النص المفهرس

صفحات 521-540

- المزمل -
وابن عامر بجرِّ ((ربِّ المشرق) على النعت لـ ((ربّك)) أو البدلِ منه أو البيانِ
له. وقال الزمخشري(١): ((وعن ابن عباس على القَسَم بإضمارِ حرفِ
القسمِ كقولك: ((اللَّهِ لأفعلَنَّ))، وجوابُه ((لا إله إلاَّ هو)) كما تقول: ((واللهِ
لا أحَدَ في الدار إلَّ زيدٌ» قال الشيخ(٢): ((لعلَّ هذا التخريجَ لا يَصِحُّ عن
ابن عباس؛ لأنَّ فيه إضمارَ الجارِّ، ولا يُجيزه البصريون إلاَّ مع لفظِ
الجلالةِ المعظمةِ خاصةً، ولأنَّ الجملةَ المنفيّة في جوابٍ القسم إذا كانَتْ
اسميةً فإنما تُنْفَى بـ ((ما)) وحدَها، ولا تُنْفَى بـ((لا)) إلَّ الجملةُ المصدرةُ
بمضارع كثيراً، أو بماضٍ في معناه قليلاً، نحو قولِه(٣):
٤٣٦٩- رِدُوا فواللَّهِ لا ذُدْناكُمُ أبداً
ما دام في مائِنا وِرْدٌ لورَّادِ
والزمخشريُّ أورد ذلك على سبيلِ التجويزِ والتسليم، والذي ذكره
النحويُّون هو نفيها بـ ((ما)» كقوله (٤):
٤٣٧٠ - لَعَمْرُك ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثم
ولا تَأْنَاِ يومَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ
" قلت: قد أطلقَ الشيخ جمال الدين بن مالك(٥) أنَّ الجملةَ المنفيَّةٌ
سواءَ كانَتْ اسميةً أم فعلية تُتَلَقَّى بـ ((ما)) أو ((لا)) أو ((إنْ)) بمعنى ((ما)»،
وهذا هو الظاهر.
(١) الكشاف ٤ / ١٧٧.
(٢) البحر ٨/ ٣٦٤.
(٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في الهمع ٩/١، والدرر ٤/١.
(٤) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ١١٢، واللسان (نأنأ). النأنا: الضعيف
المقصِّر. الخُلَّة: المودة. والحَصِرُ: الضيّقُ الصَّدْرُ.
(٥) شرح التسهيل له ٢٠٦/٣.
٥٢٢

- المزمل -
وباقي السبعةِ برفعِه(١) على الابتداءِ، وخبرُه الجملةُ مِنْ قولِه:
(لا إله إلاَّ هو)) أو على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، أي: هو رَبُّ. وهذا أحسنُ
لارتباطِ الكلامِ بعضِه ببعضٍ. / وقرأ زيدُ بن عليٍّ ((رَبَّ)) بالنصبِ على
المدح. وقرأ العامَّةُ ((المَشْرِقِ والمغربِ)) موحَّدَتَيْن. وعبدُ الله(٢)
وابن عباس ((المشارِقِ والمغارِبِ)) ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ ((ربَّ)) في قراءةِ زيد
مِنْ وجهَيْنٍ آخرَيْنٍ، أحدُهما: أنَّه بدلٌ مِنْ ((اسمَ ربِّك)) أو بيانٌ له،
أو نعتٌ له، قاله أبو البقاء(٣)، وهذا يَجِيْءُ على أن الاسمَ هو المُسمَّى.
والثاني: أنه منصوبٌ على الاشتغالِ بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: فاتَّخِذْ ربَّ المشرِقِ
فاتَّخِذْه، وما بينهما اعتراضٌ.
[٨٨١/أ]
آ. (١١) قوله: ﴿والمُكَذِّبِيْنِ﴾: يجوزُ نصبُه على المعيَّةِ،
وهو الظاهرُ، ويجوزُ على النَّسَقِ، وهو أوفقُ للصِّناعةِ(٤).
قوله: ((أُوْلِي النَّعْمة)) نعتٌّ للمكَذِّبين. والنَّعْمَةُ بالفتح: التنقُّم،
وبالكسرِ: الإِنعام، وبالضمِّ: المَسَرَّةُ. يقال: نُعْمُ ونُعْمَةُ عَيْنٍ (٥).
قوله: ((قليلاً)) نعتٌّ لمصدرٍ، أي: تَمْهِيلاً، أو لظرفِ زمانٍ
محذوفٍ، أي: زماناً قليلاً.
آ. (١٢) قوله: ﴿أَنْكالا﴾: جمعُ نِكْلٍ. وفيه قولان،
أشهرُهما: أنه القَيْدُ. وقيل: الغُلُّ، والأولُ أَعْرَفُ. وقالت الخنساء(٦):
(١) أي: رفع ((رَبُّ المشرقَيْنِ)).
(٢) البحر ٨/ ٣٦٣.
(٣) الإملاء ٢٧١/٢.
(٤) لأن النسق مقدم على المعية حال جوازهما.
(٥) انظر: الصحاح (نعم).
(٦) ديوانها ٩٢، والقرطبي ٤٦/١٩، والبحر ٣٦٤/٨.
٥٢٣

- المزمل -
٤٣٧١- دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنكالَهُ
وقد كُنَّ مِنْ قبلُ لا تُقْطَعُ
آ. (١٣) قوله: ﴿ذا غُصَّةٍ﴾: الغُصَّةُ: الشَّجَى، وهو ما يَنْشَبُ
في الحَلْقِ فلا يَنْساُ. ويُقال: غَصَصْتَ بالكسرِ، فأنتَ غاصُّ وغَصَّانُ
قال(١) :
٤٣٧٢- لو بغيرِ الماءِ حَلْقي شَرِقٌ
كنتُ كالغَصَّانِ بِالماءِ اعتصاري
آ. (١٤) قوله: ﴿يومَ تَرْجُفُ﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه
منصوبٌ بـ((ذَرْني))، وفيه بُعْدٌ. والثاني: أنه منصوبٌ بالاستقرارِ المتعلِّقِ.
به (لَدَيْنا)). والثالث: أنه صفةٌ لـ («عذاباً)) فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: عذاباً.
واقعاً يومَ تَرْجُفُ. والرابع: أنه منصوبٌ بـ ((أليم)). والعامَّةُ ((تَرْجُفُ)) بفتح
التاءِ وضمِّ الجيمِ مبنياً للفاعلِ. وزيدُ بن علي(٢) يقرؤُه مبنياً للمفعولِ مِنْ
أَرْجَفَها(٣).
قوله: ((مَهِيْلاً)) أصلُه مَهْيُول كمَضْروب، فاستُثْقِلَتِ الضمةُ على الياءِ
فنُقِلَتْ إلى الساكن قبلَها، وهو الهاءُ، فالتقى ساكنان. فاختلف النجاةُ في
العمل في ذلك(٤): فسيبويه وأتباعُه حذفوا الواوَ، وكانَتْ أَوْلىُ بالحَذْفِ؛
(١) تقدم برقم ٢٨٠١.
(٢) البحر ٠٣٦٤/٨:
(٣) تحتمل هذه القراءة أن تكون من فعل وأفعل؛ لأن المبني للمجهول منهما.
· واحد .
(٤) انظر: الكتاب ٣٦٣/٢، الممتع ٤٥٧، شرح الشافية ١٤٧/٣،
والأصول ٢٨٤/٣، والمنصف ٢٨٧/١.
٥٢٤

- المزمل -
لأنها زائدةٌ، وإنْ كانَتْ القاعدةُ أنَّ ما يُخْذَفُ لالتقاءِ الساكنَيْن الأولُ، ثم
كَسَرُوا الهاءَ لتَصِحَّ الياءُ، ووزنُه حينئذٍ مَفِعْل. والكسائيُّ والفراء والأخفش
حذفوا الياءَ؛ لأنَّ القاعدةَ في التقاءِ الساكنَيْنِ إذا احْتِيج إلى حَذْفِ أحدِهما
حُذِف الأولُ وكان ينبغي على قولِهِم أَنْ يُقال: فيه: مَهُوْل، إلاَّ أنَّهم
كَسَروا الهاءَ لأجلِ الياءِ التي كانَتْ، فَقُلِبت الواوُ ياءً، ووزنُه حينئذٍ مَفُؤْلاً
على الأصلِ، ومَفِيلاً بعد القلب.
قال مكي (١): ((وقد أجازوا كلُّهم أَنْ يأتيَ على أصلِه في الكلامِ
فتقول: مَهْيُوْل ومَبْيُوْع، وما أشبه ذلك مِنْ ذواتِ الياءِ. فإنْ كان مِنْ
ذواتِ الواوٍ لم يَجُزْ أَنْ يأتيَ على أصلِه عند البصريين، وأجازه الكوفيون
نحو: مَقْوُوْل ومَصْوُوْغ، وأجازوا كلُّهم مَهُوْل ومَبُوع على لغةٍ مَنْ قال:
بُوعِ المتاعُ، وقُول القولُ، ويكونُ الاختلافُ في المحذوفِ منه على
ما تقدَّم)). قلت: التتميمُ في مَبْيُوع ومَهْيُوْل وبابِهِ لغةُ تميم، والحَذْفُ لغةُ
سائِرِ العربِ. ويُقال: هِلْتُ الترابَ أَهيلُه هَيْلاً فهو مَهِيل. وفيه لغةٌ:
أَهَلْتُه - رباعياً - إهالةً فهو مُهال نحو: أَبَعْتُه إباعَةً فهو مُباعٌ.
والكثيبُ: ما اجتمع من الرَّمْل / والجمعُ في القلّة: أَكْثِبَة، وفي [٨٨١/ب]
الكثرة: كُثْبان وكُثُب، كرَغِيف وأرْغِفَة ورُغْفان ورُغُفُ. قال ذو الرمة (٢):
٤٣٧٣- فقلت لها: لا إنَّ أهليَ جيرةٌ
لأكثبةِ الدَّهْنا جميعاً وماليا
والمَهيلُ: ما انهالَ تحت القَدَمَ، أي: انصَبَّ، مِنْ هِلْتُ الترابَ،
(١) إعراب المشكل ٤١٩/٢.
(٢) ديوانه ١٣١٢/٢.
٥٢٥

- المزمل -
i
أي: طَرَحْتُه. قال الزمخشري(١): ((مِنْ كَثَبْتُ الشيءَ إذا جَمَعْتَه، ومنه
الكُتْبَةُ من اللبن(٢). قالت الضائنة (٣): أُجَزُّ جُفالاً وأُحْلَبُ كُثَباً عِجالاً)).
آ. (١٦) قوله: ﴿فعصى فرعون الرسولَ﴾: إنما عَرَّفه
لتقدُّمِ ذِكْرِهِ، وهذه أل العهديةُ، والعربُ إذا قَدَّمَتْ اسماً ثم حَكَتْ عنه.
ثانياً أَتَوْا به مُعَرَّفاً بأل، أو أَتَوْا بضميرِه لئلا يُلْبَسَ بغيرِه نحو: «رأيتُ
رجلاً فأكرَمْت الرجلَ)) أو فَأَكْرَمْتُه، ولو قُلْتَ: ((فأكرَمْتُ رجلاً)) لَتَوَهَّمَ أنه
غيرُ الأولِ، وسيأتي تحقيقُ هذا عند قوله تعالى: ((إنَّ مع العُشْرِ يُسْراً))(٤)
وقوله عليه السلام :: ((لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن))(٥).
آ. (١٧) قوله: ﴿يوماً﴾: منصوبٌ إمَّا بـ ((تَتَّقُون)) على سبيلِ
المفعولِ به تجوّزاً. وقال الزمخشري(٦): ((يوماً» مفعولٌ به، أي: فكيف
تَقُوْنَ أَنفسَكم يومَ القيامةِ وهَوْلَه إنْ بَقِيْتُمْ على الكفرِ؟)). وناقشهِ الشيخُ(٧)
فقال: ((وتَتَّقون مضارعُ اثَّقى، وانَّقى ليس بمعنى وَقَى حتى يُفَسِّرَه به،
واتَّقى يتعذَّى إلى واحدٍ، ووَقَى يتعدّى إلى اثنين. قال تعالى: ((ووقاهم
عذابَ الجحيم)»(٨). ولذلك قَدَّره الزمخشريُّ بـ تَقُون أنفسكم، لكنه ليس
(َتَّقُون)) بمعنىُ يَقُوْنَ، فلا يُعَذَّى تَعْدِيَتَه)) انتهى .
(١) الكشاف ١٧٧/٤
(٢) أي القليل منه .
(٣) في بعض ما تضعه على ألسنة البهائم. انظر: اللسان (كثب). والضائنة : :
أنثى الضأن وهو ذو الصوف من الغنم. والجُفال: ما يجزُّ من الصوف.
(٤) الآية ٦ من الشرخ.
(٥) رواه مالك في الموطأ. انظر: ٢١ كتاب الجهاد ٦، ٤٤٦/٢.
(٦) الكشاف ١٧٨/٤.
(٧) البحر ٣٦٥/٨.
(٨) الآية ٥٦ من الدخان.
٥٢٦

