النص المفهرس
صفحات 381-400
- الملك- وقوله: ((وهو حسيرٌ)) حال: إمَّا مِنْ صاحبِ الأولى، وإمَّا من الضمير المستتر في الحالِ قبلَها، فتكونُ متداخلةً. وقد تقدَّم مادتا ((خاسئاً))(١) و(( حسير))(٢) في المؤمنين(٣) والأنبياء(٤). آ. (٥) قوله: ﴿الدنيا﴾: [يعني](٥) منكم؛ لأنَّها فُعْلَى تأنيثُ أَفْعَلِ التفضيلِ. و ((جَعَلْناها)) يجوزُ في الضميرِ وجهان، أحدُهما: أنه عائدٌ على ((مَصابيحَ)) وهو الظاهر. قيل: وكيفيةُ الرَّجْم: أَنْ يُؤْخَذَ نارٌ من ضوءٍ الكوكبِ، يُرْمىُ به الشيطانُ والكوكبُ في مكانِهِ لا يُرْجَمُ به. والثاني: أنَّ الضميرَ يعودُ على السماء والمعنى: منها، لأنَّ السماءَ ذاتَها ليست للرُّجوم، قاله الشيخ(٦). وفيه نظرٌ لعدمِ ظهورٍ عَوْدِ الضميرِ على السماءِ. والرُّجوم: جمعُ رَجْم وهو مصدرٌ في الأصل، أُطْلِقَ على المَرْجوم به كضَرْبِ الأميرِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ باقياً على مصدريتِهِ، ويُقَدَّرُ مُضافٌ أي: ذاتُ رُجوم. وجَمْعُ المصدرِ باعتبارِ أنواعِه، فعلى الأولِ يتعلَّقُ قولُه: (للشياطين) بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ رُجوماً، وعلى الثاني لا تعلُّقَ له لأنَّ اللامَ مزيدةٌ في المفعول به، وفيه دلالةٌ حينئذٍ على إعمالِ المصدرِ منوناً مجموعاً. ويجوزُ أَنْ يكونَ صفةً له أيضاً كالأولِ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. وقيل: الرُّجومُ هنا: الظنونُ والشياطينُ شياطينُ الإِنْس، كما قال(٧): (١) انظر: الدر المصون ٤١٥/١. (٢) انظر: الدر المصون ٢٢١/٢. (٣) الآية ١٠٨ ووردت المادة قبلاً. (٤) الآية ١٩ ووردت المادة قبلاً. (٥) زيادة من ( ش ). (٦) البحر ٢٩٩/٨. (٧) تقدم برقم ٥. ٣٨١ - الملك - ٤٢٨٤- ٠ وما هو عنها بالحديثِ المُرَجِّمِ آ. (٦) قوله: ﴿وللذين كفروا﴾: خبرٌ مقدَّمٌ في قراءةِ العامَّةِ، و((عذابُ جهنَم)) مبتدَؤُه. وفي قراءةٍ (١) الحسن والضحاك والأعرج بنصبِهِ متعلّقٌ بـ ((أَعْتَدْنا)) عطفاً على ((لهم))، و ((عذابَ جهنَم)» عطفٌ على ((عذابٌ السعير)) فعطَفَ منصوباً على منصوب، ومجروراً على مجرورٍ، وأعاد الخافضَ؛ لأنَّ المعطوفَ عليه ضميرٌ. والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي: وبئسَ المصيرُ مَصيرُهم، أو عذابُ جهنم، أو عذابُ السعير. آ. (٧) قوله: ﴿لها﴾: متعلُّقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ (شهيقاً) لأنه في الأصلِ صفتُه. ويجوزُ أَنْ يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي: سمعوا لأهلها. ((وهي تفور)) جملةٌ حاليةٌ. آ. (٨) قوله: ﴿تَمَيَّزُ﴾: هذه قراءةُ العامَّةِ بتاءٍ واحدةٍ مخففةٍ . والأصلُ: تتميَُّ بتاءَيْن وبها (٢) قرأ طلحةُ والبزيُّ عن ابنٍ كثير بتشديدها، أدغم