النص المفهرس

صفحات 601-620

- الإنسان -
٤٤٤٢- شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثم تَرَفَّعَتْ
متى لُجَجِ خُضْرٍ لهنَّ نَيجُ
فهذه تحتملُ الزيادةَ، وتحتملُ أَنْ تكونَ بمعنى (مِنْ)). والجملةُ مِنْ
قولِه ((يَشْرَبُ بها)) في محلٌّ نصبٍ صفةً لـ ((عَيْنا)) إنْ جَعَلْنا الضميرَ في
(بها)) عائداً على ((عَيْنَا)) ولم نجعَلْه مُفَسِّراً لناصبِ، كما قاله أبو البقاء.
وقرأ (١) عبد الله ((قافوراً) بالقاف بدلَ الكافِ، وهذا مِنْ التعاقُبِ بين
الحرفَيْنِ كقولهم: عربيٌّ قُخٌّ وكُحَ. و ((يُفَجِّرونها)) في موضع الحال.
آ. (٧) قوله: ﴿يُوْنُوْنَ﴾: يجوز أَنْ يكونَ مستأنفاً لا محلَّ له
البتةَ، ويجوزُ أَنْ يكونَ خبراً لكان مضمرةً. قال الفراء(٢): ((التقديرُ: كانوا
يُؤْفُوْن بالنَّذْر في الدنيا، وكانوا يخَافون)) انتهى. وهذا ما لا حاجةَ إليه.
الثالث: أنه جوابٌ لمَنْ قال: ما لهم يُرْزَقون ذلك؟. قال الزمخشري(٣):
(يُؤْفُوْن)) جوابُ مَنْ عَسَى يقول: ما لهم يُرْزَقون ذلك))؟ قال الشيخ(٤):
((واستعمل ((عَسَى)) صلةً لمَنْ وهو لا يجوزُ(٥)، وأتى بالمضارع بعد
(عَسَىْ)) غيرَ مقرونٍ بـ ((أَنْ)) / وهو قليلٌ أو في الشعر)).
قوله: «كان شَرُّه)» في موضع نصبٍ صفةً لـ ((يَومْ)). والمُسْتَطِير:
المنتشر يُقال: استطار يَسْتَطِير اسْتِطَارَةً فهو مُسْتَطِير، وهو استفعل من
الطَّيران قال الشاعر(٦):
[٨٩٢/ب]
(١) البحر ٣٩٥/٨.
(٢) معاني القرآن له ٢١٦/٣.
(٣) الكشاف ١٩٦/٤.
(٤) البحر ٨/ ٣٩٥.
(٥) لأن صلة الموصول جملة خبرية و((عَسى)) إنشاء.
(٦) تقدم برقم ٢٧٤.
٦٠١

- الإنسان -
٤٤٤٣- فباتَتْ وقد أسْأَرَتْ في الفؤا
دِصَدْعاً علَ نَأيِها مُسْتطيرا
وقال الفراء(١): ((المُسْتطير: المُسْتطيل)). قلت كأنه يريدُ أنهَ مِثْلُه في
المعنى، لا أنه أَبْدَل من اللامِ راءَ. والفجرُ فجران: مستطيلٌ كذَنَبٍ
السِّرْحان وهو الكاذِبُ، ومُسْتطيرٌ وهو الصادِقُ لانتشارِه في الأُفُقا.
آ. (٨) قوله: ﴿حُبِّه﴾: حالٌ: إمَّا من الطعام، أي: كائنين
حلى حُبَّهم الطعامَ، وإمَّا من الفاعلِ. والضمير في ((حُبِّه)) لله تعالى، أي:
على حُبِّ اللّهِ. وعلى التقديرَيْن فهو مصدرٌ مضافٌ للمفعول.
آ. (١٠) قوله: ﴿قَمْطَريرا﴾: القَمْطَرِير: الشديدُ. وأصلُه كما
قال الزجاج(٢): ((مُشتقٌّ من اقْمَطَرَّت الناقةُ: إذا رفعَتْ ذَنَبها، وجمعَتْ
قُطْرَيْها، وزَمَّتْ(٣) بِأَنْفِها. قال الزمخشري(٤): («فاشتقَّه من القَطْرِ، وجعل
الميمَ مزيدةً. قال أسد بن ناعصة (٥) :
٤٤٤٤_ واصْطَلَيْتُ الحروبُ في كلِّ يومٍ
باسِلِ الشَّرِّ قَمْطَرِيرِ الصَّباحِ
قال الشيخ(٦): ((واختلف النحاةُ في هذا الوزن، والأكثرُ لا يُثْبِتُ
(١) معاني القرآن له ٢١٦/٣.
(٢) معاني القرآن له ٢٥٩/٥.
(٣) المطبوعة: ((ورَمَتْ)) والتصحيح من اللسان ((قمطر)).
(٤) الكشاف ٤/ ١٩٧ .
(٥) القرطبي ١٣٦/١٩، والبحر ٣٩٢/٨، والكشاف ١٩٧/٤. وأسد بن ناعصة
شاعر جاهلي نصراني.
(٦) البحر ٣٩٢/٨.
٦٠٢

- الإنسان -
افْمَعَلَّ في أوزان الأفعالِ)) ويقال: اقْمَطَرَّ يَقْمَطِؤُّ فهو مُفْمَطِرٌّ، قال
الشاعر(١):
٤٤٤٥- تَلْزُبُ العقربُ تَزْيَئِرُ
تكسو استَها لحماً وتَقْمَطِرُ
ويومٌ قَمْطرير وقُماطر بمعنى: شديد. قال الشاعر (٢):
٤٤٤٦- فَفِرُوا إذا ما الحربُ ثارَ غبارُها
ولَجَّ بها اليومُ الشديدُ القُمَاطِرُ
وقال الزجَّاج (٣): ((القَمْطَرِيْر: الذي يَعْبَسُ حتى يجتمعَ ما بين عينَيْه))
انتهى. فعلى هذا استعمالُه في اليومِ مجازاً. وفي بعض كلام الزمخشري (٤)
أنه جَعَلَه من القَمْط، فعلى هذا تكون الراءان فيه مزيدتَیْن.
آ. (١٢) قوله: ﴿بما صَبَرُوا﴾: ((ما)) مصدريةٌ. و((جنةً))
مفعولٌ ثانٍ أي: جَزاهم جنةً بصَبْرهم. وقدَّر مكي(٥) مضافاً فقال:
(تقديرُه: دخولَ جنة ولِبْسَ حریر)).
آ. (١٣) قوله: ﴿مُتَّكثين﴾: حال مِنْ مفعول ((جَزاهم)).
(١) رواية البيت الأول في اللسان ((قمطر)):
قد جعَلتْ شَبْوَةُ تَزْبَعِزُ
وكذا في البحر ٣٩٢/٨. ولزب: صَلُب ودخل بعضه في بعض. وازْباَرَّ للشرِّ:
تهيأ. وتقمطرُّ: انتثر وتقبَّض، من الأضداد.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣٩٢/٨، والقرطبي ١٣٥/١٩.
(٣) معاني القرآن ٢٥٩/٥.
(٤) ليس في الكشاف في هذا الموضع إشارة إلى هذا الاشتقاق.
(٥) إعراب المشكل ٤٣٧/٢.
٦٠٣

- الإنسان -
وقرأ (١) علي رضي الله عنه ((وجازاهم)) وجوَّز أبو البقاء (٢) أَنْ يكونَ
((مُتَكتين)» صفةً لـ ((جَنَّةٌ)). وهذا لا يجوزُ عند البَصْريين(٣)؛ لأنَّه كان يلزم
بروزُ الضميرِ فيقال: مُتَّكئين هم فيها، لجريانِ الصفةِ على غير مَنْ هي
له. وقد مَنَعَ مكي(4) أن يكونَ ((مُتَّكنين)) صفةً لـ ((جنةٌ)) لِما ذكرْتُهُ مِنْ عَدَمِ
بُروزِ الضمير. وممَّنْ ذَهَبَ إلى كونِ ((مُتَكئين)) صفةً لـ ((جَنَّةٌ))
الزَمخشريُّ(٥) فإنه قال: ((ويجوزُ أَنْ تكونَ ((مُتَكتين)) و ((لا يَرَوْن)) و ((دانيةً»
كلُّها صفاتٍ لـ ((جنةً)) وهو مردودٌ بما ذكرْتُه. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ
(مُتَكئين)) حالاً مِنْ فاعل ((صَبَروا))؛ لأنَّ الصَّبْرَ كان في الدنيا واتِّكاءَهم
إنما هو في الآخرة، قال معناه مكي(٦). ولقائلٍ أَنْ يقول: إن لم يكنِ
المانعُ إلَّ هذا فاجْعُلْها حالاً مقدرةً؛ لأن مآلهم - بسبب صَبْرهم - إلى
هذه الحالِ. وله نظائرُ.
وقوله (٧): (إنَّما نُطْعِمُكم)) إمَّا على إضمارِ القولِ أي: قائلين ذلك ..
وقرأ (٨) أبو جعفر ((فَوَقَّاهم)) بتشديد القافِ على المبالغةِ.
قوله: ((لا يَرَوْنَ فيها)» فيهِ أوجهٌ، أحدها: أنَّها حالٌ ثانيةٌ مِنْ مَفْعولِ
((جزاهم)). الثاني: أنها حالٌ من الضميرِ المرفوع المستكنَّ في (مُتَّکثین))،
(١) البحر ٣٩٦/٨، والمحرر ١٨٧/١٦.
(٢) الإملاء ٢٧٦/٢.
(٣) انظر: الإنصاف ١/ ٥٧.
(٤) إعراب المشكل ٤٣٨/٢ .
(٥) الكشاف ١٩٨/٤
(٦) إعراب المشكل ٤٣٨/٢.
(٧) عاد إلى الآية ٩.
(٨) البحر ٣٩٦/٨، والمحرر ١٨٧/١٦.
٦٠٤

- الإنسان -
فتكونُ حالاً متداخلةً. الثالث: أَنْ تكونَ صفةً لـ جنة كمتكئين عند مَنْ
يرى ذلك وقد تقدَّم أنه قولُ الزمخشريِّ.
والزَّمْهَرير: أشدُّ البردِ. هذا هو المعروفُ. وقال ثعلب: هو القمرُ
بلغة طيِّىء وأنشد(١):
٤٤٤٧- في ليلةٍ ظلامُها قد اعتكَرْ
قَطَعْتُها والزَّمْهريرُ ما زَهَرْ
والمعنى: أنَّ الجنةَ لا تحتاجُ إلى شمسٍ ولا إلى قمرٍ ووزنُه
فَعْلَلِيل.
آ. (١٤) قوله: ﴿ودانيةً﴾: العامة على نصبها وفيها أوجهٌ،
أحدُها: أنها عطفُ على محلٌ ((لا يَرَوْن)). الثاني: أنها معطوفة على
(مُتَّكتين))، فيكونُ فيها ما فيها. قال الزمخشري (٢): ((فإنْ قلتَ: ودانيةً
عليهم ظلالُها علامَ عُطِف؟ قلت: على الجملةِ التي قبلها، لأنَّها في
موضع الحال من المَجْزِيِّيْنَ، وهذه حالٌ مثلُها عنهم، لرجوع الضميرِ منها
إليهم في ((عليهم)) إلَّ أنَّها اسمٌ مفردٌ، وتلك جماعةٌ في حكمٍ مفردٍ،
تقديره: غيرَ رائين فيها شَمْساً ولا زَمْهريراً ودانية. ودخلت الواوُ للدّلالة
على أن الأمرَيْن مجتمعان لهم. كأنَّه قيل: وجَزاهم / جنةً جامِعِيْنَ فيها: [١/٨٩٣]
بين البُعْدِ عن الحَرِّ والقُرِّ ودُنُوِّ الظُّلالِ عليهم. الثالث: أنها صفةٌ
لمحذوفٍ أي: وجنةً دانِيَةً، قاله أبو البقاء(٣). الرابع: أنها صفةٌ لـ ((جنةً))
الملفوظِ بها، قاله الزجَّاج(٤) .
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ١٣٨/١٩، والبحر ٣٩٢/٨،
والكشاف ١٩٧/٤. واعتكر الليل: اشتد ظلامه.
(٢) الكشاف ٤/ ١٩٧.
(٣) الإملاء ٢٧٦/٢.
(٤) معاني القرآن ٢٥٩/٥.
٦٠٥

