النص المفهرس

صفحات 461-480

- المعارج -
عِزْهَة، كما أنَّ أصلَ سَنَةَ سَنْهَة ثم حُذِفَتِ الهاءُ»(١) انتهى. قوله:
((لا يَعْقِلُ)) سهوٌّ لأنَّ الاعتبارَ بالمدلولِ، ومدلولُه بلا شك عقلاءُ.
واختلفوا في لام ((عِزَة)) على ثلاثةِ أقوالٍ، أحدُها: أنَّها واوٌ مِنْ
عَزَوْتُه أَعْزُوْهِ، أي: نَسَبْتُه؛ وذلك أنَّ المنسوبَ مضمومٌ إلى المنسوبِ
إليه، كما أنَّ كلَّ جماعةٍ مضمومٌ بعضُها إلى بعضٍ. الثاني: أنَّها ياءٌ، إذ
يُقال: عَزَيْتُه بالياء، أَعْزِيْهِ بمعنى: عَزَوْته، فعلى هذا في لامِها لغتان.
الثالث: أنها هاءٌ، ويُجْمَعُ تكسيراً على عِزَىّ نحو: كِسْرةٍ(٢) وكِسَر،
واسْتُغْنِي بهذا التكسيرِ عن جمعِها بالألفِ والتاءِ، فلم يقولوا: عِزات كما
لم يقولوا في شَفَة وأَمَة: شِفات ولا إمات استغناءً بشِفاهٍ وإماءٍ، وقد كَثُرَ
ورودُه مجموعاً بالواوِ والنون. قال الراعي(٣):
٤٣٣٢- أخليفةَ الرحمنِ إنَّ عَشيرتي
أَمْسَوْا سَوامُهُمُ عِزِيْنَ فُلُوْلا
وقال الكميت(٤):
٤٣٣٣_ ونحن وجَنْدَلٌ باغ تَرَكْنا
كتائبَ جَنْدَلٍ شَتَّى عِزِيْنا
(١) قال: ((فجُعِل جمعه بالواو والنون عوضاً من الحذف».
(٢) حسب الأصل: عِزْوَةٌ وعِزْهَةٌ.
(٣) ديوانه ٥٥، وروايته ((أمسى)) وكذا في القرطبي ٢٩٣/١٨، ومجاز
القرآن ٢٧٠/٢، ورواية المؤلف على لغة أكلوني البراغيث. والسوام: الإِبل
الراعية .
(٤) القرطبي ٢٩٣/١٨، واللسان (عزا) والكشاف ١٦٠/٤. وجملة جندل باغ
حالية.
٤٦١

- المعارج -
وقال عنترة (١):
٤٣٣٤ - وقِرنٍ قد تَرَكْتُ لِذي وَلِيٍّ
عليه الطيرُ كالعُصَبِ العِزِيْنِ
وقال آخر (٢):
٤٣٣٥ - ترانا عنده والليلُ داجٍ
على أبوابِه حِلَقاً عِزِيْنا
وقال آخر (٣):
٤٣٣٦- فلما أَنْ أَتَيْنَ على أُضاخِ
تَرَكْنَ حّصّاهِ أَشْتاتاً عِزيتا
والعِزَةُ لغةً: الجماعةُ في تَفْرِقَةٌ. هذا قولُ أبي عبيدةٍ(٤). وقال
الأصمعىُّ: «العِزُون: الأصناف. يقال: في الدار عِزُون، أي: أصناف»
وقال غيرُه: الجماعةُ اليسيرةُ كالثلاثةِ والأربعةِ. وقال الراغب(٥): ((وقيل:
هو مِنْ قولِهِم: عَزِيَّ عَزاءً فهو عَزِ إذا صَبَرَ، وتَعَزَّى: تَصَبَّر، فكأنها اسمٌ
للجماعة التي يتأسَّى بعضُهم ببعض.
(١) ديوانه ٢٩٥ برواية:
وقِرْنُ قد تركتُ لدى مَكَرِّ عليه سَبَائِبٌ كَالْأُرْجُوانِ
والقرطبي ٢٩٤/١٨.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٢٩٣/١٨، والماوردي ٣٠٧/٤
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٢٩٣/١٨، واللسان (عزا). وأضاخ: اسم
جبل أو موضع كما في اللسان (أضخ).
(٤) مجاز القرآن ٢/ ٢٧٠.
(٥) المفردات ٣٣٤.
٤٦٢

- المعارج-
آ. (٣٨) قوله: ﴿أَنْ يُدْخَلَ﴾: العامَّةُ على بنائِه للمفعول.
وزيدُ بن علي(١) والحسن وابن يعمر وأبو رجاء وعاصمٌ - في روايةٍ _(٢)
على بنائِهِ للفاعلِ.
آ. (٤٠) قوله: ﴿فلا أَقْسِمُ﴾: قد تقدَّم غيرَ مرةٍ(٣). وقرأ
جماعة(٤) ((فلأَقْسِمُ)) دون ألفٍ. والعامَّةُ على جمع المشارق والمغارب.
والجحدريُّ(٥) وابنُ محيصن بإفرادِهِما.
و ((إِنَّا لَقادِرون)) جوابُ القسم. وقرأ العامَّةُ ((يُلاقُوا))، وأبو جعفر (٦)
وابن محيصن ((يَلْقَوْا» مضارعٍ لَقِيَ.
آ. (٤٣) قوله: ﴿يوم يَخْرُجون﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ
(يَوْمَهم)) أو منصوباً بإضمار أَعني. ويجوزُ - على رَأْي الكوفيين (٧) - أن
يكون خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ، وبُنِي على الفتح، وإنْ أُضيفَ إلى مُعْربٍ، أي:
هو يومَ يَخْرُجون، كقوله: ((هذا يوَمَ يَنْفَعُ))(٨) وقد مَرَّ الكلامُ فيه
مُشْبعاً (٩). والعامَّةُ على بناءِ ((يَخْرُجون)) للفاعلِ، ورُوي عن عاصمٍ (١٠)
(١) السبعة ٦٥١، والقرطبي ٢٩٤/١٨، والبحر ٣٣٦/٨.
(٢) في رواية المفضل كما في السبعة.
(٣) انظر إعرابه للآية ٧٥ من الواقعة.
(٤) البحر ٣٣٦/٨.
(٥) الإتحاف ٥٦٢/٢، والقرطبي ٢٩٥/١٨، والبحر ٣٣٦/٨.
(٦) الإتحاف ٥٦٢/٢، والقرطبي ٢٩٦/١٨، والبحر ٣٣٦/٨، والنشر ٣٧٠/٢،
والشواذ ١٦١ .
(٧) انظر: شرح التسهيل ٢٥٥/٣. الارتشاف ٥٥٢/٢.
(٨) الآية ١١٩ من المائدة وهي قراءة نافع.
(٩) انظر: الدر المصون ٤/ ٥٢٠.
(١٠) الشواذ ١٦١، والبحر ٣٣٦/٨، والقرطبي ٢٩٦/١٨.
٤٦٣

