النص المفهرس

صفحات 501-520

- الجن -
منقطعٌ. أي: لكنْ إنْ بَلَّغْتُ عن اللَّهِ رَحِمني؛ لأنَّ البلاغَ من الله لا يكونُ
داخلاً تحت قوله: ((ولن أَجِدَ مِنْ دونِهِ مُلْتَحَداً»، لأنه لا يكونُ مِنْ دونِ
اللَّهِ، بل يكونُ من اللَّهِ وبإعانتِه وتوفيقه. الثاني: أنه متصلٌ. وتأويلُه: أنَّ
الإِجارةَ مستعارةٌ للبلاغ، إذ هو سببُها، وسببُ رحمته تعالى، والمعنى:
لن أجِدَ سبباً أميلُ إليهَ وأعتصمُ به، إلَّ أَنْ أُبَلُّغَ وأُطِيعَ، فَيُجِيرَني. وإذا
كان متصلاً جاز نصبُه من وجهين، أحدهما: وهو الأرجح أَنْ يكونَ بدلاً
مِنْ ((مُلْتحداً)؛ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ. والثاني: أنه منصوبٌ على
الاستثناءِ، وإلى البدليةِ ذهب أبو إسحاق(١). الثالث: أنه مستثنىْ مِنْ
قولِه: ((لا أَمْلِكُ لكم ضَرَّا)» قال قتادة: أي لا أَمْلِكُ لكم إلَّ بلاغاً إليكم.
وقرَّره الزمخشرُّ(٢) فقال: ((أي: لا أَمْلِكُ إلَّ بلاغاً من اللَّهِ،
و ((قل: إنِّي لن يُجيرَني)) جملةٌ معترضةٌ اعترضَ بها لتأكيدِ نَفْىٍ
الاستطاعة)). قال الشيخ(٣): ((وفيه بُعْدٌ لطولِ الفَصْلِ بينهما)). قلت: وأين
الطولُ وقد وقع الفَصْلُ بأكثرَ مِنْ هذا؟ وعلى هذا فالاستثناءُ منقطعٌ.
الرابع: أنَّ الكلامَ ليس استثناءً بل شرطاً(٤). والأصل: إنْ لا فأدغم
فـ ((إنْ)» شرطيةٌ، وفعلُها محذوفٌ لدلالةِ مصدرِهِ والكلامِ الأولِ عليه،
و (لا)) نافيةٌ والتقدير: إن لا أُبَلِّغْ بلاغاً من اللَّهِ فلن يُجيرَني منه أحدٌ.
وجَعَلوا هذا كقولِ الشاعر(٥) :
(١) وهو الزجَّاج في معاني القرآن ٢٣٧/٥.
(٢) الكشاف ٤/ ١٧١ .
(٣) البحر ٨/ ٣٥٤.
(٤) الأنسب أن يقول: ((بل شرط)) أي: بل هو شرط.
(٥) تقدم برقم ٢٩٨٢.
٥٠١

ست الحسن -
٤٣٦٠ - فطَلِّقْها فَلَسْتَ لها بكُفْءٍ
وإلَّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ
أي: وإِنْ لا تُطَلِّقْها يَعْلُ، حَذَفَ الشرطَ وأبقى الجوابَ. وفي هذا
الوجهِ ضَعْفٌ من وجهَيْن، أحدهما: أنَّ حَذْفَ الشرطِ دونَ أداتِه قليلٌ
جداً. والثاني: أنَّهِ حُذِفَ الجزآن معاً أعني الشرطَ والجزاءَ، فيكونُ
كقوله (١) :
٤٣٦١- قالَتْ بناتُ العَمِّ يا سَلْمىُ وإِنْ
كان فقيراً مُعْدَماً قالت: وإِنْ
أي: قالَتْ: وإنْ كان فقيراً فقد رَضِيْتُه. وقد يُقال: إنَّ الجوابَ:
إمَّا مذكورٌ عند من يرى جوازَ تقديمِه، وإمَّا في قوةِ المنطوق به لدلالةِ
ما قبلَه عليه.
قوله: ((مِنَ اللَّهِ)) فيه وجهان، أحدهما: أنَّ ((مِنْ)) بمعنى عَنْ؛ لأنَّ
بَلِّغ يتعدّى بها، ومنه قولُه عليه السلام: ((ألا بَلِّغوا عني))(٢). والثاني: أنَّه
متعلّقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ ((بلاغ)). قال الزمخشري(٣): (مِن)) ليسّتْ
صلةً للتبليغ، إنما هي بمنزلةِ ((مِنْ)) في قوله: ((براءَةٌ من الله))(٤) بمعنى:
بلاغاً كائناً من الله)).
قوله: ((ورِسالاتِه)) فيه وجهان، أحدُهما: أنها منصوبةٌ نَسَقاً على
(١) تقدم برقم ٢٧٠.
(٢) رواه البخاري ٦٠ كتاب الأنبياء، ٥٠ باب ماذكر عن بني إسرائيل،
الفتح ٦/ ٥٧٢.
(٣) الكشاف ٤/ ١٧٢.
(٤) الآية ١ من التوبة . .
٥٠٢

- الجن -
(بلاغاً)) كأنه قيل: لا أَمْلِكُ لكم إلَّ التبليغَ والرسالاتِ، ولم يَقُلِ
الزمخشريُّ (١) غيرَه. والثاني: أنها مجرورةٌ نَسَقاً على الجلالةِ أي: إلَّ
بلاغاً / عن اللَّهِ وعن رسالاتِه، كذا قَدَّره الشيخُ(٢). وجَعَلَه هو الظاهرَ. [٨٧٨/أ]
وتجوّز في جَعْلِه ((مِنْ)) بمعنى عن، والتجوُّزُ في الحروفِ رأيٌّ كوفيٌّ،
ومع ذلك فغيرُ منقاسٍ عندَهم.
قوله: ((فإنَّ له نارَ) العامَّة على كسرِها، جَعَلوها جملةً مستقلة بعد
فاءِ الجزاءِ. وقرأ(٣) طلحةُ بفَتْحِها، على أنَّها مع ما في حَيِّزِها في تأويلٍ
مصدرٍ واقع خبراً لمبتدأ مضمرٍ تقديرُه: فجزاؤهُ أنَّ له نارَ جهنمَ،
أو فحُكْمُه: أنَّ له نارَ جهنَم. قال ابن خالويه (٤): ((سَمِعْتُ ابنَ مجاهدٍ
يقول: لم يَقْرَأْ به أحدٌ، وهو لحنٌ؛ لأنه بعد فاءِ الشرط)». قال:
((وسمعتُ ابنَ الأنباريُّ يقول: هو صوابٌ ومعناه: فجزاؤُه أنَّ له نارَ
جهنم)). قلت: ابنُ مجاهدٍ وإنْ كان إماماً في القراءاتِ، إلاَّ أنَّه خَفِيَ عليه
وجهُها، وهو عجيبٌ جداً. كيف غَفَلَ عن قراءتَيْ ((فأنَّه غفورٌ رحيم)» (٥)
في الأنعام، لا جرم أنَّ ابنَ الأنباريِّ اسْتَصْوَبَ القراءةَ لِطُولِ باعِه في
العربية .
قوله: ((خالدِينَ)) حالٌ من الهاء في ((له))، والعاملُ الاستقرارُ الذي
تَعَلَّقَ به هذا الجارُ، وحَمَلَ على معنى ((مَنْ)) فلذلك جَمَعَ.
(١) الكشاف ٤/ ١٧١.
(٢) البحر ٣٥٤/٨ تقديره: إلاَّ أن أبلِّغ عن الله وعن رسالاته.
(٣) الشواذ ١٦٣، والبحر ٣٥٤/٨.
(٤) الشواذ ١٦٣ .
(٥) الآية ٥٤ من الأنعام والفتح قراءة ابن عامر وعاصم. انظر: الدر ٦٥٠/٤.
٥٠٣

