النص المفهرس
صفحات 421-440
- ن - قوله: ((لَمَّا سَمِعوا الذِّكْرَ)) مَنْ جَعَلها ظرفيةً(١) جَعَلها منصوبةً بـ «يُزْلِقُونك))، ومَنْ جعلها حرفاً جَعَل جوابَها محذوفاً للدلالةِ، أي: لَمَّا سَمِعوا الذِّكْرَ كادوا يُزْلِقونك، ومَنْ جَوَّزَ تقديمَ الجوابِ قال: هو هنا متقدِّمٌ. [تمَّت بعونه تعالی سورة نّ] (١) يرى الجمهور أنها حرف، ويرى الفارسي أنها ظرف. انظر: الإِيضاح العضدي ٣١٩، والدر المصون ١٥٩/١. ٤٢١ سورة الحاقة بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿الحائَّةُ﴾: مبتدأُ و ((ما)) مبتدأ ثانٍ، و ((الحاقَّةُ» خبرُه، والجملةُ خبرُ الأولِ، وقد تَقَدَّم تحريرُ هذا في الواقعة (١). وهناك سؤالٌ حسنٌ وجوابٌ مثلُه فعليك باعتبارِهِ. والحاقَّةُ فيها وجهان، أحدهما: أنَّه وصفٌ اسمُ فاعلٍ بمعنى: أنها تُبْدِي حقائق الأشياءِ. وقيل: لأنَّ الأمرَ يَحِقُّ فيها فهي من باب: ليلٌ نائمٌ ونهارٌ صائمٌ. وقيل: مِنْ حَقَّ الشيءُ: ثَبَتَ فهي ثابتةٌ كائنةٌ. وقيل: لأنَّها تَحُقُّ كلَّ مُحاقٍّ في دينِ اللَّهِ، أي: تَغْلِبُه. مِنْ حَاقَقْتُه فحقَقْتُه أحُقُّه، أي: غَلَبْتُه. والثاني: أنها مصدرٌ كالعاقبةِ والعافيةِ. آ. (٢) قوله: ﴿ما الحاقَّةُ﴾: في موضع نصبٍ على إسقاطٍ الخافض؛ لأنَّ أَدْرَى بالهمزةِ، ويتعذَّى لاثنينِ، الأَوَلُ بنفسه. والثاني: بالباءِ، قال تعالى: ((ولا أَدْراكم به (٢))) فلَمَّا وَقَّعَتْ جملةُ الاستفهامِ مُعَلِّقَةً لها كانَتْ في موضوع المفعولِ الثاني، ودونَ الهمزة تَتَعْدَّى لواحدٍ بالباء نحو: دَرَيْتُ بكذا، ويكونَ بمعنىُ عَلِمَ فيتعذَّى لاثنين. (١) انظر إعرابه للآية ٢٧. (٢) الآية ١٦ من يونس. ٤٢٣ ج الحاقة - آ. (٥) قوله: ﴿فَأُهْلِكُوا﴾: هذه قراءةُ العامَّةِ. وقرأ (١) زيدُابن علي ((فَهَلَكوا)) مبنياً للفاعلِ مِنْ هَلَكَ ثلاثياً. قوله: ((بالطَّاغية))، أي: بالصيحةِ المتجاوزةِ للحدِّ. وقيل: بالفَعْلةِ الطاغيةِ. وقيل: بالرجلِ الطاغيةِ، وهو عاقِرُ الناقةِ، والهاء للمبالغةِ، فالطاغيةُ على هذه الأوجه صفةٌ. وقيل: الطاغيةُ مصدرٌ ويُوَضِّحُه ((كَذَّبَتْ تمودُ بطَغْواها(٢) )) والباءُ للسببيةِ على الأقوالِ كلِّها، إلَّ القولَ الأولَ فإنها فيه للاستعانةِ كـ ((عَمِلْتُ بالقَدُوم)) آ. (٧) قوله: ﴿حُسُوماً﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أَنْ ينتصِبَ نعتاً لِما قبلها. والثاني: أَنْ ينتصِبَ على المصدرِ بفعلٍ مِنْ لفظِها، أي: تَحْسِمْهِم حُسوماً. الثالث: أَنْ ينتصِبَ على الحالِ، أي: ذاتَ حُسوم. الرابع: أَنْ يكونَ مفعولاً له، ويَتَّضِحُ ذلك بقول الزمخشري(٣): ((الحُسوم: لا يَخْلو مِنْ أَنْ يكونَ جمعَ حاسِم كشاهِد وشُهود، أو مصدراً كالشُّكور والكُفور. فإنْ كانَتْ جمعاً فمعنىُ قولِه ((حُسوماً)): نَحِسات حَسَمَتْ كلَّ خيرٍ، واستأصَلَتْ كلَّ بركةٍ، أو متتابعةً هبوبَ الريح، ما خَفَتَتْ ساعةً، تمثيلاً لتتابُعِها بتتابُعِ فِعْلِ الحاسمِ في إعادة الكيِّ على الدَّاء كَرَّةٌ بعد أخرى حتى يَنْحَسِمَ. وإن كان مصدراً: فإمَّا أَنْ ينتصِبَ بفعلِه مضمراً، أي: تَحْسِم حُسُوماً، بمعنى: تَسْتَأْصِلُ استئصالاً، أو يكونُ صفةً كقولك: ذاتَ حُسوم، أو يكونُ مفعولاً له، أي: سَخَّرِها عليهم للاستئصالِ. وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي (٤): (١) البحر ٣٢١/٨. (٢) الآية ١١ من الشمس. (٣) الكشاف ٤/ ١٥٠. (٤) شواهد الكشاف ٥٤٣/٤، وتفسير القرطبي ٢٥٩/١٨. وعبد العزيز بن زرارة = ٤٢٤ - الحاقة - ٤٣١٦ - ففرَّق بين بَيْنِهُمُ زمانٌ تتابَعَ فيه أعوامٌ حُسومُ انتهى. وقال المبرد(١): الحُسوم: الفَصْلُ حَسَمْتُ الشيء من الشيء فَصَلْتُه منه ومنه الحُسام . وقال الشاعر(٢): ٤٣١٧ - فأرسَلْتَ ريحاً دَبُوراً عقيماً فدارَتْ عليهمْ فكانَتْ حُسُوماً وقال الليث: ((هي الشُّؤْمُ. يقال: هذه ليالي الحُسومِ، أي: تَحْسِم الخيرَ عن أهلِها. وعندي أنَّ هذين القولَيْن يَرْجِعان إلى القول الأول؛ لأنَّ الفصلَ قَطْعٌ، وكذلك الشُّؤْمُ لأنَّه يقطعُ الخيرَ. والجملةُ مِنْ قولِه ((سَخَّرها)) يجوزُ أَنْ تكونَ صفةً لـ ((ريح))، وأَنْ تَكونَ حالاً منها لتخصُّصها بالصفةِ، أو من الضميرِ في ((عاتية))، وأَنْ تكون مستأنفةً. قوله: ((فيها صَرْعىُ)) صَرْعَى حالٌ، جمعُ صَريع نحو: قتيل وقَتْلِىُ، وجريح وجَرْحى. والضمير في ((فيها)) للأيام والليالي، أو للبيوت، أو للرِيح، أظهرُها الأولُ لقُرْبِه، ولأنَّه مذکورٌ. وقوله: ((كأنَّهم أعجازُ نَخْلٍ)) حالٌ من القوم، أو مستأنفةٌ. وقرأ (٣) أبو نهيك ((أَعْجُزُ)) على أَفْعُل نحو: ضَبُع وأَضْبُع. وقُرِىء(٤) ((نخيل) حكاه الأخفشُ، وقد تقدَّم أنَّ اسم الجنس يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ، واختير هنا تأنيثهُ الكلابي قائد لمعاوية في قتال الروم، استشهد في معركة معهم سنة ٥٠. انظر: = الأعلام ٤/ ١٧ . (١) انظر: القرطبي ٢٥٩/١٨، والماوردي ٢٩٢/٤. (٢) لم أهتد إلى قائله. وهو في الماوردي ٤/ ٢٩٢. (٣) البحر ٣٢١/٨. (٤) البحر ٣٢١/٨، والشواذ ١٦٠. ٤٢٥ الحاقة - للفواصلِ ، كما اخْتِير تذكيرُه لها في سورةِ القمر (١) كما تقدَّم التنبيهُ عليه . آ. (٨) قوله: ﴿فهل تَرَى﴾: أدغم (٢) اللامَ في التاءِ أبو عمروٍ وحدَه، وتقدم في الملك(٣). و ((مِنْ باقية)) مفعولُه و((مِنْ)) مزيدةٌ، والتاءُ: في (باقية)) قيل: للمبالغةِ، أي: مِنْ باقٍ، والأحسنُ أَنْ تكونَ صفةً لفرقةٍ أو طائفة ونحو ذلك. آ. (٩) قوله: ﴿ومَنْ قَبْلَه﴾: قرأ(٤) بكسرِ القاف وفتح الباء(٥) أبو عمروٍ والكسائي، أي: ومَنْ هو في جهتِه، ويؤيِّدُه قراءةُ أبي موسى و ((مَنْ تِلْقَاءُ)) وقرأه أُبَيِّ ((ومَنْ تبعه))(٦)، والباقون بالفتح والسكونِ على أنَّه ظرفٌ، أي: ومَنْ تقدَّمه. قوله: ((بالخاطِئَة)» إمَّا أَنْ يكونَ صفةً /، أي: بالفَعْلَةِ أو الفَعَلات [١/٨٦٧] الخاطئة، وإمَّا أن يكون مصدراً كالخَطَأ فيكون كالعافية والكاذبة. آ. (١١) قوله: ﴿في الجارية﴾: غَلَبَ استعمالُ: ((الجارية)» في السفينة كقوله(٧): (١) الآية ٢٠ ((كأنهم أعجاز نخل منقعر)). (٢) النشر ٧/٢، والإتحاف ٢ / ٥٥٧ . (٣) الآية ٣ ((هل ترى من فطور)). (٤) انظر في قراءاتها: والسبعة ٦٤٨، والنشر ٣٨٩/٢، والقرطبى ٢٦١/١٨، والحجة ٧١٨، والتيسير ٢١٣، والبحر ٣٢١/٨. (٥) (ومَنْ قِبَلَه)). (٦) المشهور عن أُبَي ((ومَنْ معه). (٧) لا يُعرف قائله وتمامه، وهو في البحر ٣٢٢/٨. ٤٢٦ ۔۔ - الحاقة - ٤٣١٨_ تِسْعُونَ جاريةً في بطنِ جاريةٍ وهو من الألغاز، قال تعالى: ((ومِنْ آيَاتِه الجواري))(١). آ. (١٢) قوله: ﴿وَتَعِيَها﴾: العامَّة على كسرِ العينِ وتخفيفٍ الياءِ، وهو مضارعٌ وَعى منصوبٌ عطفاً على ((لِنَجْعَلَها)). وابن مصرف(٢) وأبو عمروٍ في رواية هارونَ عنه وقنبلَ (٣) بإسكانها (٤) تشبيهاً له بـ ((رَحْم)) و(شَهْد))، وإنْ لم يكُنْ منه، ولكنْ صارَ في اللفظِ بمنزلة فَعِل الحلقيُّ العينِ. ورُوِيّ عن حمزةَ إخفاءُ الكسرةِ. ورُوِي عن عاصمٍ وحمزةَ أيضاً تشديدُ الياءِ(٥). وهو غَلَطُ عليهما، وإنما سَمِعهما الراوي يُبَيِّنان حركةَ الياءِ فظنَّها شَدَّةً. وقيل: أَجْرَيا الوصلَ مُجْرى الوقفِ فَضَعَّفا الحرفَ. وهذا لا ينبغي أَنْ يُلْتَفَتَ إليه. ورُوِيّ عن حمزةَ أيضاً وموسى بن عبد الله العبسيِّ(٦) ((وتَعِيْها)» بسكونِ الياءِ، وفيها وجهان: الاستئنافُ والعطفُ على المنصوب، وإنما سَكَّنا الياءَ استثقالاً للحركةِ على حرفِ العلةِ كقراءةٍ (تُطْعِمُون أهالِيْكم))(٧) وقد مَرَّ. (١) الآية ٣٢ من الشورى. (٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٤٨، والقرطبي ٢٦٣/١٨، والبحر ٣٢٢/٨، والإتحاف ٢/ ٥٥٧، والشواذ ١٦١، والمحرر ٩٦/١٦. (٣) رواية أبي ربيعة عن قنبل، والحلواني عن ابن كثير انظر: السبعة ٦٤٨. (٤) ((وتَغْيها)). (٥) ((وتَعِيَّها)). (٦) لم أقف على ترجمته. وترجم ابن الجزري في طبقاته لعبيد الله بن موسى العبسي، وكذلك تهذيب الكمال. (٧) الآية ٨٩ من المائدة وهي قراءة جعفر الصادق. انظر: الدر المصون ٤٠٧/٤. ٤٢٧ الحاقة - آ. (١٣) قوله: ﴿واحدةٌ﴾: تأكيدٌ ونَفْخَةٌ مصدرٌ قام مقامَ الفاعلِ. وقال ابن عطية (١): ((لَمَّا نُعِتَ صَحَّ رَفْعُهُ)) انتهى. ولو لم يُنْعَت لصَخَّ رفعُه لأنه مصدرٌ مختصٌ لدلالتِه على الوَحْدة، والممنوعُ عند البصريين إنما هو إقامةُ المبهم نحو: ضُرِب ضَرْبٌ. والعامَّةُ على الرفع فيهما، وقرأ(٢) أبو السَّمَّال بنصبِهما كأنه أقام الجارَّ مُقَامَ الفاعلِ، فترك المصدرَ على أصله، ولم يؤنِّثِ الفعلَ وهو ((نُفِخَ)) لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ، وحَسَّنه الفَصْلُ. آ. (١٤) [قوله:] ﴿وحُمِلَتِ الأرضُ﴾: قرأه العامَّةُ بتخفيف الميم، أي: وحَمَلَتْها الريحُ أو الملائكةُ أو القُدرة ثم بُني. وقرأ(٣) ابنُ عامٍ في روايةٍ والأعمش وابن أبي عبلة وابن مقسم بتشدِيدِها، فجازَ أَنْ يكونَ التشديدُ للتكثير، فلم يُكْسِبِ الفعلَ مفعولاً آخرَ، وجازَ أَنْ يكونَ للتعدية، فيُكْسِبَه مفعولاً آخرَ، فيُحْتمِلِ أَنْ يكونَ الثاني محذوفاً، والأولُ هو القائمُ مقامَ الفاعلِ تقديرُه: وحُمِّلَتِ الأرضُ والجبالُ ريحاً تُفَتَّتُّها؛ لقوله ((فَقُل يَنْسِفُها ربي نَسْفاً)(٤). وقيل: التقدير حُمِّلَتا ملائكةٌ. ويُخْتَمَلِ أَنْ يكونَ الأولُ هو المحذوفَ، والثاني هو القائمُ مقامَ الفاعلِ. آ. (١٤) قوله: ﴿فَدُكَّتا﴾: أي: الأرضُ والجبالُ؛ لأنَّ المرادَ. الشيئان المتقدِّمان، كقوله: ((وإنْ طائفتان مِنْ المؤمنين اقتتلوا(٥) )). (١) المحرر ١٦ /١٩٧ (٢) القرطبي ٢٦٤/١٨، والبحر ٣٢٣/٨. (٣) الإتحاف ٥٥٧/٢، المختسب ٣٢٨/٢، والبحر ٣٢٣/٨، القرطبي ٢٦٥/١٨. (٤) الآية ١٠٥ من طه. (٥) الآية ٩ من الحجرات. ٤٢٨ - الحافة - آ. (١٥) قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: منصوبٌ بـ ((وَقَعَتْ)). و ((وقعتِ الواقعةُ)) لا بُدَّ فيه مِنْ تأويلِ: وهو أَنْ تكونَ «الواقعةُ)) صارَتْ عَلَمَاً بالغَلَبَةِ على القيامة أو الواقعةِ العظيمة، وإلَّ فـ ((قام القائم)) لا يجوزُ، إذ لا فائدةَ فيه، وتقدَّم هذا في قوله ((إذا وقعت الواقعة(١))). والتنوين في «يومئذٍ)) للعوضِ مِنْ الجملةِ، تقديره: يوم إذ نُفِخَ في الصُّور. آ. (١٧) قوله: ﴿على أَرْجائِها﴾: خبرُ المبتدأ. والضميرُ للسماء. وقيل: للأرض. قال الزمخشري(٢): ((فإنْ قلتَ: ما الفرقُ بين قولِه ((والمَلَكُ)) وبين أنْ يقال: والملائكة؟ قلت: المَلَكُ أَعَمُّ مِنْ الملائكةِ؛ ألا ترى أنَّ قولَك ((ما مِنْ مَلَكِ إلَّ وهو شاهِدٌ)) أعمُّ من قولك: ((ما مِنْ ملائكة)) انتهى. قال الشيخ(٣): ((ولا يَظْهر أنَّ المَلَكَ أَعَمُّ مِنْ الملائكة؛ لأنَّ المفردَ المحلَّى بالألف واللام [الجنسية](٤) قُصاراه أَنْ يكونَ مُراداً به الجمعُ المُحلَّى [بهما](٥) ولذلك صَحَّ الاستثناءُ منه، فقصاراه أن يكونَ كالجمع المُحَلَّى بهما، وأمَّا دَعْواه أنه أعَمُّ منه بقوله: ((ألا ترى إلى آخره) فليسَ دليلاً على دَعْواه؛ لأنَّ ((مِنْ مَلَكِ)) نكرةٌ مفردةٌ في سياقِ النفي قد دَخَلَتْ عليها ((مِنْ)) المُخَلِّصةُ للاستغراق. فَشَمَلَتْ كلَّ مَلَكِ، فاندرج تحتها الجمعُ لوجود الفردِ فيه، فانتفى كلُّ فردٍ بخلافٍ ((مِنْ ملائكة)) فإنَّ ((مِنْ)) دَخَلَتْ على جمع