النص المفهرس
صفحات 1-20
الدُُّ المُصُونْ في عُلُمُ الْككِتَابِ المَكْتُون تأليف أَحْمَدبْن يُوسُفْ المَعْرُوفِ بِالسَّمِيْنِ الجَلَبِيّ المتوفى سنة ٧٥٦هـ تحقیق الدّكتور أحمد محَمّد الخراط الأسْنَاذ المُشَارُكِ تَجَامِعَةِ الإمَامْ مَّد بْ سُعُود الإِسلَامَّة المعْهَدِ الَعَالِيْ لِلدّعَوَة الإسلاميّة - المَدِيْنَة المُنُوْرَة اعتمد فيه على نسخة بخط المؤلف الجزء الحادي غير دار القلم مشوع سورة البلد بسم الله الرحمن الرحيم آ. (٢) قوله: ﴿وأنت حِلٌّ بهذا البلدِ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ الجملةَ اعتراضيةٌ على أحد معنَيْن: إمَّا على معنى أنه تعالى أَقْسَمَ بهذا البلدِ وما بعدَه على أنَّ الإِنسانَ خُلِقَ في كَبَدٍ. واعتُرِض بينهما بهذه الجملةِ، يعني ومن المكابَدَةِ أنَّ مثلَكَ على عِظَمِ حُرْمَتِك يُسْتَحَلُ بهذا البلدِ كما يُسْتَحَلُّ الصَّيْدُ في غير الحَرَمِ، وإمَّا على معنىُ أنَّه أَقْسَم ببلدِه على أنَّ الإِنسان لا يَخْلُو مِنْ مَقاساةِ الشدائِد. واعْتُرِض بأَنْ وَعَدَه فتحَ مكة تَتْميماً للتسلية، فقال: وأنت حِلٌّ به فيما تَسْتَقْبِلُ تصنعُ فيه ما تريدُ من القَتْلِ والأَسْرِ، فـ ((حِلٌّ)) بمعنى حَلال، قال معنى ذلك الزمخشري(١). ثم قال: ((فإِنْ قلتَ أين نظيرُ قولِه ((وأنت حِلٌّ)) في معنى الاستقبال؟ قلت: قوله تعالى ((إِنَّك مَيِّتُ وإنهم مَيُون))(٢) ومثلُه واسعٌ في كلام العبادِ تقول لمن تَعِدُهُ الإِكرامَ والحِباء: أنت مُكَرَّمٌ مَحْبُؤٍّ، وهو في كلامِ اللَّهِ تعالى أوسعُ؛ لأنَّ الأحوال المُسْتَقْبَلَةَ عنده كالحاضرَةِ المشاهَدَةِ، (١) الكشاف ٤/ ٢٥٥. (٢) الآية ٣٠ من الزمر. - البلد- وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبالِ، وأنَّ تفسيرَه بالحالِ مُحالٌ، أنَّ السورةَ بالاتفاقِ مكيةٌ، وأين الهجرةُ عن وقتِ نزولِها فما بالُ الفتح؟ وقد ناقشه الشيخ(١) بما لا يَتَّجِهُ، وَرَدَّ عليه قولَه الإِجماعَ على نزولِهَا بِمَكَةَ بخلافٍ حكاه ابنُ عطية(٢). الثاني من الوجَهْين الأوَّلَيْنِ: أنَّ الجملةَ حاليةٌ، أي: لا أُقْسِمُ بهذا البلدِ وأنت حالٌّ بها لِعِظَم قَدْرِك، أي: لا يُقْسِمُ بشيءٍ وأنت أحَقُّ بالإِقسام بك منه. وقيل: المعنى لا أُقْسِم به وأنت مُسْتَحَلٌّ فيه، أي: مُسْتَحَلُّ أَذاك. وتقدَّم الكلام في مثلِ ((لا)) هذه المتقدِّمةِ فِعْلَ القسمِ(٣). آ. (٣) قوله: ﴿وما وَلَدَ﴾: قيل: ((ما)) بمعنى «مَنْ)). وقيل: مصدريةٌ. أَقْسَم بالشخص وفِعْلِه. وقال الزمخشري (٤): ((فإنْ قلتَ: هَلَّ قيل: ومَنْ وَلَدَ. قلت: فيه ما في قولِه ((واللهُ أعلمُ بما وَضَعَتْ))(٥)، أي: بأيٌّ شيءٍ وَضَعَتْ، أي: موضوعاً عجيبَ الشأن)). وقيل: ((ما)) نافيةٌ فتحتاج إلى إضمارِ موصولٍ، به يَصِحُّ الكلامُ تقديره: والذي ما وَلَدَ؛ إذ المرادُ بالوالد مَنْ يُؤْلِدُ له، وبالذي لم يَلِدْ العاقرُ، قال: معناه ابنُ عباس وتلميذُه ابنُ جُبير وعكرمة. · ٢. (٤) قوله: ﴿لقد خَلَقْنَا﴾: هذا هو المُفْسَمُ عليه/ والكَبَدُ: المَشقةُ. قال الزمخشري(٦): ((وأصلُهُ مِنْ كَبِدَ الرجلُ كَبَداً فهو أكيدُ، إذا [٩١٦/ ب] (١) البحر ٤٧٤/٨ . (٢). المحرر ٣٠٣/١٦. انظر إعرابه للآية ١ من القيامة. (٣). (٤) الكشاف ٤/ ٢٥٥. (٥) الآية ٣٦ من آل عمران. الكشاف ٤/ ٢٥٥. (٦). .. . ٦ - البلد - وَجِعَتْ كَبِدُه وانتفخَتْ، فاتُّسِعَ فيه حتى اسْتُعْمِلَ في كلِّ نَصَبٍ ومشقةٍ، ومنه اشْتُقَّت المكابَدَةُ، كما قيل: كَبَته، بمعنى أهلكه، وأصلُه كَبَدَه، أي: أصاب كَبِدَه. قال لبيد (١): ٤٥٧٣- يا عَيْنُ هَلَّ بَكَيْتِ أَرْبَدَ إذ قُمْنا وقام الخُصومُ في كَبَدٍ أي: في شِدَّةِ الأمرِ وصعوبةِ الخَطْبِ. وقال ذو الإصبَعَ(٢): ٤٥٧٤- ليَ ابنُ عَمّ لَوَأَنَّ الناسَ في كَبَدٍ لظلَّ مُخْتَجِراً بالنَبْلِ يَرْمِيْني آ. (٦) قوله: ﴿يقول أَهْلَكْتُ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةً، وأنْ تكونَ حالاً. وقرأ العامَّةُ (لُبَدا)) بضمِّ اللام وفتح الباءِ. وشَذَّد(٣) أبو جعفر الباءَ، وعنه أيضاً سكونُها. ومجاهد وابن أبي الزناد بضمتين، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه اللفظةِ(٤) والاختلافُ فيها في الجنّ. آ. (٩) قوله: ﴿شَفَتَيْنِ﴾: الشَّفَةُ محذوفةُ اللام، والأصلُ شَفَهة(٥)، بدليل تصغيرِها على شُفَيْهَة، وجَمْعِها على شِفاه، ونظيرُه سَنَة (١) ديوانه ١٦٠، واللسان ((كبد)) برواية قريبة. (٢) البيت في المحرر ٣٠٤/١٦، والبحر ٤٧٣/٨، والأصل ((أبو الإصبع)) ولعل ما أثبتاه هو الصواب، لأنه ذو الإصبع العَذْواني حُرثان بن الحارث الحكيم. انظر في ترجمته: الخزانة ٤٠٨/٢ . انظر في قراءاتها: النشر ٤٠١/٢، والإتحاف ٢/ ٦١٠، والقرطبي ٦٤/٢٠، (٣) والمحتسب ٣٦١/٢، والبحر ٤٧٦/٨ . (٤) انظر إعرابه للآية ١٩ من الجن. (٥) قال في اللسان ((شفه)): ((وزعم قوم أن الناقص من الشفة واو، لأنه يقال في الجمع شفوات». ٧ - البلدة في إحدى اللغتين(١). وشافَهْتُه، أي: كلَّمْتُه من غير واسطةٍ، ولا يُجمع بالألفِ والتاءِ استغناءً بتكسيرِها عن تَصْحيحِها. آ. (١٠) قوله: ﴿النَّجْدَيْنِ﴾: إمَّا ظرفٌ، وإمَّا على خَذْفِ الجارِّ إنْ أُريد بهما النَّدْيان (٢)، والنَّجْدُ في الأصل: العُنُقُ لارتفاعِه. وقيل: الطريقُ العالي، كقولِ امرىءِ القيس (٣). ٤٥٧٥_ فريقانٍ منهمْ قاطعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ وآخرُ منهمْ جازِعٌ نَجْدَ كَبْكَبٍ ومنه ((نَجْدٌ)) لارتفاعِها عن تِهامةً. آ. (١١) قوله: ﴿فلا أَقَتَحَمَ﴾: قال الفراء(٤) والزجَّاج(٥). (ذَكَر ((لا)) مرةً واحدةً، والعربُ لا تكادُ تُفْرِدُ ((لا)) مع الفعل الماضي حتى تُعِيْدَ، كقوله تعالى: ((فلا صَدَّق ولا صَلَّى))(٦)، وإنما أفردَها لدلالةِ آخرِ الكلام على معناه فيجوزُ أَنْ يكونَ قولُه: ((ثم كان مِنْ الذين آمنوا)»(٧) قائماً مقام التكرير (٨)، كأنه قال: فلا اقتحم العقبةَ ولا آمَنَ)). وقال (١) اللغة الثانية: شنو. (٢) انظر: اللسان (نجد)» والقرطبي ٦٥/٢٠. (٣) ديوانه ٤٣. كيكب: اسم جبل. (٤) معاني القرآن له ٢٦٤/٣. معاني القرآن له ٣٢٩/٥. (٥) الآية ٣١ من القيامة .. (٦). (٧) في الآية ١٧ .. قال الفراء: ((فكأنه كان في أول الكلام: فلا فعل ذو ولاذا ولاذا». (٨) ٨ - البلد- الزمخشري(١): ((هي متكررةٌ في المعنى؛ لأنَّ معنى «فلا اقتحمَ العقبةَ)): فلا فَكَّ رقبةً ولا أطعمَ مِسْكيناً، ألا ترى أنه فَسَّر اقتحامَ العقبةِ بذلك)). قال الشيخ(٢): ((ولا يَتِمُّ له هذا إلَّ على قراءةِ ((فَكَّ)) فعلاً ماضياً)). آ. (١٣) وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائيُّ ((فَكَّ)) فعلاً ماضياً(٣)، ((رقبةً) نصباً، ((أو أَطْعم)) فعلاً ماضياً أيضاً. والباقون ((فَكُ)) برفع الكاف اسماً، ((رقبةٍ)) خَفْصٌ بالإِضافة، ((أو إطعامٌ)) اسمٌ مرفوعٌ أيضاً. فالقراءةُ الأولى الفعلُ فيها بَدَلٌ مِنْ قولِه («اقتحمَ)) فهو بيانٌ له، كأنَّ قيل: فلا فَكَّ رقبةً ولا أطعَمَ، والثانيةُ يرتفع فيها ((فَكُّ)) على إضمار مبتدأ، أي: هو فَكُّ رقبة أو إطعامٌ، على معنى الإِباحة. وفي الكلامِ حَذْفُ مضافٍ دَلَّ عليه ((فلا اقتحمّ)) تقديرُه: وما أدراك ما اقتحامُ العقبة؟ فالتقدير: اقتحامُ العقبة فكُّ رَقَبَة أو إطعامٌ، وإنما احْتيج إلى تقديرِ هذا المضافِ ليتطابقَ المفسِّر والمفسَّر. ألا ترى أنَّ المفسِّر - بكسرِ السين - مصدرٌ، والمفسَّر - بفتح السينِ - وهو العقبةُ غيرُ مصدر، فلو لم نُقَدِّرْ مضافاً لكان المصدرُ وهو ((فَكُ)» مُفَسِّراً للعين، وهو العقبةُ. وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء ((فَكَّ أو أطعمَ)) فعلَيْن كما تقدَّم، إلاَّ أنهما نصبا ((ذا)) بالألف. وقرأ الحسن (إطعامٌ)) و((ذا)) بالألفِ أيضاً وهو على هاتَيْنِ القراءَتَيْن مفعولُ ((أَطْعم)) أو ((إطعامٌ))، و((يتيماً)) حينئذٍ بدلٌ منه أو نعتٌ له. وهو في قراءةِ العامَّةِ ((ذي)) بالياء نعتاً لـ ((يوم)) على سبيل (١) الكشاف ٢٥٦/٤. (٢) البحر ٤٧٦/٨ . انظر في قراءاتها: السبعة ٦٨٦، والقرطبي ٧٠/٢٠، والنشر ٤٠١/٢، والتيسير ٢٢٣، والبحر ٤٧٦/٨، والحجة ٧٦٤. (٣) ٩ - البلدي المجاز، وُصِفَ اليَومُ بالجوعِ مبالغةً كقولهم: («ليلُك قائمٌ ونهارُك صائمٌ)) والفاعلُ لإطعام محذوفٌ، وهذا أحدُ المواضع التي يَطَرِدُ فيها حَذْفُ الفاعلِ وحدَه عند البصريين وقد بيَّنْتُها مُسْتوفاةً ولله الحمدُ. والمَسْغَبَةُ: الجوعُ مع التعبِ، وربما قيل في العطش مع التعب، قاله الراغب(١). يُقال منه: سَغِبَ الرجل يَسْغَبُ سَغْباً وسُغُوباً فهو ساغِبٌ وسَغْبانُ والْمَسْغَبَةُ مَفْعَلَة منه، وكذلك المَتْرَبَةُ من التراب. يقال: تَرِب، أي: افتقر حتى لَصِقَ جِلْدُه بالتراب. فأمَّا أَتْرَبَ بالألف فبمعنى استغنى نحو: أَثْرى، أي: صار مالُهُ كالتراب وكالثَّرى والمَقْرَبَةُ أيضاً: مَفْعَلَة من القَرابةِ. وللزمخشري(٢) هنا عبارةٌ حلوة قال: ((والمَسْغَبَةُ والمَقْرَبَةُ والمَتْرَبَةُ مَفْعَلات مِنْ سَغِبَ إذا جاع وقَرُبَ في النَّسَب وتَرِبَ إذا افتقر». [٩١٧/أ] آ. (١٧) قوله: ﴿ثم كان﴾: لتراخي الإيمان وتباعدِه في/ الرتبةِ والفضيلةِ عن العِثْقِ والصدقةِ، لا في الوقتِ، لأنَّ الإِيمانَ هو السّابقُ ولا يَثْبُتُّ عَمَلٌ إلَّ به، قاله الزمخشري(٣). وقيل(٤): المعنى على: ثم كان في عاقبةٍ أَمْرِهِ من الذين وافَوْا الموتَ على الإِيمان لأنَّ الموافاةَ. عليه شرط في الانتفاع بالطاعاتِ. وقيل: التراخي في الذِّكْرِ(٥). وتقدَّم