- المعارج -
بناؤُه للمفعولِ.
قوله: ((سِراعاً) حالٌ مِنْ فاعل ((يَخْرُجون)) جمعَ سريع كَظِراف في
ظَريف. و((كأنَّهم)) حالٌ مِنْ ضميرِ الحالِ فتكونُ متداخلةً.
قوله: ((إلىْ نُصُنبِ)) متعلِّقُ بالخبرِ. والعامَّةُ على ((نَصْبٍ)) بالفتح
والإسكان، وابنُ عامر(١): وحفصٌ بضمتين، وأبو عمران الجوني ومجاهد
بفتحتَيْن، والحسنُ وقتادةُ بضمةٍ وسكون. فالأولى (٢) هو اسمٌ مفردٌ بمعنى
العَلَم المنصوبِ الذي يُشْرِعُ الشخصُ نحوَه. وقال أبو عمروٍ: ((هو شَبَكَةُ
الصائدِ يُشْرِع إليها عند وقوع الصيدِ فيها مخافةَ انفلاتِه)). وأمّا الثانيةُ (٣)
[٨٧٢/ ب] فتحتمل ثلاثة أوجهٍ. أحدها: / أنه اسمٌ مفردٌ بمعنى الصَّنَمِ المنصوبِ
للعبادة، وأنشد للأعشى (٤):
٤٣٣٧ - وذا التُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَعْبُدَنَّه
العاقبةٍ واللَّهَ ربَّك فاعْبُدَا
الثاني: أنه جمعُ نِصاب ككُتُب في كِتاب. الثالث: أنه جمعُ نَصْبٍ
نحو: رَهْن في رُهُنِ، وسَقْف في سُقُف، وهذا قولُ أبي الحسن. وجَمْعُ
الجمعِ أَنْصاب. وأمَّا الثالثةُ(٥) فَفَعَل بمعنىُ مَفْعول، أي: مَنْصوب
كالقَبَضِ والنَّقَضِ. والرابعةُ(٦) تخفيفٌ من الثانية.
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٥١، والنشر ٣٩١/٢، والحجة ٧٢٥،
والقرطبي ٢٩٦/١٨، والتيسير ٢١٤، والبحر ٣٣٦/٨.
(٢) ((نَصْب)).
(٣) «نُصُب)).
(٤) تقدم برقم ١٦٩٤ برواية قريبة.
(٥) لنَصَب».
(٦) «نُصْب)».
٤٦٤

- المعارج -
ويُؤْفِضونَ، أي: يُسْرعون. وقيل: يَسْتَبْقُون. وقيل: يَسْعَوْن.
وقيل: يَنْطَلقون. وهي متقاربةٌ. وأنشد(١).
٤٣٣٨- فوارِسُ ذُنْيانَ تحت الحَدِيْ
ــدِ كالجِنِّ تُوْفِضُ مِنْ عَبْقَرٍ
وقال آخر (٢) :
٤٣٣٩- لأَنعتَنْ نَعامةً مِیفاضا
خَرْجاءَ [تَعْدُوا تَطْلُبُ الإِضاضا
أي مُسْرِعة.
آ. (٤٤) قوله: ﴿خَاشِعَةً﴾: حالٌ: إمَّا مِنْ فاعلِ ((يُؤْفِضون))،
وهو أقربُ أو مِنْ فاعل ((يَخْرُجون)»، وفيه بُعْدٌ منه، وفيه تعدُّدُ الحالِ لذي
حالٍ واحدة وفيه الخلافُ. و((أنصارُهم)) فاعلٌ. وقراءةُ العامَّةِ على تنوينِ
(ذِلَّةٌ)) والابتداءُ بـ ((ذلك اليومُ))، وخبرُه ((الذي كانوا)). وقرأ(٣) يعقوب
والتمار بإضافة ((ذِلَّةُ)) إلى ((ذلك)) وجَرُّ ((اليوم)) لأنه صفةٌ (٤) لـ ((ذلك)).
و (الذي)) نعتٌ لـ ((اليوم)). و((تَرْهَقُهُمْ)): يجوزُ أَنْ يكونَ استئنافاً، وأَنْ
يكونَ حالاً مِنْ فاعل ((يُؤْفِضون))، أو ((يَخْرُجون))، ولم يَذْكُرْ مكيٌّ(٥)
غيره.
[تمَّت بعونه تعالى سورة المعارج]
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٩٧/١٨. وعبقر: موضع تزعم العرب
أنه من أرض الجن.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان (وفض) والمحرر ١١٩/١٦، ومعاني القرآن
للزجاج ٢٢٤/٥، والإضاض: الملجأ. والخرجاء: في لونها سواد وبياض.
(٣) البحر ٣٣٦/٨.
(٤) الصواب بدل أو عطف بيان.
(٥) إعراب المشكل ٤٠٩/٢ .
٤٦٥

