأولُ بمعنىُ فأَظْهَرْنَ به غباراً؛ لأنَّ التأثير فيه معنى
الإِظهارِ. والثاني أنه قَلَبَ (ثَوَّرْنَ)) إلى ((وَثَّرْنَ)) وقَلَبَ الواوَ همزةٌ.
انتهى. قلت: يعني أنَّ الأصلَ: ثَوَّرْنَ، مِنْ ثَوَّر يُثَوِّرُ بالتشديد. عَذَّاه
بالتضعيف كما يُعَدَّى بالهمزة في قولِك: أثاره، ثم قَلَبَ الكلمةَ؛ بأنْ
جَعَلَ العينَ وهي الواوُ موضعَ الفاء، وهي الثاءُ، فصارت وَثَّرْنَ، ووزنُها
حينئذٍ عَفَّلْنَ، ثم قَلَبَ الواوَ همزةً، فصار ((أَثَّرْنَ)). وهذا بعيدٌ جداً. وعلى
تقديرِ التسليمِ فَقَلْبُ الواوِ المفتوحةِ همزةٌ لا يَنْقاس إنما جاءت منه
أُلَيْفاظُ: كَأَحَدٍ وَنَاٍ(١). والنَّقْعُ: الغبار. وأُنْشِد(٢):
٤٦٢٣- يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتطارِ النَّقْع داميةً.
كأنَّ آذانَها أطرافُ أَقْلامِ
.--
۔۔
وقال ابن رواحة (٣):
٤٦٢٤ - عَدِمْتُ بُنَِّي إِنْ لَمْ تَرَؤها
تُثير النَّفْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَداءٍ
وقال أبو عبيد: ((الثّقْعُ رَفْعُ الصوتِ)) وأَنْشَد(٤).
(١) انظر: الممتع ٣٣٥.
لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٥٠٣/٨، والمحرر ٣٥٤/١٦.
(٢).
(٣)
ديوانه ١٥٥، والقرطبي ١٥٨/٢٠.
البيت للبيد وهو في ديوانه ١٩١ . ويحلبوه: يمدوه ويعينوه بحلائب الخيل.
(٤)
والجرس: الصوت. والزجل: الصوت فيه تطريب. أراد كتيبة ذات جرس
وزجل. والمعنى: أنهم إذا ارتفع صوت الصريخ هبوا للنجدة بكتيبة هذا حالها.
والهاء في ((يحلبوها)) للحرب. ورواية الديوان ((يُحلبوه).
٨٦

- العاديات -
٤٦٢٥- فمتى يَنْقَغْ صُراخٌ صادِقٌ
يُخْلِبُوْها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ
قال الزمخشري(١): ((ويجوزُ أَنْ يُرادَ بالنَّفْع الصياحُ، من قولِه عليه
السلام: ((ما لم يكن نَفْعٌ ولا لَقْلَقَةٌ))(٢). وقولُ لبيد:
فمتىْ يَنْفَعْ صُراخٌ صادِقٌ
أي: هَيَّجْنَ في المَغارِ عليهم صباحاً)) انتهى. فعلى هذا تكون الباءُ
بمعنى ((في)»، ويعودُ الضمير على المكانِ الذي فيه الإِغارةُ، كما تقدَّمَ.
آ. (٥) قوله: ﴿فَوَسَطْنَ﴾: العامَّةُ على تخفيفِ السينِ، أي:
تَوَسَّطْنَ. وفي الهاءِ في ((به)) أوجهٌ، أحدُها: أنها للصبح، كما تقدَّم.
والثاني: أنها للنَّفْعِ، أي: وَسَطْنَ بالنّفْعِ الجَمْعَ، أي: جَعَلْنَ الغبارَ وَسْطَ
الجمع، فالباءُ للتعدية، وعلى الأولِ هي ظرفيةٌ. الثالث: أنَّ الباءَ
الحاليةِ، أي: فتوَسَّطْن مُلْتبساتٍ بالنقع، أي: بالغبار جمعاً من جموع
الأعداء. وقيل: الباءُ مزيدةٌ، نقله أبو البقاء(٣). و((جَمْعاً)) على هذه
الأوجهِ مفعولٌ به. الرابع: أنَّ المرادَ بـ جَمْع المزدلفةُ وهي تُسَمَّ جَمْعاً.