تفسیرُه. : (١) المفردات ٢٣٣ الكشاف ٢٥٦/٤. (٢) (٣) الكشاف ٤/ ٢٥٧ . (٤) انظر: البحر ٤٧٦/٨. قال أبو حيان: ((كأنه قيل: ثم اذكر أنه كان من الذين امنوا ... ». (٥) ١٠ - البلد - آ. (٢٠) قوله: ﴿مُؤْصَدَة﴾: قرأ أبو عمروٍ وحمزة وحفص(١) بالهمز، والباقون بالواو، وكذا في «الهُمَزة))(٢) فالقراءةُ الأولى من آصَدْتُ البابَ، أي: أَغْلَقْته أُوْصِدُه فهو مُؤْصَدٌ. قيل: ويُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ أَوْصَدْتُ، ولكنه هَمَزَ الواوَ الساكنةَ لضمةِ ما قبلَها كما هَمَزَ «بالسُّؤْقِ والأعناقِ))(٣) كما تقدَّم. والقراءةُ الثانيةُ أيضاً تحتمل المادتَيْن، ويكون قد خُفْفَتِ الهمزةُ لسكونها بعد ضمة. وقد نَقَل الفراء (٤) عن السوسيِّ الذي قاعدتُهُ إبدالُ مثلِ هذه الهمزةِ أنه لا يُبْدِلُ هذه بعد ضمةٍ، وعَلَّلوا ذلك بالالتباس. واتفق أنه قد قَرَأْ ((مُؤْصَدة)) بالواوِ مَنْ قاعدتُه تحقيقُ الهمزةِ، والظاهرَ أنَّ القراءتَين من مادتين: الأولى مِنْ آصَدَ يُؤْصِد كأَكْرَم يُكْرِمِ، والثانية مِنْ أَوْصَدَ يُوصِدُ، مثلَ أَوْصَلَ يُوصِلُ. قال الشاعر(٥): ٤٥٧٦- تَحِنُّ إلى أجْبالِ مكةً ناقتي ومِنْ دونِها أبوابُ صنعاءَ مُوْصَدَهْ أي: مُغْلَقة. وقال آخر (٦): ٤٥٧٧- قوماً يُعالِجُ قُمَّلاً أبناؤُهمْ وسلاسِلاً حِلَقاً وباباً مُؤْصَدا (١) السبعة ٦٨٦، والنشر ٣٩٠/١، والحجة ٧٦٦، والبحر ٤٧٦/٨، والتيسير ٢٢٣، والقرطبي ٧٢/٢٠. (٢) الآية ٨ ((إنها عليهم مُؤْصَّدة)). (٣) الآية ٣٣ من ص وهي قراءة والهمز قراءة ابن كثير. السبعة ٥٥٣, (٤) لم يزد في معاني القرآن على رواية الهمز وغير الهمز. لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٧٢/٢٠، والبحر ٤٧٣/٨. (٥) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ٢٣١. واللسان ((قمل»، والبيت في هجاء قبيلة (٦) إیاد . ١١ - البلدلي وكان أبو بكرٍ راوي عاصمٍ يكره الهمزةَ في هذا الحرفِ، وقالٍ رحمه الله: ((لنا إمامٌ يَهْمز ((مؤصدة)) فأشتهي أن أَسُدَّ أُذُني إذا سمعتُه)) .. قلت: وكأنه لم يَحْفَظْ عن شيخِه إلَّ تَرْكَ الهمزِ مع حِفْظ حفصٍ إياه عنه، وهو أَضْبَطُ لحرفِه من أبي بكر على ما نقله القُراء، وإن كان أبو بكرٍ أكبرٌ وأتقنَ وأوثقَ عند أهل الحديث. وقوله: ((عليهم نارٌ)) يجوزُ أَنْ تكونَ جملةً مستأنفةٌ، وأَنْ تكونَ خبراً ثانياً، وأن يكونَ الخبرُ وحده ((عليهم)) و((نار)) فاعلٌ بهِ، وهو الأحسنُ. [تمَّت بعونه تعالى سورة البلد] ١٢ سورة الشمس بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿وضُحاها﴾: قد تقدَّم في ((طه)) الكلامُ على هذه المادة (١). وقال المبرد: ((إن الضُّحى والضَّحْوةَ مشتقان من الضَّحِّ وهو النورُ، فأَبْدلت الألفُ والواوُ من الحاءِ». هذا يكادُ يكونُ اختلاقاً على مثلٍ أبي العباس لجلالتِه. آ. (٣) قوله: ﴿جَلَّها﴾: الفاعلُ ضميرُ النهارِ. وقيل: عائدٌ على الله تعالى. والضميرُ المنصوبُ: إمَّا للشمس، وإمَّا للظُّلمةِ، وإمّا للدنيا، وإمَّا للأرضِ. قوله: ((إذا تَلاها))(٢) وما بعده فيه إشكالٌ؛ لأنه إنْ جُعِل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جوابَ لفظاً، وتقديرُه غيرُ صالح، وإنْ جُعِلَ ظرفاً مَخْضاً استدعى عاملاً، وليس هنا عاملٌ إلَّ فعلُ القسم، وإعمالُه مُشْكِلٌ؛ لأنَّ فعلَ القسم حالٌ لأنه إنشاءٌ، و((إذا)) ظرفٌ مستقبلٌ، والحال لا يعملُ انظر إعرابه للآية ٢٠. (١) (٢) عاد إلى الآية ٢. ١٣ - الشمس - في المستقبلِ. وسيأتي جوابُ هذا وتحقيقُه عند ذِكْرِي سَبْرَه وتقسيمه قريباً إن شاء الله تعالى. ويَخُصُ ((إذا)) الثانيةَ وما بعدها إشكالٌ آخرُ ذكره الزمخشري(١) فيه غموضٌ فتنيَّة له قال: «فإن قلتَ: الأمرُ في نصبِ «إذا» مُعْضِلٌ؛ لأنك لا تخلو: إمَّا أَنْ تجعَلَ الواواتِ عاطفةً فتنصِبَ بها وتَجُزَّ فتقعَ في العطفِ على عاملَيْن، وفي نحو قولك: ((مررتُ أمس بزيدٍ واليومَ عمروٍ))، وإمَّا أَنْ تجعلَهُنَّ للقسم فتقعَ فيما اتَّفق الخليلُ وسيبويه على استكراهِه. قلت: الجوابُ فيه أن واوَ القسم مُطَّرَحٌ معها إبرازُ الفعلِ اطٌّراحاً كلياً، فكان لها شأنٌ خلافَ شأنِ الباء حيث أُبْرِزَ معَها الفعلُ وأُضْمِرَ، فكانت الواوُ قائمةً مَقامَ الفعلِ، والباءُ سادَّةٌ مَسَدَّهما معاً،، والواواتُ العواطفُ نوائبُ عن هذه الواوِ فحققن(٢) أَنْ يَكُنَّ عواملَ عملَ الفعلِ والجارِّ جميعاً كما تقول: ((ضربَ زيدٌ عمراً وبكرٌ خالداً) فترفعُ بالواوِ وتنصِبُ، لقيامِها مَقامَ ((ضرب)) الذي هو عامِلُهما)) انتهى. قال الشيخ(٣): ((أمَّا قولُه: ((في واوات العطف: فَتَنْصِبَ بها وتُجرَّ» فليس هذا بالمختار، أعني أَنْ يكونَ حرفُ العطفِ عاملاً لقيامِهِ مَقامَ. العاملِ، بل المختارُ أنَّ العملَ إنما هو للعاملِ في المعطوفِ عليه، ثم إنا: [٩١٧/ب] لا نُشاحُّه (٤) في ذلك. وقوله: ((فتقع / في العطفِ على عاملَيْن)) ليس (١) الكشاف ٢٥٨/٤. (٢) كذا في الأصل والكشاف، وفي نقل أبي حيان عن الكشاف ((فحقُّهن)) وهي الأنسب للسياق. (٣) البحر ٨/ ٤٨٠. (٤) شائً فلان فلاناً: خاصمه. ١٤ - الشمس - ما في الآيةِ من العطفِ على عاملَيْن، وإنما هو مِنْ بابِ عطفِ اسمَيْن: مجرورٍ ومنصوبٍ، على اسمَيْن: مجرورٍ ومنصوبٍ، فحرفُ العطفِ لم يَنُبِ مَنابَ عامِلَيْنِ، وذلك نحوُ قولِك: ((امرُرْ بزيدٍ قائماً وعمروٍ جالساً)) وأنشدَ سيبويهِ في كتابه(١): ٤٥٧٨_ وليس بمعروفٍ لنا أَنْ نَرُدَّها صِحاحاً ولا مُسْتَنكرٍ أن تُعَقَّرا فهذا مِنْ عَطْفِ مجرورٍ ومرفوعٍ، على مجرورٍ ومرفوعٍ، والعطفُ على عاملَيْن فيه أربعةُ مذاهبٌ، ونُسِبَ الجوازُ إلى سيبويهِ. وقوله: وفي قولك: ((مرزْتُ أمسٍ بزيدٍ واليومَ عمروٍ)) هذا المثالُ مُخالِفٌ لما في الآيةِ، بل وزانُ ما في الآية: ((مرَرْتُ بزيدٍ أمس وعمروٍ اليومَ)) ونحن نُجيز هذا. وأمَّا قولُه ((على استكراه)(٢) فليس كما ذَكَر، بل كلامُ الخليلِ يَدُلُّ على المَنْعِ. قال الخليلُ (٣) في قولِه عزَّ وجلّ: ((والليلِ إذا يغشى(٤)، والنهارِ إذَا تجلَّى، وما خَلَقَ الذكر والأنثى)). الواوان الأخيرتان ليستا بمنزلةِ الأولى، ولكنهما الواوانِ اللتان تَضُمَّان الأسماءَ إلى الأسماء في قولِك: ((مررتُ بزيدٍ وعمرو))، والأُولى (٥) بمنزلةِ التاء والباء. وأمَّا قولُه: إنَّ واوَ القسم مُطَّرَحٌ معها إبرازُ الفعلِ اطِّراحاً كلياً» فليس