النص المفهرس
صفحات 581-600
- القيامة - ٤٤٢١- إنْ تَغْفِرِ اللهمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وأيُّ عبدٍ لكَ لا أَلَمَّا وقال آخر (١): ٤٤٢٢- وأيُّ خَميس لا أَفَأْنا نِهِابَه وأسيافُنا مِنْ كَبْشِه تَقْطُرِ الدِّما واستدلَّ بعضُهم أيضاً على ذلك بقولِ امرِىء القيس(٢): ٤٤٢٣- كأنَّ دِثاراً حَلَّقَتْ بِلَبُوْنِه عُقابُ تَنُوْفَىُ لا عُقابُ القواعِلِ / فقوله: ((لا عُقابُ)) عطفٌ على ((عُقابُ تَنُوفَى)) وهو مرفوعٌ [١/٨٩٠] بحلَّقَتْ، وفي البيتَيْنِ الأَوَّلَيْنِ غُنْيَةٌ عن هذا. وقال مكي (٣): ((لا)) الثانيةُ نفيٌّ، وليسَتْ بعاطفةٍ، ومعناه: فلم يُصَدِّقْ ولم يُصَلِّ)). قلت: كيف يُتَوَهَّمُ العطفُ حتى يَنْفِيَه؟ وجعل الزمخشريُّ(٤) ((فلا صَدَّقَ ولا صَلَّى)) عطفاً على الجملة مِنْ قولِه: ((يَسْألُ = الشجري ١٤٤/١، والإنصاف ٧٦، والمغني ٣٢١، والخزانة ٧٦/٢، واللسان لمم. (١) البيت لطرفة وهو في ديوانه ١٩٥ ومجاز القرآن ٢٧٨/٢، وأمالي الشجري ٢٢٨/٢، والبحر ٣٩٠/٨، والمحرر ١٨٠/١٦. وأفأنا: جعلناه فيئاً، أي : غنيمة . (٢) ديوانه ٩٤. ودثار: راعي إبله. اللبون: ذوات اللبن. تنوفى: جبل وكذلك القواعل. (٣) إعراب المشكل ٤٣٢/٢ . (٤) الكشاف ٤/ ١٩٣. ٥٨١ - القيامة - أيَّانَ يُومُ القيامةِ)) قال: ((وهو معطوفٌ على قوله: ((يَسْأل أيَّانَ))، أي: لا يُؤْمِنُ بالبعثِ فلا صَدَّقَ بالرسول والقرآن)»، واستبعده الشيخ(١) .. .آ. (٣٢) قوله: ﴿ولكنْ كَذَّبَ﴾: الاستدراكُ هنا واضحٌ؛ لأَنَّه لا يَلْزَمُ مِنْ نَفْي التصدُّقِ والصلاةِ التكذيبُ والتولِّي؛ لأنَّ كثيراً من المسلمين كذلك، فاسْتَذْرَكَ ذلك: بأنَّ سببَه التكذيبُ والتولِّي، ولهذا يَضْعُفُ أَنْ يُحْمَلَ نَفْيُ التصديقِ على نَفْىٍ تصديقِ الرسولِ؛ لئلا يَلْزَمَ التكرارُ، فتقعَ «لكنْ)» بين متوافقَيْن، وهو لا يجوزُ. آ. (٣٣) قوله: ﴿يَتَمَطَّى﴾: جملةٌ حاليةٌ مِنْ فاعل «ذَهَبِّ»، وقد يجوز أَنْ يكونَ بمعنى: شرع في التمطي، كقوله(٢): ٤٤٢٤- فقامَ يَذُودُ الناسُ عنها . وتمطَّى فيه قولان، أحدُهما(٣): أَنَّه مِنْ المَطا، والمطا: الظهرُ، ومعناه: يَتَبَخْتَرُ، أي: يَمُدُّ مَطاه ويَلْوِيه تَبَخْتُراً في مِشْيته. والثاني(٤): أنَّ أصله: يَتَّمَطَّطُ، مِنْ تَمَطَّط، أي: تَمَدَّد، ومعناه: أنَّه يتمدَّدُ في مِشْيَئِه (١) البحر ٨/ ٣٩٠. (٢) تقدم برقم ٩٤. (٣) وهو قول الفراء في معاني القرآن ٢١٢/٣، فأصله على هذا: يتمَّطَّوُ وقعت الواو لاماً فوق الثالثة فقلبت ياء ثم تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً ووزنه يتفعّل. (٤) وهو قول الزمخشري في كشافه ٤١٧/٢، فالأصل يتمطّط اجتمع ثلاث حروف من جنس واحد فقلبت الطاء ياء ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. وانظر: معجم مفردات الإعلال والإبدال ٤٧٠. ٥٨٢ - القيامة - تَبَخْتُراً، ومِنْ لازِمِ التبختُرِ ذلك، فهو يَقْرُبُ مِنْ معنى الأول ويفارِقُه في مادتِه؛ إذ مادةُ المَطا: م ط و، ومادةُ الثاني: م ط ط، وإنما أُبْدِلَتِ الطاءُ الثالثةُ ياءً كراهةَ احتمالِ الأمثالِ نحو: تَظَنَّيْت وقَصَّيْتُ أظفاري، وقوله(١) : ٤٤٢٥- تَقَضِّيَ البازِيْ إذا البازِي كَسرْ والمُطَيْطاء: التَّبَخْتُرُ ومَذُّ الْيَدِيْن في المَشْي، والمَطيطة: الماء الخائِرُ أسفلَ الحوضِ؛ لأنه يتمطَّطُ، أي: يمتَذُّ فيه. آ. (٣٤) وتقدَّم الكلامُ على قوله: ((أَوْلَىُ لك فَأَوْلَىْ)» في آخر سورة القتال(٢) مُشبعاً، وإنما