- الجن -
آ. (٢٤) قوله: ﴿حتى إذا﴾: قال الزمخشري (١): ((فإنْ قُلْتَ:
بِمَ تَعَلَّق ((حتى)) وجُعِلَ ما بعدَه غاية له؟ قلت: بقوله: ((يكونون عليه
لَبِداً))(٢) على أنهم يتظاهرون عليه بالعَداوةِ ويَسْتَضْعِفون أنصارَه،
ويَسْتَقِلُّون عَددَه، حتى إذَا رَأَوْا ما يُؤْعَدون مِنْ يوم بدرٍ، وإظهارِ اللَّهِ
عليهم، أو مِنْ يوم القيامةِ فسَيَعْلمونَ حينئذٍ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً. قال:
((ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ دَلَّتْ عليه الحالُ: مِن استضعافِ الكفارِ
واستقلالِهم لعددِه، كأنه [قال:] لا يزالون على ما هم عليه، حتى إذا رَأَوْا
ما يُؤْعَدون قال المشركون: متى هذا الموعودُ؟ إنكاراً له. فقال: قُلْ إنه
كائنٌ لا ريبَ فيه. قال الشيخ(٣): ((قولُهُ: بِمَ تَعَلَّق؟ إن عَنَى تعلُّقَ حرفٍ
الجرِّ فليس بصحيح لأنَّها حرفُ ابتداءٍ فما بعدها ليس في موضع جَرٍ
خلافاً للزجَّاج وابَنِ دُرُسْتَوَيْه فإنهما زعما أنها إذا كانَتْ حرفَ ابتداءِ
فالجملةُ الابتدائيةُ بعدها في موضع جرِّ. وإنْ عَنَى بالتعلُّقِ اتصالَ ما بعدَها
بما قبلَها وكونَ ما بعدَها غايَةً لِما قبلَها فهو صحيحٌ. وأمَّا تقديرُه أنها
تتعلَّقُ بقولِه: ((يكونون عليه لِبَداً» فهو بعيدٌ جداً لطولِ الفَصْلِ بينهما
بالجملِ الكثيرةِ. وقدَّر بعضُهم ذلك المحذوفَ المُغَيًّا، فقال: تقديرُه:
دَعْهم حتى إذا. وقال التبريزي: ((جازَ أَنْ تكونَ غايةً لمحذوفٍ)) ولم يُبَيِّن
ما هو؟ وقال الشيخ(٤): ((والذي يَظْهَرُ أنها غايةٌ لِما تَضَمَّنَتْه الجملةُ التي
قبلَها مِن الحُكْمِ بكينونةِ النارِ لهم. كأنَّه قيل: إنَّ العاصِيَ يُحْكَمُ له
بكَيْنونةِ النارِ، وَالحُكْمُ بذلك هو وعيدٌ، حتى إذا رَأَوْا ما حَكَم بكينونِتِه
لهم فسَیعلمون» .
(١) الكشاف ٤/ ١٧٢.
(٢) الآية ١٩.
(٣) البحر ٣٥٤/٨ _ ٣٥٥.
(٤) البحر ٨/ ٣٥٥.
٥٠٤

- الجن -
قوله: ((مَنْ أَضْعَفُ)) يجوزُ في ((مَنْ)) أن تكونَ استفهاميةٌ فترتفعَ
بالابتداء، و «أضعفُ)) خبرُه. والجملةُ في موضع نصبٍ سادَّةً مَسَدَّ
المفعولَيْن لأنها مُعَلِّقَةٌ للعلم قبلَها، وأَنْ تكونَ موصولَةً، و ((أَضْعَفُ)) خبرُ
مبتدأ مضمرٍ. أي: هو أَضْعَفُ. والجملةُ صلةٌ وعائدٌ. وحَسَّنَ الحَذْفَ
طولُ الصلةِ بالتمييزِ. والموصولُ مفعولٌ للعِلْم بمعنى العِرْفان.
آ. (٢٥) قوله: ﴿أَقَرِيبٌ﴾: خبرٌ مقدَّمٌ و ((ما تُوعَدون))
[مبتدأ](١). ويجوز أن يكون ((قريبٌ)) مبتدأً لاعتماده على الاستفهام.
و «ما تُوعَدون)» فاعلٌ به أي: أقربُ الذي تُؤْعَدون، نحو: أقائمٌ أبواك.
و «ما)» يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً، فالعائدُ محذوفٌ، وأَنْ تكونَ مصدريةٌ
فلا عائدَ / و((أم)): الظاهرُ أنها متصلةٌ. وقال الزمخشري(٢): ((فإنْ قلتَ [٨٧٨/ ب]
ما معنى ((أم يَجْعَلُ له ربي أَمداً» والأمدُ يكونُ قريباً وبعيداً؟ ألا ترى إلى
قوله: (تَوَدُّ لو أنَّ بينها وبينهَ أَمَداً بعيداً)(٣) قلت: كان النبيُّ صلَّى الله
عليه وسلَّم يَسْتَقْرِبُ المَوْعِدَ فكأنه قال: ما أَذْري أهو حالٌ متوقَّعٌ في كلِّ
ساعةٍ أم مُؤَجَّلٌ ضُرِبَتْ له غايةٌ».
آ. (٢٦) قوله: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾: العامَّةُ على رفعِهِ: إمَّا بدلاً
مِنْ ((ربي)، وإمَّا بياناً له، وإمَّا خبراً لمبتدأ مضمرٍ أي: هو عالِمُ.
وقُرِىء(٤) بالنصبِ على المدحِ، وقرأ السُّدِّي ((عَلِمَ الغيبَ)) فعلاً ماضياً
ناصباً للغيب.
(١) زيادة من (ش).
(٢) الكشاف ٤/ ١٧٢ .
(٣) الآية ٣٠ من آل عمران.
(٤) انظر في قراءاتها: البحر ٣٥٥/٨، والشواذ ١٦٣.
٥٠٥