- المزمل -
ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ على الظرفِ، أي: فكيف لكم بالتقوىُ يومَ
القيامة، إنْ كَفَرْتُمْ في الدنيا؟ قاله الزمخشريُّ(١). ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ
مفعولاً به بـ ((كَفَرْتُمْ)) إذا جُعِل (كَفَرْتُمْ)) بمعنى جَحَدْتُم، أي: فكيف
تَتَّقون اللَّهَ وتَخْشَوْنه إنْ جَحَدْتُمْ يومَ القيامةِ؟ ولا يجوزُ أن ينتصِبَ ظرفاً؛
لأنهم لا يكفرون ذلك اليومَ؛ بل يُؤْمِنون لا محالةَ. ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ
على إسقاطِ الجارِّ، أي: إن كفرتُمْ بيومِ القيامةِ. والعامَّةُ على تنوين
(يوماً)) وجَعْلِ الجملةِ بعده نعتاً له. والعائدُ محذوفٌ، أي: يَجْعل الوِلْدَانَ
فيه. قاله أبو البقاء (٢) ولم يتعرَّض للفاعلِ في ((يَجْعَلُ))، وهو على هذا
ضميرُ الباري تعالى، أي: يوماً يجعلُ اللَّهُ فيه. وأحسنُ مِنْ هذا أَنْ يُجْعَلَ
العائدُ مضمراً في ((يَجْعَلُ)) هو فاعلَه، وتكون نسبةُ الجَعْلِ إلى اليومِ من
بابِ المبالغةِ، أي: نفسُ اليوم يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِئْبًا.
وقرأ(٣) زيدُ بنُ عليّ ((يومَ يَجْعَلُ)) بإضافةِ الظرفِ للجملة. والفاعلُ
على هذا هو ضميرُ الباري تعالى. والجَعْلُ هنا بمعنى التصيير فـ ((شِيْباً)
مفعولٌ ثانٍ، وهو جمعُ أَشْيَب. وأصلُ الشينِ الضمُّ فَكُسِرَتْ لتصِحَّ الياءُ
نحو: أحمر وحُمْر. قال الشاعر(٤):
٤٣٧٤_ مِنَّا الذي هُوَ ما إنْ طُرَّ شارِبُه
والعانِسُون ومنا المُرْدُ والشِّيْبُ
(١) الكشاف ١٧٨/٤.
(٢) الإملاء ٢/ ٢٧٢.
(٣) البحر ٣٦٥/٨.
(٤) البيت لأبي قيس بن رفاعة، وهو في المغني ٤٠٠، وأمالي الشجري ٢٣٨/٢،
والعيني ١٦٧/١، والهمع ٤٥/١، والدرر ١٩/١، واللسان (عنس) و((إِنْ)) في
البيت زائدة، و ((ما)) نافية. والعانس شذَّ إطلاقها على المذكر والأشهر استعمالها
في المؤنث. وانظر في إعراب البيت: المغني ٤٠١.
٥٢٧

- المزمل -
وقال آخر (١).
٤٣٧٥_
لَعِبْنَ بنا شِيْباً وشَيَّيْتَنَا مُرْدا:
1
آ. (١٨) قوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ به﴾: صفةٌ أخرى، أي:
مُتَشَقِّقة بسبب هَوْلِهِ. وإنما لم تُؤَنَّثِ الصفةُ لأحدٍ وجوهٍ منها: تأويلُها
بمعنى السَّقْفِ. ومنها: أنها على النَّسَبِ أي: ذات انفطارِ نحو: مُرْضِعٍ
وحائضٍ. ومنها: أنها تُذَكَّر وتؤنَّثُ. أنشد الفراء(٢):
٤٣٧٦- ولو رَفَحَ السَّماء إليه قوماً
لَحِقْنا بِالسَّمَاءِ وَبَالسَّحـابِ
ومنها: أنَّها اسمُ جنسٍ يُقَرَّقُ بينه وبين واحدِه بالتاءِ فيقال: سَماءة
[٨٨٢/أ] وقد تقدَّم أنَّ في اسم / الجنس التذكير والتأنيثَ؛ ولهذا قال الفارسي:
((هو كقولِه: ((جَرَادَ مُنْتَشِرٌ))(٣) و((الشجرِ الأخضرِ)) (٤) و ((أعجازُ نَخْلٍ
مُنْقَعِرٍ))(٥) يعني فجاء على أحد الجائزَيْن. والباءُ فيه سببيَّةٌ كما تقدَّم.
وجَوَّز الزمخشريُّ (٦) أَنْ تكونَ للاستعانةِ، فإنه قال: ((والباءُ في ((به)) مِثْلُها
في قولك: ((فَطَرْتُ العُوْدَ بالقَدُومِ فانْفَطِر به)).
قوله: ((وَعْدُه)) يجوزُ أَنْ يكونَ الضميرُ لله تعالى، وإنْ لم يَجْرِ له
(١) تقدم برقم ١٧٧٩ .
(٢) تقدم برقم ٢٣١. وانظر معاني القرآن للفراء ١٩٩/٣.
(٣) الآية ٧ من القمر:
(٤) الآية ٨٠ من يس.
(٥) الآية ٢٠ من القمر.
(٦) الكشاف ١٧٨/٤ :
٥٢٨