- الإِنسان -
وقرأ(١) أبو حيوةً ((ودانِيَةٌ)) بالرفع. وفيها وجهان، أظهرهما: أَنْ
يكونَ ((ظلالُها)) مبتدأ و ((دانيةٌ) خبرٌ مقدمٌ. والجملةُ في موضعِ الحال.
قال الزمخشري(٢): ((والمعنى: لا يَرَوْنَ فيها شَمْساً ولا زَمْهريراً، والحالُ
أنَّ ظلالَها دانِيَةٌ عليهم)). والثاني: أَنْ ترتفعَ ((دانيةٌ)) بالابتداء، و ((ظلالُها))
فاعلٌ به، وبها استدلَّ الأخفشُ على جوازٍ إعمالِ اسم الفاعلِ، وإنْ
لم يَعْتَمِدْ نحو: ((قائمٌ الزيدون))، فإنَّ ((دانية)) لم يعتمِدْ على شيءٍ مِمَّا ذكره
النَّحْويُّون، ومع ذلك فقد رُفِعَتْ ((ظلالُها)) وهذا لا حُجَّة له فيه؛ لجوازٍ
أَنْ يكونَ مبتدأً وخبراً مقدَّماً كما تقدَّم.
وقال أبو البقاء(٣): ((وحُكِيَ بالجَرِّ أي: في جنَّةٍ دانية. وهو
ضعيفٌ؛ لأنه عُطِفَ على الضميرِ المجرورِ من غيرِ إعادةِ الجارِّ». قلت:
يعني أنَّه قُرِىء شاذاً ((ودانِيَةٍ)) بالجَرِّ على أنها صفةٌ لمحذوفٍ، ويكونُ
حينئذٍ نَسَقاً على الضميرِ المجرورِ مِنْ قولِه: ((لا يَرَوْنَ فيها)) أي: ولا في
جنةٍ دانيةٍ. وهو رَأْيُ الكوفيين: حيث يُجَوِّزون العطفَ على الضميرِ
المجرورِ مِنْ غيرِ إعادةِ الجارِّ؛ ولذلك ضَعَّفَه، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك
مُشْبعاً في البقرة (٤).
وأمَّا رَفْعُ «ظلالُها)» فيجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأً و((عليهم)) خبرٌ مقدٌ،
ولا يرتفع بـ ((دانية))؛ لأنَّ ((دنا)) يتعدّى بـ ((إلى)) لا بـ((على)). والثاني: أنها
مرفوعةٌ بـ (دانية)) على أَنْ تُضَمَّن معنى ((مُشْرِفَة)) لأنَّ ((دنا)) و((أَشْرَفَ))
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٣٩٦/٨، والقرطبي ١٣٩/١٩، والشواذ ١٦٦.
(٢) الكشاف ١٩٧/٤ - ١٩٨.
(٣) الإملاء ٢٧٦/٢.
(٤) انظر: الدر المصون ٣٩٤/٢.
٦٠٦

- الإِنسان -
يتقاربان، قال معناه أبو البقاء (١)، وهذان الوجهان جاريان في قراءةِ مَنْ
نصبَ ((دانيةً)» أيضاً.
وقرأ الأعمش ((ودانِياً)) بالتذكير للفَصْلِ بين الوَصْفِ وبين مرفوعِه
بـ ((عليهم))، أو لأنَّ الجمعَ مذكرٌ. وقرأ أُبَيِّ ((ودانٍ عليهم)) بالتذكير
مرفوعاً، وهي شاهدةٌ لمذهبِ الأخفشِ، حيث يرفع باسمِ الفاعلِ وإنْ
لم يَعْتَمِد. ولا جائزٌ أَنْ يُعْرَبا مبتدأً وخبراً مقدَّماً لعدم المطابقةِ. وقال
مكي (٢): ((وقُرِىء ((دانِياً) ثم قال: ((ويجوزُ ((ودانيةٌ)) بالرفع، ويجوزُ ((دانٍ))
بالرفعِ والتذكيرِ)) ولم يُصَرِّح بأنهما قُرِئا، وقد تقدَّم أنهما مَقروءٌ بهما فكأنَّه
لم يَطّلع على ذلك.
قوله: ((وذُلِّلَتْ)) يجوزُ أَنْ يكونَ في موضع نصبٍ على الحال عطفاً
على ((دانِيَةً)) فيمَنْ نَصَبَها أي: ومُذَلَّلةً. ويجوزُ أَنْ تكونَ حالاً من
الضميرِ في ((عليهم)) سواءَ نَصَبْتَ ((دانِيَةً)) أو رَفَعْتَها، أم جَرَرْتَها. ويجوزُ
أَنْ تكونَ مستأنفةً. وأمَّا على قراءةٍ رفع ((ودانيةٌ)) فتكونُ جملةً فعليةً
عُطِفَتْ على اسميَّةٍ. ويجوز أَنْ تكونَ حالاً كما تقدَّمَ.
١. (١٥) قوله: ﴿بَآنِيَةٍ﴾: هذا هو القائمُ مَقامَ الفاعلِ؛ لأنَّه
هو المفعولُ به في المعنىُ. ويجوزُ أَنْ يكون ((عليهم)). وآنِيَة: جمعُ
((إناء)» والأصلُ: أَأْنِيَة بهمزتَيْنِ الأُولى مزيدةٌ للجمع، والثانيةُ فاءُ الكلمة
فقُلِبَتِ الثانيةِ ألفاً وُجوباً، وهذا نظيرُ: كِساءٍ وأَكْسِيَة وغِطاءٍ وَأَغْطِيَة،
ونظيرُه في الصحيح اللام: حِمار وأَحْمِرة. و((مِنْ فضةٍ)) نعتٌ لـ ((آنية)).
(١) الإملاء ٢٧٦/٢.
(٢) إعراب المشكل ٤٣٨/٢.
٦٠٧

- الإنسان -
آ. (١٦) قوله: ﴿قوارِيْرَ قوارِيْرَ﴾: اختلف القُراء (١) في
هذَيْنِ الحرفَيْنِ بالنسبة إلى التنوين وعَدَمِهِ، وفي الوقوفِ بالألفِ وعَدَمِها
كما تقدَّم خلافُهم في ((سلاسل))(٢). واعلَمْ أَنَّ القُرَّاء فيهما على خمسٍ
مراتبَ، إحداها: تنوينُهما معاً، والوقفُ عليهما: بالألفِ، لنافعٍ .
والكسائيِّ وأبي بكر. الثانيةُ: مقابِلَةُ هذه، وهي عَدَمُ تنوينِهِما وعَدَمُ
الوقفِ عليهما بالألفِ، لحمزةَ وحدَه. الثالثة: عَدَمُ تنوينِهما، والوقفُ.
عليهما بالألف، لهشامٍ وحدَه. الرابعة: تنوينُ الأولِ دونَ الثاني، والوقفُ
على الأولِ بالألفِ، وعلى الثاني بدونِها، لابنِ كثيرٍ وحدَه. الخامسةُ:
عَدَم تنوينِهما معاً، والوقفُ على الأولِ بالألفِ، وعلى الثاني بدونِها،
لأبي عمروٍ وابن ذكوانَ وحفصٍ .
فَأمَّا مَنْ نَوَّنَهما فِلِمَا مَرَّ في تنوينِ سلاسل؛ لأنَّهما صيغَةُ منتهىُ
الجمع، ذاك على مُّفاعلٍ، وذا على مَفاعيل. والوقفُ بالألفِ التي هي
بدلٌ من التنوين، وفيه موافقةُ المصاحفِ المذكورةِ فإنَّهما مَرْسومان فيها
بالألفِ على ما نَقَلَ أبو عبيد. وأمَّا عَدَمُ تنوينِهِما وعَدَمُ الوقفِ بالألِف
[٨٩٣/ ب] فظاهرٌ جداً(٣). وأمَّا مَنْ نَوَّنَ الأولَ دونَ الثاني، فإنَّه / ناسَبَ بين الأولِ
وبين رؤوس الآي. ولم يناسِبْ بينَ الثاني وبين الأولِ. والوجهُ في وَقْفِه
على الأولِ بالألفِ وعلى الثاني بغيرِ ألفٍ ظاهرٌ. وقد رَوَى أبو عُبيد أنه
كذلك في مصاحِف أهلِ البصرة.
وأمَّا مَنْ لم يُنَوَّنْهما، ووقف على الأولِ بالألفِ، وعلى الثاني
(١) السبعة ٦٦٣، والحجة ٧٣٨، والبحر ٣٩٧/٨، والتيسير ٢١٧،
والقرطبي ١٢٣/١٩، والنشر ٣٩٥/٢.
(٢) انظر إعرابه للآية ٤.
(٣) لأنهما ممنوعان من التنوين بسبب صيغة منتهى الجموع ..
٦٠٨