- الحسن -
قوله: ((فلا يُظْهِرُ)) العامَّةُ على كونِه مِنْ أَظْهر. و («أحَدا)) مفعولٌ به.
وقرأ(١) الحسن ((يَظْهَرُ)) بفتح الياءِ والهاءِ، مِنْ ظَهَر ثلاثياً، ((أَحَّدٌ)) فاعلٌ
به .
آ. (٢٧) قوله: ﴿إِلَّ مَنْ ارْتَضَى﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ منقطعاً
أي: لكن مَنْ ارتضاه فإنه يُظْهِرُه على ما يشاءُ مِنْ غَيْبِهِ بالوَحْي وقولُه:
(مِنْ رسولٍ)) بيانٌ للمُرْتَضِيْنَ.
وقوله: ((فإنَّه يُسْلُكُ)) بيانٌ لذلك. وقيل: هو متصلٌ. و((رَصَداً)) قد:
تقدَّم الكلامُ عليه(٢). ويجوزُ أَنْ تكونَ ((مَنْ)) شرطيةً أو موصولةً متضمّنَةً
معنى الشرط. وقوله: ((فإِنَّه)) خبرُ المبتدأ على القولَيْنِ. وهو من الاستثناءِ
المنقطع أيضاً، أي: لكن. والمعنى: لكنْ مَنْ ارتضاه من الرُّسُلِ فإنه
يَجْعَلُ لَه ملائكةً رَصَداً يَحْفظونه.
آ. (٢٨) قوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾: متعلقٌ بـ((يَسْلُكُ)). والعامَّةُ على
بنائه للفاعلِ. وفيه خلافٌ أي: لِيَعْلَمَ محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم. وقيل:
لِيَعْلَمَ أي: لِيَظْهَرَ عِلْمُه للناس. وقيل: لِيَعْلَمَ إبليسُ. وقيل: لِيَعْلَمَ
المشركون. وقيل: لِيَعْلَمَ الملائكةُ، وهما ضعيفان لإفرادِ الضمير.
والضميرُ في ((أَبْلَغُوا) عائدٌ على ((مَنْ)) مِنْ قولِه: ((مَنْ ارتَضَىْ)) راعىُ لفِظَها
أولاً، فأفردَ في قولِهِ: ((مِنْ بينِ يدَيْهِ ومِنْ خَلْفِه))، ومعناها ثانياً فَجَمَعَ في
قولِه: ((أَبْلَغُوا)) إلى آخرِهِ.
(١) البحر ٣٥٥/٨.
(٢) الآية ٩.
٥٠٦

- الجن -
وقرأ(١) ابنُ عباس وزيدُ بن علي (لِيُعْلَمَ)) مبنياً للمفعول. وقرأ ابن
أبي عبلةَ والزُّهْري ((لِيُعْلِمَ)) بضمِّ الياءِ وكسرِ اللامِ أي: لِيُعْلِمَ اللَّهُ ورسولُه
بذلك. وقرأ (٢) أبو حيوة ((رسالة)) بالإِفرادِ، والمرادُ الجمعُ.
وابن أبي عبلة ((وأُحِيط وأُحْصِيَ)) مبنيين للمفعول، ((كلُّ) رفعٌ بِأُخْصِي.
قوله: ((عَدَداً) يجوزُ أَنْ يكونَ تمييزاً منقولاً من المفعولِ به.
والأصل: أحصى عددَ كلِّ شيءٍ كقوله تعالى: ((وفجَّرْنا الأرضَ عيوناً)(٣)
أي: عيونَ الأرض، على خلافٍ سَبَقَ في ذلك. ويجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً
على المصدرِ من المعنى؛ لأنَّ ((أحصَى)) بمعنى عَدَّ، فكأنه قيل: وعَذَّ كلَّ
شيءٍ عَدَداً، ويكون التقديرُ: وأحصى كلَّ شيءٍ إحصاءً، فَيُرَدُّ المصدرُ إلى
الفعل، والفعلُ إلى المصدر. ومَنَعَ مكي (٤) كونَه مصدراً للإظهار فقال:
((عَدَداً)) نَصْبٌ على البيانِ(٥)، ولو كان مصدراً لأدغم))(٦) قلت: يعني: أنَّ
قياسَه أَنْ يكونَ على فَعْل بسكونِ العين، لكنه غيرُ لازمٍ فجاء مصدرُه
بفتح العينِ. ولمَّا كان ((لِيَعْلَمَ)) مضمَّناً معنى: قد عَلِمَ ذلكَ، جازَ عَطْفُ
((وأحاط)) على ذلك المقدَّرِ.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الجن]
(١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٥٦٧/٢، والبحر ٣٥٧/٨، والقرطبي ٣٠/١٩،
والنشر ٣٩٢/٢.
(٢) البحر ٣٥٧/٨.
(٣) الآية ١٢ من القمر.
(٤) إعراب المشكل ٤١٧/٢ .
(٥) أي على التمييز.
(٦) المصدرُ عَدٍّ.
٥٠٧

سورة المزَّمِّل
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿المُزَّمِّل﴾: أصلُه المتزَمِّلُ، فَأُدْغِمَت التاءُ في
الزاي يقال: تَزَمَّلَ يتزَمَّلُ تَزَّلاً. فإذا أُريد الإِدغامُ اجْتُلِبَتْ همزةُ
الوصلِ (١)، وبهذا الأصلِ (٢) قرأ أُبيُّ بن كعب. وقرأ عكرمةُ «المُزَمِّل))
بتخفيفِ الزاي وتشديدِ الميم، اسمَ فاعلٍ، وعلى هذا فيكونُ فيه وجهان،
أحدُهما: أنَّ أصلَه المُزْتَمِلُ على مُفْتَعِل فَأَبْدِلَتِ التاءُ ميماً وأُدْغِمَتْ، قاله
أبو البقاء(٣)، وهو ضعيفٌ. والثاني: أنَّه اسمُ فاعلٍ مِنْ زَمَّل مشدداً،
وعلى هذا فيكون المفعولُ محذوفاً، أي: المُزَمِّل جِسْمَه. وقُرِىء كذلك،
إلاّ أنَّه بفتح الميمِ اسمَ مفعولٍ منه، أي: المُلَفَّف. والتَّزَّقُلُ: التَّلَفُّفُ.
يقال: تَزَمَّلَ زِيدٌ بَكَساءٍ، أي: التفَّ به قال ذو الرَّمة(٤):
٤٣٦٢- وكائِنْ تَخَطَّتْ ناقتي مِنْ مَفازةٍ
ومِنْ نائمٍ عن ليلِها مُتَزَمِّلِ
(١) ازَّمَّل. قلبت التاء زاياً وأدغمت الزاي في الزاي فسكن أول المثلين.
(٢) المُتَزَمِّل. وانظر في قراءاتها: البحر ٨/ ٣٦٠، والقرطبي ٣١/١٩،
والمحتسب ٣٣٥/٢، والشواذ ١٦٣ .
(٣) الإملاء ٢٧١/٢ .
(٤) ديوانه ١٤٨٧/٣. وكائن أي: كم، أي: كم من نائم عن ليل تلك المفازة
وغافل عنها غير عارف بها.
٥٠٩