سورة نوح عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرْ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ المفسِّرَةَ، وأَنْ
تكونَ المصدريةَ أي: أَرْسَلْناه بالإنذار. وقال الزمخشري(١): ((والمعنى:
أَرْسَلْنَاه بأَنْ قُلْنا له: أَنْذِرْ أي: أَرْسَلْناه بالأمرِ بالإِنذارِ)) انتهى. وهذا الذي
قَدَّره حسنٌ جداً، وهو جوابٌ عن سؤالٍ قدَّمْتُه في هذا الموضوع: وهو
أنَّ قولَهم: ((إِنَّ ((أَنْ)) المصدريةَ يجوزُ أَنْ تتوصَّلَ بالأمرِ)) مُشْكِلٌ؛ لأنه
يَنْسَبِكُ منها وممَّا بعدَها مصدرٌ، وحينئذٍ فتفوتُ الدلالةُ على الأمرِ. ألا
ترى أنك إذا قَدَّرْتَ [في] كَتَبْتُ إليه بأَنْ قُمْ: كَتَبْتُ إليه القيامَ، تفوتُ
الدلالةُ على الأمرِ حالَ التصريح بالأمر، فينبغي أَنْ يُقَدَّرَ - كما قاله
الزمخشريُّ - أي: كتبتُ إليه بأَنْ قلتُ له: قُمْ، أي: كتبتُ إليه بالأمرِ
بالقيام.
آ. (٣) قوله: ﴿أَنِ اعْبُدوا﴾: إمَّا أَنْ تكونَ تفسيريةٌ
لـ (نذير"، أو مصدريةً، والكلامُ فيها كما تقدَّم في أختها.
آ. (٤) قوله: ﴿مِنْ ذنوبِكم﴾: في ((مِنْ)) هذه أوجهٌ،
أحدُها: أنَّها تبعيضيةٌ. والثاني: أنها لابتداءِ الغايةِ. والثالث: أنها لبيانٍ
(١) الكشاف ١٦١/٤.
٤٦٧

- نوخ -
الجنس وهو مردودٌ لعَدَمِ تَقَدُّمِ ما تبيَّنُه. الرابع: أنها مزيدةٌ. قال
ابن عطية (١): ((وهو مذهبٌ كوفيٌّ)) قلت: ليس مذهبُهم ذلك؛ لأنهم
يَشْتَرطون تنكيرَ مَجْزُورِها ولا يَشْترطون غيرَه(٢). والأخفشُ(٣) لا يَشْترطُ
شيئاً، فزيادتُها هنا ماشٍ على قولِه، لا على قولهم.
قوله: ((ويُؤَخِّرُكم إلى أَجَل)) قال الزمخشري(٤): ((فإنْ قلتَ: كيف
قال: ((ويُؤَخِّرْكم)) مع إخبارِه بامتناع تأخيرِه؟ قلت: قضىُ اللَّهُ أنَّ قوم نوح
إِنْ آمنوا عَمَّرَهم ألِفَ سنةٍ، وإنَ بَقُوا على كُفْرِهم أَهْلكهم على رأس
تسعمِئة. فقيل لهم: إن آمنتم أُخُرْتم إلى الأجلِ الأطولِ، ثم أخبرهم أنَّه
إذا جاء ذلك الأجلُ الأمَدُّ لا يُؤَخَّرُ)) انتهى. وقد تَعَلَّق بهذه الآيةِ مَنْ يقولُ
بالأَجَلَيْنِ. وتقدَّم جوابُه. وقوله: (لو كُنْتُمْ تعلمون)) جوابُها محذوفٌ أي:
لبادَرْتُمْ إلى ما أَمَرَكم به.
آ. (٧) قوله: ﴿لِتَغْفِرَ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ للتعليلِ، والمدعُوُّ
إليه محذوفٌ أي: دَعَوْتُهم للإِيمانِ بك لأجلِ مغفرتِك لهم، وأَنْ تكونَ لامُ
التعديةِ ويكونُ قد عبَّر عن السببِ بالمُسَبَّبِ الذي هو جَعْلُهم. والأصلُ:
دَعَوْتُهم للتَّوْبةِ التي هي سَبِبٌ في الغُفْران. و ((جعلوا)) هو العاملُ في
((كلما)) وهو خبر ((إِنِّي)).
قوله(٥): ((ليلاً ونهاراً» ظرفان لـ «دَعَوْت)» والمرادُ الإِخبارُ باتصالٍ
(١) المحرر ١٢١/١٦:
(٢) وهو أن تسبق بنفي أو استفهام أو نهي.
(٣) انظر أمثلة على مذهبه في معاني القرآن: ٩٨، ٢٥٤.
(٤) الكشاف ٤ / ١٦١.
(٥) عاد إلى الآية ٥.
٤٦٨