كُرِّرَ هنا مبالغةً في التهديد والوعيد. وقالت الخنساء(٣). ٤٤٢٦- هَمَمْتُ بنفسِيَ كلَّ الهمومِ فأَوْلَى لَنَفْسِيَّ أَوْلَى لها وقال أبو البقاء(٤) هنا: ((وزنُ أَوْلَى فيه قولان، أحدُهما: فَعْلَىُ، والألفُ فيه للإِلحاقِ لا للتأنيثِ. والثاني: هو أَفْعَلُ، وهو على القولَيْن هنا [عَلَم](٥) ولذلك لم يُنَوَّنْ، ويَدُلُّ عليه ما حكى أبو زيدٍ في (١) تقدم برقم ٥١٩. (٢) انظر إعرابه للّآية ٢٠ من سورة القتال (محمد صلَّى الله عليه وسلم). (٣) ديوانها ١٢١، واللسان (ولي)، والمحرر ١٨١/١٦. (٤) الإملاء ٢/ ٢٧٥. (٥) زيادة من الإملاء. والعلمية هنا للوعيد فصار كرجل اسمه أحمد. القرطبي ١١٦/١٩. ٥٨٣ - القيامة - (النوادر)(١): ((هي أَوْلاءُ)) بالتاءِ غيرَ مَصْروفٍ، فعلى هذا يكونُ ((أَوْلِى)» مبتدأً، و((لك)) الخبرُ. والثاني: أَنْ يكونَ اسماً للفعل مبنياً ومعناه: وَلِيَكَ شَرٌّ بعد شَرّ، و((لك)) تبيينٌ)). آ. (٣٦) قوله: ﴿شُدَى﴾: حالٌ مِنْ فاعلِ ((يُتْرَكُ)) ومعناه: مُهْمَلاً يقال: إبلٌ سُدَى، أي: مُهْملة. قال الشاعر(٢): ٤٤٢٧ - وأُقْسِمُ بالله جَهْدَ اليمين ما خَلَقَ اللَّهُ شيئاً سُدَى أي: مهملاً واسْدَیْتُ حاجتي، أي: ضيّعْتُها. ومعنى ((أَسْدَی إلیه معروفاً)، أي: جعله بمنزلةِ الضَّائع عند المُسْدى إليه لا يذكره ولا يَمُنُّ به عليه(٣) . آ. (٣٧) قوله: ﴿ألم يَكُ نُطْفَةً﴾: العامَّةُ على الياءِ مِنْ تحتُ في (يك)) رجُوعاً للإِنسان. والحسن(٤) بتاءِ الخطابِ على الالتفاتِ إليه توبيخاً له . قوله: ((يُمْنَى)) قرأ(٥) حفص ((يُمْنى)) بالياء مِنْ تحتُ، وفيه وجهان: (١) النوادر ٢٦٠. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في الماوردي ٣٦٤/٤، والبحر ٣٨٢/٨، والقرطبي ١١٦/١٩. (٣) لعل هذا التوجيه بعيد، الأقرب منه أن تكون من أسدى، أي: نسج فأسدى إليه معروفاً، أي: نسج وعمل وصنع. (٤) البحر ٨/ ٣٩١. (٥) السبعة ٦٦٢، والنشر ٣٩٤/٢، والبحر ٣٩١/٨، والتيسير ٢١٧، والحجة ٧٣٧، والقرطبي ١١٧/١٩. ٥٨٤ - القيامة - أحدُهما: أنَّ الضميرَ عائدٌ على المنيُّ، أي: يُصَبُّ، فتكونُ الجملةُ في محلٌّ جر. والثاني: أنه يعودُ للنّطفةِ؛ لأنَّ تأنيثَها مجازيٌّ، ولأنَّها في معنى الماءِ، قاله أبو البقاء(١)، وهذا إنما يتمشّى على قولِ ابنِ كيسان. وأمَّا النحاةُ فيجعلونه ضرورةً كقوله(٢): ٤٤٢٨- ولا أرضَ أبْقَلَ إبْقالَها وقرأ الباقون (تُمْنَى)) بالتاءِ مِنْ فوقُ على أنَّ الضميرَ للتُّطفة. فعلى هذه القراءةِ وعلى الوجهِ المذكورِ قبلَها تكونُ الجملةُ في محلٌ نصبٍ؛ لأنها صفةٌ لمنصوبٍ. / [٨٩٠/ ب] آ. (٣٩) قوله: ﴿الذكَرَ والأنثى﴾: يجوزُ أَنْ يكونا بَدَلَيْنِ مِنْ (الزَّوْجَيْن))، وأَنْ يكونا منصوبَيْن بإضمارِ ((أعني)) على القطع، والأصلُ عَدَمُه. وقرأ العامَّةُ ((الزوجَيْن))، وزيدُ بن علي (٣) ((الزوجان)) على لغة مَنْ يُجْري المثنى إجراءَ المقصورِ، وقد تقدَّم تحقيقُه في طه (٤)، ومَنْ تُنْسَبُ إليه هذه اللغةُ، والاستشهادُ على ذلك. آ. (٤٠) وقرأ العامَّةُ أيضاً ((بقادرِ)) اسمَ فاعلٍ مجروراً بباءٍ زائدةٍ في خبرِ ((ليس)). وزيدُ بن علي(٥) ((يَقْدِرُ)) فعلاً مضارعاً. والعامَّةُ على (١) الإملاء ٢٧٥/٢. (٢) تقدم برقم ٢٨٣. (٣) البحر ٣٩١/٨. (٤) انظر إعرابه للآية ٦٣ من طه. (٥) البحر ٣٩١/٨. ٥٨٥ أ - القيامة - نصب (يُحْبِيَ)) بـ ((أَنْ)) لأنَّ الفتحةَ خفيفةٌ على حرفِ العلةِ. وقرأ(١) طلحةٌ بن سليمان والفياض بن غزوان بسكونها: فإمَّا أَنْ يكونَ خَفَّفَ 1 حرفَ العلةِ بحَذْفٍ حركةِ الإِعرابِ، وإمَّا أَنْ يكونَ أجرىُ الوصلَ مُجْرى: الوقفِ . · وجمهورُ الناس على وجوبٍ فَكِّ الإِدغام. قال أبو البقاء(٢): ((لئلا يُجْمَعَ بين ساكنَيْنِ لفظاً أو تقديراً». قلت: يعني أنَّ الحاءَ ساكنةٌ، فلو أذْغَمْنا لسَكَنَّا الياءَ الأولى أيضاً للإِدغام فيَلْتقي ساكنان لفظاً، وهو مُتَعَذَّرُ النطقِ، فهذان ساكنان لفظاً. وأمَّا قولُه: ((تقديراً)) فإنَّ بعضَ النَّاس جوَّز الإِدغامَ في ذلك، وقراءتُه ((أَنْ يُحِيَّ)) وذلك أنه لَمَّا أراد الإِدغامَ نَقَلَ حركةَ الياءِ الأولى إلى الحاء، وأدغمها، فالتقى ساكنان: الحاءُ - لأنها. ساكنةٌ في التقدير قبل النقلِ إليها ــ والياءُ؛ لأنَّ حركتَها نُقِلَتْ مِنْ عليها إلى الحاءِ، واستشهد الفراءُ (٣) لهذه القراءة: بقوله(٤) :. ٤٤٢٩- تَمْشِي لسُدَّةِ بيتها فَتُعِيُّ (١) انظر: المحتسب ٣٤٢/٢، والبحر ٣٩١/٨، والشواذ ١٦٥ . (٢) الإملاء ٢/ ٢٧٥. (٣). معاني القرآن ٢٠١٣/٣ . (٤) لم أهتد إلى قائله، وصدره: وكأنها بين النساء سبيكةٌ وهو في الفراء ٢١٣/٣، والمحتسب ٢٦٩/٢، والمنصف ٢٠٦/٢، والهمع ٥٣/١، والدرر ٣١/١، واللسان (عيي)، وروايات إنشاد الشاهد كثيرة، وما أثبتناه هو مقصود الفراء من تشبيه البيت بهذه القراءة الشاذة. والفعل. مضارع أعياً فهو يُغْيِي. ٥٨٦ - القيامة - وأمَّا أهلُ البصرةِ فلا يُدْغِمونه البتةَ، قالوا: لأنَّ حركةَ الياءِ عارضةٌ؛ إذ هي للإِعرابِ. وقال مكي (١): ((وقد أجمعوا على عَدَمِ الإِدغامِ في حالٍ الرفع. فأمَّا في حالِ النصبِ فقد أجازه الفراءُ لأجلِ تحرُّك الياء الثانيةِ، وهو لا يجوزُ عند البَصْريين؛ لأنَّ الحركةَ عارضةٌ)) قلت: ادعاؤُهُ الإِجماعَ مردودٌ بالبيتِ الذي قَدَّمْتُ إنشاده عن الفراءِ، وهو قوله: ((فَتُعِيُّ)) فهذا مرفوعٌ وقد أُدْغِمَ. ولا يَبْعُدُ ذلك؛ لأنَّه لَمَّا أُدْغِم ظهرَتْ تلك الحركةُ لسكونِ ما قبل الياءِ بالإِدغام. [تمَّت بعونه تعالى سورة القيامة] (١) إعراب المشكل ٤٣٣/٢. ٥٨٧ سورة الإنسان بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿هل أتىْ﴾: في ((هل)) هذه وجهان، أحدُهما: أنَّها على بابِها من الاستفهامِ المَخْضِ، أي: هو مِمَّنْ يُسْأَلُ عنه لغرابِه: أأتى عليه حينٌ من الدهرِ لم يكنْ كذا، فإنه يكونُ الجوابُ: أتى عليه ذلك، وهو بالحالِ المذكورةِ، كذا قاله الشيخ(١)، وهو مدخولٌ كما ستعرِفُه قريباً. وقال مكي(٢) في تقرير كونها على بابها من الاستفهام: ((والأحسنُ أَنْ تكونَ على بابِها للاستفهام الذي معناه التقريرُ، وإنما هو تقرير لمَنْ أنكر البعثَ، فلا بُدَّ أَنْ يقولَ: نعم قد مضى دهر طويل لا إنسانَ فيه. فيقال له: مَنْ أَحْدَثَه بعد أن لم يكُنْ وَكَوَّنه بعد عَدَمِه کیف يمتنع عليه بَعْثُه وإحياؤه بعد مَوْتِه؟ وهو معنى قوله: ((ولقد عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأولىُ فلولا تَذَكَّرون))(٣)، أي: فهلَّ تَذَكَّرون فتعلَمون أنَّ مَنْ أَنْشأ شيئاً - بعد أن لم يكُنْ ــ قادرٌ على إعادتِه بعد مَوْتِه وعَدَمِه)) انتهىُ. فقد جَعَلها لاستفهامِ التقريرِ لاللاستفهامِ المَحْضِ، وهذا هو الذي يجبُ أَنْ يكونَ؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يَرِدُ مِنَ الباري تعالى إلاَّ على هذا النحوِ (١) البحر ٣٩٣/٨. (٢) إعراب المشكل ٤٣٤/٢. (٣) الآية ٦٢ من الواقعة ٥٨٩ - الإنسان - وما أشبهه. والثاني: أنها بمعنى ((قد)) قال