ـ المزمل -
وقال امرؤ القيس (١):
٤٣٦٣- كأنَّ ثبيراً فِي أفانينٍ وَدْقِه
كبيرُ أُناسِ في بِجادٍ مُزَمَّلٍ:
وهو كقراءةِ بعضِهم المتقدِّمةِ. وفي التفسير: أنه نُودي بذلك
لالتفافه في کساء.
آ. (٢) قوله: ﴿قُمِ الليلَ﴾: العامَّةُ على كسرِ الميم لالتقاءِ
السَّاكَنَيْن. وأبو السَّمَّال(٢) بضَمها إتباعاً لحركةِ القاف. وقُرِىءَ بفَتَحِها
طَلَباً للخِفَّةِ. قال أبو الفتح(٣): ((الغَرَضُ الهَرَبُ من التقاءِ السَاكِنَيْن، فبأيّ
حركةٍ حُرِّك الأولُ حُصَلَ الغَرَضُ)). قلت: إلَّ أنَّ الأصلَ الكسرُّ(٤) لدليلِ
ذكره النحويون. و ((الليلَ)) ظرفٌ للقيام، وإن استغرقه الحَدَثُ الواقعُ فيه.
[٨٧٩/أ] هذا قولُ البصريين، وأمَّا الكوفيُّون فيجعلون هذا النوعَ مفعولاً به. /
آ. (٣) قوله: ﴿إِلَّ قليلاً نِصْفَه﴾: للناس في هذا كلامٌ
كثيرٌ، واستدلالٌ على جوازِ استثناءِ الأكثرِ والنصفِ، واعتراضاتٌ وأجوبةٌ
عنها. وها أنا أذكرُ ذلك مُحَرِّراً له بعون الله تعالى ..
اعلم أنَّ في هذه الآيةِ ثمانيةً أوجهٍ أحدُها: أنَّ «نصفَه)) بدلٌ من
((الليلَ)) بدلُ بعضٍ من كلٍ. و ((إلَّ قليلاً)) استثناءٌ من النصفِ كأنه قيل:
قُمْ أقلَّ مِنْ نصفِ الليلِ. والضميرُ في (مِنْه)) و((عليه)» عائدٌ على النصفِ.
(١) تقدم برقم ١٧٠٣
(٢) انظر: المحتسب ٣٣٥/٢، والبحر ٣٦٠/٨، والقرطبي ٣٣/١٩.
(٣) المحتسب ٣٣٥/٢.
(٤) انظر: الارتشاف ٣٤٢/١، وشرح الشافية ٢٣٥/٢.
٥١٠

- المزمل -
والمعنى: التخييرُ بين أمرَيْنِ: بينَ أَنْ يقومَ أقلَّ مِنْ نصفِ الليلِ على
البَتِّ، وبين أَنْ يَخْتَارَ أحدَ الأمرَيْن، وهما: النُّقْصانُ من النصفِ والزيادةُ
عليه، قاله الزمخشريُّ(١). وقد ناقَشَه الشيخ(٢): بأنه يَلْزَمُه تكرارٌ في
اللفظِ؛ إذ يَصير التقديرُ: قُم نِصِفَ الليلِ إلَّ قليلاً مِنْ نِصْفِ الليل،
أو انقُصْ مِنْ نصفِ الليل. قال: ((وهذا تركيبٌ يُنَزَّهُ القرآنُ عنه». قلت:
الوجهُ فيه إشكالٌ، لا من هذه الحيثية فإنَّ الأمرَ فيها سهلٌ، بل لمعنىّ
آخرَ [سأَذْكرهُ قريباً إن شاء الله](٣).
وقد جعل أبو البقاءِ(٤) هذا الوجه مرجوحاً فإنه قال: ((والثاني هو
بدلٌ مِنْ قليلاً - يعني النصف _(٥) قال: ((وهو أشبهُ بظاهرِ الآية لأنه
قال: ((أو انقُصْ منه أو زِدْ عليه))، والهاءُ فيهما للنِّصْفِ. فلو كان
الاستثناءُ من النصف لصار التقديرُ: قُم نصفَ الليل إلَّ قليلاً أو انقُصْ منه
قليلاً، والقليلُ المستثنى غيرُ مقدَّر، فالنقصانُ منه لا يُعْقَلُ)). قلت:
الجوابُ عنه: أنَّ بعضَهم قد عَيَّنَ هذا القليلَ: فعن الكلبيِّ ومقاتلٍ: هو
الثلثُ، فلم يكن القليلُ غيرَ مقدَّرٍ. ثم إنَّ في قولِه تناقضاً لأنه قال:
((والقليلُ المستثنى غيرُ مقدَّرٍ، فالنقصانُ منه [لا يُعْقَل)](٦) فأعاد الضميرَ
على القليل، وفي الأولِ أعادَه على النصفِ.
(١) الكشاف ٤/ ١٧٥.
(٢) البحر ٣٦١/٨.
(٣) ما بين معقوفين مخروم في الأصل أثبتناه من (ش).
(٤) الإملاء ٢/ ٢٧١ .
(٥) أي: إن إعراب ((نصفه)) بدل من ((قليلاً)).
(٦) من (ش) وأبي البقاء.
٥١١

ــ المزمل -
ولقائلٍ أن يقولَ: قد يَنْقَدِحُ هذا الوجهُ بإشكالٍ قويٍّ: وهوِ أنَّه يَلْزَمُ
منه تكرارُ المعنى الواحدِ: وذلك أنَّ قوله ((قُمْ نِصْفَ الليلِ إلاَّ قليلاً))
بمعنى: انقُصْ مِنْ نصفِ الليل؛ لأنَّ ذلك القليل هو بمعنى النقصانِ،
وأنت إذا قلت: قُمْ نصفَ الليلِ إلَّ القليلَ مِن النصفِ، وقُمْ نصفَ الليل،
أو انقُصْ من النصفِ، وجدتَهما بمعنىّ. وفيه دقةٌ فتأمَّلْه، ولم يَذْكُرِ
الحوفيُّ غيرَ هذا الوَجِهِ المتقدِّمِ، فقد عَرَفْتَ ما فيه.
ومِمَّنْ ذَهَبَ إليه أبو إسحاقَ(١) فإنه قال: ((نصفَه)) بدلٌ من
((الليل))(٢) و((إلاَّ قليلاً)) استثناءٌ من النصفِ. والضميرُ في ((منه) و((عليه))
عائدٌ للنصف. المعنى: قُمْ نصفَ الليل أو انقُصْ من النصفِ قليلاً إلى
الثلثِ، أو زِدْ عليه قليلاً إلى الثلثَيْن، فكأنَّه قال: قُمْ ثلثَيْ الليلِ أو نصفَه
أو ثلثَه)). قلت: والتقديراتُ التي يُبْرزونها ظاهرةٌ حسنٌ، إلاَّ أنَّ التركيبَ.
لا يُساعِدُ عليها، لِمَا عَرَفْتَ من الإِشكال الذي ذكَرْتُه لك آنفاً.
الثاني: أَنْ يكونَ ((نصفَه)) بدلاً مِنْ ((قليلاً)»، وإليه ذهب
الزمخشريُّ(٣) وأبو البقاء(٤) وابنُ عطية(٥). قال الزمخشريُّ: ((وَإِنْ شِئْتَ
جَعَلْتَ ((نصفَه)) بدلاً مِنْ ((قليلاً))، وكان تخييراً بين ثلاثٍ: بين قيامٍ
النصفِ بتمامِه، وبين قيامِ الناقصِ منه، وبين قيامِ الزائدِ عليه، وإنما
(١) معاني القرآن ٢٣٩/٥. وتصَّرف في النص.
(٢) قال: «کما تقول: ضربت زيداً رأسه» ..
(٣) الكشاف ٤/ ١٧٥.
(٤) الإملاء ٢٧١/٢.
(٥) المحرر ١٤٥/١٦.
٥١٢

- المزمل -
وَصَفَ النصفَ بالقِلَّةِ بالنسبة إلى الكلِّ)). قلت: وهذا هو الذي جعله
أبو البقاء أَشْبَهَ مِنْ جَعْلِه بدلاً من ((الليل)) كما تقدَّمَ.
إلّا أنَّ الشيخ(١) اعترض هذا فقال: ((وإذا كان ((نصفَه)) بدلاً مِنْ ((إلاَّ
قليلاً) فالضميرُ في ((نصفَه)): إمّا أَنْ يعودَ على المبدلِ منه أو على
المستثنى منه، وهو ((الليلَ))، لا جائِزٌ أَنْ يعودَ على المبدلِ منه؛ لأنه
يَصيرُ استثناءَ مجهولٍ مِنْ مجهولٍ؛ إذ التقديرُ: إلَّ قليلاً نصفَ القليل،
وهذا لا يَصِخُ له معنىّ البتةَ، وإن عاد الضميرُ على الليل فلا فائدةً في
الاستثناءِ من ((الليل))، إذ كان يكونُ أَخْصَرَ وأوضحَ وَأَبْعَدَ عن
الإِلباس(٢): قُمِ الليلَ نصفَه. وقد أَبْطَلْنا قولَ مَنْ قال: ((إلَّ قليلاً)) استثناءٌ
من البدلِ، وهو ((نصفَه))، وأنَّ التقديرَ: قُم الليلَ نصفَه إلاَّ قليلاً منه،
أي: من النصفِ. وأيضاً: ففي دَعْوىُ أنَّ ((نصفَه)) بدلٌ مِنْ ((إلاَّ قليلاً)»،
والضميرُ في ((نصفَه)) عائدٌ على ((الليل))، إطلاقُ القليلِ على النصفِ،
ويَلْزَمُ أيضاً أَنْ يصيرَ التقديرُ: إِلَّ نصفَه فلا تَقُمْه /، أو انقُصْ من [٨٧٩/ب]
النصفِ الذي لا تقومه(٣) وهذا معنىّ لا يَصِحُّ وليس المرادَ من الآيةِ
قطعاً) .
قلت: نقولُ بجواز عَوْدِهِ على كلٍ منهما، ولا يَلْزَمُ محذورٌ. أمّا
ما ذكره: مِنْ أنه يكونُ استثناءَ مجهولٍ مِنْ مجهولٍ فممنوعٌ، بل هو
استثناءُ معلومٍ مِنْ معلوم، لأنَّا قد بَيِّنًا أنَّ القليل قَدْرٌ معيَّنٌ وهو الثلثُ،
(١) البحر ٣٦١/٨.
(٢) البحر: ((أن يكون التركيب)).
(٣) الأصل ((لا تقمه)) والتصحيح من البحر وقال بعدها: ((أو زد عليه النصف الذي
لا تقومه)».
٥١٣

- المزمل -
والليل، فليس بمجهولٍ. وأيضاً فاستثناءُ المُبْهَم قد وَرَدَ. قال تعالى ::
((ما فعلوه إلَّ قليلاً منهم))(١) وقال تعالى: ((فشَربوا منه إلاَّ قليلاً منهم))(٢).
وكان حقُّه أَنْ يقول: لأنه بدلُ مجهولٍ مِنْ مجهولٍ. وأمَّا ما ذكره مِنْ أنَّ
أَخْصَرَ منه وأَوْضَحَ كيت وكيت: أمَّا الأَخْصَرُ فمُسَلَّمٌ. وأمَّا أنه مُلْبِس
فممنوعٌ، وإنما عَدَلَ عن اللفظِ الذي ذكّرَه لأنه أَبْلَغْ.
وبهذا الوجهِ اسْتَدَلَّ مَنْ قال بجوازِ استثناءِ النصفِ والأكثرِ. ووجهُ
الدلالةِ على الأولِ أنَّه جَعَلَ ((قليلاً) مستثنى من ((الليل))، ثم فَسَّر ذلك
القليلَ بالنصفِ فكأنه قيل: قُم الليلَ إلَّ نصفَه. ووَجْهُ الدلالةِ على
الثاني(٣): أنَّه عَطَفَ ((أو زِدْ عليه)) على («انقُصْ منه)) فيكونُ قِد استثنى.
الزائدَ على النصفِ؛ لأنَّ الضميرَ في «مِنْه))، وفي ((عليه)) عائدٌ على
النصفِ. وهو استدلالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الكثرةَ إنما جاءَتْ بالعطفِ، وهو
نظيرُ أَنْ تقول: ((له عندي عشرةٌ إلَّ خمسةً ودرهماً ودرهماً) فالزيادةُ على
النصفِ بطريقِ العطفِ لا بطريقِ أن الاستثناءِ أخرجَ الأكثرَ بنفسِهِ.
الثالث: أنَّ «نصفَه)) بدلٌ من ((الليلَ)) أيضاً كما تقدَّم في الوجه
الأولِ، إلَّ أَنَّ الضميرَ في ((منه)) و((عليه)) عائدٌ على الأقلِّ من النصف.
وإليه ذهب الزمخشري(٤) فإنه قال: ((وإنْ شِئْتَ قلت: لَمَّا كان معنى ((قُم
الليلَ إلَّ قليلاً نصفَه)) إذا أَبْدَلْتَ النصفَ من («الليل)): قُمْ أُقلَّ مِنْ نصفِ
الليل، رَجَعَ الضميرُ في ((منه)) و((عليه)) إلى الأقلِّ من النصفِ، فكأنه
(١) الآية ٦٦ من النساء وهي قراءة ابن عامر. السبعة ٢٣٥.
(٢) الآية ٢٤٩ من البقرة.
(٣) وهو الأكثر.
(٤) الكشاف ٤/ ٠١٧٥.
٥١٤