والمرادُ أنَّ الإِبلَ تتوسّطُ جَمْعاً الذي هو المزدلفةُ، كما مرَّ عن أميرٍ
(١) الكشاف ٢٧٨/٤.
(٢) قولٌ لعمر رضي الله عنه ورد في ترجمة باب ما يُكره من النياحة على الميت
٣٣، من كتاب الجنائز في صحيح البخاري. انظر: الفتح ١٩١/٣. واللقلقة:
الصوت. ونص القول: ((دَعْهُنَّ يبكين على أبي سليمان ... )).
(٣) الإملاء ٢٩٢/٢.
٨٧

- العاديات -
المؤمنين رضي الله عنه، فالمرادُ بالجَمْع مكانٌ لا جماعةُ الناس، كقولٍ
صفية(١):
والعادياتِ غَدَاةَ جَمْعٍ
٤٦٢٦_
وقولِ بشرِ بنِ أبي خازم(٢):
٤٦٢٧- فَوَسَطْنَ جَمْعَهُمُ وأَفْلَتَ حاجبٌ
تحت العَجاجةِ في الغُبارِ الأَقْتَم
و(جَمْعاً) على هذا منصوبٌ على الظرف، وعلى هذا فيكونُ
الضميرُ في ((به)»: إمَّا للوقتِ، أي: في وقت الصبح، وإمَّا للنَّفْع، وتكونُ
الباءُ للحال، أي: مُلْتبساتٍ بالنَّقْع. إلَّ أنه يُشْكِلُ نَصْبُ الظرفِ المختصِّ
إذ كان حَقُّه أَنْ يتعدَّى إليه بـ ((في)). وقال أبو البقاء(٣): ((إنَّ جَمْعاً حالٌ))
وسبقه إليه مكي(٤). وفيه بُعْدٌ؛ إذ المعنى: على أنَّ الخيلَ توسَّطَتْ جَمْعَ
الناس.
وقر(٥) علي وزيد بن علي وقتادة وابن أبي ليلى بتشديد السين،
وهما لغتان بمعنىّ واحدٍ أعني التثقيلَ والتخفيفَ. وقال الزمخشري (٦):
(١)
تقدم برقم ٤٦٢٢.
ديوانه ١٨٢، والبحر ٥٠٤/٨، والمحرر ٣٥٤/١٦. وحاجب بن زرارة رئيس
(٢)
تميم. والأقتم؛ الأسود.
(٣).
الإملاء ٢٩٢/٢.
إعراب المشكل ٤٩٣/٢.
(٤)
المحتسب ٣٧٠/٢، والبحر ٥٠٤/٨، والقرطبي ١٦٠/٢٠.
(٥)
(٦) الكشاف ٢٧٨/٤.
٨٨

- العاديات -
((التشديدُ للتعدية والباءُ مزيدةٌ للتأكيدِ كقوله (١): ((وأُتُوا به مُتَشابهاً)) وهي
مبالَغَةٌ في ((وَسَطْن)) انتهى. وقولُه: ((وهي مبالَغَةٌ)) يناقِضُ قولَه أولاً
(للتعدية))؛ لأن التشديدَ للمبالغة لا يُكْسِبُ الفعلَ مفعولاً آخر تقول:
(ذَبَحْتُ الغنم)) مخففاً ثم تبالِغُ فتقول: ((ذَبَّحْتها)) مثقلاً، وهذا على رأيه
قد جَعَله متعدياً بنفسِه بدليلٍ جَعْلِه الباءِ مزيدةً فلا يكون للمبالغة.
آ. (٦) قوله: ﴿إِنَّ الإِنسانَ﴾: هذا هو المُقْسَم عليه/ [١/٩٢٦]
و ((لرَبُّه)) متعلِّقٌ بالخبرِ، وقُدُمَ للفواصلِ. والكَنُوْدُ: الجَحُوْد. وقيل:
الكَفورُ النعمةِ وأُنْشِد(٢).