- المزمل -
ذِكْرٌ للعِلْمِ به، فيكونُ المصدرُ مضافاً لفاعلِهِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ لليومِ،
فيكونَ مضافاً لمفعولِه. والفاعلُ - وهو اللَّهُ تعالى - مُقَدَّرٌ.
آ. (٢٠) قوله: ﴿مِنْ ثُلُثَي الليل﴾: العامَّةُ على ضَمِّ اللامِ،
وهو الأصلُ كالرُّبُعِ والسُّدُسِ. وقرأ هَشام(١) بإسكانِها تخفيفاً.
قوله: ((وِنِصْفَه وتُلُثَه)) قرأ(٢) الكوفيون وابن كثير بنصبِهما، والباقون
بجرِّهما. وفي الجرِّ إشكالُ كما سيأتي. فالنصبُ نَسَقُ على ((أَذْنى)) لأنه
بمعنىُ: وَقْتُ أَدْنِى، أي: أقربُ. اسْتُعير الدنُوُّ لقُرْبِ المسافةِ في الزمانِ
وهذا مطابقٌ لِما في أولِ السورةِ من التقسيم: وذلك أنَّه إذا قام أَذْنَى مِنْ
ثُلُثي الليلِ صَدَقَ عليه أنه قام الليلَ إلَّ قليلاً؛ لأنَّ الزمانَ الذي لم يَقُمْ فيه
يكون الثلث وشيئاً من الثلثَيْن، فيَصْدُقُ عليه قولُهُ: ((إلَّا قليلاً)). وأمّا قولُه
(وِنِصْفَه)) فهو مطابقٌ لقولِه أولاً ((نِصْفَه)) وأمَّا قولُه: ((وثُلُثَه)) فإنَّ قولَه:
(أو انْقُصْ منه)) قد ينتهي النَّقْصُ في القليل إلى أن يكونَ الوقتُ ثلثي
الليلِ. وأمَّا قولُه: ((أو زِدْ عليه)) فإنَّه إذا زاد على النصفِ قليلاً كان الوقتُ
أقلَّ مِنَ الثلثَيْن، فيكونُ قد طابق أدْنى مِنْ ثلثي الليل، ويكون قولُه
تعالى: ((نصفَه أو انْقُصْ منه قليلاً)» شَرْحاً لمُبْهَم ما دَلَّ عليه قولُه: ((قُم
الليلَ إلاَّ قليلاً)). وعلى قراءةِ النصبِ فَسَّر الحسنُ ((تُحْصُوه)) بمعنى
تُطیقوه.
وأمَّا قراءةُ الجرِّ فمعناها: أنه قيامٌ مُخْتَلِفٌ: مرةً أدنى من الثلثين،
(١) السبعة ٦٥٨، والنشر ٢١٧/٢، والقرطبي ٥٢/١٩، والتيسير ٢١٦،
والبحر ٣٦٦/٨.
(٢) السبعة ٦٥٨، والنشر ٣٩٣/٢، والقرطبي ٥٢/١٩، والتيسير ٢١٦،
والبحر ٣٦٦/٨، والحجة ٧٣١.
٥٢٩

ا المزمل -
ومرةً أَدْنى من النصفِ، ومرةً أَدْنى من الثلثِ؛ وذلك لتعذُّرِ معرفةِ البَشرِ
بمقدارِ الزمانِ مع عُذْر النوم. وقد أوضح هذا كلَّه الزمخشريُّ(١) فقال:
(وقُرِىءُ نصفَه وثلثَهُ بالنصَبِ على أنك تقومُ أقلَّ من الثلثين، وتقومُ
النصفَ والثلثَ وهذا مطابِقٌ لِما مَرَّ في أولِ السورةِ من التخيير: بين قيامٍ
النصفِ بتمامِهِ، وبينَ قيام الناقصِ منه، وهو الثلثُ، وبين قيامِ الزائدِ
عليه، وهو الأَذْنَى مِن الثلثَيْن. وقُرِىء بالجرِّ، أي: تقومُ أقلَّ من الثلثَيْن
وأقلَّ من النصفِ والثلثِ، وهو مطابقٌ للتخييرِ بين النِّصْفِ - وهو أَدْنِى
من الثلثين - والثلثِ - وهو أَدْنى من النصفِ - والرُّبُع - وهو أدنى من
الثلث ــ وهو الوجهُ الأخيرُ)) انتهى. يعني بالوجهِ الأَخير ما قَدَّمه أولَ
السورة من التأويلات.
وقال أبو عبد الله الفاسي: ((وفي قراءةِ النصب إشكالٌ، إلَّ أَنْ
يُقَذّر: نصفَه تارةً، وثلثَه تارةً، وأقلَّ من النصفِ والثلثِ تارةً، فَيَصِحّ
المعنى».
قوله: ((وطائفةٌ)) رُفع بالعطفِ على الضميرِ في ((يقومُ))، وجَّوَّزَ ذَلِكِ
الفصلُ بالظرفِ وما عُطِفَ عليه.
قوله: ((واللَّهُ يُقَدِّرُ الليلَ)). قال الزمخشري(٢): ((وتقديمُ اسمِه
عزَّ وجلَّ مبتدأً مبنيًّاً عليه ((يُقَدِّرُ)) هو الدالُّ على معنى الاختصاصِ
بالتقديرِ))(٣). ونازعه الشيخُ(٤) في ذلك فقال(٥): ((لو قيل: ((زيدٌ يحفظَ
(١) الكشاف ١٧٨/٤.
(٢) الكشاف ٤/ ١٧٨ - ١٧٩.
(٣) قال: ((والمعنى إنكم لا تقدرون عليه)).
(٤) البحر ٨/ ٣٦٧.
(٥) قال: ((إنما استفيد الاختصاص من سياق الكلام لا من تقديم المبتدأ)).
٥٣٠