- الإنسان -
بدونِها؛ فلأنَّ الأولَ رأسُ آيَةٍ فناسَبَ بينه وبين رؤوس الآي في الوقفِ
بالألفِ. وفَرَّق بينه وبين الثاني؛ لأنه ليسَ برأس آيةٍ. وأمَّا مَنْ لم يُنَوِّنْهما
ووقف عليهما بالألفِ فلأنَّه ناسَبَ بين الأول وبين رؤوس الآي وناسَبَ
بين الثاني وبين الأولِ. وحَصَل مِمَّا تقدَّم في ((سلاسل)) وفي هذَيْن
الحرفَيْنِ أنَّ القُرَّاءَ منهم مَنْ وافَقَ مصحَفَه، ومنهم مَنْ خالفَه لاتِّباع الأثَرِ .
وتقدَّم الكلامُ على ((قوارير)) في سورةِ النمل(١) ولله الحمدُ.
وقال الزمخشري(٢): ((وهذا التنوين بدلٌ مِنْ حرفِ الإِطلاقِ لأنَّه
فاصلةٌ، وفي الثاني لإتباعِه الأولَ)) يعني أنَّهم يَأْتُون بالتنوينِ بدلاً مِنْ
حرفِ الإِطلاق الذي للترنم، كقوله(٣):
٤٤٤٨_ يا صاحِ ما هاجَ الدُّموعَ الذُّرَّفَنْ
وفي انتصابِ ((قوارير)) وجهان، أحدُهما - وهو الظاهرُ - أَنَّه خبرُ
كان. والثاني: أنها حالٌ، و((كان)) تامةٌ أي: كُوِّنَتْ فكانَتْ. قال
أبو البقاء (٤): ((وحَسُن التكريرُ لِما اتَّصل به مِنْ بيانِ أصلِها، ولولا التكريرُ
لم يَحْسُنْ أَنَّ يكونَ الأولُ رأسَ آيَةٍ لشدَّةِ اتصالِ الصفةِ بالموصوفِ. وقرأ
الأعمش ((قواريرُ)) بالرفع على إضمارِ مبتدأ أي: هي قوارير. و ((مِنْ فضة))
صفة لـ ((قواریر)).
(١) انظر إعرابه للآية ٤٤ من النمل.
(٢) الكشاف ١٩٨/٤.
(٣) البيت للعجاج، وهو في ديوانه ٢١٩/٢، والكتاب ٢٩٩/٢،
والخصائص ١٧١/١، والعيني ٢٦/١. الذُّرَّف: ج ذارفة، أي: قاطرة.
وبعده :
مِنْ طَلَلٍ أمسىْ تخالُ المُصْحَفا
(٤) الإملاء ٢٧٦/٢ .
٦٠٩

ب- الإنسان -
قوله: ((قَدَّروها)) صفةٌ لـ ((قواريرَ)). والواو في ((قَدَّروها)) فيه وجهان،،
أحدهما: أنَّه للمُطَافِ عليهم. ومعنى تقديرهم إياها: أنهم قَدَّروها في
أنفسِهِم أَنْ تكونَ على مقاديرَ وأشكالٍ على حَسَبِ شَهَواتِهم، فجاءَتْ كما.
قَدَّروا. والثاني: أنَّ الواو للطائفين للدلالةِ عليهم، مِنْ قوله تعالى:
(ويُطافُ)) والمعنى: أنهم قَدَّروا شرابَها على قَدْر رِيِّ الشَّارِب، وهو الذُّ
الشرابِ لكونِه على مِقْدارِ حاجتِه لا يَفْضُل عنها ولا يَعْجِزُ، قاله
الزمخشري(١). وجَوَّزَ أبو البقاء(٢) أَنْ تكونَ الجملةُ مستأنفةً.
وقرأ(٣) عليٍّ وابنُ عباس والسُّلميُّ والشعبيُّ وزيدُ بن علي
وأبو عمروٍ ـ في روايةِ الأصمعيِّ - ((قُدِّرُوْها)) مبنياً للمفعول. وجَعَله:
الفارسِيُّ(٤) مِنْ بابِ المَقْلوبِ قال: ((كأنَّ اللفظ: قُدِّروا عليها. وفي
المعنىُ قَلْبٌ؛ لأنَّ حقيقةَ المعنى أن يقال: قُدِّرَتْ عليهم(٥)، فهي مثلُ
قولِه: (لَتَنُوءُ بالعُصْبةِ أولي القوة))(٦) ومثلُ قولِ العرب: «إذا طَلَعَتِ
الجَوْزَاءُ أُلْقِيَ(٧) العُوْدُ على الحِرْباء)). وقال الزمخشري(٨): ((ووجهُهِ أَنْ
يكونَ مِنْ قُدِّر منقولاً مِنْ قَدَرَ. تقول: قَدَرْتُ [الشيءَ](٩) وقَدَرَنيه فلان،
(١) الكشاف ١٩٨/٤.
(٢) الإملاء ٢٧٦/٢.
(٣) القرطبي ١٤١/١٩، والبحر ٣٩٧/٨، والشواذ ١٦٦.
(٤) الحجة ٤٣٦/٤ (خ).
(٥) قال: ((أي: علی رِيُّهم)).
(٦) الآية ٧٦ مِنَ القصص.
(٧) الحجة: ((أَوْفَى)) وفي اللسان: ((انتصَبَ)) قال: ((وإنما هو: انتصب الحِرْباء في
العُود وذلك أن الحِرْباء ينتصب على الحجارة يستقبل الشمس فإذا زالت زال
معها مقابلاً لها)»
(٨) الكشاف ١٩٨/٤.
(٩) من الكشاف.
٦١٠