٤٦٢٨- كَنُوْدٌ لِنَعْماءِ الرجالِ ومَنْ يَكُنْ
كَنُوْداً لِنَعْمَاءِ الرجالِ يُبَغَّدِ
وعن ابنِ عباس: هو بلسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ العاصي، وبلسان
ربيعةً ومُضَرَ الكَفورُ، وبلسانِ كِنانةَ البخيل. وأنشد أبو زيد(٣):
٤٦٢٩- إنْ تَفُتْني فلم أَطِبْ عنك نَفْساً
غيرَ أنّي أُمْتَى بِدَيْنٍ كُنُودِ
آ. (٨) قوله: ﴿لِحُبِّ﴾: اللامُ متعلِّقَةٌ بـ ((شديدٌ». وفيه
وجهان، أحدهما: أنها المعدِّيةُ. والمعنى: وإنَّه لقَويٌّ مُطيقٌ لِحُبِّ
(١) الآية ٢٥ من البقرة.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٥٠٣/٨، والقرطبي ١٦٠/٢٠. وفي لغات
القبائل لأبي عبيد ٣٣١ أنها لغة كنانة.
(٣) البيت لأبي زبيد الطائي من مرثيته المشهورة، وهو في البحر ٥٠٣/٨،
وجمهرة أشعار العرب ٧٤٣/٢. وأمنى: أُبلى.
٨٩

- العاديات ـ
الخير. يقال: هو شديدٌ لهذا الأمرِ، أي: مُطيقٌ له. والثاني: أنها
للعلةِ، أي: وإنَّه لأجلِ حبُّ المالِ لَبخيلٌ. وقيل: اللامُ بمعنى ((على)).
ولا حاجةَ إليه، وقد يُعَبَّرُ بالشديدِ والمتشدِّدِ عن البخيل قال (١):
٤٦٣٠- [أرى] الموتَ يَعْتامُ الكرامَ ويَصْطَفي
عَقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّدِ
وقال الفراء (٢): ((أصلُ نَظْم الآية أَنْ يقالَ: وإنه لشديدُ الحُبُّ
للخير، فلما قَدَّم: ((الحُبّ)) قال: لشَديد، وحَذَفَ مِنْ آخرِهِ ذِكْرَ «الحُبُّ))؛
لأنه قد جرى ذِكْرُه، ولرؤوس الآي كقوله: ((في يومٍ عاصِفٍ))(٣)
والعُصُوف للريح لا لليوم، كأنه قال: في يومٍ عاصفِ الريحِ)).
آ. (٩) قوله: ﴿إِذا بُعْثِرَ﴾: في العاملِ فيها أوجهٌ أحدُها:
(بُعْثِرَ)) نقله مكي(٤) عن المبرد. وتقدَّم تحريرُ هذا قريباً في السورةِ قبلَها.
والثاني: أنه ما دَلَّ عليه خبرُ ((إنَّ))، أي: إذا بُعْثر جُوزوا. والثالث: أنه
(يَعْلَمُ))، وإليه ذهب الحوفيُّ وأبو البقاء(٥). ورَدَّه مكيّ(٦) قال: ((لأنَّ
الإِنسانَ لا يُرادُ منه العِلْمُ والاعتبارُ ذلك الوقتَ، وإنما يَعْتَبِرُ في الدنيا
ويعلَمُ)). وقال الشيخ(٧): ((وليس بمنَّضِح لأنَّ المعنى: أفلا يعلَمُ الآنَّ.
(١) البيت لطرفة. وهو في ديوانه ٣٦، وجمهرة أشعار العرب ٤٤١. ويعتام:
يختار، والعقيلة: الكريمة .
معاني القرآن ٢٨٥/٣ - ٢٨٦.
(٢)
(٣)
الآية ١٨ من إبراهيم.
إعراب المشكل ٢/ ٤٩٤.
(٤)
(٥)
الإملاء ٢/ ٢٩٢.
(٦)
إعراب المشكل ٢/ ٤٩٤.
البحر ٨/ ٥٠٥.