إحدى التاءَيْن في الأخرى، وهي قراءةٌ حسنةٌ لعدم التقاء ساكنين، بخلافِ قراءتِه ((إِذْ تَلَفَّوْنه))(٣) و((ناراً تَلَظَّى))(٤) وبابِهِ. وأَبَو عمرو(٥) يُذْغِمُ الدالَ في التاءِ على أصلِه في المتقاربَيْنِ. وقرأ الضحاك ((تمايَزُ)) والأصل: (١) البحر ٢٩٩/٨، والمحرر ٦٢/١٦. (٢) انظر في قراءاتها: البحر ٢٩٩/٨، والإتحاف ٢/ ٥٥٠، والنشر ٢٣٢/٢، والمحرر ٦٣/١٦ (٣) الآية ١٥ من النور. وانظر: الإتحاف ٢٩٤/٢. (٤) الآية ١٤ من الليل. وانظر: الإتحاف ٦١٤/٢. (٥) البحر ٢٩٩/٨. ٣٨٢ - الملك - تتمايَزُ بتاءَيْنِ فَحَذَف إحداهما. وزيد بن علي ((تَمِيْزُ)) مِنْ ماز، وهذا كلُّهُ استعارةٌ مِنْ قولِهم: تميَّز فلان من الغيظِ أي: انفصلَ بعضُه من بعض من الغيظ فـ ((مِنْ)) سبيّةٌ أي: بسببِ الغَيْظِ. ومثلُه [قولُ الراجزِ](١) في وصف كَلْبِ اشتدَّ عَدْوُه(٢): ٤٢٨٥- يكادُ أَنْ يخرجَ مِنْ إهابِهْ قوله: ((كلما أُلْقِي)) قد تقدَّم الكلامُ على ((كلما))(٣) وهذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً مِنْ ضميرٍ جهنّم. آ. (٩) قوله: ﴿بلى قد جاءَنا نذيرٌ﴾: فيه دليلٌ على جوازٍ الجمعِ بين حرفِ الجوابِ ونفس الجملةِ المجابِ بها، إذ لو قالوا: بلى لَفُهِمَ المعنى، ولكنهم أظهروه تَحَسُّراً وزيادةً في تَغَمُّمِهم على تفريطهِم في قبولِ قولِ النذيرِ ولِيَعْطِفوا عليه قولهم: ((فكذَّبْنا)» إلى آخره. وقوله: ((إنْ أنتم إلَّ في ضلالٍ)) ظاهرُه أنه مِنْ مقولِ الكفارِ للنذير. وجوَّزَ الزمخشريُّ(٤) أَنْ يكونَ مِنْ كلامِ الرسلِ للكفرةِ، وحكاه الكفرةُ للخَزَنَةِ أي: قالوا لنا هذا فلم نَقْبَلْه. (١) زيادة من ( ش). (٢) البيت لأبي نواس وقبله: تراه في الحُضْر إذا هاها به وهو في ديوانه ٢٤٩، والحيوان ٩٧/٢، والمحرر ٩٣/١٦. والحُضْر: شدة العَدْوِ. وهاها به: زجره. (٣) انظر: الدر المصون ١٨٠/١. (٤) الكشاف ٤ / ١٣٦. ٣٨٣ - الملك - آ. (١١) وقوله: ﴿بذَنْبهم﴾: وحدَه لأنه مصدرٌ في الأصلِ، ولم يَقْصِدِ التنويعَ بخلافِ ((بذنوبهم)»(١) في مواضعَ. قوله: ((فسُحْقاً) فيه وجهان أحدُهما: أنَّه منصوبٌ على المفعولِ به أي: ألزَمَهم اللّهُ سُحْقاً. والثاني: أنَّه منصوبٌ على المصدرِ تقديرُه: سَحَقَهم اللَّهُ سُحْقاً، فناب المصدرُ عن عامِله في الدُّعاءِ نحو: جَدْعاً له [٨٦١/ ب] وعَقْراً، فلا يجوزُ إظهارُ عامِلِه. / واختلف النحاة: هل هو مصدرٌ لفعلِ ثلاثيّ أم لفعلٍ رباعي فجاء على حَذْفِ الزوائدِ؟ فذهب الفارسيُّ (٢) والزجَّاجُ(٣) إلى أنه مصدرُ أسْحَقَه اللَّهُ أي: أبعَدَه. قال الفارسي: ((فكان القياسُ إِسْحاقاً، فجاء المصدرُ على الحَذْفِ كقوله(٤): ٤٢٨٦- فإن أَهْلِكْ فذلك كان قَدْري أي تقديري. والظاهرُ أنه لا يُحتاج لذلك؛ لأنه سُمِع: سَحَقه اللَّهُ ثلاثياً. وفيه قولُ الشاعر(٥): ٤٢٨٧- يجولُ بأطرافِ البلادِ مُغَرِّباً وتَسْحَقُه ريحُ الصَّبا كلَّ مَسْحَقِ والذي يظهرُ أنَّ الزجَّاج والفارسيَّ إنما قالا ذلك فيمَنْ بِقولُ مِن العربِ أَسْحقه الله سُحقاً. (١) الآية ١١ من آل عمران. (٢) الحجة (خ) ٣٩٨/٤. (٣) معاني القرآن له ١٩٩/٥. (٤) لم أهتد إلى قائله وتمامه، وهو في الحجة ٣٩٨/٤، والبحر ٣٠٠/٨. (٥) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ١٧١. ٣٨٤ - الملك - وقرأ العامَّةُ بضمةٍ وسكونٍ، والكسائيُّ(١) في آخرَين بضمتين، وهما لغتان. والأحسنُ أَنْ يكونَ المثقَّلُ أصلاً للخفيفِ. و[قوله](٢) (لأصحاب)) بيانٌ كـ ((هَيْتَ لك))(٣) وسَقْياً لك. وقال مكي(٤): ((والرفعُ يجوز في الكلام على الابتداء)» أي: لو قيل: ((فَسُحْقٌ)) جاز لا على أنه تلاوةٌ بل من حيث الصناعةُ، إلاَّ أنَّ ابنَ عطيةً قد قال ما يُضَعِّفُه، فإنه قال(٥): ((فسُحْقاً نصباً على جهةِ الدعاءِ عليهم، وجازَ ذلك فيه وهو مِنْ قِبل اللَّهِ تعالى من حيثُ هذا القولُ، فيهم مستقرٌ أَوَّلاً (٦)، ووجودُه لم يَقَعْ، ولا يَقَعُ إلَّ في الآخِرة، فكأنه لذلك في حَيِّر المتوقَّع الذي يُذَّعَىُ فيه كما تقول: ((سُحْقاً لزيدٍ، وبُعْداً له)) والنصبُ في هذا كلِّه بإضمار فعلٍ، وأما ما وَقَعَ وثَبَتَ فالوجهُ فيه الرفعُ، كما قال تعالى: ((وَيْلٌ للمطفِّفين))(٧) و((سَلامٌ عليكم)»(٨) وغيرُ هذا مِن الأمثلة)) انتهى. فضعَّفَ الرفعَ كما ترى لأنه لم يَقَعْ بل هو متوقَّعٌ في الآخرةِ. آ. (١٢) قوله: ﴿لهم مغفرةٌ﴾: الأحسنُ أَنْ يكونَ الخبر ((لهم)) و((مغفرةٌ)) فاعلٌ به؛ لأن الخبرَ المفرد أصلٌ، والجارُّ من قبيل المفرداتِ أو أقربُ إلیھا. (١) السبعة ٦٤٤، والتيسير ٢١٢، والبحر ٣٠٠/٨، والنشر ٢١٧/٢، والحجة ٧١٦، والتيسير ٢١٢، والقرطبي ٢١٣/١٨. (٢) زيادة من ( ش). (٣) الآية ٢٣ من يوسف. (٤) إعراب المشكل ٣٩٢/٢. (٥) المحرر ٦٥/١٦. (٦) المحرر: أزلاً . (٧) الآية ١ من المطففين. (٨) الآية ٢٤ من الرعد. ٣٨٥ د الملك - آ. (١٤) قوله: ﴿مَنْ خَلَقَ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه فاعلُ ((يَعْلَمُ)) والمفعول محذوفٌ تقديرُه: ألا يعلم الخالقُ خَلْقَه، وهذا هو الذي عليه جمهورُ الناس وبه بدأ الزمخشريُّ(١). والثاني: أنَّ الفاعلَ. مضمرٌ يعود على الباري سبحانه وتعالى، و((مَنْ)) مفعولٌ به أي: ألا يعلمُ اللَّهُ مَنْ خَلَقَه. قال الشيخ(٢): ((والظاهر أن ((مَنْ)) مفعولٌ، والمعنى: أينتفي علمُه بمَنْ خَلَقَه، وهو الذي لَطَفَ عِلْمُه ودَقَّ) ثم قال: ((وأجاز بعضُ النَّحْوبين أَنْ يكون ((مَنْ)) فاعلاً والمفعولُ محذوفٌ، كأنه قال: ألا يعلَم الخالقُ سِرَّكم وجهرَكم، وهو استفهامٌ، معناه الإِنكار)). قلت: وهذا الوجهُ الذي جَعَلَه هو الظاهر