- الإِنسان -
إذا جعلك قادراً له ومعناه: جُعلوا قادرين لها كما شاؤوا، وأُطْلِقٍ لهم أَنْ
يُقَدِّروا على حَسَبٍ ما اشْتَهَوْا)). وقال أبو حاتم: ((قُدِّرَتْ الأواني على قَدْرِ
رِيِّهم)) ففَشَر بعضُهم قولَ أبي حاتمِ هذا قال: ((فيه حَذْفٌ على حَذْفٍ:
وهو أنه كان: ((قُدِّرَ على قَدْرِ رِيُّهم إياها)» ثم حُذِفَ ((على)) فصار: ((قَدْرُ
رِيُّهم)) على ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، ثم حُذِف ((قَدْرُ)) فصار ((رِيُّهم)) ما لم يُسَمَّ
فاعلُهُ(١)، فحُذِفَ الرِّيُّ فصارَتِ الواوُ مكانَ الهاءِ والميم، لَمَّا حُذِفَ
المضافُ مِمَّا قبلَها، وصارَتِ الواوُ مفعولَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، واتصلَ
ضميرُ المفعولِ الثاني في تقديرِ النصبِ بالفعلِ بعدَ الواوِ التي تَحَوَّلَتْ من
الهاءِ والميم، حتى أُقيمَتْ مُقامَ الفاعل)). قلت: وفي هذا التخريجِ من
التكلُّف ما لا يَخْفَى مع عَجْرَفَةِ ألفاظِهِ.
وقال الشيخ(٢): ((والأقربُ في تخريجِ هذه القراءةِ الشاذَّة: ((قُدِّرَ
رِيُّهم منها تقديراً)) فحُذِف المضافُ وهو الَرِّيُّ، وأُقيم الضميرُ مُقامَه،
فصار التقديرُ: قُدِّروا مِنْها، ثم أتُّسِع في الفعل فحُذِفَتْ ((مِنْ)) ووصَلَ
الفعلُ إلى الضميرِ بنفسِهِ فصار: ((قُدُرُوْها)) فلم يكن فيه إلاَّ حَذْفُ مضافٍ
واتِّسائعٌ في الفعل))(٣). قلت: وهذا مُنْتَزَعُ من تفسيرِ كلامٍ أبي حاتم.
آ. (١٧) قوله: ﴿زَنْجَبِيلًا﴾: الزَّنجبيل: نَبْتُ معروفٌ،
وسُمِّيَتْ الكأسُ بذلك لوجودِ طَعْم الزَّنْجبيل فيها. والعربُ تَستَلِذُه.
وأنشد الزمخشريُّ (٤) للأعشى(٥):
(١) أي: قائماً مقامه.
(٢) البحر ٣٩٨/٨.
(٣) البحر: في المجرور.
(٤) الكشاف ١٩٨/٤.
(٥) ديوانه ٩٣، واللسان (زنجبيل) والأزي: العسل وشار العسل: جمعه.
٦١١

۔۔
- الإنسان -
٤٤٤٩- كأنَّ القُرُنْفُلَ والزَّنْجَيِيْـ
ـلَ باتا بِفِيْها وأَرْياً مَشُورا
/ وأنشد للمسنْيَّب بن عَلَس(١) :
[٨٩٤/ أ]
٤٤٥٠- وكأن طَعْمَ الزَّنْجبيلِ به
إذا ذُقْتَهِ وسُلافةَ الخمرِ
و(عَيْناً)) فيها من الوجوه ما تقدَّمَ.
آ. (١٨) قوله: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾: السَّلْسَبيل: ما سَهُل انحدارُه
في الحَلْق. قال الزجاج(٢): ((هو في اللغة صفةٌ لِما كان في غايةٍ
السَّلَاسَة)). وقال الزمخشري(٣): ((يقال: شَرابٌ سَلْسَلٌ وسَلْسالٌ
وسَلْسبيل، وقد زِيْدِت الباءُ في التركيبِ حتى صارَتِ الكلمةُ خماسيّةٌ،
ودَلَّتْ على غايةِ السَّلَاسَةِ)). قال الشيخ(٤): ((فإنْ كان عَنى أَنَّه زِيْدت.
حقيقةً فليس بجيدٍ؛ لأنَّ الباءَ ليسَتْ من حروف الزيادةِ المعهودةِ في علم
النحوِ، وإنْ عَنَى أنها حرفٌ جاء في سِنْخِ(٥) الكلمةِ، وليس في سَلْسَل
ولا سَلْسال فَيَصِحُ، ويكون مما اثَّفَقَ معنَاه، وكان مختلفاً في المادة».
وقال ابن الأعرابي: ((لم أسمَعْ السَّلْسبيلَ إلَّ في القرآنِ». وقال مكي (٦):
((هو اسمٌ أعجميُّ نكرةٌ، فلذلك صُرِفَ)).
(١) الكشاف ١٩٨/٤، والمحرر ١٩٠/١٦، والبحر ٣٩٢/٨. وسلافة الخمر: أول
ما يخرج من عصرها. والشاعر يصف رضاب محبوبته.
(٢) معاني القرآن ٢٦١/٥.
(٣) الكشاف ١٩٨/٤ ..
(٤) البحر ٣٩٨/٨.
(٥) السنخ: الأصل.
(٦) إعراب المشكل ٤٣٩/٢.
٦١٢

- الإنسان -
ووزن سَلْسَبِيلِ: فَعْلَلِيْلِ مثلَ ((دَرْدَبيس))(١). وقيل: فَعْفَليل؛ لأنَّ
الفاءَ مكررةٌ. وقرأ (٢) طلحةُ (سَلْسَبِيلَ)) دونَ تنوينٍ ومُنِعَتْ من الصرف
العلميَّةِ والتأنيث؛ لأنها اسمٌ لعَيْنٍ بعينها، وعلى هذا فكيف صُرِفَتْ في
قراءةِ العامَّةِ؟ فَيُجاب: بأنَّه سُمِّيَتْ بذلك لا على جهة العَلَمِيَّة بل على
جهة الإِطلاقِ المجرَّدِ، أو يكونُ مِنْ بابِ تنوين ((سلاسل)»(٣) و ((قوارير))(٤)
وقد تقدَّمَ. وأغربُ ما قيل في هذا الحرف أنه مركبٌ من كلمَتَيْن: مِنْ
فعلِ أمرٍ وفاعلٍ مستترٍ ومفعولٍ. والتقدير: سَلْ أنت سَبيلا إليها. قال
الزمخشري(٥): ((وقد عَزَوْا إلى عليٍّ رضي الله عنه أنَّ معناه: سَلْ سبيلاً
إليها)». قال: ((وهذا غيرُ مستقيم على ظاهِره، إلاَّ أنْ يُرادَ أنَّ جملةَ قولٍ
القائلِ ((سَلْ سبيلاً)) جُعِلَتْ عَلَّماً للعين، كما قيل: تأَبَّط شَرًّا وذَرَّى
حبًّا(٦). وسُمِّيت بذلك لأنه لا يَشْرَبُ منها إلَّ مَنْ سأل سبيلاً إليها بالعمل
الصالح، وهو مع استقامتِهِ في العربية تكلُّفٌ وابتدائٌ وعَزْوُه إلى مثلٍ عليّ
عليه السلام أَبْدَعُ. وفي شعرِ بعضِ المُحْدَثين(٧):
٤٤٥١- سَلْ سبيلاً فيها إلى راحةِ النَّفْـ
ـسٍ براحِ كأنَّها سَلْسَبِيلُ
(١) الدردبيس: العجوز.
(٢) الشواذ ١٦٦، والكشاف ١٩٨/٤.
(٣) الآية ٤ من الإنسان.
(٤) الآية ١٥ من الإِنسان.
(٥) الكشاف ٤/ ١٩٨ .
(٦) اسم رجل ورد في الشاهد رقم ١٨٧٦ :
کأنه جبهةُ ذَرَّی حَبَّا
(٧) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشاف ١٩٩/٤.
٦١٣