- نوح -
الدعاءِ، وأنه / لا يَفْتُرُ عن ذلك. و((إلَّ فِراراً)) مفعولٌ ثانٍ وهو استثناءٌ [٨٧٣/أ]
مُفَرٌَّ.
آ. (٨) قوله: ﴿جهاراً﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً من المعنى؛
لأنَّ الدعاءَ يكونُ جِهاراً وغيرَه، فهو من باب: قَعَدَ القُرْفُصاءَ، وأَنْ يكونَ
المرادُ بـ «دَعَوْتُهم)»: جاهَرْتُهم، وأَنْ يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ أي:
دعاءً جِهاراً، وأَنْ يكونَ مصدراً في موضعِ الحالِ أي: مُجَاهِراً،
أو ذا جِهارٍ، أو جُعِل نفسَ المصدرِ مبالغةً. قال الزمخشريُّ (١): ((فإنْ
قلتَ: ذَكَرَ أنَّه دعاهم ليلاً ونهاراً، ثم دعاهم جهاراً، ثم دعاهم في السِّرِّ
والعَلَنِ فيجب أنْ تكونَ ثلاثَ دَعَوات مختلفات حتى يَصِحَّ العطفُ)»
قلت: قد فَعَلَ عليه السلام كما يَفْعَلُ الذي يَأْمُرُ بالمعروفِ ويَنْهى عن
المنكر في الابتداءِ بالأَهْوَنِ، والترقِّي في الأَشَدُّ فالأشَدِّ، فافتح في
المناصحةِ بالسِّرِّ، فلمَّا لم يَقْبلوا ثَنَّى بالمجاهرة، فلمَّا لم يَقْبلوا ثَلَّثَ
بالجَمْعِ بين الإِسرار والإِعلان. ومعنى ((ثم)) الدلالةُ على تباعُدِ الأحوالِ،
لأنَّ الَجِهارَ أغلظُ من الإِسرارِ، والجمعُ بين الأمرَيْن أغلظُ مِنْ إفرادِ
أحدِهما)). قال الشيخ(٢): ((وتكرَّرَ كثيراً له أنَّ ((ثُمَّ) للاستبعادِ ولا نَعْلَمُه
لغيرِه)). قلت: هذا القول بعدما سَمِعْتَ من ألفاظِ الزمخشريِّ تحامُلٌ
عليه .
آ. (١١) قوله: ﴿مِدْراراً﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من
((السماء))، ولم يؤنَّثْ لأنَّ مِفْعالاً لا يُؤَنَّثُ. تقول: امرأةٌ مِثْناتٌ ومِذْكار،
ولا يُؤَنَّثُ بالتاءِ إلَّ نادراً، وحينئذٍ يَستوي فيه المذكرُ والمؤنثُ فتقول:
(١) الكشاف ٤/ ١٦٢.
(٢) البحر ٣٣٩/٨.
٤٦٩

- نوح -
رجلٌ مِجْذامَةٌ(١) ومِطْرابَةٌ(٢)، وامرأة مِجْذامَةٌ ومِطْرابَةٌ، وأَنْ تكُونَ نعتاً
لمصدرِ محذوفٍ أي: إرسالاً مِدْراراً. وتقدّم الكلامُ عليه في الأنعام(٣).
آ. (١٣) قوله: ﴿وَقاراً﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً به على
معانٍ، منها: ما لكم لا تَأْمُلُوْنَ له تَوْقيراً أي: تعظيماً. قال
الزمخشري(٤): ((والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأمُّلُون فيها تعظيمَ
اللَّهِ إياكم في دارِ الثواب؟ و(الله)) بيانٌ للموَقَّرِ، ولو تأخّر لكان صلةَ))(٥)
انتهى. أي: لو تأخّر (الله)) عن ((وَقارا)» لكان متعلِّقاً به، فيكونُ التوقيرُ
منهم للَّهِ تعالى، وهو عكسُ المعنى الذي قصده. ومنها (٦): لا تخافون
للَّهِ حِلْماً وتَرْكَ معاجلةِ بالعقابِ فتؤمنوا. ومنها: لا تخافون لله عظمةً.
وعلى الأولِ (٧) يكون الرجاءُ على بابه، وقد تقدَّم أنَّ استعمالَه بمعنى
الخوفِ مجازٌ أو مشتركٌ. وأن (٨) يكونَ حالاً مِنْ فاعل («تَرْجُون)) أي:
موقِّرين اللَّهَ تعالى، أي: تُعَظُّمونه، فـ((للَّهِ)) متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه
حالٌ مِنْ ((وَقارا))، أو تكون اللامُ زائدةً في المفعول به، وحَسَّنه هنا
أمران: كوْنُ العاملِ فَرْعاً، وكونُ المعمولِ مقدَّماً، و((لا تَرْجُون)) حالٌ.
وتقدَّم نظيرُه في المائدة.
(١) رجل مِجْذام ومِجذامة: قاطع للأمور، وقاطع لهواه، وقاطع للمودة.
اللسان(جذم).
(٢) رجل طروب ومِطْراب ومِطْرابة: كثير الطرب. انظر: اللسان طرب.
(٣) انظر: الدر المصون ٥٤١/٤.
(٤) الكشاف ١٦٣/٤ ٠٠
(٥) الكشاف: «صلة للوقار».
(٦) من المعاني الواردة في تفسير الآية.
(٧) وهو المعنى الذي ساقه الزمخشري.
(٨) معطوف على الإِعراب الذي ذكره أول إعرابه للآية.
٤٧٠

- نوح -
آ. (١٤) قوله: ﴿وقد خَلَقَكُمْ﴾: جملةٌ حاليةٌ مِنْ فاعلٍ
(تَرْجُون)). والأَطْوارُ: الأحوالُ المختلفةُ. قال الشاعر(١):
٤٣٤٠ - فإنْ أفاقَ فقد طارَتْ عَمَايَتُه
والمَرْءُ يُخْلَقُ طَوْراً بعد أطوارِ
وانتصابُه على الحالِ أي: مُتَنَقِّلين من حالٍ إلى حالٍ، أو مختلفين
مِنْ بينِ مُسِيْءٍ ومُحْسِنٍ، وصالحٍ وطالحٍ.
آ. (١٥) قوله: ﴿طِباقاً﴾: تقدَّم الكلامُ عليه في سورة
المُلك(٢). وقال مكي (٣): ((وأجاز الفراء (٤) في غيرِ القرآنِ جَرَّ ((طباق))
على النعت لـ ((سموات))، يعني أنه يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً للعددِ تارةً
وللمعدودِ أخرى.
آ. (١٦) قوله: ﴿فيهِنَّ﴾: أي: في السمواتِ، والقمرُ إنما
هو في سماءٍ واحدةٍ منهنَّ. قيل: هو في السماءِ الدنيا، وإنَّما جازَ ذلك؛
لأن بين السمواتِ ملابسةً فصَحَّ ذلك. وتقولُ: ((زيدٌ في المدينةِ)) وإنما
هو في زاويةٍ من زواياها.
وقوله: ((وجَعَلَ الشمسَ سِراجاً)) يُحتمل أَنْ يكونَ التقديرُ: وجعل
الشمسَ فيهِنَّ، كما تقدَّم. والشمس قيل: في الرابعةِ. وقيل: في
الخامسةِ. وقيل: في الشتاءِ في الرابعة، وفي الصيف في السابعةِ. واللَّهُ
أعلمُ: أيُّ ذلك صحیحٌ.
(١) البيت للنابغة وهو في ديوانه ٢٣٤.
(٢) انظر إعرابه للآية ٣.
(٣) مشكل الإعراب ٤١١/٢.
(٤) معاني القرآن ١٨٨/٣.
٤٧١