- المزمل -
قيل: قُمْ أقلَّ مِنْ نصفِ الليلِ أو قُمْ أنقصَ مِنْ ذلك الأقلِّ أو أزيدَ مِنْه
قليلاً، فيكون التخييرُ فيما وراءَ النصفِ بينه وبينَ الثُّلُثِ».
الرابع: أَنْ يكونَ ((نصفَه)) بدلاً مِنْ «قليلاً)) كما تقدَّمَ، إلاَّ أنَّك
تجعلُ القليلَ الثاني رُبْعَ الليلِ. وقد أوضح الزمخشريُّ (١) هذا أيضاً فقال:
((ويجوزُ إذا أَبْدَلْتَ ((نصفَه)) مِنْ ((قليلاً)) وفَسَّرْتَه به أَنْ تجعلَ ((قليلاً)» الثاني
بمعنى نصفِ النصفِ، بمعنى الربع، كأنه قيل: أو انقص منه قليلاً نصفَه،
وتجعلَ المزيدَ على هذا القليل - أعني الربعَ - نصفَ الربع، كأنه قيل:
أو زِدْ عليه قليلاً نصفَه. ويجوزُ أَنْ تجعلَ الزيادةَ لكونِها مُطْلَقَةً تتمَّةَ الثلثِ
فيكون تخييراً بين النصفِ والثلثِ والرُّبُع)) انتهى. وهذه الأوجهُ التي
حَكَيْتُها عن أبي القاسم مِمَّا يَشْهِدُ له باتِّساعِ عِلْمِه في كتاب الله. ولَمَّا
اتسَعَتْ عبارتُهُ على الشيخ قال(٢): ((وما أوسَعَ خيالَ هذا الرجلِ !! فإنه
يُجَوِّزُ ما يَقْرُبُ وما يَبْعُدُ)). قلت: وما ضَرَّ الشيخَ لو قال: وما أوسعَ عِلْمَ
هذا الرجلِ !!
الخامس: أَنْ يكونَ ((إلَّ قليلاً)) استثناءً مِن القيامِ، فتجعلَ الليلَ اسم
جنس ثم قال: ((إلاَّ قليلاً، أي: إلاَّ اللياليَ التي تتزَّكُ قيامَها عند العُذْرِ
البَيِّنَ ونحوِهِ. وهذا النَّظر يَحْسُنُ مع القولِ بالنَّذْبِ، قاله ابنُ عطية(٣)،
احتمالاً مِنْ عندِهِ. وفي عبارته: ((التي تُخِلُّ بقيامِها)) فَأَبْدَلْتُها: ((التي تَتْرُكُ
قيامَها». وفي الجملة فهذا خلافُ الظاهرِ، وتأويلٌ بعيدٌ.
السادس: قال الأخفش(٤): ((إنَّ الأصل: قُم الليلَ إلاَّ قليلاً
(١) الكشاف ٤ / ١٧٥ .
(٢) البحر ٣٦٢/٨.
(٣) المحرر ١٤٦/١٦.
(٤) معاني القرآن له ٥١٢.
٥١٥

- المزمل -
أو نصفَه، قال: «كقولك: ((أَعْطِه درهماً درهَميْن ثلاثةً»، أي: أو درهمَيْن
أو ثلاثةً)). وهذا ضعيفٌ جداً؛ لأن فيه حَذْفَ حرفِ العطفِ، وهو ممنوعٌ
لم يَرِدْ منه إلاَّ شَيْءٌ شاذٌ يمكن تأويلُه كقولهم: («أكلْتُ لحماً سَمَكاً تَمْراً».
وقول الآخر(١):
٤٣٦٤- كيف أَضْبَحْتَ كيف أَمْسَيْتَ مِمَّا
يَزْرَعُ الوُدَّ في فؤادِ الكريم
أي: لحماً وسمكاً وتمراً، وكذا كيف أصبَحْتَ وكيف أمسَيْتَ. وقد
خَرَّجَ الناس هذا على بَدَلِ البَداء.
السابع: قال التبريزيُّ: ((الأمرُ بالقيام والتخييرُ في الزيادة والنقصان،
وقعَ على الثلثَيْنَ مِنْ آخرِ الليلِ؛ لأَنَّ الثلثَ الأولَ وقتُ العَتَمَّةِ،
والاستثناءُ واردٌ على المأمورِ به، فكأنه قال: قُمْ ثُلُثِي الليلِ إلاّ قليلاً،
أي: ما دونَ نصفِهِ، أو زِذْ عليه، أي: على الثلثَيْنِ، فكان التخيير في
الزيادة والنقصانِ واقعاً على الثلثَيْن)) وهو كلامٌ غريبٌ لا يَظْهَرُ من هذا
التركيب .
[٨٨٠/أ]
. الثامن: أنَّ((نصفَه)) منصوبٌ على إضمارٍ فِعْلٍ /، أي: قُمْ نصفَه،
حكاه مكيٌّ(٢) عن غيرِهِ، فإنَّه قال: ((نصفَه بدلٌ من ((الليل)) وقيل: انتصبَ.
على إضمارِ: قُمْ نَصفَه)». قلت: وهذا في التحقيقِ هو وجهُ البدلِ الذي
ذكرَه أولاً؛ لأنَّ البدلَ على نيةِ تَكْرارِ العاملِ.
آ. (٥) قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي﴾: هذه الجملةُ مستأنفةٌ. وقال
(١) تقدم برقم ١٢٨٥.
(٢) إعراب المشكل ٠ ٤١٨/٢.
٥١٦

- المزمل -
الزمخشري(١): ((وهذه الآيةُ اعتراضٌ)). ثم قال: ((وأراد بهذا الاعتراضِ أنَّ
ما كُلِّفَهُ مِنْ قيام الليلِ مِنْ جُملةِ التكاليفِ الثقيلةِ الصعبةِ التي وَرَدَ بها
القرآنُ؛ لأنَّ الليلَ وقتُ السُّباتِ والراحةِ والهدوءِ، فلا بُدَّ لِمَنْ أحياه مِنْ
مُضادَّةٍ لطَبْعِه ومجاهدةٍ لِنَفْسِه)). انتهى. يعني بالاعتراضٍ من حيث المعنى
لا من حيث الصناعةُ؛ وذلك أنَّ قولَه: ((إنَّ ناشئةَ الليلِ هي أشدُّ» مطابِقٌ
لقوله: ((قُم الليلَ)) فكأنه شابَهَ الاعتراضَ من حيث دُخولُه بين هذَيْن
المتناسِبَیْنِ.
آ. (٦) قوله: ﴿إِنَّ ناشئةَ الليلِ﴾: في الناشئةِ أوجهٌ،
أحدها: أنها صفةٌ لمحذوفٍ، أي: النفسَ الناشئةَ بالليلِ التي تَنْشَأُ مِنْ
مَضْجَعِها، للعبادة، أي: تَنْهَضُ وترتفعُ. مِنْ نَشَأَتِ السحابةُ: إذا
ارتفعَتْ. ونَشَأ مِنْ مكانِه ونَشَز: إذا نَهَضَ قال(٢):
٤٣٦٥_ نَشَأْنا إلى خُوْصٍ بَرَى نَّها السُّرى
وأَشْرَف منها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ
والثاني: أنَّها مصدرٌ بمعنى قيام الليل، على أنها مصدرٌ مِنْ نَشَأَ:
إذا قام ونَهَضَ، فتكونُ كالعافية، قالهمًا الزمخشري(٣) .
الثالث: أنها بلغةِ الحبشةِ، نَشَأَ الرجلُ: أي قامَ من الليل. قال
الشيخ(٤): ((فعلى هذا هي جمعُ ناشِىء، أي: قائِم)). قلت: يعني أنها صفةٌ.
(١) الكشاف ٤/ ١٧٥.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في شواهد الكشاف ٣٨٩/٤، والبحر ٣٦٣/٨،
والخوص: ج خوصاء وهي الناقة المرتفعة، الضخمة الأسفل. النَّيُّ: الشحم.
السرى: سير الليل. والقماحد: ج القَمَحْدُوَة وهو مؤخر القَذال أو أعلاه.
(٣) الكشاف ١٧٦/٤.
(٤) البحر ٨/ ٣٦٢.
٥١٧

- المزمل -
لشيٍ يُفْهِمُ الجَمْعَ، أي: طائفةً أو فِرْقةً ناشئةً، وإلَّ ففاعلٌ لا يُجْمَعُ على
فاعِلة.
الرابع: أنَّ ((ناشئة الليل)) ساعاتُه؛ لأنها تَنْشَأ شيئاً بعد شيءٍ (١).
وقَيَّدها ابنُ عباس والحسنُ بما كان بعد العِشاء، وما كان قبلَها فليسَ
بناشئةٍ. وخَصَّصَتْها عائشةُ - رضي الله عنها - بمعنىّ آخرَ: وهو أَنْ يكونَ :
بعد النومِ، فلو لم يتقدَّمْها نومٌ لم تكُنْ ناشئةً.
قوله: «وَطْئاً)» قرأ (٢) أبو عمروٍ وابنُ عامر بكسرِ الواو وفتح الطاءِ.
بعدَها ألفٌ(٣). والباقون بفتح الواو وسكون الطاء. وقرأ قتادةُ وشبلٌ عن
أهل مكة ((وِطْئًا). وظاهرُ كلام أبي البقاءِ (٤) يُؤْذِنُ أنه قُرِىء بفتح الواو
مع المدِّ(٥) فإنه قال: ((وِطاء - بكسرِ الواو - بمعنى: مُواطَأَةٌ، وَبفتحها
اسمٌ للمصدر، و((وَطْئًا) على فَعْل، وهو مصدرٌ وَطِىءَ)) فالوِطاءُ مصدرُ
واطَأَ كِقِتال مصدرٍ قَاتَل. والمعنى: أنها أشدُّ مواطَأةً، أي: يُواطِىءُ قلبُها
لسانَها، إنْ أَرَذْتَ النفسَ، أو يُواطىء فيها قَلْبُ القائم لسانَه، إنْ أَرَدْتَ
القيامَ أو العبادةَ أو الساعاتِ، أو أشدُّ موافقةً لِما يُراد من الخُشوع
والإِخلاصِ. والوَطْءُ - بالفتح أو الكسرِ - على معنى: أشدُّ ثَبَاتَ قَدَمَ
وأَبْعِدُ مِن الزّلَلِ، أو أثقلُ وأغلظُ مِنْ صلاةِ النهارِ على المصلِّي، من قولِه
(١) وهو ما ذهب إليه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢٧٣/٢.
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٥٨، والنشر ٣٩٣/٢، والبحر ٣٦٣/٨،
والتيسير ٢١٦، والحجة ٧٣٠، والقرطبي ٤٠/١٩، والشواذ ١٦٤،
والإتحاف ٢/ ٥٦٩ .
(٣) «وطاءً)).
(٤) الإملاء ٢٧١/٢ .
(٥) وهي قراءة ابن مجيصن كما في الإتحاف ٥٦٩/٢، والشواذ ١٦٤.
٥١٨