هذا الحكمُ (١) الكتاب ٣٢/١ برواية جر ((مستنكر)). وهو للنابغة الجعدي في ديوانه٥٠، والمقتضب ٤/ ١٩٤. عبارة الزمخشري («فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه». (٢) (٣) الكتاب ١٤٥/٢ - ١٤٦. الآيات ١ - ٢ - ٣ - من الليل. (٤) في قوله «واللیل» . (٥) ١٥ : - الشمس - مُجْمَعاً عليه؛ بل أجازَ ابنُ كَيْسانَ التصريحَ بفعلِ القسمِ مع الواوِ. فتقول: أُقْسِم - أو أَحْلِفُ - واللّهِ لَزيدٌ قائمٌ. وأمَّا قَولُه: ((والواوات العواطفُ نوائبُ عن هذه)) إلى أخره فمبنيٌّ على أَنْ حرفَ العطفِ عاملٌ لنيابِتِهِ منابَّ العاملِ وليس هذا بالمختار)) قال: ((والذي نقوله: إنَّ المُعْضِلَ هو تقديرُ العاملِ في ((إذا)» بعد الأقسام، كقوله: ((والنجم إذا هوى))(١) ((والليلِ إذ أدبر))(٢) ((والصبح إِذا أَسْفَرَ)(٣) ((والقمرِ إذا تلاها))(٤) ((والليلِ إذا يَغْشَىْ))(٥) وما أَشْبهها، فإذَا ظرفٌ مستقبلٌ، لا جائزٌ أَنْ يكونَ العاملُ فيه فعلَ القسم المحذوفِ لأنه فعل إنشائيّ فهو في الحال ينافي أَنْ يَعْمَلَ في المستقبل لاختلافِ زمانِ العاملِ وزمانِ المعمولِ. ولا جائز أَنْ يكونَ ثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أُقيم المُقْسَمُ به مُقامه، أي: وطلوع النجمِ ومجيءِ الليلِ؛ لأنه معمولٌ لذلك الفعلِ، فالطلوعُ حالٌ ولا يعملُ في المستقبل (٦). ضرورةَ أنَّ زمان العاملِ زمانُ المعمول. ولا جائزٌ أَنْ يعملَ فيه نفسُ المُقْسَم به؛ لأنهِ ليس من قبيلِ ما يَعْمل، لا سيما إنْ كان جُزْماً. ولا جائزٌ أنْ يُقدَّرَ محذوفٌ قبل الظرفِ فيكونُ قد عملَ فيه، ويكون ذلك العاملُ في موضعِ الحال وتقديرُه: والنجم كائناً إذا هوى، والليلِ كائناً إذا يَغْشى؛ لأنه يَلْزَمُ ((كائناً) أنْ لا يكونَ منصوباً بعاملٍ، ولا يَصِحُ أَنْ يكونَ معمولاً لشيءٍ مِمَّا فَرَضْنَاه أن يكونَ عاملاً. وأيضاً فقد يكونُ المُقْسَمُ به جثةً، وظروفُ (١) الآية ١ من النجم. الآية ٣٣ من المدثر. (٢) (٣) الآية ٣٤ من المدثر. (٤) الآية ٢ من الشمس. (٥) الآية ١ من الليل. البحر: فيه . (٦) ٠١٦ - الشمس - الزمانِ لا تكون أحوالاً عن الجثثِ، كما لا تكونُ أخباراً) انتهى ما رَدَّ به الشيخُ وما استشكلَه مِنْ أمرِ العاملِ في ((إذا))، وأنا بحمدِ اللَّهِ أَتتَبَّعُ قولَه وأبيِّنُ ما فيه. فقوله: ((إن المختارَ أن حرفَ العطفِ لا يعملُ لقيامِهِ مَقامَ العاملِ فلا يَلْزَمُ أبا القاسم؛ لأنه يختارُ القولَ الآخَرَ. وقوله: ((ليس ما في الآية مِنْ العطفِ على عاملَيْن)» ممنوعٌ بل فيه العطفُ على عاملَيْن ولكنْ فيه غموضٌ، وبيانُ أنه مِنْ العطفِ على عاملَيْن: أنَّ قولَه: ((والنهارِ إذا جَلَّها)) هنا معمولان أحدُهما مجرورٌ وهو ((النهار))، والآخرُ منصوبٌ وهو الظرفُ، عطفاً على معمولَيْ عاملَيْن، والعاملان هما: فعلُ القسمِ الناصبُ لـ ((إذا)) الأولى، وواوُ القسم الجارَّةُ، فقد تحقَّق معك عاملانِ لهما معمولان، فإذا عَطَفْتَ مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولَيْن العاملين لَزم ما قاله أبو القاسم. وكيف يُجْهَلُ هذا مع التأمُّلِ والتحقيق؟ وأمَّا قولُه: ((وأنشد سيبويهِ إلى آخره)) فهو اعترافٌ منه بأنَّه من العطفِ على عاملَيْن، غايةُ ما في الباب أنه استندَ إلى جاهِ سيبويهِ. وأمَّا قولُه ((أجازَ ابنُ كَيْسان / فلا يَلْزَمُه مذهبُه. وأمَّا قولُه: ((فالمثالُ كالآيةٍ، [١/٩١٨] بل وزانها إلى آخره) فصحيحٌ لما فيه مِنْ تقديم الظرفِ الثاني على المجرورِ المعطوفِ، والآيةُ الظرفُ فيها متأخرٌ، وإنما مرادُ الزمخشريٍّ وجودُ معمولَيْ عاملَيْنِ، وهو موجودٌ في المثالِ المذكورِ. إلَّ أَنَّ فيه إشكالاً آخر: وهو أنَّه كالتكريرِ للمسألةِ. وأمَّا قولُهُ ((بل كلامُ الخليلِ يَدُلُّ على المنع إلى آخره)) فليس فيه رَدِّ عليه بالنسبةِ إلى ما قصده، بل فيه تقويةٌ لِما قالَّه. غايةُ ما في البابِ أنه عَبَّر بالاستكراهِ عن المنع، أو لم يَفْهَمِ المَنْعَ. وقوله: ((ولا جائزٌ أَنْ يكونَ ١٧ ٤٠ - الشمس - ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ)) إلى آخره، فأقول: بل يجوزُ تقديرُه، وهو العاملُ، ولا يَلْزَمُ ما قال مِنْ اختلاف الزمانَيْن؛ لأنه يجوزُ أَنْ يُقْسِمَ الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقَسَمُ في الحالِ والطُّلُوعُ في المستقبلِ، ويجوزُ أَنَّ يُقْسِمَ بالشيء الذي سيوجَدُ. وقوله: ((ولا جائزٌ أَنْ يُقدَّرَ محذوفٌ قبل الظرفِ، فيكون قد عَمِل فيه)» إلى آخره ليس بممنوع بل يجوزُ ذلك، وتكون حالاً مقدرةً. قوله: ((يَلْزَم أَنْ لا يكونَ له عاملٌ)» ليس كذلك بل له عاملٌ وهو فعلُ القسم، ولا يَضُرُّ كونُه إنشائياً؛ لأنَّ الحالَ مقدرةٌ كما تقدَّم. قوله: ((وقد يكونُ المُقْسَمُ به جثةً)) جوابُه: يُقَدَّرُ حينئذٍ حَدَثٌ يكون الظرفُ الزمانيُّ حالاً عنه، وهذه المسألةُ سُئِلَ عِنها الشيخُ أبو عمروٍ ابنُ الحاجبِ ونَقَّحَ فيها السؤالَ وأجابَ بنحوِ ما ذكَرْتُه واللَّهُ أعلمُ، ولا يخلُو الكلامُ فيها مِنْ نزاعٍ وبحثٍ طويلٍ معه. آ. (٤) قوله: ﴿يَغْشاها﴾: المفعولُ للشمس. وقيل: للأرض، وجيء بـ ((يَغْشاها)) مضارعاً دونَ ما قبلَه وما بعَدَه مراعاةً للفواصلِ؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيبُ ((إذا غَشِيَها)) فتفوتُ المناسبةُ اللفظيةُ بين الفواصلِ والمقاطع. آ. (٥) قوله: ﴿وما بَناها﴾: ومابعده، فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ ((ما)» موصولةٌ بمعنى الذي، وبه استشهد مَنْ يُجَوِّزُ وقوعَها على آحادِ أولي العلم؛ لأنَّ المرادَ به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسنُ ومجاهدٌ وأبو عبيدةً(١)، واختاره ابن جرير(٢). والثاني: أنها مصدريةٌ، أي: وبناءٍ (١) لم يرد في مجازه بك فه ورد (٢) تفسير الطبري ٢٠٩/٣٠ وأجاز فيها المصدرية. ١٨ - الشمس - السماء، وإليه ذهبَ الزجَّاج (١) والمبرد، وهذا بناءً منهما على أنها مختصةٌ بغيرِ العقلاءِ. واعْتُرِضَ على هذا القولِ: بأنَّه يَلْزَمُ أَنْ يكونَ القَسَمُ بنفسِ المصادر: بناءِ السماء وطَحْوِ الأرضِ وتَسْويةِ النفس، وليس المقصودُ إلَّ الفَسَمَ بفاعلِ هذه الأشياءِ وهو الرَّبُّ تبارك وتعالى. وأُجِيب عنه بوجهَيْن، أحدُهما: يكونُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: وربُّ - أو باني - بناءِ السماء ونحوه. والثاني: أنه لا غَرْوَ في الإِقسام بهذه الأشياء كما أَقْسم تعالىُ بالصبح ونحوه. وقال الزمخشري(٢): ((جُعِلَتْ مصدريةً وليس بالوجهِ لقولِه ((فَأَلْهمها)) وما يؤدي إليه مِنْ فسادِ النظم. والوجهُ أَنْ تكونَ موصولةً، وإنما أُؤْثِرَتْ على ((مَنْ)) الإِرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماءِ والقادرِ العظيم الذي بناها، ونفس والحكيم الباهرِ الحكمةِ الذي سَوَّاها. وفي كلامهم: ((سبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لنا)) انتهى. يعني أنَّ الفاعلَ في ((فألهمها)) عائدٌ على اللَّهِ تعالىُ فليكُنْ في ((بناها)) كذلك، وحينئذٍ يَلْزَمُ عَوْدُه على شيءٍ، وليس هنا ما يمكنُ عَوْدُه عليه غيرُ ((ما)) فتعيَّنَ أَنْ تكونَ موصولةٌ. وقال الشيخ(٣): ((أمَّا قولُه: ((وليس بالوجهِ لقولِه ((فَأَلْهمها)) يعني مِنْ عَوْدِ الضمير في ((فَأَلْهمها)) على الله تعالى، فيكونُ قد عاد على مذكورٍ وهو ((ما)) المرادُ به الذي. قال: ((ولا يَلْزَمُ ذلك؛ لأنَّا إذا جَعَلْناها مصدريةً عاد الضميرُ على ما يُفْهَمُ مِنْ سياق الكلام، ففي ((بناها)) ضميرٌ عائدٌ على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيتَ زيداً قد (١) معاني القرآن ٣٣٢/٥. الكشاف ٢٥٨/٤. (٢) البحر ٨ / ٤٧٩. (٣) ١٩ .. . - الشمس - ضرب عَمْراً فتقول: ((عجبتُ مِمَّا ضَرَبَ عمراً) تقديره: مِنْ ضَرْبِ عَمروٍ هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعَوْدُ الضمير على ما يُفْهَمُ مِنْ سَياقِ الكلام كثيرٌ. وقوله: ((وما يُؤدِّي إليه مِنْ فسادِ النظم)) ليس كذلك، ولا يُؤَدِّي جَعْلُها مصدريةً إلى ما ذُكِرَ. وقوله: ((وإنما أُوْثِرَتْ)) إلى آخره لا يُراد بما ولا بمَنْ الموصولتين معنى الوصفيةِ؛ لأنهما لا يُؤْصَفُ بهما بخلاف ((الذي)) فاشتراكُهما في أنَّهما لا يُؤَدِّيان معنى الوصفيةِ موجودٌ. [٩١٨/ ب] بينهما / فلا تنفردُ به ((ما)) دون ((مَنْ)). وقوله: ((وفي كلامِهم)) إلى آخره تَأَوَّله أصحابنا على أنَّ ((سبحان)) عَلَم و ((ما)) مصدريةٌ ظرفيةٌ)) انتهى. أمَّا ما رَدَّ به عليه مِنْ كونِه يعود على ما يُفْهَمُ من السِّيَاق فليس يَصْلُحِ رَدَّاً، لأنه إذا دار الأمرُ بين عَوْدِه على ملفوظٍ به وبينَ غِيرِ ملفوظٍ به فعَوْدُه على الملفوظِ به أَوْلى لأنَّه الأصلُ. وأمَّا قولُه: فلا تنفرد به: (ما)) دونَ ((مَنْ)) فليس مرادُ الزمخشري أنها تُوْصَفُ بها وصْفاً صريحاً، بل مُرادُه أنها تقعُ على نوعٍ مَنْ يَعْقل، وعلى صفتِه، ولذلك مَثَّل: النَّحْويون ذلك بقوله: ((فانكِحوا ما طاب))(١)، وقالوا: تقديره: فانْكِحُوا الطيِّبَ مِنْ النساءِ، ولا شكَّ أن هذا الحكمَ تَنْفَرِدُ به ((ما)) دون مَنْ. والتنكيرُ في ((نفس)): إمَّا لتعظيمِها، أي: نفس عظيمة، وهي نفسُ آدَمَ، وإمَّا للتكثيرِ كقوله: ((عَلِمَتْ نفسٌ))(٢). آ. (٩) قوله: ﴿قد أَفْلَح﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه جوابُ القسم، والأصل: لقد، وإنما حُذِفَتْ لطولِ الكلام. والثاني: أنه ليس (١) الآية ٣ من النساء. (٢) (علمت نفس ما قدَّمت وأخَّرت)) الآية ٥ من الانفطار. ٢٠