- نوح -
آ. (١٧) قوله: ﴿نباتا﴾: إمَّا أَنْ يكونَ مصدراً لـ أَنْبَتَ على
[٨٧٣/ ب] حَذْفِ الزوائِد، ويُسَمَّى اسمَ / مصدرٍ، وإمَّا بـ (نَبَثُّمْ)) مقدَّراً أي: فَنَبَثُّمْ
نباتاً فيكونُ منصوباً بالمُطاوِعِ المقدَّرِ. قال الزمخشري(١): ((أو نُصِبَ
بـ ((أَنْبَكم)) لتضمَّنِهِ معنىُ نَثُّمْ)) قال الشيخ(٢): ((ولا أَعْقِلُ معنى هذا الوجهِ
الثاني)»(٣). قلت: هذا الوجهُ هو الذي قدَّمْتُه: وهو أنه منصوبٌ
بـ ((أَنْبَكم)) على حَذْفِ الزوائد. ومعنى قوله: ((لتضمّنِهِ معنى نَبَتُمْ)) أي:
إنه مُشتملٌ عليه، غايةُ ما فيه أنه حُذِفت زوائدُه، والإِنباتُ هنا استعارةٌ
بلیغةٌ.
آ. (٢٠) قوله: ﴿سُبُّلاً فِجاجاً﴾ وفي الأنبياء (٤) تقدّم الفِجاجُ
لِتَناسُبِ الفواصِلِ هنا. وقد تقدَّم نَحْوٌ مِنْ هذا.
آ. (٢١) قوله: ﴿وَوَلَدِهِ﴾: قد تقدَّم خِلافُ القُراء(٥) في
(وَلَدِهِ). وتقدَّم أنهما لغتان كبُخْل وبَخَل. قال أبو حاتم: يمكن أَنْ يكونَ
المضمومُ جمعَ المفتوحِ كخَشَبٍ وخُشْبٍ. وأنشد لحسَّانَ رضي الله
عنه (٦) :
٤٣٤١- يا بِكْرَ آمنةَ المباركَ وِلْدُها
مِنْ وُلْدِ مُحْصَنَةٍ بِسَعْدِ الأَسْعُدِ
(١) الكشاف ٤/ ١٦٣.
(٢) البحر ٨/ ٣٤٠.
(٣) الأول: قال الزمخشري: المعنى أنبتكم فنبُّم.
(٤) ((وجَعَلْنا فيها فجاجاً سبلاً)) الآية ٣١.
(٥) انظر إعرابه للآية ٣٣ من لقمان.
(٦) ديوانه ٢٦٩/١، والبحر ٣٤١/٨، والمحرر ١٢٦/١٦.
٤٧٢

- نوح -
آ. (٢٢) قوله: ﴿ومَكرُوا﴾: عطفُ على صلةِ ((مَنْ)) وإنما
جُمِعَ الضميرُ حَمْلاً على المعنى، بعد حَمْلِه على لفظِها في ((لم يَزِدْه مالُه
ووَلَدُه)»، ويجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً إخباراً عن الكفارِ .
قوله: ((كُبَّاراً» العامَّةُ على ضَمِّ الكافِ وتشديدِ الباء، وهو بناءُ
مبالغةٍ أبلغُ مِنْ ((كُبار)» بالضمِّ والتخفيف. قال عيسى: هي لغةٌ يمانيةٌ،
وأنشد(١):
٤٣٤٢_ والمرءُ يُلْحِقُه بفِتيان النَّدى
خُلُقُ الكريم وليس بالوضَّاء
وقول الآخر (٢):
٤٣٤٣- بَيْضاءُ تصطادُ القلوبَ وتَسْتَبي
بالحسنِ قلبَ المسلمِ القُرَّاء
يقال: رجلٌ طُوَّالٌ وحُمَّالٌ وحُسَانٌ. وقرأ (٣) عيسى وأبو السمال
وابن محيصن بالضمّ والتخفيف، وهو بناءُ مبالغةٍ أيضاً دونَ الأولِ، وقرأ
زيدُ بنُ علي وابن محيصن أيضاً بكسر الكاف وتخفيفِ الباء. قال
أبو بكر(٤): هو جمعُ ((كبير))، كأنه جعل ((مَكْراً» مكانَ ((ذنوب)»
(١) البيت لأبي صَدَقَةَ الدُّبَيْري وهو في اللسان (وضأ)، والمحرر ١٢٦/١٦،
والبحر ٣٤١/٨.
(٢) البيت أيضاً لأبي صَدَقَةَ الدُّبيري، وهو في اللسان (قرأ)، والبحر ٣٤١/٨،
ورجل قراء: ناسك.
(٣) انظر في قراءاتها: القرطبي ٣٠٧/١٨، والبحر ٣٤١/٨، والإتحاف ٢/ ٥٦٤،
والشواذ ١٦٢ .
(٤) وهو ابن الأنباري، وورد قوله في البحر ٣٤١/٨.
٤٧٣