(٧)
٩٠

- العاديات -
وكان قد قال قبل ذلك: «ومفعولُ يَعْلَمُ محذوفٌ وهو العاملُ في الظرفِ،
أي: أفلا يعلم مآَلَه إذا بُعْثِرَ)) انتهى. فجَعَلَها متعديةً في ظاهرِ قولِه إلى
واحدٍ، وعلى هذا فقد يُقال: إنها عاملةٌ في ((إذا)) على سبيلٍ أنَّ ((إذا))
مفعولٌ به لا ظرفٌ إذ التقديرُ: أفلا يَعْرِفُ وقتَ بَعْثَرَةِ القبورِ. يعني أَنْ يُقِرَّ
بالبعثِ ووقتِهِ، و ((إذا)) قد تصرَّفَتْ وخَرَجَتْ عن الظرفيةِ، ولذلك شواهدُ
تقدَّم ذِكْرُها في غضونِ هذا التصنيفِ. الرابع: أنَّ العاملَ فيها محذوفٌ،
وهو مفعولُ ((يَعْلَمُ))، كما تقدَّم تقريرُه، أي: يعلمُ مآَلَه إذا بُعْثِرَ.
ولا يجوزُ أن يعملَ فيه ((لَخبيرٌ» لأنَّ ما في حَيِّز ((إنَّ) لا يتقدَّمُ عليها.
وقرأ العامَّةُ ((بُعْثِرَ)) بالعين مبنياً للمفعولِ. والموصولُ قائمٌ مقامَ
الفاعلِ. وابن مسعودٍ (١) بالحاء. وقرأ الأسود بن يزيد(٢) ومحمد بن معدان (٣)
(بُحِثَ)) من البحث. ونصر بن عاصم ((بَعْثَرَ)) مبنياً للفاعل وهو اللَّهُ تعالى
أو المَلَكُ. والعامَّةُ ((حُصِّل)) مبنياً للمفعولِ كالذي قبلَه. ويحيى بن يعمر(٤)
ونصرُ بن عاصم وابن معدان ((حَصَّلَ)) مبنياً للفاعلِ. ورُوِي عن ابن يعمرَ
ونصرٍ أيضاً ((حَصَلَ)) خفيفةَ الصادِ مبنياً للفاعل بمعنى: جَمَعَ ما في
الصحفِ تَحَصُّلاً، والتحصيلُ: جَمْعُ الشيء، والحُصولُ اجتماعُه. وقيل:
التحصيلُ التمييزُ. ومنه قيل للمُنْخُل: مُحَصِّل، وحَصَل الشيءُ مخفّفاً:
ظَهَر واستبانَ، وعليه القراءةُ الأخيرةُ.
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٥٠٥/٨، والقرطبي ١٦٣/٢٠، والشواذ ١٧٨.
(٢) الأسود بن يزيد النخعي الكوفي. قرأ على عبد الله بن مسعود. وقرأ عليه
إبراهيم النخعي. توفي سنة ٧٥. انظر: طبقات القراء ١٧١/١ .
(٣) محمد بن معدان بن عيسى. روى عن إبراهيم بن حمزة الزبيدي ذكره ابن حبان
في كتاب الثقات. توفي سنة ٢٥٢. انظر: تهذيب الكمال ١٢٧٤/٣.
(٤) انظر في قراءاتها: البحر ٥٠٥/٨، والقرطبي ١٦٣/٢٠، والشواذ ١٧٨.
٩١

- العاديات
آ. (١١) قوله: ﴿إِنَّ ربَّهم﴾: العامَّةُ على كَسْرِ الهمزة لوجودِ
اللامِ في خبرِها. والظاهرُ أنَّها معلُّقَةٌ لـ ((يَعْلَمُ)) فهي في محلٌ نصب،
ولكن لا يَعْمَلُ في ((إذا)) خبرُها(١) لِما تقدَّم؛ بل يُقَدَّرُ له عاملٌ مِنْ معناه
كما تقدَّم. ويدلُّ على أنها مُعَلِّقَةٌ للعِلْمِ لا مستأنفةٌ قراءةُ أبي السَّمَّال(٢)
وغيرِه ((أنَّ ربَّهم بهم يومئذٍ خبيرٌ)) بالفتح وإسقاطِ اللامِ، فإنَّها في هذه
القراءةِ سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولَيْها. ويُحْكِى عن الخبيثِ الروحِ الحَجَّاج أنه لما
فَتَح همزةَ ((أنَّ)) استدرك على نفسِه فتعمَّد سقوطَ اللامِ. وهذا إنْ صََّ
[٩٢٦/ ب] كُفْرٌ /. ولا يُقالُ: إنها قراءةٌ ثابتةٌ، كما نَقَلْتُها عن أبي السَّمَّالِ،
فلا يكفرُ، لأنه لو قرأها كذلك ناقِلاً لها لم يُمْنَعْ منه، ولكنه أسقطَ اللامَ
عَمْداً إصلاحاً لِلِسانِهِ. وأجمعَ الأمةُ على أنَّ مَنْ زاد حرفاً في القرآن
أو نَّقَصَه عَمْداً فهو كافِرٌ، وإنما قلتُ ذلك لأنِّي رأيتُ الشيخَ قال(٣):
((وقرأ أبو السَّمَّال والحَّاج))، ولا يُحْفَظُ عن الحَجَّاج إلاَّ هذا الأثرُ
السَّوْءُ، والناسُ يَنْقُلونه عنه كذلك، وهو أقلُّ مِنْ أَنْ يُنْقَلَ عنه ..