- الإنسان -
قال الشيخ(١) بعد تعُجُبِه مِنْ هذا القول: ((وأَعْجَبُ مِنْ ذلك توجيهُ
الزمخشريٌّ له واشتغالُه بحكايتِه)). قلت: ولو تأمَّل ما قاله الزمخشريُّ
لم يَلُمْه، ولم يتعجَّبُ منه؛ لأنَّ الزمخشري هو الذي شَنَّعَ على هذا القولِ
غاية التشنيع. وقال أبو البقاء(٢): ((والسلسبيلُ كلمةٌ واحدةٌ). وفي قوله:
«كلمة واحدة» تلويحٌ وإيماءٌ إلى هذا الوجه المذكور.
آ. (٢٠) قوله: ﴿ثَمَّ﴾: هذا ظرفُ مكانٍ وهو مختصُُّ بالبُعْدِ .
وفي انتصابِه هنا وجهان، أظهرُهما: أنه منصوبٌ على الظرفِ. ومفعولُ
الرؤيةِ غيرُ مذكورٍ؛ لأنَّ القصد: وإذا صَدَرَتْ منك رؤيةٌ في ذلك المكانِ
رَأَيْتَ كيت وكيتَ، فـ ((رَأَيْتَ)) الثاني جوابٌ لـ «إذا». وقال الفراء (٣):
(ثَمَّ) مفعولٌ به لـ «رَأَيْتَ)). وقال الفراء أيضاً: ((وإذا رَأَيْتَ تقديره:
((ما ثَمَّ))، فـ ((ما)) مفعولٌ فحُذِفَتْ ((ما)) وقامت ((ثَمَّا مَقام ((ما)». قال
الزمخشري(٤) تابعاً لأبي إسحاق(٥): ((ومَنْ قال: معناه ((ما ثَمَّ)) فقد
أخطأ؛ لأنَّ (ثَمَّ)) صلةٌ لـ ((ما))، ولا يجوزُ إسقاطُ الموصولِ وتَرْكُ الصلةِ)).
وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ الكوفيين يُجَوِّزُون مثلَ هذا، واستدلُوا عليه بأبياتٍ
وآياتٍ، تقدَّم الكلامُ عليها مُسْتوفى في أوائل هذا الموضوع(٦).
وقال ابن عطية (٧): ((وثَمَّ ظرفٌ. والعاملُ فيهِ ((رَأَيْتَ)) أو معناه(٨)،
(١) البحر ٣٩٨/٨.
(٢) الإملاء ٢٧٦/٢.
(٥) معاني القرآن له ٢٦١/٥.
معاني القرآن ٢١٨/٣.
(٣)
(٦) انظر: الدر المصون ١/ ٤٧٧.
(٤) الكشاف ١٩٩/٤.
(٧) المحرر ١٩١/١٦.
(٨) قال بعد ذلك: ((وقال الفراء ... ))، فابن عطية إذاً يذكر وجهين لا وجهاً واحداً،.
ولكن سقطت من نسخة أبي حيان هذه الجملة.
٦١٤

- الإنسان -
والتقديرُ: رأيتَ ما ثَمَّ، فحُذِفَتْ ما)). قال الشيخ(١): ((وهو فاسِدٌ؛ لأنَّه
مِنْ حيثُ جَعَلَه معمولاً لـ ((رَأَيْتَ)) لا يكونُ صلةٌ لـ ((ما))؛ لأنَّ العاملَ فيه
إذ ذاك محذوفٌ أي: ما استقرَّ ثَمَّ». قلت: ويمكنُ أَنْ يُجاب عنه: بأنَّ
قولَه: ((أو معناه)» هو القولُ بأنَّه صلةٌ لموصول، فيكونان وجهَيْن لا وجهاً
واحداً، حتى يَلْزَمَةَ الفسادُ، ولولا ذلك لكان قولُه: ((أو معناه)) لا معنى
له. ويعني بمعناه أي: معنى الفعلِ مِنْ حيث الجملةُ، وهو الاستقرارُ
المقدّرُ.
والعامَّةُ على فتح الثاءِ مِنْ (ثَمَّ) كما تقدَّم. وقرأ(٢) حميد الأعرج
بضمِّها على أنَّها العاطَفَةُ، وتكونُ قد عَطَفَتْ ((رأَيْتَ)) الثاني على الأول،
ويكون فعلُ الجوابِ محذوفاً، ويكونُ فعلُ الجوابِ المحذوفِ هو
الناصبَ لقوله: ((نعيماً))، والتقدير: وإذا صَدَرَ منك رؤيةٌ، ثم صَدَرَتْ
رؤيةٌ / أخرى رَأَيْتَ نعيماً ومُلْكاً. فَرَأَيْتَ هذا هو الجوابُ.
[٨٩٤/ ب]
آ. (٢١) قوله: ﴿عالِيَهُمْ﴾: قرأ(٣) نافعٌ وحمزةٌ بسكونِ الیاءِ
وكسرِ الهاء، والباقون بفتح الياءِ وضَمِّ الهاء. لَمَّا سَكَنَتِ الياءُ كُسِرَتْ
الهاءُ، ولَمَّا تَحَرَّكَتْ ضُمَّت على ما تَقَرَّرَ في ھاءِ الكنايةِ أولَ هذا
الموضوعِ. فأمَّا قراءةُ نافع وحمزةَ ففيها أوجهٌ، أظهرُها: أَنْ تكونَ خبراً
مقدَّماً. و((ثيابُ)) مبتدأُ مؤخرٌ. والثاني: أنَّ ((عالِيْهم)) مبتدأ و «ثيابُ))
مرفوعٌ على جهةِ الفاعلية، وإنْ لم يعتمد الوصفُ، وهذا قولُ الأخفشِ.
(١) البحر ٣٩٩/٨.
(٢) البحر ٣٩٩/٨، والمحرر ١٩١/١٦.
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٦٤، والنشر ٣٩٦/٢، والحجة ٧٣٩،
والبحر ٣٩٩/٨، والقرطبي ١٤٥/١٩، والتيسير ٢١٨، والشواذ ١٦٦ .
٦١٥