- نوح-
أو «أفاعيل)» يعني فلذلك وصفَه بالجمع.
آ. (٢٣) قوله: ﴿ولا تَذَرُنَّ وَدًّا ولا سُواعاً﴾: يجوزُ أَنْ
يكونَ مِنْ عَطْفِ الخاص على العام إنْ قيل: إنَّ هذه الأسماءَ لأصنامِ،
وأن لا يكونَ إنْ قيل: إنها أسماءُ رجالٍ صالحينَ على ما ذُكر في
التفسير. وقرأ(١) نافع ((وُذَّ)) بضم الواوٍ، والباقون بفتحها، وأُنْشِدَ
بالوَجْهَيْن قولُ الشاعر (٢):
٤٣٤٤ _ حَيَّاكَ وَدُّ فَإِنَّا لا يَحِلُّ لنا
لَهْوُ النساءِ وإنَّ الدين قد عزمَا
وقول الآخر (٣):
٤٣٤٥- فحيَّاكِ وَدُّ مِنْ هُداكِ لِفِتْيَةٍ
وخُوْصٍ بأعلى ذي فُضالةَ مُنْجِدٍ
قوله: ((ولا يَغُوْثَ ويَعُوْقَ)) قرأهما العامَّةُ بغير تنوين. فإن كانا
عربِّن فالمنعُ من الصَرْف للعلميّةِ والوزن(٤)، وإن كانا أعجميَّيْن فللعلميَّةِ
والعُجْمة. وقرأ(٥) الأعمش: ((ولا يَغُوْئاً ويَعُوْقاً) مصروفَيْن. قال
ابن عطية(٦): ((وذلك وهمٌّ: لأنَّ التعريفَ لازمٌّ ووزنَ الفعل) انتهى.
(١) السبعة ٦٥٣، والبحر ٣٤٢/٨، والتيسير ٢١٥، والقرطبي ٣٠٩/١٨،
والحجة ٧٢٦، والنشر ٣٩١/٢.
(٢) البيت للنابغة وهو في ديوانه ١٠٦.
(٣) البيت للحطيئة وهو في ديوانه ١٤٨، والمحرر ١٢٧/١٦، واللسان (هجد)
والبحر ٣٤٢/٨. والخوص: الإِبل الغائرة العيون.
(٤) أي وزن الفعل.
(٥) الإتحاف ٥٦٤/٢، والبحر ٣٤٢/٨، والمحرر ١٢٧/١٦.
(٦) المحرر ١٢٧/١٦:
٤٧٤

- نوح -
وليس بوهم لأمرَيْن، أحدهما: أنه صَرَفَهما للتناسُبِ، إذ قبله اسمان
منصرفان، وبعده اسمٌ منصرفٌ، كما صُرِفَ ((سلاسل))(١). والثاني: أنه
جاء على لغةٍ مَنْ يَصْرِفُ غيرَ المنصرِف مطلقاً، وهي لغةٌ حكاها
الكسائيُّ.
ونقل أبو الفضل (٢) الصَّرْفَ فيهما عن الأشهبِ العُقَيْليِّ ثم قال:
((جَعَلهما فَعُولاً؛ فلذلك صرفهما، فأمَّا في العامَّة فإنهما صفتان من
الغَوْث والعَوْق)). قلت: وهذا كلامٌ مُشْكِلٌ. أمَّا قولُه: ((فَعُولاً)) فليس
بصحيح، إذ مادةُ ((يغث)) و((يعق))(٣) مفقودةٌ. وأمَّا قولُه: ((صفتان من
الغَوْثَ والعَوْق)) فليس في الصفاتِ ولا في الأسماءِ ((يَفْعُل)) والصحيحُ
ما قَدَّمْتُه. وقال الزمخشري(٤): ((وهذه قراءةٌ مُشْكِلة؛ لأنهما إنْ كانا
عربيِّيْنِ أو أعجميَّيْنِ ففيهما مَنْعُ الصَّرْفِ (٥)، ولعله قَصَدَ الازدواجَ
فصرَفهما، لمصادفتِه أخواتِهما منصرفاتٍ: وَدَّاً وسُواعاً ونَسْراً)). قال
الشيخ(٦): ((كأنه لم يَطَّلِعْ على أنَّ صَرْفَ ما لا ينصرفُ لغةٌ)).
آ. (٢٤) قوله: ﴿وقد أَضَلُّوا﴾: أي: الرؤساءُ
أو الأصنامُ، / وجَمَعَهم جَمْعَ العقلاءِ معاملةً لهم معاملةَ العقلاء.
[٨٧٤/ ١]
(١) ((إنَّا أعتَدْنا للكافرين سلاسلاً وأغلالاً وسعيراً)). الآية ٤ من الإنسان، وهي قراءة
نافع وأبي بكر والكسائي. السبعة ٦٦٣.
(٢) وهو أبو الفضل الرازي صاحب ((اللوامح في شاذ القراءات)). انظر:
البحر ٣٤٢/٨.
(٣) أي اللتان ياؤهما أصليتان.
(٤) الكشاف ٤/ ١٦٤ .
(٥) قال: ((إما التعريف ووزن الفعل، وإما التعريف والعجمة)).
(٦) البحر ٣٤٢/٨.
٤٧٥