و((بهم)) و((يومئذٍ)) متعلِّقان بالخبرِ، واللامُ غيرُ مانعةٍ من ذلك،
وقُدِّما لأَجْلِ الفاصلةِ.
[تمَّت بعونه تعالى سورة العاديات]
(١) أي خبر إنَّ وهو ((خبير)) لاقترانه باللام التي لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
(٢) البحر ٥٠٥/٨، والقرطبي ١٦٣/٢٠ .
البحر ٥٠٥/٨
(٣)
٩٢

سورة القارعة
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٢) قوله: ﴿القارِعَةُ ما القارعةُ﴾: كقوله تعالى:
((الحاقَّةُ ما الحاقةُ»(١) وكقوله: ((وأصحابُ اليمينِ ما أصحابُ اليمين)) (٢)
وقد تقدَّما وقد عَرَفْتَ مِمَّا نقله مكي(٣) أنه يجوزُ رَفْعُ ((القارعة)) بفعلٍ
مضمرٍ ناصبٍ لـ (يومَ)). وقيل: معنى الكلام على التحذير. قال
الزجاج(٤): ((والعرب تُحَذِّر وتُغْري بالرفع كالنصبِ. وأنشد(٥):
٤٦٣١ - لَجَديرون بالوفاءِ إذا قا
لَ أخو النجدةِ السّلاحُ السِّلاحُ
قلت: وقد تقدَّم ذلك في قوله: ((ناقةُ الله))(٦) فيمَنْ رفعَه. ويَدُلُّ
(١) الآية ١ - ٢ من الحاقة.
(٢) الآية ٢٧ من الواقعة.
إعراب المشكل ٤٩٥/٢.
(٣)
لم يرد هذا النص في ((معاني القرآن)» له.
(٤)
لم أهتد إلى قائله، وهو في العيني ٣٠٦/٤، والهمع ١٧٠/١، والدرر
(٥)
١٤٦/١.
(٦) الآية ١٣ من الشمس.
٩٣

- القارعة ــ
على ذلك قراءةُ عيسى(١) ((القارعةَ ما القارعةَ)) بالنصب، وهو بإِضمارِ
فعلٍ، أي: احذروا القارعةَ و ((ما)) زائدةٌ. والقارعةُ الثانيةُ تأكيدٌ للأولى.
تأكيداً لفظياً.
آ. (٤) قوله: ﴿يومَ يكونُ﴾: في ناصِهِ أوجهٌ، أحدُها:
مضمرٌ يَدُلُّ عليه ((القارعةُ))، أي: تَقْرَعُهم يومَ يكون. وقيل: تقديرُه: تأتي
القارعةُ يومَ. الثاني: أنَّه ((اذْكُرْ)) مقدَّراً فهو مفعولٌ به لا ظرفٌ. الثالث:
أنَّه ((القارعة)) قاله ابنُ عطية (٢) وأبو البقاء(٣) ومكي (٤). قال الشيخ(٥): ((فإنْ
كان يعني(٦) ابنُ عطيةَ - عنى - اللفظَ الأولَ فلا يجوزُ الفَصْلِ بين
العاملِ، وهو في صلةٍ أل، والمعمولِ بأجنبيٍ وهو الخبرُ، وإن جَعَلَّ
القارعةَ عَلَماً للقيامة فلا يعملُ أيضاً، وإنْ عنى الثاني والثالثَ فلا يَلْتَئِمُ
معنى الظرفيةِ معه)». الرابع: أنه فعلٌ مقدرٌ رافعٌ للقارعةِ الأولى، كأنه
قيل: تأتي القارعةُ يومَ يكون، قاله مكيّ (٧). وعلى هذا فيكونُ ما بينهما
اعتراضاً وهو بعيدٌ جداً منافرٌ لنَظْم الكلام. وقرأ(٨) زيد بن علي ((يومُ)
بالرفع خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: وقتُها يومُ يكونُ.
قوله: ((كالفَرَاشِ)) يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً للناقصةِ، وأَنْ يكونَ حالاً
البحر ٥٠٦/٨، والمحرر ٣٥٦/١٦.
(١)
(٢) المحرر ٣٥٦/١٦.
(٣)
الإملاء ٢٩٣/٢.
إعراب المشكل ٤٩٥/٢.
(٤)
البحر ٥٠٦/٨.
(٥)
((يعني)) هنا مقجمة.
(٦)
(٧)
إعراب المشكل ٤٩٥/٢.
البحر ٥٠٦/٨
(٨)
٩٤

- القارعة -
مِنْ فاعلِ التامَّةِ، أي: يُؤْجَدُون ويُحْشَرونَ شِبْهَ الفَرَاشَ، وهو طائرٌ
معروفٌ. وقيل: هو الهَمَجُ (١) من البعوضِ والجَرادِ وغيرهما. وبه يُضْرَبُ
المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ. يقال (٢): ((أَطْيَشُ مِنْ فَراشة)) وأُنْشد (٣).
٤٦٣٢- فَرَاشَةُ الحُلْمِ فِرْعَوْنُ العذابِ وإِنْ
يُطْلَبْ نَداه فكَلْبٌ دونَه كَلْبُ
وقال آخر (٤):
٤٦٣٣- وقد كانَ أقوامٌ رَدَدْتُ قلوبَهُمْ
عليهم وكانوا كالفَراشِ من الجهلِ
والفراشةُ: الماءُ القليل في الإِناءِ، وفَراشة القُفْلِ لشَبَهها بالفَراشة.
وفي تشبيه الناس بالفَراشِ مبالغاتٌ شتى منها: الطيشُ الذي يَلْحَقُهم،
وانتشارُهم في الأرض، ورُكوبُ بعضِهم بعضاً، والكثرةُ والضَّعْفُ والذِّلَّةُ
والمجيءُ مِنْ غيرِ ذَهابٍ، والقَصْدُ إلى الداعي من كل جهةٍ، والتطايرُ إلى
النار. قال جرير(٥):
٤٦٣٤- إنَّ الفرزدقَ ما عَلِمْتَ وقومَه
مثلُ الفَراشِ غَشِيْنَ نارَ المُصْطَلي
الهمج: جمع همَجة وهي ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الماشية.
(١)
(٢)
مثل عربي. انظر: مجمع الأمثال ٤٣٨/١.
(٣)
لم أقف عليه.
لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ١٦٥/٢٠، والبحر ٥٠٦/٨.
(٤)
دیوانه ٤٤٧ ورواية صدره فيه:
(٥)
أَزْرَى بحِلْمِكُم الفیاشُ فأنتمُ
وهو في البحر ٥٠٦/٨، والفياش: المفاخرة.
٩٥

- القارعة -
والعِهْنُ تقدَّم في سأل(١).
ا. (٩) قوله: ﴿فأمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: أي: هالكةٌ، وهذا مَثَلّ (٢).
يقولون لمَنْ هَلَكَ: ((هَوَتْ أُّه)) لأنه إذا هَلَكَ سَقَطَتْ أُّه تُكْلاّ وحُزْناً.
وعليه قولُ الشاعر(٣):
٤٦٣٥- هَوَتْ أُه ما يَبْعَثُ الصبحُ غادياً
وماذا يَرُدُّ الليلُ حين يَؤُوبُ
وقر(٤) طلحة ((فإنُّه)) بكسرٍ الهمزة. نَقَل ابنُ خالَوَيْه عن ابنِ دريد(٥)
أنها لغةٌ. والنحويُون لا يُجيزون ذلك إلاّ إذا تقدَّمها كسرةٌ أو ياءٌ. وقد
تقدَّم تحقيقُ هذا في سورةِ النساء (٦)، واختلافُ القُرَّاء فيه.