الزمخشري (١): ((هل بمعنى ((قد)) في الاستفهام خاصة. والأصل: أهل بدليلٍ قولِه (٢): ٤٤٣٠ - سائِلْ فوارسَ يَرْبوعِ بِشَدَّتِنا أُهَلْ رَأَوْنا بوادي القُفِّ ذي الأُكَم فالمعنى: أقد أتى، على التقريرِ والتقريبٍ جميعاً، أي: أتى على الإِنسان قبلَ زمانٍ قَريبٍ حينٌ من الدهرِ لم يكنْ فيه شيئاً مذكوراً، أي: كان شيئاً مَنْسِيًَّ غير مذكور)) انتهى. فقولُه: ((على التقريرِ)) يعني المفهومَ من الاستفهام، وهو الذي فهم مكيٍّ مِنْ نفس ((هل)). وقوله: ((والتقريب)) يعني المفهومَ مِنْ ((قد)) التي وقع مَوْقِعَها ((هل)). ومعنى قوله ((في [٨٩١/أ] الاستفهام خاصةً)) أنَّ ((هل)) لا تكونُ بمعنى ((قد)) إلاَّ ومعها استفهامٌ / لفظاً كالبيتِ المتقدِّم، أو تقديراً كالآية الكريمةِ. فلو قلتَ: «هل جاء زيدٌ)) تعني: قد جاء(٣)، من غيرِ استفهامٍ لم يَجُزْ، وغيرُه جَعَلَها بمعنى ((قد)) من غيرِ هذا القيدِ. وبعضُهم لا يُجيزه البتةَ، ويَتَأَوَّل البيتَ: على أنَّه مِمَّا جُمِعَ فيه بين حرِفَيْ معنىً للتأكيدِ، وحَسَّن ذلك اختلافُ لفظِهما كقولِ الشاعِرِ (٤): ٤٣٣١- فأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنَنِي عَنْ بِما به (١) الكشاف ٤/ ١٩٤. (٢) تقدم برقم ٢٨٥٠ (٣) الأصل ((قام)) وهو سهو، والتصحيح من ( ش). (٤) تقدم برقم ٩١٦. ٥٩٠ : - الإنسان - فالباءُ بمعنى ((عن)»، وهي مؤكِّدةٌ لها. وإذا كانوا قد أَكَّدوا مع اتفاقٍ اللفظِ كقولِه(١): ٤٤٣٢- فَلا واللَّهِ لا يُلْفَى لِما بي ولا لِلِما بهمْ أبداً دَواءُ فَلَأَنْ يُؤَكِّدوا مع اختلافِه أَحْرى. ولم يَذْكُرِ الزمخشريُّ غيرَ كونِها بمعنى ((قد)»(٢)، وبقي على الزمخشريُّ قيدٌ آخر: وهو أَنْ يقولَ: في الجملِ الفعليةِ؛ لأنَّه متى دخلَتْ ((هل)) على جملة اسميةٍ استحالَ كونُها بمعنى (قد)) لأنَّ ((قد)» مختصَّةٌ بالأفعالِ. وعندي أنَّ هذا لا يَرِدُ؛ لأنَّ تفرَّر أنَّ ((قد)) لا تباشِرُ الأسماءَ. قوله: ((لم يَكُنْ)) في هذه الجملة وجهان، أحدُهما: أنَّها في موضعِ نصبٍ على الحالِ من («الإِنسان))، أي: هل أتى عليه حينٌ في هذه الحالةِ. والثاني: أنها في موضعٍ رفع نعتاً لـ ((حينٌ)) بعد نعتٍ. وعلى هذا فالعائدُ محذوفٌ تقديرُه: حينٌ لم يَكُنْ فيه شيئاً مذكوراً، والأول أظهرُ لفظاً ومعنىّ. آ. (٢) قوله: ﴿أَمْشاج﴾: نعتٌ لـ «نُطْفة)) ووَقَعَ الجمعُ صفةً المفردٍ؛ لأنَّ في معنى الجمع، كُقولِه تعالى: ((رَفْرَفٍ خُضْرٍ))(٣) أو جُعِل كلُّ جزءٍ من النُّطفةِ نُطفةً، فاعتبر ذلك فوُصِفَ بالجمع، وقال الزمخشري(٤): ((أَمْشاج كِبْرْمَةٍ أَعْشار(٥)، ويُرْدٍ أَكْياشٌ(٦) وهي ألفاظٌ (١) تقدم برقم ١٣٨٣. (٢) الكشاف ٤/ ١٩٤. (٣) الآية ٧٦ من الرحمن. (٤) الكشاف ٤/ ١٩٤. (٥) برمة أعشار: إذا انكسرت قطعاً قطعاً. (٦) الأكياش: ضرب من برود اليمن. انظر: الكتاب ١٧/٢ . ٥٩١ ■■ - الإنسان - مفردةٌ غيرُ جموع؛ ولذلك تقع صفاتٍ للأفرادِ)) ويقال: نُطْفَةٌ مَشَجٌ، قال الشماخ(١) : ٤٤٣٣ - طَوَتْ أَحْشاءَ مُرْتِجَةٍ لوَقْتٍ على مَشَجِ سُلالتُهِ مَهِينُ ولا يَصِحِ ((أَمْشاج)) أَنْ يكونَ تكسيراً له(٣)، بل هما مِثْلان في الإِفرادِ لوصف المفرد بهما)). فقد مَنَعَ أَنْ يكونَ أَمْشاجاً جمعَ ((مِشْجِ)) بالكسر. قال الشيخ(٣): ((وقوله مخالفٌ لنصِّ سيبويهِ والنَّحْويين على أَنْ أَفعالاً لا يكون مفرداً. قال سيبويه(٤): ((وليس في الكلام ((أَفْعال)) إلَّ أَنْ يُكَسَّرَ عليه اسماً للجميع، وما وَرَدَ مِنْ وصفِ المفردِ بأَفْعال تَأَوَّلوه» : انتهى. قلت: هو لم يَجْعل أَفْعالاً مفرداً، إنما قال: يُؤْصف به المفردُ(٥)، يعنى بالتأويلِ الذي ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّهم جَعَلُوا كلَّ قِطعةٍ من البُرْمَة بُرْمَةً، وكلَّ قطعةٍ من البُرْد بُرْداً، فوصفوهما بالجمع. وقال الشيخ (٦): ((الأمشاج: (١) ديوانه ٣٢٨، ومرتجة مِنْ رتج إذا أغلق. والوقت وقت الولادة. يصف أنثى قبلت ماء الفحل وحملت منه. وضبط مشج بفتحتين، وعند السمين أنها مِشْج وهو يتابع في هذا أبا حيان ولم أره في معاجم اللغة، وفي مطبوعة الكشاف من غير ضبط، والذي منعه الزمخشري هو اعتقاد تكسير المفرد وإنما اللفظان عنده مفردان . (٢) أي: لـ مِشْج. (٣) البحر ٣٩٤/٨. (٤) تحدث سيبويه في مواضع كثيرة من كتابه عن بناء أفعال وأوجه استعماله ولكنه أقرَّ أنه يكون للواحد قال: ((وأمَّا أفعال فقد يقع للواحد)) وضرب مثالاً على ذلك بأكياش وأنعام. انظر: الكتاب ١٧/٢ . (٥) انظر صدر عبارة الزمخشري. (٦) البحر ٣٩١/٨. ٥٩٢ - الإنسان - الأخلاط، واحدُها مَشَج بفتحتين، أو مِشْج (١) كعِدْل وأَعْدال أو مَشِيج كشريف وأَشْراف، قاله ابنُ الأعرابي. وقال رؤبة(٢). ٤٤٣٤- يَطْرَحْن كلَّ مُعْجَلٍ نَتَّاجِ لم يُكْسَ جِلْداً مِنْ دمٍ أَمْشاجٍ وقال الهذلي (٣): ٤٤٣٥ - كأن الرِّيْشَ والفُوْقَيْنِ منها خِلافَ النَّصْلِ سِيْطَ بِه مَشِيْجُ وقال الشماخ (٤): ٤٤٣٦ - طَوَتْ أحشاءَ مُرْتِجَةٍ البيت. ويقال: ((مَشَجِ يَمْشُجُ مَشْجاً إذا خَلَط، ومَشيج كخليط ومَمْشوج كمخلوط)) انتهى. فجوَّزَ أَنْ يكونَ جَمْعاً لـ مِشْج كعِذْل، وقد تقدَّم أنَّ الزمخشريَّ(٥): مَنَعَ ذلك. وقال الزمخشريُّ: ((ومَشَجَه ومَزَجَه بمعنىّ، والمعنى: مِنْ نُطْفة امتزَجَ فيها الماءان. (١) لم أقف على هذا الضبط في معاجم اللغة التي نصت على: المَشْجِ والمَشِج والمَشَجِ والمَشيج. (٢) ديوانه ٣٢. (٣) البيت لعمرو بن الداخل، وهو في ديوان الهذليين ١٠٤/٣، واللسان (مشج)»، والقرطبي ١١٨/١٩. ويقول: كأن السهم خلط بدم لما خرج من الرمية، فقد دمي الريش والفوقان. (٤) تقدم برقم ٤٤٣٣. (٥) الكشاف ١٩٤/٤ والزمخشري لم يمنع هذا اللفظ بعينه - ولم أجده في المعاجم - وإنما منع اعتقاد تكسير المفرد. ٥٩٣ - الإِنسان - قوله: (نَبْتَليه)) يجوزُ في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها حالٌ مِنْ فاعل ((خَلَقْنَا))، أي: خَلَقْناه حالَ كونِنا مُبْتَلِين له. والثاني: أنَّها حالٌ من ((الإِنسان))، وصَحَّ ذلك لأنَّ في الجملة ضميرَيْن كلٌّ منهما يعودُ على ذي الحال. ثم هذه الحالُ يجوزُ أَنْ تكونَ مقارِئَةً إنْ كان المعنى بـ(نَبْتَلِيه)»: نُصَرِّفُه في بطنِ أمِّه نُطْفَةً ثم عَلَقَةٌ، وهو قولُ ابن عباس، وأَنْ تكونَ مقدرةً إنْ كان المعنى بـ ((نَبْتَلِيه)»: نَخْتَبَره بالتكليفِ؛ لأنَّه وقتَ خَلْقِهِ غيرُ مكلَّفٍ. وقال الزمخشري(١): ((ويجوزُ أَنْ يكونَ المرادُ: ناقلين له مِنْ حالٍ إلى حالٍ، فُسُمِّي ذلك ابتلاءً على طريق الاستعارة)). قلت: هذا هو معنى قولِ ابنِ عباس المتقدَّم. وقال بعضُهم: ((في الكلام تقدیمٌ [٨٩١/ ب] وتأخيرٌ. والأصلُ: إِنَّا جَعَلْناه سَميعاً بصيراً نَبْتَليه، أي: جَعَلْنا / له ذلك للابتلاءِ)) وهذا لا حاجةَ إليه. آ. (٣) قوله: ﴿إِمَّا شاكراً﴾: ((شاكراً)) نصبٌ على الحال، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ مِنْ مفعولِ («هَدَيْناه))، أي: هَدَيْناهُ مُبَّنَاً له كلتا