- المزمل -
القرآن)» لم يَدُلَّ ذلك على اختصاصِه)). وجَعَلَ الاختصاصَ في الآيةِ
مفهوماً من السِّیاقِ لا ممَّا ذكره.
قوله: ((أَنْ لَنْ)) و((أَنْ سيكونُ)) كلاهما مخففةٌ من الثقيلة، والفاصلُ
النفيُّ وحرفُ التنفیسِ.
قوله: ((وآخرون)) / عطفٌ على ((مَرْضَى))، أي: عَلِم أَنْ سيوجَدُ [٨٨٢/ ب]
منكم قومٌ مَرْضى وقومٌ آخرون مسافرون. فـ((يَضْرِبون)) نعتٌ لـ «آخرون)»،
وكذلك ((يَبْتَغون)). ويجوزُ أَنْ يكونَ ((يَبْتَغون)) حالاً مِنْ فاعل ((يَضْرِبون))،
و ((آخرون)» عطفٌ على ((آخرون)) و ((يقاتلون)» صفتُه.
قوله: ((هو خيراً) العامَّةُ على نصب الخير، مفعولاً ثانياً. وهو: إمّا
تأكيدٌ للمفعولِ الأولِ أو فَصْلٌ. وجَوَّزَ أبو البقاء (١) أن يكونَ بدلاً، وهو
غَلَطْ؛ لأنَّه كان يَلْزَمُ أن يطابقَ ما قبلَه في الإِعرابِ فيقال: إياه. وقرأ(٢)
أبو السَّمَّال وابن السَّمَيْفَع ((خيرٌ)) على أن يكونَ ((هو) مبتدأً، و ((خيرٌ))
خبرُه. والجملةُ مفعولٌ ثانٍ لـ «تَجِدوه)). قال أبو زيد(٣): ((هي لغةُ تميم،
يرفعون ما بعد الفصل)) وأنشد سيبويه(٤):
٤٣٧٧ - تَحِنُّ إلى ليلىُ وأنتَ تركتَها
وكنتَ عليها بالمَلا أنتَ أَقْدَرُ
والقوافي مرفوعةٌ. ويُرْوَى ((أَقْدَرا)) بالنصب. قال الزمخشري(٥):
(١) الإملاء ٢٧٢/٢.
(٢) البحر ٨/ ٣٦٧، والشواذ ١٦٤ .
(٣) انظر: الكتاب ٣٩٥/١، والهمع ٢٤١/١.
(٤) تقدم برقم ١٨٥٧. وانظر: الكتاب ٣٩٥/١.
(٥) الكشاف ١٧٩/٤ .
٥٣١

- المزمل -
و ((هو فصْلٌ)) وجاز وإنْ لم يَقَعْ بينَ معرفتَيْن لأنَّ ((أَفْعَلَ مِنْ)) أَشْبَةَ في
امتناعِه من حرفِ التعريف المعرفةَ)). قلت: هذا هو المشهورُ. وبعضُهم
يُجَوِّزه في غيرِ أفعلَ من النكراتِ(١) .
[تمَّت بعونه تعالى سورة المزمل]
(١) انظر: شرح التسهيل ١٦٨/١.
٥٣٢

سورة المدثر
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿المُدَّثِّر﴾: العامَّةُ على تشديدِ الدالِ وكسرٍ
الثاءِ، اسمَ فاعلِ من تَدَثَّر. وأصلُه المُتَدَثِّر، فأُدْغِم كالمُزَّمِّل. وفي حرفِ
أُبَيّ(١) (المُتَدَثِّرُ)) على الأصلِ المُشارِ إليه. وقرأ عكرمةُ بتخفيفِ الدالِ
اسمَ فاعلٍ، مِنْ دَثَّر بالتشديد، ويكون المفعولُ محذوفاً أي: المُدَثِّر نفسَه
كما تقدَّمَ في ((المُزَمِّل)). وعنه أيضاً فَتْحُ الثاءِ لأنه اسمُ مفعولٍ. قال
الزمخشري(٢): ((مِنْ دَثَّره. يُقال: دُثِّرْتُ هذا الأمرَ، وعُصِبَ بك كما قال
في المُزَمَّل))(٣) انتهى. ومعنى ((تَدَثَّر)) لَبِسَ الدَّارَ، وهو الثوبُ الذي فوق
الشِّعار، والشِّعارُ ما يلي الجسَدَ. وفي الحديث: ((الأَنْصارُ شِعارٌ والناسُ
دِئارٌ))(٤) وسيفٌ دائِرٌ: بعيد العَهْدِ بالصِّقال. ومنه: قيل للمنزلِ الدارس:
((دائِرِ)) لِذَهابِ أعلامِهِ. وفلانٌ دَثْرُ المالِ أي: حَسَنُ القيام به.
آ. (٢) قوله: ﴿قُمْ﴾: إمَّا أَنْ يكونَ من القيامِ المعهودِ، وإمَّا
مِنْ قام بمعنى: الأُخْذِ في القيام، كقوله(٥):
(١) انظر في قراءاتها: القرطبي ٥٩/١٩، والبحر ٣٧٠/٨، والمحتسب ٢٣٥/٢.
(٢) الكشاف ٤/ ١٨٠ .
(٣) قرأ عكرمة ((المُزَمَّل)). انظر: البحر ٣٦٠/٨.
(٤) رواه البخاري في كتاب المغازي. الفتح ٤٧/٨.
(٥) تقدم برقم ٩٤.
٠
٥٣٣