- نوح -
قوله: ((ولا تَزِدْ)) عطفٌ على قولِه: ((رَبِّ إنَّهمِ عَصَوْني)) (١) على
حكايةٍ كلامٍ نوحِ بعدَ ((قال)» وبعد الواوِ النائبةِ عنه، أي: قال: إنهم
عَصَوْني، وقال: لا تَزِدْ، أي: قال هذَيْن القولَيْن، فهما في محلِّ
النصب، قاله الزمخشريُّ(٢). قال: ((كقولك: قال زيدٌ: نودي للصلاة
وصَلٌّ في المسجدِ، تحكي قولَيْهِ معطوفاً أحدُهما على صاحبه)». وقال
الشيخ(٣): ((ولا تَزِذْ)) معطوفٌ على ((قد أَضَلُّوا)) لأنها محكيَّةٌ بـ «قال»
مضمرةً، ولا يُشْترط التناسُبُ في الجملِ المتعاطفةِ، بل تَعْطِفُ خبراً على
طلبٍ، وبالعكس، خلافاً لمَنْ اشترطه.
آ. (٢٥) قوله: ﴿مِمَّا خَطيئاتِهِم﴾: ((ما)) مزيدةٌ بين الجَارِّ
ومجرورِهِ توكيداً. ومَنْ لم يَرَ زيادتَها جَعَلها نكرةً، وجَعَلَ ((خطيئاتِهم))
بدلاً، وفيه تعشُّفٌ. وتقدَّم الخلافُ في قراءةِ ((خَطِيْئَاتِهِم)) في الأعراف (٤).
وقرأ(٥) أبو رجاء ((خَطِيَّاتهم)) جمعَ سلامةٍ، إلَّ أنَّه أَدْغَمَ الياءَ في الياءِ
المنقلبة عن الهمزة. والجحدريُّ ۔ وتُرْوی عن أُبيّ ــ ((خطیئتِهم» بالإِفراد
والهمز. وقرأ عبد الله ((مِنْ خطيئاتِهم ما أُغْرِقوا)) فجعلَ ((ما)) المزيدةَ بين
الفعلِ وما يتعلَّق به. و((مِنْ)) للسبيَّةِ تتعلَّقُ بـ ((أُغْرِقوا)). وقال
ابن عطية(٦): ((لابتداء الغاية))، وليس بواضح. وقرأ العامَّةُ «أُغرِقوا)) مِنْ
(١) الآية ٢١.
(٢) الكشاف ٤/ ١٦٤ .
(٣) البحر ٣٤٢/٨.
(٤) انظر: الدر المصون ٤٩٠/٥.
(٥) انظر في قراءاتها الشاذة: القرطبي ٣١٠/١٨، والبحر ٣٤٣/٨، والشواذ ١٦٢،
والمحرر ١٢٨/١٦، ومعاني القرآن للفراء ١٨١/٣.
(٦) المحرر ١٢٨/١٦.
٤٧٦

- نوح -
أَغْرِق. وزيد بن علي (١) ((غُرِّقوا)) بالتشديدِ، وكلاهما للنَّقْلِ. تقول:
أغرَقْتُ زيداً في الماء، وغَرَّقْتُه فيه.
قوله: ((فَأُدْخِلوا)) يجوز أَنْ يكونَ من التعبيرِ عن المستقبلِ بالماضي،
لتحقُّقِ وقوعِه، نحو: (أتى أمرُ اللَّهِ)(٢)، وأَنْ يكونَ على بابِهِ، والمرادُ
عَرْضُهم على النار في قبورِهم، كقوله في آلٍ فرعونَ: ((النارُ يُعْرَضُون
عليها غُدُوَّاً وعَشِيًّا)(٣).
آ. (٢٦) قوله: ﴿دَيَّاراً﴾: قال الزمخشري(٤): ((دَيَّار من
الأسماءِ المستعملةِ في النفي العامّ. يقال: ((ما بالدار دَيَّارٌ ودَيُّورٌ)»، كقَيَّامٍ
وقَيُّوم. وهو فَيْعال من الدُّور أو مِن الدار. أصلُهُ دَيْوار ففُعِل به ما يُفْعَلُ
بأصلِ سَيِّد ومَيْت، ولو كان فَعَّالاً لكان دَوَّاراً)) انتهى. يعني أنه كان ينبغي
أَنْ تَصِحَّ واوُه ولا تُقْلَبَ ياءً. وهذا نظيرُ ما تقدَّم له من البحثِ في
(متحيِّز)»، وأنَّ أصلَه مُتَخَيْوِز مُتَفَيْعِل، لا مُتَفَعِّل، إذ كان يلزمُ أَنْ يكونَ
مُتَحَوِّزاً، لأنه من الحَوْز. ويقال أيضاً. فيه دَوَّار نحو: قَّامِ وقَوَّام.
وقال مكي (٥): ((وأصلُه دَيْوار، ثم أَدْغَموا الواوَ في الياءِ مثلَ
(مَيِّت)) أصلُهُ مَّيْوِت، ثم أَدْغموا الثاني في الأولِ. ويجوز أَنْ يكونَ أَبْدلوا
من الواوِ ياءً، ثم أدغموا الياءَ الأولى في الثانية)). قلت: قولُه: «أدغموا
الثاني في الأول)) هذا لا يجوزُ؛ إذ القاعدةُ المستقرةُ في المتقاربَيْنِ قَلْبُ
(١) البحر ٣٤٣/٨.
(٢) الآية ١ من النحل.
(٣) الآية ٤٦ من غافر.
(٤) الكشاف ٤ / ١٦٥.
(٥) إعراب المشكل ٢/ ٤١٢ .
٤٧٧