مُنَكَّرٍ، فَعَمَّ في كلِّ جمعٍ جمعٍ من الملائكة، ولا يلزَمُ مِنْ ذلك انتفاءُ كلِّ فردٍ مِنْ الملائكة. لو قلت: (١) الآية ١ من الواقعة. (٢) الكشاف ٤/ ١٥١. (٣) البحر ٣٢٣/٨. (٤) زيادة من البحر. (٥) زيادة من البحر. ٤٢٩ . - الحافة - «ما في الدارِ مِنْ رجال)» جاز أَنْ يكونَ فيها واحدٌ؛ لأنَّ النفيّ إنما انسحب على جمعٍ، ولا يَلْزَمُ مِنْ انتفاءِ الجمعِ أَنْ ينتفيَ المفرد، والمَلَكُ في الآية ليس في سياقِ نفيٍ دَخَلَتْ عليه ((مِنْ)) وإنما جيء به مفرداً لأنه أخَفُّ، ولأنَّ قولَه «على أَرْجَائِها)) يَدُلُّ على الجَمْعِ؛ لأنَّ الواحدَ بما هو واحدٌ لا يمكنُ أَنْ يكونَ (على أرجائها» في وقتٍ واحدٍ، بل في أوقاتٍ. [٨٦٧/ ب] والمرادُ - واللَّهُ أعلَمُ - أنَّ الملائكةَ على أرجائها، لا أنه مَلَكٌ / واحدٌ ينتقِلُ على أرجائها في أوقات». قلت: الزمخشريُّ مَنْزَعُه في هذا ما قدَّمْتُه عنه في أواخرِ سورة البقرة عند قوله ((وكُتِبِه ورَسُلِهِ))(١) فليُراجَعْ ثمة. وأمَّا قولُ الشيخ: ((ما [في الدار] (٢) مِنْ رجال، إنَّ النفي مَنسَحِبٌ على رُتَّبِ الجمع)) ففيه خلافٌ للناس ونَظَرٌ. والتحقيقُ ما ذكره. والضمير في ((فوقهم)) يجوزُ أَنْ يعودَ على المَلَك؛ لأنه بمعنى الجمع كما تقدَّم، وأَنْ يعودَ على الحامِلِينَ الثمانيةِ. وقيل: يعود على جمع العالَم، أي: إن الملائكةَ تحملُ عَرْشَ اللَّهِ تعالى فوق العالَمِ كلِّه. قوله: ((ثمانيةٌ)) أَبْهم اللَّهُ تعالى هذا العددَ، فلم يَذْكُرْ لَه تمييزاً فقيل: تقديرُه ثمانية أشخاصٍ. وقيل: ثمانيةُ صُنوفٍ. آ. (١٨) قوله: ﴿يومئذٍ تُعْرَضُون﴾: ((تُعْرَضُون)» هو جوابُ (إذا)) مِنْ قولِه «فإذا نُفِخَ))، قاله الشيخ(٣). وفيه نظرٌ، بل جوابُها ما تقدَّم مِنْ قولِه ((وقَعَتِ الواقعةُ)) و((تُعْرَضون)) على هذا مستأنفٌ. (١) الآية ٢٨٥ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٦٩٢/٢. (٢) زيادة من ( ش ). (٣) البحر ٣٢٤/٨. ٤٣٠ - الحاقة - قوله: ((لا تَخْفَىْ)) قرأ (١) الأخَوان بالياءِ مِنْ تحتُ؛ لأن التأنيثَ مجازيٌّ، وللفصل أيضاً، وهما على أصلِهما في إمالةِ الألفِ. والباقون ((لا تَخْفى)) بالتاءِ مِنْ فوقُ للتأنيثِ اللفظيِّ، والفتحُ وهو الأصلُ. قوله(٢): ((واهِية))، أي: ضعيفة. يقال: وَهَى الشيءُ يَهِي وَهْياً، أي: ضَعُف ووهَى السِّقاءُ: انخرق. قال(٣): ٤٣١٩- خَلِّ سبیلَ مَنْ وَهَىْ سِقَاؤُهُ ومَنْ هُرِيْقَ بالفَلاةِ ماؤُه وقوله(٤): ((أرجائها))، أي: جوانبها ونواحيها. واحِدُها: رَجا بالقصر، يُكتب بالألف عكسَ رمى، لقولهم رَجَوان قال(٥): ٤٣٢٠ - فلا يُرْمَىُ بِيَ الرَّجَوانِ أني أَقَلُّ القومِ، مَنْ يُغْني مكاني وقال الآخر (٦): ٤٣٢١- كأَنْ لم تَرَيْ قبلي أسيراً مُقَيدًاً ولا رجلاً يُرْمىُ به الرَّجَوانِ (١) السبعة ٦٤٨، والبحر ٣٢٤/٨، والتيسير ٢١٣، والقرطبي ٢٦٨/١٨، والحجة ٧١٨، والنشر ٣٨٩/٢. (٢) عاد إلى الآية ١٦. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان ((وهى))، والقرطبي ٢٦٥/١٨، والبحر ٣١٩/٨. (٤) الآية ١٧ . (٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان ((رجا)». القرطبي ٢٦٥/١٨، والبحر ٣١٩/٨. (٦) نسبه في اللسان إلى المرادي (رجا))، وهو في المحرر ٩٨/١٦، والبحر ٣١٩/٨. ٤٣١ - الحاقة - آ. (١٩) قوله: ﴿هاؤُمُ﴾: أي: خُذُوا. وفيها لغاتٌ، وذلك أنَّها تكونُ فِعْلاً صريحاً، وتكونُ اسمَ فعلٍ، ومعناها في الحالَيْنِ خُذْ. فإن كانَتْ اسمَ فعلٍ وهي المذكورةُ في الآيةِ الكريمةِ ففيها لغتان: المدّ والقَصْرُ تقول: ها درهماً يا زيدُ، وهاءَ درهماً. ويكونان كذلك في الأحوالِ كلِّها مِنْ إفرادٍ وتثنيةٍ وجمعٍ وتذكيرٍ وتأنيثٍ، وتتصلُ بهما كافُ الخطابِ اتصالَها باسم الإشارةِ، فَتُطابِقُ مخاطَبَك بحسب الواقع، مطابقتها وهي ضميرُهُ(١)، نحو: هاكَ هاءكَ، هاكِ هاءَكِ إلى آخرِهِ، وتَخْلُفُ كافَ الخطابِ همزةُ ((هاء» مُصَرَّفةً تَصَرُّفَ كافِ الخطابِ، فتقول: هاءَ يا زيدُ، وهاءٍ يا هندُ، هاؤُما، هاؤُم، هاؤُنَّ، وهي لغةُ القرآن. وإذا كانت فِعْلاً صريحاً لاتصالِ الضمائر البارزةِ المرفوعةِ بها كان فيها ثلاثُ لغاتٍ، إحداها: أَنْ تكونَ مثلَ: عاطىُ يُعاطي. فيُقال: هاءِ يا زيدُ، هائِي يا هندُ، هائِیا یا زيدان، أو یا ھندان، ھاؤُوا يا زيدون، هائِيْنَ يا هنداتٌ. الثانية: أَنْ تكونَ مثلَ ((هَبْ)) فتقول: هَأْ، هَتِي، هَا، هَؤُوا، هَأْنَ. مثلَ: هَبْ، هَبِي، هَبا، هَبُوا، هَبْنَ. الثالثة: أَنْ يكونَ مثلَ: خَفْ أمراً مِنَ الخوفِ فيقال: هَأْ، هائي، هاءا، هاؤوا، هَأْنَ، مثلَ: خَفْ، خافِي، خافا، خافُوا، خَفْنَ. واختُلِفَ في مَّدْلولها: فالمشهورُ أنَّها بمعنى خُذوا. وقيل: معناها: تعالوا، فيتعذَّى بـ ((إِلى)). وقيل: هي كلمةٌ وُضِعَتْ الإِجابةِ الداعي عند الفرحِ والنشاطِ. وفي الحديث: أنه ناداه أعرابيٌّ بصوتٍ عالٍ، فجاوبَه (١) أي: كمطابقة الإِشارة حال كون الإشارة ضمير الخطاب. ٤٣٢ - الحاقة - النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: هاؤُم بصَوْلةِ صَوْتِه. ومِنْ كوْنِها بمعنى (خُذْ)) الحديثُ فِي الرِّبا(١): ((إلَّ هاءَ وهاء)) أي: يقول كلُّ واحدٍ من المتبايعَيْن: خذ. وقيل معناها اقصِدوا. وزعم هؤلاء أنها مركبةٌ مِنْ ها التنبيه وأمُوا من الأُمِّ، وهو القَصْدُ فصَيَّره التخفيفُ والاستعمالُ إلى هاؤم. وقيل الميم ضميرُ جماعةِ الذكورِ. وزَعَمِ القُتَبِيُّ(٢) أنَّ الهمزةَ بدلٌ من الكافِ، فإنْ عَنَى أَنَّها تَحُلُّ مَحَلَّها فصحيحٌ. وإنْ عَنَى البدَل الصناعيَّ فليس بصحيحٍ. وقوله: ((هاؤُمْ)) يطلبُ مفعولاً يتعدّى إليه بنفسِه، إنْ كان بمعنى خُذْ أو اقْصِدْ، وبـ ((إلى)) إنْ كان بمعنى تعالَوا، و((اقْرُؤُوا)) يَطْلُبُه أيضاً فقد تنازَعا في ((كتابِيَةْ)) وأعملَ الثاني للحَذْفِ من الأولِ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في سورة الكهفِ (٣) وفي غيرِها. والهاءُ في ((كتابِيَةُ وحِسابِيَة وسُلْطانِيَة ومالِيَهْ)) للسَّكْت، وكان حقُّها أَنْ تُحْذَفَ وَصْلاً، وتَثْبُتَ وَقْفاً، وإنما أُجْرِيَ الوَصْلُ مُجْرَى الوقفِ، أو وُصِلَ بنيَّة الوقفِ في ((كتابِيّة وحِسابِيَة)» اتفاقاً فأَثْبَتَ الهاء، وكذلك في ((مالِيه وسُلْطانِيَهْ))، و((مَا هِيَهْ)) في (القارعةِ))(٤) عند القُرَّاءِ كلِّهم إلاّ حمزةَ رحمه الله(٥) فإنه حَذَفَ الهاءَ مِنْ هذه الكَلِمِ الثلاثِ وَصْلاً وَأَثْبَتها وقفاً؛ لأنَّها في الوقفِ يُحْتاج إليها لتحصينِ حركةٍ الموقوفِ عليه، وفي الوصلِ يُسْتَغْنَىُ عنها. فإن قيل: فلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذلك في ((كِتَابِيَةُ / وحسابِيَهْ)) فالجوابُ: أنه جَمْعٌ بين اللغتين، [٨٦٨/أ] (١) نص الحديث: ((الذهب بالوَرق ربا إلَّ هاءَ وهاءَ» رواه البخاري ٣٤ كتاب البيوع، ٥٤ باب ما يذكر في بيع الطعام. الفتح ٤٠٨/٤. (٢) تفسير غريب القرآن له ٤٨٤. (٣) انظر: الدر ٥٤٩/٧. (٤) الآية ١٠ . (٥) انظر: الإِتحاف ٦٢٥/٢. ٤٣٣ - الحاقة - هذا في القراءاتِ السبع. وقرأ(١) ابنُ محيصن بحَذْفِها في الكَلِم كلِّها وَصْلاً ووَقْفاً، إلَّ فِي ((القارعة))، فإنه لم يَتَحَقَّقْ عنه فيها نَقْلٌ. وقرأ الأعمشُ وابنُ أبي إسحاق بحَذْفِها فيهنَّ وَضْلاً، وإثباتِها وَقْفاً. وابن محيصن يُسَكِّنُ الياءَ في الكَلِمِ المذكورةِ وَصْلاً. والحقُّ أنها قراءةٌ صحيحةٌ أعني ثبوتَ هاءِ السكتِ وَصْلاً، لثبوتِها في خَطِّ المصحفِ الكريم، فلا يُلْتَفَتُ إلى قولِ الزهراوي: ((إنَّ إثباتَها في الوصلِ لَحْنٌ، لا أعلَمُ أحداً يُجيزه)». وقد تقدَّم الكلامُ على هاءِ السكتِ في البقرة(٢) والأنعام بأشبعَ مِنْ هذا فعليك باعتبارِه. آ. (٢١) قوله: ﴿راضيةٍ﴾: فيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه على المجازِ، جُعِلَتِ العِيشةُ راضيةً لمحَلِّها وحُصولِها في مُسْتحقُّيها، أو أنها لا حالَ أكملُ مِنْ حالِها. الثاني: أنَّه على النَّسَبِ أي: ذاتِ رِضا نحو: لابِن وتامِر. الثالث: أنها ممَّا جاء فيه فاعِل بمعنى مَفْعول نحو: ((مِنْ ماءِ دافِقٍ))(٣) أي: مَدْفوق، كما جاء مَفْعول بمعنى فاعِلُ كقولِه: ((حجاباً مَسْتوراً)) (٤) أي: ساتِراً، وقد تقدَّم ذلك. آ. (٢٣) والقُطوف: جمعُ قِطْفٍ، وهو فِعْل بمعنىُ مَفْعول كالرِّعْي والذُّبْح وهو ما يَجْتَنِيه الجاني مِن الثمار. آ. (٢٤) قوله: ﴿كُلوا﴾: أي: يُقال لهم: كُلوا. و «هَنيئاً)) (١) انظر: الإتحاف ٦٢٥/٢، والقرطبي ٢٦٩/١٨، والنشر ١٤٢/٢، والبحر ٣٢٥/٨. (٢) انظر: الدر المصون ٥٦٣/٢. (٣) الآية ٦ من الطارق. (٤) الآية ٤٥ من الإِسراء. وانظر: الدر ٣٦٢/٧. ٤٣٤ - الحاقة - قد تقدَّم في أولِ النساء(١). وجَوَّز الزمخشريُّ(٢) فيه هنا أن ينتصِبَ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ أي: أَكْلاً مَنيئاً، وشُرْباً هنيئاً، وأَنْ ينتصِبَ على المصدرِ بعاملٍ مِنْ لفظِهِ مقدرٍ أي: هَنِئْتُمْ بذلك هَنيئاً. و((بما أَسْلَغْتُم)) الباءُ سببيةٌ، و ((ما)» مصدريةٌ أو اسميةٌ. آ. (٢٨) قوله: ﴿ما أَغْنَى﴾: يجوز أَنْ يكونَ نفياً، وأَنْ یکونَ استفهامَ توبيخِ لنفسِهِ. آ. (٣٠) وقوله: ﴿خُذُوه﴾ كقوله: ((كُلُوا))(٣) في إضمارِ القولِ. وقوله: (ثم الجحيمَ صَلُّوه)) تقديمُ المفعولِ يُفيد الاختصاصَ عند بعضهم؛ ولذلك قال الزمخشري (٤): ((ثم لا تَصْلُوه إلّ الجحيمَ)). قال الشيخ(٥): ((وليس ما قاله مَذْهَباً لسيبويه ولا لحُذَّاقِ النحاة)). قلت: قد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ مُثْقَنَةً، وأنَّ كلامَ النحاةِ لا يأبى ما قاله. آ. (٣٢) قوله: ﴿ذَرْعُها سَبْعون﴾: في محلِّ جر صفةً لـ ((سِلْسِلَةٍ)) و((في سِلْسِلَة)) متعلّقٌ بـ ((اسْلُكوه)» والفاءُ لا تَمْنع من ذلك. والذِّراعُ مؤنثٌ، ولذلك يُجْمَعُ على أفْعُل وسَقَطَتْ التاءُ مِنْ عددِه قال(٦): (١) انظر: الدر المصون ٥٧٦/٣. (٢) الكشاف ٤/ ١٥٣. (٣) في الآية ٢٤. (٤) الكشاف ٤/ ١٥٣. (٥) البحر ٣٢٥/٨. (٦) البيت لحميد الأرقط. وهو في الكتاب ٣٠٨/٢، والخصائص ٣٠٧/٢، واللسان (رمى)، والعيني ٥٠٤/٤. والفرع: غير المشقوقة. ٤٣٥ - الحاقة - ٤٣٢٢- أَرْمي عليها وهي فَرْعٌ أَجْمَعُ وهي ثلاثُ أَذْرُعِ وإِصبَعُ وزعم بعضُهم أنَّ في قوله: ((في سِلْسلة)) ((فاسلكوه)) قلباً، قال: لأنه نُقِلَ في التفسيرِ أنَّ السِّلسلةَ تَدْخُل مِنْ فيه، وتخرجُ مِنْ دُبُرِهِ، فهي المَسْلُوْكة فيه، لا هو مَسْلوكٌ فيها. والظاهرُ أنه لا يُحتاج إلى ذلك لأنه رُوي أنَّها لطولِها تُجْعَلُ في عنقِه وتَلتَوي عليه، حتى تُحيطَ به مِنْ جميعِ جهاتِهِ، فهو المَسْلوكُ فيها لإِحاطتِها به. وقال الزمخشري(١): ((والمعنى في تقديم السِّلسلةِ على الشَّلْك مثلُه في تقديمِ الجحيم على التَّصْليةِ أي: لا تَسْلُكُوه إلَّ في هذه السلسلةِ. و((ثُمَّ) للدلالةِ على التفاؤُتِ لِما بين الغَلِّ والتَّصْليةِ بالجَحيم، وما قبلَها، وبينَ السَّلْكِ في السِّلسلة لا على تراخي المُدَّة)). ونازعه الشيخُ في إفادةٍ التقديم الاختصاصَ كعادتِهِ، وجوابُه ما تقدَّم، ونازَعه أيضاً في أنَّ ((ثُمَّ) للدلالة على تراخي الرتبة. وقال(٢): ((يمكنُ التراخي الزماني: بأَنْ يَصْلَى بعد أن يُسْلَكَ، ويُسْلَكَ بعد أَنْ يُؤْخَذَ ويُغَلَّ بمهلةٍ بين هذه الأشياءِ)). انتهى. وفيه