٤٣٧٨- فقام يَذُوْدُ الناسَ عنها بسَيْفِه
ن المدثر -
وقول الآخر(١):
٤٣٧٩- على منّا قام يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ
في أحدِ القولَيْنِ. والقولُ الآخرَ: أن ((قام)» مزيدةٌ وفي جَعْلِها بمعنى
الأخذ في القيام نظرٌ؛ لأنه حينئذٍ يَصيرُ مِنْ أخوات ((عَسَىْ)) فلا بُدَّ له مِنْ
خبرٍ يكونُ فعلاً مضارعاً مجرَّداً مِنْ ((أَنْ)).
قوله: ((فأَنْذِرْ)) مفعولُه محذوفٌ. أي: أَنذِرْ قومَك عذابَ اللَّهِ.
والأحسنُ أَنْ لا يُقَدَّرَ له مفعولٌ أي: أَوْقِعْ الإِنذارَ.
آ. (٣) قوله: ﴿وربَّك فكَبِّر﴾: قَدَّم المفعولَ وكذا ما بعده
إيذاناً بالاختصاص عندَ مَنْ يرى ذلك، أو للاهتمام به. قال
الزمخشري(٢): ((واخْتُصَّ ((ربَّك)) بالتكبير)) ثم قال: ودَخَلَتِ الفاءُ لمعنى
الشرطِ. كأنه قيل: وما كان فلا تَدَعْ تكبيرَه)). قلت: قد تقدَّم الكلامُ في
مثلِ هذه الفاءِ عند قوله: ((وإِيَّاي فارهبونٍ))(٣) أولَ البقرة. قال الشيخ(٤):
((وهو قريبٌ مِمَّا قَدَّرِه النحاةُ في قولك: ((زيداً فاضْرِب)) قالوا: تقديرُه:
تنبَّه فاضرِبْ زيداً. والفاءُ هي جوابُ الأمرِ. وهذا الأمرُ: إِمَّا مُضَمَّنٌ
معنى الشرط، وإِمَّا الشرطَ محذوفٌ على الخلافِ الذي فيه عند النحاة)).
(١) تقدم برقم ٦١٦.
(٢) الكشاف ٤ / ١٨٠.
(٣) الآية ٤٠ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٣١٤/١.
(٤) البحر ٣٧١/٨.
٥٣٤

- المدثر -
آ. (٥) وقرأ (١) حفص ((والرُّجْزَ)) بضمِّ الراء، والباقون بكسرِها.
فقيل: لغتان بمعنىّ. وعن أبي عبيدةً: ((الضمُّ أفشَى اللغتَيْن، وأكثرُهما)).
وقال مجاهد: ((هو بالضمِّ اسمُ صَنَمٍ، ويُعزَى للحسنِ البصري أيضاً،
وبالكسر اسمٌ للعذابِ. وعلى تقديرِ كونِهِ العذابَ فلا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ
أي: اهجُرْ أسبابَ العذابِ المؤدِّيةِ إليه، أو لإقامةِ المُسَبَّبِ مُقَامَ سبِهِ،
وهو مجازٌ شائع.
آ. (٦) قوله: ﴿ولا تَمْنُنْ﴾: العامَّةُ على فَكِّ الإِدغام.
والحسن(٢) وأبو السَّمَّال بالإِدغام. قد تَقَدَّم أنَّ المجزومَ / والموقوفَ من [٨٨٣/أ]
هذا النوع يجوزُ فيهما الوجهانِ، وقد تقدَّم تحقيقُه في المائدة عندَ ((مَنْ
يَرْتَدَّ منكَمْ))(٣). والمشهور أنه من المَنِّ، وهو الاعتدادُ على المُعْطي
بما أعطاه. وقيل: ((لا تَضْعُفْ)) مِنْ قولِهِم: حبلٌ مَنينٌ أي: ضعيفٌ.
قوله: ((تَسْتَكْثِرُ)) العامَّةُ على رفعِه، وفيه وجهان، أحدهما: أنه في
موضع الحالِ أي: لا تَمْنُنْ مُسْتَكْثِراً ما أعطَيْتَ. وقيل: معناه: لِتَأْخُذْ أكثرَ
مِمَّا أَغْطَيْتَ. والثاني: أنَّه على حَذْفِ ((أَنْ)) يعني أنَّ الأصلَ: ولا تَمْنُنْ أَنْ
تستكثرَ، فلمَّا حُذِفَتْ ((أَنْ)) ارتفع الفعلُ كقولِهِ(٤):
٤٣٨٠- ألا أيُّهذا الزَّاجري أَحْضُرُ الوغى
(١) السبعة ٦٥٩، والحجة ٧٣٣، والبحر ٣٧١/٨، والنشر ٣٩٣/٢،
والحجة ٧٣٣، والتيسير ٢١٦.
(٢) البحر ٨/ ٣٧١، والقرطبي ٦٨/١٩.
(٣) الآية ٥٤ من المائدة. وانظر: الدر المصون ٣٠٦/٤.
(٤) تقدم برقم ٥٢١.
٥٣٥

ــ المدثر -
في إحدى الروايَتَيْنِ، قاله الزمخشري(١)، ولم يُبَيِّنْ: ما محلُّ ((أَنْ))
وما في حَيِّزها. وفيه وجهان، أظهرهما - وهو الذي يُريده - هو أنَّها فِي
محلِّ نصبٍ أو جرٍّ على الخلافِ(٢) فيها بعد حَذْفِ حرف الجر، وهو هنا
لامُ العلة تقديرُه: ولا تَمْنُنْ لَأَنْ تَسْتَكْثِرَ .. والثاني: أنَّها في محلٌ نصبٍ
فقط مفعولاً بها أي: لا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ. من الخير، قاله مكي(٣)، وقد
تَقَدَّم لك أنَّ («تَمْنُنْ» بمعنىُ تَضْعُف، وهو قولُ مجاهدٍ، إلاَّ أنَّ الشيخَ(٤)
قال بعد كلام الزمخشريِّ: ((وهذا لا يجوزُ أن يُحملَ القرآنُ عليه؛ لأنَّ
ذلك لا يجوزُ إلَّ في الشعرِ، ولنا مَنْدوحة عنه مع صحةِ معنى الحالِ))
قلت: قد سبقه مكيٌّ وغيرُه إلى هذا. وأيضاً فقولُه: ((في الشعر)) ممنوعٌ؛
هؤلاء الكوفيون يُجيزون ذلك وأيضاً فقد قرأ(٥) الحسن والأعمش
(تَسْتَكْثِرَ)) نصباً، وهو على إضمار ((أَنْ)) كقولهم: ((مُرْهُ يَحْفِرَها)) وأَبْلَغُ مِنْ
ذلك التصريحُ بأنْ في قراءةِ عبد الله: ((ولا تَمْنُنْ أَنْ تستكثرَ)).
وقرأ الحسنُ أيضاً وابنُ أبي عبلة ((تستكثِرْ)) جزماً، وفيه ثلاثةُ
أوجه، أحدُها: أَنْ يكونَ بدلاً من الفعلِ قبله، كقوله تعالى: ((يَلْقَ أثاماً
يُضاعَفْ))(٦) فـ ((يُضاعَفْ)) بدلٌ مِنْ ((يَلْقَ)) وكقولِه(٧) :
(١) الكشاف ١٨١/٤.
(٢) يرى سيبويه أن المحلَّ هو الجر، ويرى الخليل النصب. انظر: الذر
المصون ٢١١/١.
(٣) إعراب المشكل ٤٢٣/٢.
(٤) البحر ٣٧٢/٨.
(٥) انظر في قراءاتها: المحتسب ٣٣٧/٢، والإتحاف ٥٧١/٢، والبحر ٣٧٢/٨،
والقرطبي ٦٩/١٩ .
(٦) الآية ٦٩° من الفرقان.
(٧) تقدم برقم ١٧٣ .
٥٣٦