حالتيه. قال أبو البقاء(٢): ((وقيل: هي حالٌ مقدرةٌ)). قلت: لأنه حَمَلَ الهدايةَ على أولِ البيانِ له، و[هو](٣) في ذلك الوقتِ غيرُ مُتَّصِفٍ بإحدى الصفتَيْنِ. والثاني: أنه حالٌ من ((السبيل)) على المجاز. قال الزمخشري(٤): ((ويجوزُ أن يكونا حالَيْن من ((السبيل))، أي: عَرَّفْناه السبيلَ إمَّا سبيلاً شاكراً، وإمّا سبيلاً كَفُوراً كقوله: ((وهَدَيناه التَّجْدَيْنِ)»(٥) فوصفَ السبيلَ بالشُّكْرِ والكُفْر مجازاً. (١) الكشاف ٤/ ١٩٤ - ١٩٥. (٢) الإملاء ٢/ ٢٧٥ وليس في المطبوعة غير لفظة: ((حالان)). (٣) زيادة من (ش). (٤) الكشاف ٤ / ١٩٥. (٥) الآية ١٠ من البلد. ٥٩٤ - الإنسان - والعامَّةُ على كسر همزة ((إِمَّا)) وهي المرادِفَةُ لـ((أو)) وتقدَّم خلافُ النَّحويين فيها(١). ونقل مكيٍّ(٢) عن الكوفيين أنها هنا ((إنْ)) الشرطيةُ زِيْدَتْ بعدها ((ما )) ثم قال: ((وهذا لا يُجيزه البَصْرِيُّون؛ لأن ((إن)) الشرطيةَ لا تَدْخُلُ على الأسماءِ، إلَّ أَنْ يُضْمَرَ فعلٌ نحو: ((وإنْ أحدٌ»(٣)، ولا يَصِحُّ إضمارُ الفعلِ هنا؛ لأنه كان يلزَمُ رَفْعُ («شاكراً)) وأيضاً فإنَّه لا دليلَ على الفعلِ» انتهى. قلت: لا نُسَلِّمُ أنه يَلْزَمُ رَفْعُ «شاكراً» مع إضمارِ الفعلِ، ويُمْكِنُ أَنْ يُضْمَرَ فعلٌ يَنْصِبُ ((شاكراً» تقديرُه: إن خَلَقْنَاهُ شاكراً فشكورٌ، وإنْ خَلَقْناه كافراً فكفُوْرٌ (٤). وقرأ (٥) أبو السَّمَّال وأبو العجاج(٦) بفتحها. وفيها وجهان، أحدُهما: أنَّها العاطفةُ، وإنما لغةُ بعضِهم فَتْحُ همزتها، وأنشدوا على ذلك(٧): ٤٤٣٧ - يَلْفَحُها أمَّا شمالٌ عَرِيَّةٌ وأمَّا صَباً جِنْحَ العَشِيِّ هَبوبُ (١) انظر: الدر المصون ٤١٥/٢، ورصف المباني ١٠٠، الأزهية ١٤٨، المغني ٧٩. (٢) إعراب المشكل ٤٣٥/٢ . (٣) الآية ٦ من التوبة. (٤) وأضمر ابن الشجري هنا كان نحو: قد قيل ما قيل إن حقاً وإن كذباً انظر: الأمالي ٣٤٦/٢. (٥) البحر ٨/ ٣٩٤. (٦) في البحر: ((أبو العاج وهو كثير بن عبد الله السلمي شامي ولي البصرة لهشام ابن عبد الملك». (٧) نسبه في الخزانة ٢/ ٤٣٢ إلى أبي القمقام، وهو في رصف المباني ١٠١، والمقرب ٢٣١/١، والهمع ١٣٥/٢، والدر ١٨٢/٢، وقد حذف الشاعر حركة من التفعيلة الأولى من فعولن. ٥٩٥ - الإنسان - بفتح الهمزةِ. ويجوزُ مع فتح الهمزةِ إبدالُ ميمِها الأولى ياءً. قال(١): ٤٤٣٨_ أَيْما إلى جَنَّةٍ أَيْما إلى النارِ وحَذَفَ الواوَ بينهما. والثاني: أنها أمَّا التفصيليةُ، وجوابُها مقدرٌ. قال الزمخشري(٢): ((وهي قراءةٌ حسنةٌ والمعنى: أمَّا شاكِراً فَبِتَوْفِيْقِنا، وأمَّا كفُوراً فِسُوءِ اختيارِهِ» انتهى. ولم يذكُرْ غيرَه. آ. (٤) قوله: ﴿سلاسِلَ﴾: قرأ(٣) نافعٌ والكسائيُّ وهشام وأبو بكر بالتنوين، والباقون بغير تنوينٍ، ووقَبَ هؤلاءِ وحمزةُ وقنبلٌ عليه بالألفِ بلا خلافٍ. وابنُ ذكوانَ والبزيُّ وحفصٌ بالألفِ وبدونِها، فعَنْ ثلاثِهم الخلافُ، والباقون وقَفوا بدون ألفٍ بلا خلافٍ. فقد تَحَضَّل لك من هذا أن القُرَّاءَ على [أربع (٤)] مراتبَ: منهم مَنْ يُتَوِّنُ وصْلاً، ويقفُ بالألفِ وَقْفاً بلا خلافٍ وهم نافعٌ والكسائيُّ وهشامٌ وأبو بكر، ومنهم مَنْ لا يُنَوِّنُ ولا يأتي بالألِفِ وقفاً بلا خلافٍ، وهما حمزةُ وقنبلٌ، ومنهم مَنْ لم يُنَوِّنْ، ويقف بالألفِ بلا خلافٍ، وهو أبو عمروٍ وحدَه، ومنهم مَنْ لم يُتَوِّنْ، ويقفُ بالألف تارةٍ وبدونِها أخرى، وهم ابنُ ذكوانَ وحفصٌ والبزيُّ، فهذا نهايةُ الضبطِ في ذلك. (١) تقدم برقم ٢٤٦٦. (٢) الكشاف ١٩٥/٤، وهو يتحدث عن قراءة أبي السمال. (٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٦٣، والبحر ٣٩٤/٨، والتيسير ٢١٧، والنشر ٢/ ٣٩٤، والإتحاف ٥٧٦/٢، والحجة ٧٣٧. (٤) زيادة من ( ش). ٥٩٦ - الإنسان - فأمَّا التنوينُ في ((سلاسل)) فذكَرُوا له أوجهاً منها: أنه قَصَد بذلك التناسُبَ؛ لأنَّ ما قبلَه وما بعده منونٌ منصوبٌ. ومنها: أن الكسائيَّ وغيرَه مِنْ أهلِ الكوفةِ حَكّوا عن بعض العربِ أنهم يَصْرِفُون جميعَ ما لا ينصَرِفُ، إلَّ أفعلَ منك. قال الأخفش: ((سَمِعْنا من العربِ مَنْ يَصْرِفُ كلَّ ما لا يَنْصَرِف؛ لأنَّ الأصل في الأسماء الصرفُ، وتُرِك الصرفُ لعارضٍ فيها، وأنَّ الجمعَ قد جُمِع وإنْ كان قليلاً. قالوا: صواحِب وصواحبات. وفي الحديث(١): ((إنكن لصَواحِبات يوسف)). وقال الشاعر (٢): ٤٤٣٩ - قد جَرَتِ الطيرُ أيامِنينا فجمع ((أيامِن)) جَمْعَ تصحيح المذكر. وأنشدوا(٣): (١) رواه البخاري في ٦٠ كتاب الأنبياء، ١٩ باب قول اللَّه تعالى: ((لقد كان في يوسف وإخوته». الفتح ٦ / ٤٨١. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في الإملاء ٢٧٦/٢، واللسان ((يمن))، وبعده: هذا لعمرُ الله إسرائينا قالت وكنتُ رجلاً فطيناً وفي اللسان: «قال ابن سيده: ((عندي أنه جمع يميناً على أَيْمان ثم جمع أيمان على أيامِين ثم أراد جمعاً آخر فلم يجد جمعاً من جموع التكسير أكثر من هذا فرجع إلى الجمع بالواو والنون)). (٣) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٣٧٦، والكتاب ٢٠٧/٢، وابن يعيش ٥٦/٥، والخزانة ٩٩/١، وشرح شواهد الشافية ١٤٢. خضع: جمع خضوع وهو المتواضع. وقال مكي في مشكله ٤٣٧/٢: ((فحذف النون للإضافة والياء لالتقاء الساكنين فدل جمعه على أنه يجمع كسائر الجموع والجموع كلها منصرفة فصرف هذا أيضاً على ذلك». ٥٩٧ - الإنسان - ٤٤٤٠- وإذا الرجالُ رأوا یزیدَ رأيتَهُمْ خُضُعَ الرِّقابِ نواكِسي الأبصارِ بكسرِ السينِ مِنْ نواكِس، وبعدَها ياءٌ تَظهرُ خطاً لا لفظاً لذهابها(١) لالتقاءِ الساكنين، والأصلُ: ((نواكِسِين)» فحُذِفَتِ النونُ للإِضافةِ، والياءُ لالتقاءِ الساكنَيْن. وهذا على رواية كسرِ السينِ، والأشهرُ فيها نصبُ السينِ فلمَّا جُمِع شابَةَ المفرداتِ فانصَرفَ. ومنها أنه مرسومٌ في إمامِ الحجازِ والكوفةِ بالألفِ، رواه (٢) أبو عبيدٍ، ورواه قالون عن نافع. وروى بعضَهم ذلك عن مصاحفِ البصرةِ أيضاً، وقال الزمخشريُّ(٣): ((وفيه وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ هذه النونُ بدلاً من حرفِ الإِطلاقِ ويَجْري الوصل مَجْرى الوقفِ. والثاني: أَنْ يكونَ صاحبُ هذه القراءةِ مِمَّنْ ضَرِيَ (٤) بروايةِ الشِّعْرِ، ومَرَنَ لسانُه على صَرْفِ ما لا ينصرف)). قلت: وفي هذه العبارةِ نَظاظةٌ وغِلْظة، لا سيما على مَشْيَخَةٍ(٥) الإِسلام وأئمةِ العلماءِ الأعلامِ. وَوَقَفَ هؤلاء بالألفِ ظاهراً. وأمَّا مَنْ لم يُنَوِّنْه / فظاهرٌ؛ لأنَّه على صيغة منتهى الجموع. وقولهم: قد جُمِع، نحو: صَواحبات وأيامِنين لا يَقْدَحُ؛ لأنَّ المَحْذورَ جمعُ التكسيرِ، وهذا جمعُ تصحيحِ، وعَدَمُ وقوفِهم بالألفِ واضحٌ أيضاً. وأمَّا مَنْ لم يُنَوِّنْ ووقفَ بالألفِ فإتباعاً [١/٨٩٢] (١) الأصل: ((لذهبا)). (٢) الأصل: «راه)). (٣) الكشاف ١٩٥/٤، وهو يُخَرِّج قراءة التنوين. (٤) ضري به: أولع به واعتاده. (٥) (ج) شَيْخ. ٥.