آ. (١٠) قوله: ﴿ماهِيَه﴾: مبتدأ وخبرٌ سادَّان مَسَدَّ المفعولَيْن
لـ ((أَدْراك)» وهو من التعليقِ و ((هي)) ضميرُ الهاويةِ، إنْ كانت الهاويةُ كمَا
قيل اسماً لـ دَرَكَةٍ مِنْ دَرَكاتِ النار، وإلَّ عادَتْ على الداهية المفهومةِ من
الهاويةِ. وأسقط(٧) هاءَ السكتِ حمزةُ وَصْلاً. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في
الحاقة (٨). و ((نارٌ)) خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هي نارٌ.
[تمَّت بعونه تعالى سورة القارعة]
انظر إعرابه للآية ٩ من المعارج.
(١)
(٢)
مجمع الأمثال ٣٩٠/٢.
البيت من مرثية محمد بن كعب الغنوي. وهو في الأصمعيات ٩٥، وجمهرة
(٣)
أشعار العرب ٧٠١ .
(٤)
البحر ٥٠٧/٨.
الجمهرة له ١/ ٢٠ (أمم).
(٥)
انظر: الدر المصون ٦٠١/٣.
(٦)
السبعة ٦٩٥، والنشر ١٤٢/٢، والقرطبي ١٦٧/٢٠، والحجة ٧٧٠، والبحر
(٧)
٥٠٧/٨، والتيسير ٢٢٥.
انظر إعرابه للآية ٢٨ من الحاقة.
(٨)
٩٦

سورة التكاثر
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٢) قوله: ﴿حتى زُرْتُم﴾: ((حتى)): غايةٌ لقولِه ((أَلْهاكم))
وهو عَطْفٌ علیه.
آ. (٤) قوله: ﴿ثم كلا سوف تعلمون﴾: جعله الشيخُ
جمالُ الدينُ بنُ مالك(١) من التوكيدِ اللفظي مع توسُّط/ حرفِ العطفِ. [١/٩٢٧]
وقال الزمخشري(٢): ((والتكريرُ تأكيدٌ للرَّدْعِ والردِّ عليهم، و((ثم)) دالَّةٌ على
أنَّ الإِنذارَ الثاني أبلغُ من الأولِ وأشدُّ، كما تقولُ للمنصوح: أقولُ لك
ثم أقولُ لك لا تفعَلْ" انتهى. ونُقِل عن عليّ كرَّمَ اللَّهُ وجهَه: ((كلَّ سوف
تعلمون في الدنيا، ثم كلَّ سوف تعلمون في الآخرة)) فعلى هذا يكونُ غيرَ
مكرَّرٍ لحصولِ التغايُرِ بينهما لأجلِ تغايُرِ المتعلَّقَيْنِ. و (ثُمَّ) على بابها من
المُهْلة. وحُذِفَ متعلَّقُ العِلْمِ في الأفعالِ الثلاثةِ لأنَّ الغَرَضَ الفِعْلُ
لا متعلَّقُه. وقال الزمخشري(٣): ((والمعنى: لو(٤) تعلمون الخطأَ فيما أنتم
انظر: شرح الكافية الشافية ١١٨٣/٣.
(١)
(٢)
الكشاف ٢٨١/٤.
الكشاف ٢٨١/٤.
(٣)
الکشاف: (سوف) بدل ((لو).
(٤)
٩٧

- التكاثرت
عليه إذا عانَيْتُمْ ما تَنْقَلبون إليه)). فقَدَّر له مفعولاً واحداً كأنه جَعَله بمعنى
عَرَفَ.
آ. (٥) قوله: ﴿لو تَعْلَمون﴾: جوابُه محذوفٌ، أي: لَفَعَلْتُم
ما لا يُوصف. وقيل: التقديرُ: لَرَجَعْتُمْ عن كُفْرِكم. وعلم اليقين:
مصدرٌ. قيل: وأصلُه: العلمَ اليقينَ، فَأُضيف الموصوفُ إلى صفتِه.
وقيلَ: لا حاجةَ إلى ذلك؛ لأنَّ العِلْمَ يكونُ يقيناً وغيرَ يقينٍ، فَأَضِيفَ إليه
إضافةُ العامِّ للخاصِّ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ اليقينَ أخصُّ.
وقرأ (١) ابن عباس ((أَلْهاكم)) على استفهام التقريرِ والإِنكارِ. ونُقِل
في هذا: المدُّ مع التسهيل، ونُقِلَ فيه تحقيقُ الهمزتَيْن من غيرِ مَدّ.
آ. (٦) قوله: ﴿لَتَرَؤُنَّ﴾: هذا جوابُ قَسَم مقدَّرٍ. وقر(٢)
ابن عامر والكسائي ((لتُرَوُنَّ)) مبنياً للمفعول. وهو منقولٌ مِنْ ((رَأى)) الثلاثي
إلى ((أرى)) فاكتسَبَ مفعولاً آخر فقام الأولُ مقامَ الفاعلِ. وبقي الثاني
منصوباً. والباقون مبنياً للفاعلِ جعلوه غيرَ منقولٍ، فتعدَّى لواحدٍ فقط،
فإنَّ الرؤيةَ بَصَريَّةٍ. وأمير المؤمنين(٣)، وعاصم وابن كثير في روايةٍ عنهما
بالفتح في الأولى والضمِّ في الثانية، يعني ((لَتِّرَوُنَّها)). ومجاهدٍ وابن أبي
عبلة والأشهب بضمها فيهما .. والعامَّةُ على أن الواوَيْن لا يُهْمَزان؛ لأنَّ
(١) البحر ٥٠٨/٨
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٩٥، والحجة ٧٧١، والتيسير ٢٢٥، والبحر
٥٠٨/٨، والنشر ٤٠٣/٢، والقرطبي ١٧٤/٢٠، والمحتسب ٣٧١/٢.
(٣) علي رضي الله عنه.
٩٨

- التكاثر -
حركتَهما عارضةٌ، نَصَّ على عدم جوازِه مكيٍّ (١) وأبو البقاء (٢)، وعَلَّلا
بُعُروضِ الحركةِ(٣).
وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلافٍ عنهما بهمزِ الواوَيْن استثقالاً لضمةٍ
الواوِ. قال الزمخشري(٤): ((وهي مستكرهَةٌ)) يعني لِعُروض الحركةِ عليها،
إلَّ أنَّهم قد هَمَزوا ما هو أَوْلىُ بعَدَمِ الهمزِ من هذه الواوِ نحو: ((اشْتَرَوُا
الضَّلالة»(٥)، هَمَزَ واوَ ((اشتَرَوْا)) بعضُهم، مع أنها حركةٌ عارضةٌ وتزولُ في
الوَقْفِ، وحركةُ هذه الواوِ، وإنْ كانت عارضةً، إلاَّ أنها غيرُ زائلةٍ في
الوقفِ فهي أَوْلَىْ بَهْمزِها.
آ. (٧) قوله: ﴿عينَ اليقين﴾: مصدرٌ مؤكِّدٌ. كأنه قيل: رؤيةً
العينِ، نفياً لتوَهُّمِ المجازِ في الرؤيةِ الأولى. وقال أبو البقاء (٦): ((لأنَّ
رأى وعايَنَ بمعنىٌ)).
[تمَّت بعونه تعالى سورة التكاثر]
إعراب المشكل ٢/ ٤٩٧ .
(١)
(٢)
الإملاء ٢٩٣/٢.
تصريف هذا الفعل ورد في معجم مفردات الإعلال والإبدال ص ٣٨٣: ((أصله
(٣)
قبل التأكيد لَتَزْأَيُوْن، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فالتقى ساكنان
فحذفت الياء فصار: لَتَزْأَوْن، نقلت حركة الهمزة إلى الراء ثم حذفت الهمزة
فصار لتَرَوْن. ثم أكد فاجتمع ثلاثة أمثال فحذفت نون الرفع، فصار لتَرَوْنَّ،
فالتقى ساكنان: الواو والنون الأولى، فحركت الواو بحركة تجانسها وهي الضم
فصار: لتَرَوُنَّ.
(٤)
الكشاف ٤/ ٢٨١.
الآية ١٦ من البقرة. وانظر: الدر ١/ ١٥١.
(٥)
الإملاء ٢٩٣/٢.
(٦)
٩٩