- المدثر -
٤٣٨١- مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارِنا
تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأْجَّجا
ويكونُ من المَنِّ الذي في قولِه: ((لا تُبْطِلوا صَدَقاتِكم بالمَنِّ
والأذى))(١) الثاني: أن يُشَبَّه (ثِرْوَ) بـ ((عَضُد)» فيُسَكَّنَ تخفيفاً، قاله
الزمخشري(٢)، يعني أنه تَأْخُذُ من مجموع ((تَسْتَكثر)) ومن الكلمةِ بعده
وهو الواوُ ما يكون فيه شبيهاً بـ ((عَضُد)). ألا ترى أنه قال: ((أنْ يُشَبَّه ثِرْوَ))
فأخذ بعضَ ((تَسْتكثر)) وهو الثاءُ والراءُ وحرفَ العطفِ مِنْ قوله: ((ولربِّك
فاصبِرْ)). وهذا كما قالوا في قولِ امرِىء القيس (٣):
٤٣٨٢- فاليومَ أشرَبْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ
إثماً من الله ولا واغلٍ
بتسكين ((أَشْرَبْ)): إنهم أخذوا من الكلمتين (رَبْغ)(٤) كـ عَضُد، ثَم
سُكِّن. وقد تقدَّم في سورة يوسف في قراءة قنبل ((مَنْ يَتَّقي))(٥) بثبوت
الياءِ أنَّ ((مَنْ)) موصولةٌ، فاعْتُرِض بجزم ((يَصْبِرْ)) فأجيب: بأنه
شبه (بِرُف)(٦) أخذوا الباءَ والراءَ مِنْ ((يَصْبر»، والفاءَ مِنْ («فإنَّ) وهذه نظيرُ
تَيْكَ سواءً. الوجه الثالث أَنْ يُعْتَبَرَ حالُ الوقفِ ويُجْرَى الوصلُ مُجْراه،
قاله الزمخشريُّ(٧) أيضاً، يعني أنه مرفوعٌ، وإنما سُكِّن تخفيفاً، أو أُجْري
(١) الآية ٢٦٤ من البقرة.
(٢) الكشاف ٤/ ١٨١.
(٣) تقدم برقم ٤٧٠.
(٤)
مِنْ: ((أشرب غير)).
(٥) الآية ٩٠ من يوسف. وانظر: الدر المصون ٦/ ٥٥٢.
(٦) مِنْ: ((يصبر فإن)).
(٧) الكشاف ٤/ ١٨١.
٥٣٧

ــ المدثر-
الوصلُ مُجْرى الوقف. قال الشيخ(١): ((وهذان لا يجوزُ أَنْ يُحْمَلَ عليهما
مع وجودِ أرجحَ منهما، وهو البدل)». قلت: الحقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَبَعَ، كيف
يُعْدَلُ إلى هذَيْن الوجِهَيْن مع ظهورِ البدلِ معنىّ وصحةً وصناعةً؟
آ. (٧) قوله: ﴿ولربِّك فاصبِرْ﴾: التقديمُ على مَا تَقَدَّم،
وحسّنه کونُه رأسَ فاصلة مُؤاخیاً لِما تقدّمه. و «لربِّك» یجوز فیه وجهان،
أحدُهما: أَنْ تكونَ لامَّ العلةِ أي: لوجهِ ربِّك فاصِرْ على أذى الكفَارِ
وعلى عبادةِ ربِّك، وعن كلِّ ما لا يَلِيقُ، فَتُرِك المصبورُ عليه والمصبورُ
عنه للعلم بهما. والأحسنُ أَنْ لا يُقَذَّرَ شيءٌ خاصٍّ بل شيءٌ عامٌّ.
والثاني: أَنْ يُضَمَّنَ : ((اصْبِرْ)) معنى: اذْعَنْ لربِّك وسَلُّمْ له أمرَك صابراً،
كقوله: ((فاصِرْ لحُكمِ ربِّك)»(٢).
آ. (٨ - ٩) قوله: ﴿فإذا نُقِرَ﴾: قال الزمخشريُّ (٣):
[٨٨٣/ ب] ((والفاءُ / في قوله: ((فإذا نُقِرَ)) للتسبيب، كأنه قيل: اصبِرْ على أذاهم،
فِبينَ أيديهم يومٌّ عَشِيرٌ يَلْقَوْن فيه [عاقبةَ](٤) أذاهم، وتَلْقَىُ فيه عاقبةَ
صبرِك عليه. والفاء في ((فذلك)) للجزاء)). قلت: يعني أنَّ الفاءَ في
((فذلك)) جزاءٌ للشرطِ في قوله: ((فإذا نُقِرَ)). وفي العامل في ((إذا)» أوجهٌ،
أحدُها: أنَّها متعلّقةٌ بـ ((أَنْذِرْ)) أي: أَنْذِرْهم إذا نُقِر في النَّاقور، قاله
الحوفيُّ. وفيه نظرٌ: من حيث إنَّ الفاءَ تمنعُ مِنْ ذلك، ولو أرادَ تفسيرَ
المعنى لكان سهلاً، لكنه في مَعْرِضٍ تفسيرِ الإِعراب لا تفسيرِ المعنى ..
(١) البحر ٣٧٢/٨.
(٢) الآية ٤٨ من القلم:
(٣) الكشاف ٤ / ١٨١. أ
(٤) من الكشاف.
٥٣٨