- المزمل -
عليه السلام: ((اللهم اشْدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ» (١) وعلى كلِّ تقدير فانتصابُه
على التمييز.
قوله: ((وأَقْوَمُ)) حكى الزمخشري(٢): أنَّ أَنَساً قرأ ((وأَضْوَبُ قِيلاً))
فقيل له: يا أبا حمزةَ إنما هي: وأقومُ !! ((فقال: ((إنَّ أَقْوَمَ وأَصْوَبَ وَأَهْيَأ
واحدٌ)) وأنَّ أبا سرار الغَنَوِيَّ قرأ («فحاسُوا(٣) خلالَ الديارِ)» بالحاءِ المهمةِ
فقيل له: هي بالجيم. فقال: حاسُوا وجاسُوا واحدٌ)). قلت: له غَرَضٌ
في هاتَيْن الحكايَتَيْن، وهو جوازُ قراءةِ القرآنِ بالمعنى، وليس في هذا
دليلٌ؛ لأنه تفسيرُ معنىّ. وأيضاً فما بَيْنَ أيدينا قرآنٌ متواترٌ، وهذه الحكايةُ
آحادٌ. وقد تقدَّم أنَّ أبا الدرداءِ كان يُقْرِىءُ رجالاً ((إنَّ شجرةَ الزَّقُوم طعامُ
الأثيم)»(٤) فجعل الرجلُ يقول: اليتيم. فلمَّا تَّبَرَّم به قال: طعامُ الفاجرِ
يا هذا. فاستَدَلَّ به على ذلك مَنْ يَرَى جوازَه. وليس فيه دليلٌ؛ لأنَّ
مقصودًا أبي الدرداءِ بيانُ المعنى، فجاء بلفظٍ مبينٍ.
[٨٨٠/ ب]
آ. (٧) قوله: ﴿سَبْحاً﴾: العامَّةُ على الحاء المهملة وهو
مصدرُ سَبَحَ، وهو استعارةٌ، استعارَ للتصرُّفِ في الحوائجِ السِّباحةَ في
الماءِ، وهي البُعْدُ فيه. وقرأ(٥) يحيى بن يعمر وعكرمة وابنُ أبي عبلة
سَبْخاً)) بالخاء المعجمةِ. واختلفوا في تفسيرِها، فقال الزمخشريُّ (٦):
(١) رواه البخاري في: ١٠ كتاب الأذان، ١٢٨ باب يهوى بالتكبير حين يسجد.
الفتح ٣٣٩/٢.
(٢) الكشاف ٤/ ١٧٦ .
(٣) الآية ٥ من الإسراء وانظر: الدر المصون ٣١٤/٧.
(٤) الآية ٤٤ من الدخان.
(٥) البحر ٣٦٣/٨، والقرطبي ٤٢/١٩، والشواذ ١٦٤.
(٦) الكشاف ١٧٦/٤ .
٥١٩

!
- المزمل -
«استعارةً مِنْ سَبْخِ الصُّوفِ: وهو نَفْشُه ونَشْرُ أجزائِه لانتشارِ الهَمِّ وتفرّقِ
القلبِ بالشواغل. وقيل: التَّسْبِيخُ: التخفيفُ، حكى الأصمعيُّ: سَبَخَ الله
عَنَك الحُمَّى، أي: خَفَّفَها عنك. قال الشاعر (١):
٤٣٦٦- فَسَبِّخْ عَليكَ الهَمَّ واعلمْ بأنَّه
إذا قَدَّرَ الرحمنُ شيئاً فكائِنُ
أي: خَفِّفْ. ومنه ((لا تُسَبِّخي بدُعائِك))(٢)، أي: لا تُخَفِّفي. وقيل:".
التَّسْبِيخِ: المَدُّ. يقال: سَبِّخِي قُطْنَكِ، أي: مُدِّيه، والسَّبيخة: قطعة من
القطن. والجمعُ سبَائِخُ. قال الأخطل(٣) يصف صائِداً وكلاباً:
٤٣٦٧- فأَرْسَلوهُنَّ يُذْرِيْنَ الترابَ كما
يُذْرِيْ سبائخَ قُطْنٍ نَذْفُ أوْتَارِ
وقال أبو الفضل الرازي: ((وقرأ ابن يعمرَ وعكرمة ((سَبْخاً)) بالخاء
معجمةٌ وقالا: معناه نَوْماً، أي: يَنامُ بالنهار ليَسْتعينَ به على قيام الليل.
وقد تحتمِلُ هذه القراءةُ غيرَ هذا المعنى، لكنهما فَسَّراها فلا تَجَاوُزَ عنْه)).
قلت: في هذا نظرٌّ؛ لأنهما غايةُ ما في البابِ أنَّهما نقلا هذه القراءةَ،
وظَهَرَ لهما تفسيرُها بما ذكرا، ولا يَلْزَمُ مِنْ ذلك أنَّه لا يجوزُ غَيرُ مَا ذَكَرا
مِنْ تفسيرِ اللفظة.
آ. (٨) قوله: ﴿تَبْتِيْلا﴾: مصدرٌ على غير الصدرِ وهو واقعٌ
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان (سبخ)، والقرطبي ٤٣/١٩.
(٢) رواه أحمد عن عائشة قالت: سرق سارق، فدعت عليه فقال لها
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: لا تُسَبِّخي عنه. المسند ٤٥/٦. وانظر : :
النهاية ٢/ ٠,٣٣٢
(٣) ديوانه ١٦٦/١، واللسان (سبخ) والقرطبي ٤٣/١٩. يذرين: يُثرن.
٥٢٠

- المزمل -
موقعَ التَُّّل؛ لأنَّ مصدرَ تَفَعَّل: تَفَغُّل نحو: تَصَرَّفَ تَصَرُّفاً، وتكرَّمَ
تكرُّماً. وأمَّا التفعيلُ فمصدرُ فَعَّل نحو: صَرَّف تَصْرِيفاً. ومثلُه قولُ
الشاعر(١):
٤٣٦٧ - وقد تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الحِضْبِ
فأوقعَ الانفعالَ مَوْقِعَ التَّفَقُّل. قال الزمخشري(٢): ((لأنَّ معنىُ تَبَثَّل:
بَثَّلَ نفسَه، فجيْءَ به على معناه مراعاةً لحَقِّ الفواصِل)). والتبثُّل:
الانقطاعُ. ومنه «امرأة بتولٌ))، أي: انقطَعَتْ عن النكاح، وبَتَلْتُ الحَبْلَ:
قَطَعْتُهُ. قال الليث: البَثْلُ: تمييزُ الشيءِ من الشيءٍ. وقالوا: ((طَلْقَةٌ بَتْلَةٌ))،
و ((هِبَةٌ بَتْلَةُ» يعنونَ انقطاعها عن صاحبِها، فالتبيلُ تَرْكُ النَّكاحِ، والزهدُ
فيه. والمرادُ به في الآيةِ الكريمة الانقطاعُ إلى عبادةِ اللهِ تعالى دونَ تَرْكِ
النكاح. وفي الحديث(٣): ((أَنَّه نَهَى عن التبثُّل))، أي: الانقطاع عن
النُّكاح، ومنه سُمِّي الراهبُ ((مُتَبَنِّلاً)) لانقطاعِه عن النكاحِ. قال امرؤ
(٤) .
القيس.
٤٣٦٨- تُضِيْءُ الظلامَ بالعَشِيِّ كأنَّها
منارةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَقِّلٍ
آ. (٩) قوله: ﴿رَبُّ المشرق﴾: قرأ(٥) الأخَوان وأبو بكر
(١) تقدم برقم ١٢٢٧. والأصل ((قول الآخر)) وفيها نظر.
(٢) الكشاف ٤ / ١٧٧ .
(٣) رواه أحمد في المسند ٥/ ١٧ .
(٤) ديوانه ١٧. وممسئ: وقت إمساء الراهب.
(٥) السبعة ٦٥٨، والحجة ٧٣١، والقرطبي ٤٥/١٩، والبحر ٣٦٣/٨،
والتيسير ٢١٦، والنشر ٣٩٣/٢.
٥٢١