- الإِنسان -
والثالث: أنَّ ((عالِيْهِم)) منصوبٌ، وإنما سُكِّن تخفيفاً، قاله أبو البقاء(١)
وإذا كان منصوباً فسيأتي فيه أوجهٌ، وهي وارِدَة هنا؛ إلاَّ أنَّ تقديرَ الفتحةِ
من المنقوصٍ لا يجوزُ إلَّ في ضرورةٍ أو شذوذٍ، وهذه القراءةُ متواترةٌ
فلا ينبغي أَنْ يُعَالَ به فيها.
وأمَّا قراءةُ مَنْ نَصَبَ ففيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه ظرفٌ خبراً مقدماً،
و((ثيابُ)) مبتدأ مؤخرٌ كأنه قيل: فوقَهم ثيابُ. قال أبو البقاء(٢): ((لأنَّ
عالِيَهم بمعنى فَوْقَهم. وقال ابن عطية(٣): ((ويجوز في النصبِ أَنْ تكونَ
على الظرف لأنَّه بمعنى فوقهم)). قال الشيخ(٤): ((وعالٍ وعالية اسمُ
فاعلٍ، فيحتاج في [إثبات](٥) كونِهما ظرفَيْن إلى أَنْ يكونَ منقولاً مِنْ
كلام العرب: عالِيَكْ أو عاليتُك ثوبُ)). قلت: قد وَرَدَتْ ألفاظٌ مِنْ صيغةِ
أسماءِ الفاعِلِيْن ظروفاً نحو: خارجَ الدار وداخلَها وباطنَها وظاهرَها.
تقول: جلَسْتُ خارج الدارِ، وكذلك البواقي فكذلك هذا.
الثاني: أنَّه حالٌ من الضمير في ((عليهم))(٦). الثالث: أنه حالٌ مِنْ
مفعولِ ((حَسِبْتَهم))(٧). الرابع: أنه حالٌ مِنْ مضافٍ مقدرٍ، أي: رَأَيْتَ أهلَ.
نعيم ومُلكِ كبير عاليَهم. فـ ((عاليَهم)) حالٌ مِنْ «أهل» المقدرِ. ذكرَ هذه
الأجهَ الثلاثةَ الزمخشريُّ فإنه قال (٨): ((وعاليَهم بالنصبِ على أنَّهِ حالٌ من
(١) الإملاء ٢٧٧/٢.
(٢) الإملاء ٢٧٧/٢ ووقع في المطبوعة تحريف.
(٣) المحرر ١٩٢/١٦ .
(٤) البحر ٣٩٩/٨.
(٥) من البحر.
(٦) من قولِه ((ويَطوفُ عليهم)) الآية ١٩.
(٧) في الآية ١٩.
(٨) الكشاف ٤/ ١٩٩.
٦١٦

- الإنسان -
الضميرِ في ((يَطوف عليهم)) أو في ((حَسِبْتَهم))، أي: يطوفُ عليهم وِلْدانٌ
عالياً للمَطوفِ عليهم ثيابٌ، أو حَسِبْتَهم لؤلؤاً عاليَهم ثيابٌ. ويجوزُ أَنْ
يراد: [رأيت](١) أهلَ نعيم))(٢). قال الشيخ(٣): ((أمَّا أَنْ يكونَ حالاً من
الضمير في ((حَسِبْتَهم)) فإنه لا يعني إلَّ ضمير المفعول، وهو لا يعودُ إلَّ
على ((ولدانٌ)) ولذلك قدَّر ((عاليَهم)) بقوله: ((عالياً لهم))، أي: للوِلْدان.
وهذا لا يَضْلُحُ؛ لأنَّ الضمائرِ الآتية بعد ذلك تَدُلُّ على أنها للمَطوفِ
عليهم مِنْ قوله: ((وحُلُوا)) و ((سَقاهم)) و ((إِنَّ هذا كان لكم جَزاءً)) وفَكُ
الضمائر وَجَعْلُ(٤) هذا لذا، وهذا لذا، مع عدمِ الاحتياجِ والاضطرارِ إلى
ذلك، لا يجوزُ. وأمَّا جَعْلُه حالاً مِنْ محذوفٍ وتقديرُه: أهلَ نعيم
فلا حاجةً إلى ادِّعاء الحَذْفِ مع صحةِ الكلامِ وبراعتِهِ دونَ تقديرٍ ذلك
المحذوفِ)). قلت: جَعْلُ أحَدِ الضمائر لشيءٍ والآخرِ لشيءٍ آخرَ لا يمنعُ
صحةَ ذلك مع ما يميُِّ عَوْدَ كلِّ واحدٍ إلى ما يليقُ به، وكذلك تقديرُ
المحذوفِ غيرُ ممنوع أيضاً، وإنْ كان الأحسنُ أَنْ تتفقَ الضمائرُ، وأن
لا يُقَدَّرَ محذوفٌ، والزمخشريُّ إنما ذَكَرَ ذلك على سبيل التجويزِ، لا على
أنَّه أَوْلِىُ أو مساوٍ، فَيُرَدُّ عليه بما ذكره.
الخامس: أنه حالٌ مِنْ مفعول ((لَقَّاهم)). السادس: أنه حال مِنْ
مفعول ((جَزَاهُمْ)) ذكرهما مكي(٥). وعلى هذه الأوجهِ التي انتصبَ فيها
على الحالِ يرتفعُ به («ثيابُ)) على الفاعلية، ولا تَضُرُّ إضافته إلى معرفةٍ في
(١) من الكشاف.
(٢) تمام العبارة: ((وملكِ عالیھم ثيابٌ)).
(٣) البحر ٣٩٩/٨.
(٤) البحر: ((يجعل هذا)).
(٥) إعراب المشكل ٤٣٩/٢.
٦١٧