- المدثر
الثاني: أن ينتصِبَ بما دَلَّ عليه قولُه: ((فذلك يومٌ عسيرٌ)). قال
الزمخشري(١): («فإنْ قلت: بم انتصَبَ ((إذا))، وكيفَ صَحَّ أَنْ يقعَ ((يومئذٍ))
ظرفاً لـ (يومٌ عَسير))؟ قلت: انتصَبَ ((إذا)) بما دَلَّ عليه الجزاءُ؛ لأنَّ
المعنى: فإذا نُقِر في النَّاقور عَسُرَ الأمرُ على الكافرين. والذي أجاز وقوعَ
يومئذٍ ظرفاً لـ ((يومٌ عسيرٌ)) أنَّ المعنى: فذلك يومَ (٢) النَّقْرِ وقوعُ يومٍ
عسيرٍ؛ لأنَّ يومَ القيامةِ يقعُ ويأتي حين يُنْقَرُ في الناقور)) انتهى. ولا يجوزُ
أَنْ يعملَ فيه نفسُ ((عَسير))؛ لأنَّ الصفةَ لا تعملُ فيما قبلَ موصوفِها عند
البصريين؛ ولذلك رُدَّ على الزمخشريِّ قولُه: إنَّ في أنفسِهم)) متعلُّق
بـ ((بليغاً) في قولِه تعالى في سورةِ النساءِ ((وقُلْ لهم في أنفسِهم قَوْلاً
بليغاً))(٣). والكوفيون يُجَوِّزون ذلك وتقدَّم تحريرُه(٤) .
الثالث: أَنْ ينتصِبَ بما دَلَّ عليه ((فذلك)) لأنه إشارةٌ إلى النَّقْر، قاله
أبو البقاء(٥). ثم قال: ((ويومَئِذٍ بدلٌ مِنْ ((إذا)) و((ذلك مبتدأٌ)) والخبرُ ((يومٌ
عسيرٌ)) أي: نُقِر يوم. الرابع: أَنْ يكونَ ((إذا)) مبتدأً، و((فذلك)) خبرُه.
والفاءُ مزيدةٌ فيه، وهو رأيُ الأخفشِ(٦).
وأمَّا ((يومَئِذٍ)) ففيه أوجهٌ، أحدها: أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ ((إذا)) وقد تقدَّم
ذلك في الوجهِ الثالث. والثاني: أَنْ يكونَ ظرفاً لـ ((يومٌ عسيرٌ)) كما تقدَّم
(١) الكشاف ٤/ ١٨١.
(٢) الكشاف: وقت.
(٣) الآية ٦٣.
(٤) انظر: الدر المصون ١٦/٤، والكشاف ٥٣٧/١.
(٥) الإِملاء ٢/ ٢٧٢.
(٦) لم يشر الأخفش هنا إلى كون ((إذا)) مبتدأ. ومن المعروف أنه يجيز زيادة
الفاء في الخبر، انظر أمثلة على ذلك في معانيه ١٢٤ - ١٢٥، ٢٢٢.
٥٣٩

- المذثر -
في الوجهِ الثاني. الثالث: أَنْ يكونَ ظرفاً لـ ((ذلك)) لأنَّ مُشارٌ به إلى
النَّقْر. الرابع: أنَّه بدلٌ مِنْ ((فذلك))، ولكنه مبنيٌّ لإِضافتِه إلى غيرٍ
متمكِّنٍ. الخامس: أَنْ يكونَ مبتدأً ((ويومٌ عسيرٌ) خبرَه، والجملةُ خبرَ
«فذلك)» .
آ. (١٠) قوله: ﴿على الكافرين﴾: فيه خمسةُ أوجهِ،
أحدُها: أَنْ يتعلَّق بـ ((عسير)». الثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه نعتٌ
لـ عسير. الثالث: أنه في موضع نصبٍ على الحالِ من الضميرِ المستكنّ
في ((عسير)). الرابع: أن يتعلَّقَ بـ ((يَسير)) أي: غيرُ يسيرٍ على الكافرين،
قاله أبو البقاء (١)، إلاَّ أنَّ فيه تقديمَ معمولِ المضافِ إليه على المضافِ،
وهو ممنوعٌ، وقد جَوَّز ذلك بعضُهم إذا كان المضاف ((غيرَ)) بمعنى النفي
كقوله(٢):
٤٣٨٣- إنَّ امرَأَ خَصَّني عمْداً مَوَذَّتَه
على التنائي لَعِنْدي غيرُ مَكْفُورٍ
وتقدَّم تحريرُ هذا آخرَ الفاتحةِ مُشْبَعاً، فعليكَ باعتبارِهِ ثَمَّة.
الخامس: أن يتعلَّق بما دَلَّ عليه ((غيرُ يسير)» أي: لا يَسْهُلُ على
الكافرين. قال الزمخشري(٣): ((فإنْ قلتَ فما فائدةُ قولِه: ((غيرُ يسير))
و(عَسير)) مُغْنٍ عنه؟ قلت: لَمَّا قال ((على الكافرين)) فقَصَرَ العُشْرَ عليهم.
قال: ((غيرُ يَسير)» لِيُؤْذَنَ بأنه لا يكونُ عليهم كما يكون على المؤمنين
يَسيراً هَيِّناً ليجمعَ بين وعيدِ الكافرين وزيادةٍ غَيْظهم وتبشير المؤمنين:
(١) الإملاء ٢٧٣/٢.
(٢) تقدم برقم ٨١.
(٣) الكشاف ١٨١/٤
٥٤٠