٩٨ - الإنسان - للرَّسمِ الكريمِ كما تقدَّمَ، وأيضاً فإنَّ الرَّوْمَ في المفتوح لا يُجَوِّزُه القُرَّاءُ، والقارىءُ قد يُبَيِّنُ الحركةَ في وَقْفِهِ فَأَتَوْا بالألفِ لَتَبَيَّنَ بها الفتحةُ. ورُوِيَ عن بعضٍ أنه يقول: ((رَأَيْتُ عُمَرا)» بالألف يعنى عُمَرَ بنَ الخطاب. والسَّلامِلُ: جمع سِلْسلة، وقد تقدَّم الكلامُ فيها(١). آ. (٦) قوله: ﴿عَيْنَاً﴾: في نَصْبِها أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ ((كافورً) لأنَّ ماءَها في بياضٍ الكافور، وفي رائحتِهِ وبَرْدِهِ. والثاني: أنَّها بدلٌ مِنْ محل (مِنْ كأس))، قاله مكي (٢)، ولم يُقَدِّرْ حَذْفَ مضافٍ. وقَدَّر الزمخشريُ(٣) على هذا الوجهِ حَذْفَ مضافٍ. قال: ((كأنه قيل: يَشْرَبون خَمْراً خَمْرَ عَيْنٍ)، وأمَّا أبو البقاءِ (٤) فجعل المضافَ مقدراً على وجهِ البدلِ مِنْ «كافوراً» فقال: ((والثاني: بدلٌ مِنْ ((كافوراً)، أي: ماءَ عَيْنِ أو خَمْرَ عَيْن) وهو معنىّ حَسَنٌ. الثالث: أنَّها مفعولٌ بـ ((يَشْرَبون))، أي: يَشْرَبون عَيْناً مِنْ كأس. الرابع: أنَّ يَنْتُصِبَ على الاختصاص. الخامس: بإضمارِ (يَشْربون)» يُفَسِّرُه ما بعده، قاله أبو البقاء(٥). وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الظاهر أنه صفةٌ لعَيْن، فلا يَصِخُ أَنْ يُفَسِّر. السادس: بإضمار ((يُعْطَوْن)). السابع: على الحالِ من الضمير في ((مِزاجُها)»، قاله مكي (٦). والمِزاج: ما يُمْزَجُ به، أي: يُخْلَطُ. يقال: مَزَجَه يَمْزُجه مَزْجاً، أي: خَلَطَهُ يَخْلِطُه خَلْطاً. قال حسان(٧): (١) انظر إعرابه للآية ٧١ من غافر. (٢) إعراب المشكل ٤٣٧/٢ . (٣) الكشاف ٤ / ١٩٦. (٤) الإملاء ٢٧٦/٢. (٥) الإملاء ٢٧٦/٢. (٦) إعراب المشكل ٤٣٧/٢. (٧) تقدم برقم ١٨٢٩. ٥٩٩ - الإنسان - ٤٤٤١- كأنَّ سَبِيْئَةً مِنْ بيتِ رَأْس يكونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وماءُ فالمِزاج كالقِوامِ، اسمٌّ لما يقام به الشيءُ. والكافورُ: طِيْبٌ معروفٌ، وكأنَّ اشتقاقه من الكَفْرِ وهو السَّتْرُ؛ لأنه يُغَطِّي الأشياءَ برائحتِهِ. والكافور أيضاً: كِمام الشجرِ التي تُغَطِّي ثمرتَها. ومفعولُ ((يَشْربون)): إمّا محذوفٌ، أي: يعني: يَشْرَبون ماءً أو خمراً مِنْ كأس، وإِمَّا مذكورٌ وهو . (عَيْناً) كما تقدَّم، وإمَّا ((مِنْ كأس)) و ((مِنْ)) مزيدةٌ فيه، وهذا يَتَمِشَّى عند الكوفيين والأخفش(١). وقال الزمخشري (٢): ((فإنْ قلتَ: لِمَ وُصِل فِعْلُ الشُّرْبُ بحرفٍ الابتداءِ أولاً وبحرفٍ الإلصاقِ آخراً؟ قلت: لأنَّ الكأسَ مبدأ شُرْبِهِ وأولُ غايتِهِ، وأمَّا العَيْنُ فبها يَمْزُجون شرابَهم، فكأنَّ المعنى: يشْرَبُ عبادُ اللَّهِ بها الخمرَ كما تقول شَرِبْتُ الماءَ بالعَسل)) . قوله: ((يَشْرَبُ بها)) في الباءِ أوجهٌ، أحدُما: أنَّها مزيدةٌ، أي: يَشْرَبُها، ويَدُلُّ له قراءةُ (٣) ابنُ أبي عبلةَ ((يَشْرَبُها)) مُعَذَّى إلى الضمير بنفسِه. الثاني: أنها بمعنى ((مِنْ)). الثالث: أنها حاليةٌ، أي: مَمْزوجةٌ بها. الرابع: أنها متعلقَةٌ بـ ايَشْرَبُ)). والضميرُ يعودُ على الكأس، أي: يَشْرَبون العَيْنَ بتلك الكأس، والباءُ للإلصاق، كما تقدَّم في قولِ الزمخشري. الخامس: أنه على تَضْمين ((يَشْرَبُون)) معنى: يَلْتَّدُّون بها. شاربين. السادس: على تَضْمِينِهِ معنى ((يَرْوَى))، أي: يَرْوَى بها عبادُ اللَّهِ. وكهذه الآية في بعض الأوجهِ قولُ الهُذَلي (٤): (١) حيث لا يشترطون، تقدُّمَ كلام غير موجب. (٢) الكشاف ٤/ ١٩٦. (٣) البحر ٣٩٥/٨، والمحرر ١٨٥/١٦. (٤) تقدم برقم ٩ . ٦٠٠