- الإنسان -
وقوعِه حالاً؛ لأنَّ الإِضافةَ لفظيةٌ، كقولِه تعالى: ((عارِضٌ مُمْطِرُنا))(١)
[وقوله: ](٢)
٤٤٥٢_ یا رُبَّ غابِطِنا
ولم يؤنَّثْ ((عالياً)) لأنَّ مرفوعَه غير حقيقيِّ التأنيثِ. السابع: أَنْ
ينتصِبَ ((عاليَهم)) على الظرفيةِ، ويرتفع ((ثيابُ)) به على جهة الفاعلية ..
وهذا ماشٍ على قولِ الأخفش والكوفيين حيث يُعملون الظرفَ وعديلَه
وإنْ لم يَعْتمد، كما تقدَّم ذلك في الوصفِ. وإذا رُفِعَ ((عاليَهم)) بالابتداء
و «ثيابُ)) على أنه فاعلٌ به كان مفرداً على بابِهِ لوقوعِه موقعَ الفِعلِ، وإذا
جُعل خبراً مقدَّماً كان مفرداً مُراداً به الجمعُ، فيكونُ كقولِه تعالى: ((فقُطِعَ
دابِرُ القوم)»(٣)، أي أدبار، قاله مكي(٤).
وقرأ (٥) ابن مسعود وزيد بن علي ((عاليتُهم)» مؤنثاً بالتاء مرفوعاً.
والأعمش وأبان عن عاصم كذلك، إلَّ أنه منصوبٌ، وقد عَرَفْتَ الرفعَ
والنصبَ ممَّا تقدَّم، فلا حاجةَ لإِعادتهما. وقرأَتْ عائشة رضي الله عنها.
(عَلِيَتْهم)) فعلاً ماضياً متصلاً بتاء التأنيث الساكنة، و((ثيابُ)) فاعلٌ به،
وهي مقوِّيَةٌ للأوجه المذكورة في رفع ((ثياب)» بالصفة في قراءة الباقين كما
تقدَّم تفصيلُه .
(١) الآية ٢٤ من الأحقاف.
(٢) تقدم برقم ١٨١٠.
(٣) الآية ٤٥ من الأنعام.
(٤) إعراب المشكل ٢/ ٤٤٠.
(٥) البحر ٣٩٩/٨.
٦١٨

- الإنسان -
وقرأ ابنُ سيرين ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة وخلائق
((عليهم)، جارًّاً ومجروراً، وإعرابُهُ كإعرابِ ((عاليَهم)) ظرفاً في جوازٍ كونِه
خبراً مقدَّماً، أو حالاً ممَّا تقدَّم، وارتفاعُ («ثيابُ)) به على التفصيلِ المذكورِ
آنفاً .
وقرأ العامَّةُ / ((ثيابُ سُنْدُس)) بإضافةِ الثيابِ لِما بعدها. وأبو حيوةَ [٨٩٥/أ]
وابنُ أبي عبلةَ ((ثيابٌ)) منونةٌ ((َسندسٌ خضرٌ وإستبرقٌ)) برفعِ الجميعِ،
فـ ((سندسٌ)) نعتٌ لـ ((ثيابٌ)) لأنَّ السُّنْدسَ نوعٌ، و((خُضْرٌ)) نعتٌ
لـ ((سندس))؛ إذ السندسُ يكونُ أخضرَ وغيرَ أخضرَ، كما أنَّ الثيابَ يكونُ
سُنْدُساً وغيرَه. و ((إستبرقٌ)) نَسَقُ على ما قبلَه، أي: وثياب استبرق.
واعلَمْ أنَّ القرَّاءَ السبعةَ في ((خُضْر وإستبرق)) على أربع مراتبٌ(١)،
الأولى: رَفْعُهما، لنافع وحفصٍ فقط. الثانية: خَفْضُهما، للأخوَيْن(٢)
فقط. الثالثة: رَفْعُ الأولِ وخفضُ الثاني لأبي عمروٍ وابنِ عامرٍ فقط.
الرابعةُ عكسُ الثالثةِ، لابنِ كثيرٍ وأبي بكرٍ فقط. فأمَّا القراءةُ الأولى(٣):
فإنَّ رَفْعَ ((خُضْرٌ)) على النعتِ لـ ثياب، ورَفْعَ ((إسْتبرقٌ) نَسَقاً على الثياب،
ولكن على حَذْفِ مضافٍ، أي: وثيابُ إستبرقٍ. ومثلُه: ((على زيدٍ ثوبُ
خَزِّ وكَثَانٌ)) أي: وثوبُ كُنَّانٍ. وأمَّا القراءةُ الثانية (٤) فيكونُ جَرُّ ((خُضْرٍ))
على النعتِ لسُنْدُس. ثم اسْتُشْكِلَ على هذا وَصْفُ المفردِ بالجمعِ فقال
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٦٤، والتيسير ٢١٨، والقرطبي ١٤٦/١٩،
والحجة ٧٤٠، والبحر ٤٠٠/٨، والنشر ٣٩٦/٢، والمحتسب ٢/ ٣٤٤،
والإتحاف ٥٧٨/٢ .
(٢) وهما حمزة والكسائي.
(٣) خضرٌ وإستبرقٌ.
(٤) خضرٍ وإستبرقٍ.
٦١٩

- الإنسان -
مكي(١): ((هو اسمٌ للجمع. وقيل: هو جمعُ سُنْدُسَة)) كتَمْر وتَمْرة، واسمُ
الجنس وَصْفُه بالجمع سائغٌ فصيحُ. قال تعالى: ((ويُنْشِىءُ السَّحابَ
الثّقالَ)(٢). وإذا كانوا قد وَصَفوا المفردَ المُحَلَّى لكونِهِ مُراداً به الجنسُ
بالجمعِ في قولهم: ((أَهْلَكَ الناسَ الدِّينارُ الحُمْرُ والدِّرْهَمُ البيضُ))، وفي
التنزيل: ((أو الطفلِ الذين)»(٣) فَلَأَنْ يُؤْجَّدَ ذلك في أسماءِ الجموعِ
أو أسماءِ الأجناس الفارقِ بينها وبين واحدِها تاءُ التأنيثِ بطريقِ الأَوْلى.
وجَُّ ((إستبرق)) نَسَقاً على ((سندس)) لأنَّ المعنى: ثيابٌ مِنْ سُندسِ وثيابٌ
مِنْ إستبرق.
وأمَّا القراءةُ الثالثةُ(٤) فرَفْعُ ((خُضْرٌ)) نعتاً لـ ((ثيابٌ)) وجَرُّ ((إستبرقٍ))
نَسَقاً على ((سُنْدُس))، أي: ثيابٌ خضرٌ مِنْ سُندسِ ومِنْ إستبرقٍ، فَعلى
هذا يكون الإِستبرَقُ أيضاً أخضرَ.
وأمَّا القراءةُ الرابعةُ(٥) فجَرّ ((خُضْرٍ)) على أنه نعتٌ لسُنْدس، ورَفْعُ
(إستبرقُ)) على النَّسَقِ على ((ثياب)) بحَذْفِ مضافٍ، أي: وثيابُ إستبرق.
وتقدَّم الكلامُ على مادةِ السُّنْدُس والإستبرق(٦) وما قيل فيهما في سورة
الكهف .
وقرأ ابنُ مُحيصنٍ ((وإستبرقَ)) بفتحِ القافِ. ثم اضطرب النَّقْلُ عنه
في الهمزة: فبعضُهم يَنْقُل عنه أنه قَطَعهاَ، وبعضهم ينقُلُ عنه أنه وَصَلَها.
(١) إعراب المشكل ٢/ ٤٤١.
(٢) الآية ١٢ من الرعد.
(٣) الآية ٣١ من النور.
(٤) خضرٌ وإستبرقٍ.
(٥) خضرٍ وإستبرقٌ.
(٦) انظر الدر المصون ٤٨٣/٧.
٦٢٠