نظرٌ: من حيث إن التوتُّدَ بتوالي العذابِ آكَدُ وأقطعُ مِنْ التوتُّدِ بِتَفْريقه. آ. (٣٤) قوله: ﴿ولا يَحُضُّ﴾: الحَضُّ: البَعْثُ على الفعلِ والحِرْصُ على وقوعِه، ومنه حروفُ التحضيضِ المُبَوَّبُ لها في النحوِ؛ لأنه يُطْلَبُ بها وقوعُ الفعلِ وإيجادُه. آ. (٣٥) قوله: ﴿فليس له اليومَ ھھنا حميمٌ﴾: في خبرِ (١) الكشاف ٤/ ١٥٤. (٢) البحر ٣٢٦/٨. ٤٣٦ - الحاقة - ((ليس)) وجهان، أحدهما: ((له))، والثاني: ((ههنا))، وأيُّهما كان خبراً تعلَّق به الآخَرُ، أو كان حالاً مِنْ «حميمٌ)). ولا يجوزُ أَنْ يكونَ ((اليومَ)) خبراً البتة لأنه زمانٌ، والمُخْبَرُ عنه جئةٌ. ومنع المهدويُّ أَنْ يكونَ ((ههنا)) خبراً، ولم يَذْكُرِ المانعَ. وقد ذكره القرطبي(١) فقال: ((لأنه يَصيرُ المعنى: ليس ههنا طعامٌ إلَّ مِنْ غسْلين / ولا يَصِحُ ذلك لأنَّ ثَمَّ طعاماً [٨٦٨/ ب] غيرَه)). انتهى. وفي هذا نظر؛ لأنَّا لا نُسَلِّم أولاً أنَّ ثَمَّ طعاماً غيرَه. فإنْ أَوْرَدَ قوله: ((ليس لهم طعامٌ إلَّ مِنْ ضَرِيْعِ))(٢) فهذا طعامٌ آخرُ غيرُ الغِسْلين. فالجوابُ: أنَّ بعضَهم ذهب إلى أنَ الغِسْلينَ هو الضَّريعُ بعينِهِ فسمَّاه في آيةٍ غِسْليناً، وفي أخرى ضَريعاً. ولَئِنْ سَلَّمْنا أنهما طعامان فالحَصْرُ باعتبارِ الآكلين. يعني أنَّ هذا الآكلَ انحصَر طعامُه في الغِسْلِيْنِ، فلا يُنافِي أَنْ يكونَ في النار طعامٌ آخر. وإذا قُلْنا: إنَّ ((له)) الخبر، وإن (اليوم)) و((ههنا)) متعلِّقان بما تعلَّقَ هو به فلا إشكال. وكذاك إذا جَعَلْنا ((ههنا)) هو الخبرَ، وعَلَّقْنا به الجارَّ والظرفَ ولا يَضُرُّ كونُ العاملِ معنوياً للاتساع في الظروفِ وحروف الجرّ. آ. (٣٦) قوله: ﴿إِلَّ مِنْ غِسْلين﴾: صفةٌ لـ ((طعامٌ)) دَخَلَ الحصرُ على الصفةِ، كقولك: ((ليس عندي رجلٌ إلَّ من بني تميمٍ)) والمرادُ بالحميم الصديقُ، فعلى هذا الصفةُ مختصَّةٌ بالطعام أي: ليس له صديق ينفعُه ولا طعامٌ إلَّ مِنْ كذا. وقيل: التقديرُ: ليس له حميمٌ إلَّ مِنْ غِسْلين ولا طعامٌ، قاله أبو البقاء(٣)، فجعل ((مِنْ غِسْلين)) صفةً للحميم، (١) تفسيره ٢٧٤/١٨. (٢) الآية ٦ من الغاشية. (٣) الإملاء ٢٦٨/٢. ٤٣٧ - الحاقة - كأنَّه أرادَ به الشيءَ الذي يُحَمُّ به البدنُ مِن صديدِ النارِ. ثم قال: ((وقيل(١): من الطعام والشرابِ؛ لأنَّ الجميعَ يُطْعَمُ بدليل قوله: ((ومَنْ لم يَطْعَمْه))(٢) فعلى هذاَ يكونُ ((إلَّ من غِسْلين)) صفةً لـ ((حميم)) ولـ ((طعام)، والمرادُ بالحَميم ما يُشْرَبُ. والظاهرُ أنَّ خبرَ ((ليس)) هو قوله: ((مِنْ غِسْلين)) إذا أُرِيْد بالحميم ما يُشْرَبُ أي: ليس له شرابٌ ولا طعامٌ إلَّ غِسْليناً. أمّا إذا أُريدُ بالحميم الصديقُ فلا يتأتَّى ذلك. وعلى هذا الذي ذكَّرْتُهُ فِيُسْألُ عمَّا يُعَلَّقُ بِه الَجارُّ والظرفان؟ والجوابُ: أنها تتعلَّقُ بما تعلَّقَ به الخبرُ، أو يُجْعَلُ ((له)) أو ((ههنا)) حالاً مِنْ ((حميم))، ويتعلَّقُ ((اليوم)) بما تَعَلَّق به الحالُ. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ «اليومَ» حالاً مِنْ «حميم»، و«له)» و ((ههنا)) متعلّقان بما تعلَّق به الحالُ؛ لأنه ظرفُ زمانٍ، وصاحبُ الحالِ جثةٌ. وهذا الموضِعُ موضِعٌ حَسَنٌ مفيدٌ فتأمَّلْه. وَالغِسْلِين: فِعْلِيْن مِن الغُسالةِ، فنونُه وياؤُه زائدتان .. قال أهلُ اللغة: هو ما يَجْري من الجِراح إذا غُسِلَتْ. وفي التفسير: هو صَدِيدُ أهلِ النار. وقيل: شجرٌ يأكلونه. آ. (٣٧) قوله: ﴿لا يَأْكُلُه إلَّ الخاطِئُون﴾: صفةٌ لـ ((غِسْلِين)). والعامَّةُ يَهْمِزُون (الخاطِئُون)) وهو اسمُ فاعلٍ مِنْ خَطِىءَ يَخْطأ، إذا فَعَلَ غيرَ الصوابِ متعمِّداً، والمُخْطِىءُ مَنْ يفعلُه غيرَ متعمِّدٍ .. وقرأ(٣) الزُّهرُّ والعَتَكِيُّ وطلحة والحسنِ ((الخاطِيُون)) بياءٍ مضمومةٍ (١) أي الاستثناء. (٢) ((إن الله مبتليكم بنَّهر فَمَنْ شرب منه فليس مني ومن لم يَطْعَمْه فإنه مني؟. الآية ٢٤٩ من البقرة. (٣) المحتسب ٣٢٩/٢، والبحر ٣٢٧/٨، والقرطبي ٢٧٤/١٨، والشواذ ١٦١. ٤٣٨ - الحافة - بدلَ الهمزة. وقد تقدَّم مثلُه في ((مُسْتَهْزِئُون))(١) أولَ هذا الموضوع. وقرأ نافعٌ في روايةٍ، وشيخُهُ(٢) وشَيْبَةُ بطاءٍ مضمومةٍ دونَ همزٍ. وفيها وجهان، أحدُهما: أنَّه كقراءةِ الجماعةِ، إلاّ أنه خُفِّفَ بالحَذْفِ. والثاني: أنه اسمُ فاعلٍ مِن خَطا يخطو إذا اتّبع خطواتِ غيرِه، فيكونُ مِنْ قوله: ((لا تَتَبعوا خُطُوَاتِ الشيطان))(٣) قاله الزمخشري(٤)، وقد مَرَّ في أول هذا الموضوع أنَّ نافعاً يَقْرأ ((الصابِيْنَ))(٥) بدونِ همزٍ، وتقدَّم ما نَقَلَ الناسُ فيها، وعن ابن عباس: ما الخاطُون كلُّنا نَخْطُو. ورَوى عنه أبو الأسودِ الدؤليُّ: ((ما الخاطُون، إنما هو الخاطِئُون وما الصابُون، إنما هو الصابِئُون)). آ. (٣٨) وقوله: ﴿فلا أُقْسِمُ﴾: قد تقدَّم مثلُه في آخرٍ الواقعة (٦)، وأَشْبَعْتُ القولَ ثَمَّةَ إلَّ أَنَّه قيل ههنا: إنَّ ((لا)) نافيةٌ لفعلٍ القسم، وكأنَّه قيل: لا أَحْتَاجُ أَنْ أُقْسِمَ على هذا؛ لأنه حقٌّ ظاهرٌ مُسْتَغْنٍ عن القسم، ولو قيل به في الواقعة لكان حَسَناً. ا. (٤٠) قوله: ﴿إنّه لَقَوْلٌ﴾: هو جوابُ القسم. آ. (٤١) قوله: ﴿وما هو بقولِ﴾: معطوفٌ على الجوابِ فهو جواب. أَقْسَمَ على شيئين، أحدُهما مُثْبَتٌ، والآخرُ منفيٍّ وهو من البلاغةِ الرائعة . (١) انظر: الدر المصون ١٤٧/١. (٢) وهو أبو جعفر. (٣) الآية ٢١ من النور. (٤) الكشاف ٤/ ١٥٤. (٥) الآية ٦٢ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٤٠٧/١. وفي الأصل ((الصابيون)) وهو سهو. (٦) انظر إعرابه للآية ٧٥ من الواقعة. ٤٣٩ - الحاقة - قوله: ((قليلاً ما تُؤْمِنون)) ((قليلاً ما تَذَكَّرون)) انتصبَ «قليلاً)) في الموضعَيْنِ نعتاً لمصدرٍ أو زمانٍ محذوفٍ أي: إيماناً قليلاً أو زماناً قليلاً. [٨٦٩/أ] والناصب تُؤْمِنون وتَذَكَّرون، و((ما)) مزيدةٌ / للتوكيدِ. وقال ابنُ عطيةَ (١): ((ونُصِبَ (قليلاً)) بفعلٍ مضمرٍ، يَدُلُّ عليه ((تُؤْمِنون)). وما يُحتمل أَنْ تكُونَ نافيةً فِيَنْتَفِيَ إيمانُهم البتةَ، ويُحتمل أَنْ تكونَ مصدريةً، ويتصفَ بالقلَّةِ، فهو الإِيمانُ اللغويُّ؛ لأنَّهم قد صَدَّقوا بأشياءَ يسيرةٍ، لا تُغْني عنهم شيئاً؛ إذا كانوا يُصَدِّقون بأنَّ الخيرَ والصِّلةَ والعفافَ الذي يأمرُ به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم هو حقٌّ وصوابٌ)). قال الشيخ(٢): أمَّا قولُه: ((قليلاً)) نُصِبَ بفعلٍ إلى آخرِه فلا يَصِحُّ؛ لأن ذلك الفعلَ الدالَّ عليه («تُؤْمنون)»: إمَّا أن تكونَ ((ما)) نافيةً [أو مصدريةً] (٣) كما ذَهَب إليه. فإنْ كانَتْ نافيةٌ فذلك الفعلُ المضمرُ الداُ عليه ((تُؤْمِنون)» المنفيُّ بـ ((ما)) يكونُ منفيًّا، فيكون التقدير: ما تُؤْمِنِون قليلاً ما تؤمنون، والفعلُ المنفيُّ بـ ((ما)) لا يجوزُ حَذْفُه ولا حَذْفُ ((ما)»، لا يجوز: «زيداً ما أَضْرِبُه)) على تقدیر: ما أضربُ زيداً ما أَضْرِبُه. وإنْ كانَتْ مصدريةً كانَتْ: إمّا في موضع رفعٍ بـ «قليلاً)» على الفاعلية أي: قليلاً إيمانُكم، ويبقى ((قليلاً)) لا يتقدَّمَهُ مَا يَعْتمد عليه حتى يعملَ، ولا ناصبَ له، وإمّا في موضعِ رفعٍ على الابتداءِ فيكونُ مبتدأَ لا خبرَ له، لأنَّ ما قبلَه منصوبٌ)). قلت: لا يريدُ ابنُ عطيةً بدلالةِ ((تُؤْمنون)» على الفعلِ المحذوفِ الدلالةَ المذكورةَ في بابِ الاشتغالِ، حتى يكونَ العاملُ الظاهرِ مفسِّراً (١) المحرر ١٠٤/١٦. (٢) البحر ٣٢٨/٨. (٣) من البحر. ٤٤٠