- نوح -
الأولِ للثاني، ولا يجوزُ العكسُ إلَّ شذوذاً، أو لضرورةٍ صناعيةٍ. أمَّا
الشذوذُ فكقراءةٍ: ((واذَّكَرَ)) (١) بالذالِ المعجمةِ و («فهل مِنْ مُذَّكِر))(٢)
بالمعجمةِ أيضاً. وقد مَضَى تحقيقُه. وأمَّا الضرورةُ الصناعيةُ فنحو:
(امدحْ هِلالاً)) بقَلْبِ الهاءِ حاءً؛ لئلا يُدْغَمَ الأقوى في الأضعفِ، وهذا.
يَعْرِفُه مَنْ عانى التصريفَ،
آ. (٢٨) قوله: ﴿رَبِّ اغفرْ لي ولوالديَّ﴾: العامَّةُ على
فتح الدال على أنه تثنيةُ ((والِد)) يريد أبوَيْه. وقرأ(٣) الحسن بن علي
رضي الله عنهما ويحيى بن يعمر والنخعي ((ولوَلَدَيَّ)) تثنيةَ ((وَلَد)) يعني
ابنَيْه ساماً وحاماً. وقرأ ابن جبير والجحدريُّ ((ولوالِدِيْ)) بكسر الدال يعني
أباه، فيجوزُ أن يكونَ أرادَ أباه الأقربَ الذي وَلَدَه، وخصَّه بالذِّكْر لأنه
أشرفُ من الأم، وأَنْ يريدَ جميعَ مَنْ وَلَدَه مِنْ لَدُنْ آدَمَ عليه السلام إلى
مَنْ وَلده. و ((مؤمناً)) حالٌ و (تَباراً)) مفعولٌ ثانٍ، والاستثناءُ مفرغٌ.
والتبار: الهَلاكُ، وأصلُه من التكُّر والتفتُّتِ. وقد تقدَّم تحقيق ذلك وللهِ
[٨٧٤/ ب] الحمدُ والِمِنَّةُ. /
[تمَّت بعونه تعالی سورة نوح]
(١) الآية ٤٥ من يوسف، وهي قراءة الحسن البصري. انظر: الدر ٦/ ٥٠٧.
(٢) الآية ١٥ من القمر، وهي قراءة قتادة. انظر: البحر ١٧٨/٨.
(٣) انظر في قراءاته: القرطبي ٣١٤/١٨، والبحر ٣٤٣/٨، والمحرر ١٢٩/١٦°.
٤٧٨

سورة الجن
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿أُوْحي﴾: هذه قراءةُ العامةِ أعني كونَها مِنْ
أَوْحَى رباعياً. وقرأ (١) العَتَكِيُّ عن أبي عمروٍ وابنُ أبي عبلة وأبو إياس(٢)
((وُحِيَ)) ثلاثياً، وهما لغتان، يقال: وحى إليه كذا، وأَوْحاه إليه بمعنى
واحدٍ. وأُنْشِد للعجاج(٣):
٤٣٤٦- وَحَىُ لها القرارَ فاسْتَقَرَّت
وقرأ زيدُ بن علي والكسائيُّ في روايةٍ وابنُ أبي عبلةَ أيضاً ((أُحِي))
بهمزةٍ مضمومة لا واوَ بعدها. وخُرِّجَتْ على أنَّ الهمزةَ بدلٌ من الواوِ
المضمومةِ نحو: ((أُعِدَ)) في (وُعِدَ)) فهذه فَرُْ قراءةِ (وُحِيَ)) ثلاثياً. قال
الزمخشري (٤): ((وهو من القَلْبِ المطلقِ جوازُه في كلِّ واوٍ مضمومةٍ،
وقد أطلقَه المازنيُ(٥) في المكسورةِ أيضاً كإشاح وإسادة و((إعاءِ
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٣٤٦/٨، والشواذ ١٦٢، والمحتسب ٣٣١/٢، ومعاني
القرآن للفراء ١٩٠/٣.
(٢) وهو هارون بن علي الكوفي، ولد الكسائي. انظر: طبقات القراء ٣٤٦/٢.
(٣) بعده: وشَدَّها بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ، وهو في ديوانه ٤٠٨/١، واللسان ((وحى)).
(٤) الكشاف ١٦٦/٤ .
(٥) انظر مذهب المازني في المنصف ٢٢٨/١.
٤٧٩

- الجن -
أخيه))(١)، قال الشيخ(٢): ((وليس كما ذَكَر، بل في ذلك تفصيلٌ: وذلك
أنَّ الواوَ المضمومةَ قد تكونُ أولاً وحَشْواً وآخِراً، ولكلٍ منها أحكام.
وفي بعضِ ذلك خلافٌ وتفصيلٌ مذكورٌ في النحو)). قلت: قد تقدَّم القولُ
(٣)
في ذلك مُشْبَعَاً في أولِ هذا الموضوع ولله الحمدُ. ثم قال الشيخ:
- بعد أن حكى عنه ما قَدَّمْتُه عن المازني - ((وهذا تكثيرٌ وتبجُّحٌ. وكان
يَذْكُرُ ذلك في سورة يوسف عند قوله ((وعاءِ أخيه))(٤). وعن المازنيِّ في
ذلك قولان، أحدُهما: القياسُ كما ذكر، والثاني: قَصْرُ ذلك على
السَّماع))(٥). قلت: لم يَبْرَحِ العلماءُ يَذْكرون النظيرَ مع نظيرِهِ، ولَمَّا ذَكَرَ
قَلْبَ الهمزةِ باطرادٍ عند الجميع ذَكَرَ قَلْبَها بخلافٍ.
قوله: ((أنَّه اسْتَمَعَ)) هذا هو القائمُ مَقَامَ الفاعل؛ لأنَّه هو المفعولُ:
الصريحُ، وعند الكوفيين والأخفش(٦) يجوزُ أَنْ يكونَ القائمُ مَقامَه الجارَّ:
والمجرورَ، فيكونَ هذا باقياً على نصبِه. والتقدير: أُوْحي إليَّ استماعَ
نَفَرٍ. و((مِنْ الجنُّ) صفةٌ لـ ((نَفَرٌ)). ووَصْفُ القرآنِ بعَجَب: إمَّا على
المبالغةِ، وإمَّا على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذَا عَجَبٍ، وإمَّا بمعنى أسم
الفاعلِ، أي: مُعْجِبٍ. و ((يَهْدِي)) صفةٌ أخرى.
آ. (٢) وقرأ العامَّةُ: ﴿الرُّشْدِ﴾: بضمة وسكونٍ.
(١) الآية ٧٦ من يوسف على قراءة سعيد بن جبير. انظر: الدر ٦/ ٥٣٢:
(٢) البحر ٣٤٦/٨.
(٣) البحر ٣٤٦/٨.
(٤) الآية ٧٦ من يوسف.
(٥) انظر: الممتع ٣٫٣٢.
(٦) انظر: شرح التسهيل لابن مالك ١٢٨/٢.
٤٨٠