يَعْزِيه(٣) الناسُ لأهلِ الزَّيْغِ والبِدَع الدافِعين لعمومِ الخَلْق لله تعالى. وقد أَطْنَبَ مكي(٤) في ذلك، وأنكر على القائلِ به ونسبه إلى ما ذكرْتُ فقال: ((وقد قال بعضُ أهلِ الزَّيْغ: إن ((مَنْ)) في موضع نصبٍ اسمٌ للمُسِرِّين والجاهرين لَيُخْرَجَ الكلامُ عَن عمومِهِ ويُدْفَعَ عمومُ الخَلْقِ عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلمُ ما خلق لأنه إنما تقدَّم ذِكْرُ ما تُكِنُّ الصدورُ فهو في موضع (ما)) ولو أَتَتْ ((ما)) في موضع ((مَنْ)) لكان فيه أيضاً بيانُ العمومِ: أنَّ اللَّهَ خالقُ كلِّ شيءٍ مِنْ أقوال الخلقِ: أَسَرُّوها أو أظهرُوهاِ خيراً كانَتْ أو شرًّا، ويُقَوِّي ذلك ((إِنَّه: عليمٌ بذات الصُّدور))، ولم يقلْ: عليمٌ بالمُسِرِّين والمجاهرين وتكون ((ما)) في موضع (١) الكشاف ١٣٧/٤. (٢) البحر ٣٠٠/٨. (٣) لغةٌ في العَزْو. يقال: عَزَوْتُهُ وعَزَيْتُه. انظر: اللسان (عزا) .. (٤) إعراب المشكل ٣٩٢/٢. ٣٨٦ -- - الملك - نصب، وإنما يُخْرِجُ الآيةَ مِنْ هذا العموم إذا جَعَلْتَ ((مَنْ))(١) في موضعٍ نصبٍ اسماً للأناس المخاطبين قَبْلَ هذه الآيةِ، وقوله: ((بذات الصدورِ)) يمنعُ مِنْ ذلك)» انتَهىُ. ولا أَدْري كيف يَلْزَمُ ما قاله مكيٌّ بالإِعرابِ الذي ذكره والمعنى الذي أبداه؟ وقد قال بهذا القولِ أعني الإِعرابَ الثاني جماعةٌ من المحققين ولم يُبالوا بما ذكرَه لعَدَمِ إفهامِ الآية إياه. وقال الزمخشري(٢) بعد كلام ذكرَه: ((ثم أنكر ألَّ يُحيط علماً بالمُضْمَر والمُسَرِّ والمُجْهَرِ مَنْ خلق الأشياء، وحالُه أنه / اللطيفُ الخبيرُ [١/٨٦٢] المتوصِّلُ عِلْمُه إلى ما ظَهَر وما بَطَن. ويجوز أَنْ يكون ((مَنْ خَلَقَ)) منصوباً بمعنى: ألا يعلَمُ مَخْلوقَه، وهذه حالُه)» ثم قال: ((فإنْ قلتَ: قَدَّرْتَ في ((ألا يَعْلَمُ) مفعولاً على معنى: ألا يعلمُ ذلك المذكورَ مِمَّا أُضْمِر في القلب وأُظْهِر باللسان مَنْ خلق؟ فهلا جَعَلْتَه مثلَ قولهم: ((هو يُعْطي ويمنع))، وهلا كان المعنى: ألا يكونُ عالماً مَنْ هو خالقٌ لأن الخالقَ لا يَصِحُّ إلَّ مع العِلْم؟ قلت: أبَتْ ذلك الحالُ التي هي قولُه: ((وهو اللطيفُ الخبيرُ)) لأنَّك لو قلتَ: ألا يكون عالماً مَنْ هو خالقٌ وهو اللطيفُ الخبيرُ لم يكن معنى صحيحاً؛ لأنَّ ((ألا يَعْلَمُ)) معتمِدٌ على الحالِ والشيءُ لا يُؤَقَّتُ بنفسِهِ، فلا يقال: ((ألا يعلَمُ وهو عالمٌ، ولكن ألا يعلم كذا، وهو عالمٌ بكلِّ شيءٍ». آ. (١٥) قوله: ﴿ذَلولاً﴾: مفعولٌ ثانٍ، أو حالٌ. وذَلول فَعُول للمبالغةِ مِنْ ذَلَّ يَذِلُّ فهو ذالٌ كقوله: دابَّةٌ ذَلولٌ بَيَِّةُ الذُّلُ بالكسرِ، (١) الأصل ((ما)) والتصحيح من مكي. (٢) الكشاف ٤/ ١٣٧. ٣٨٧ - الملك - ورجلٌ ذَلُولٌ بَيِّنُ الدُّلِّ بالضم. وقال ابن عطية(١): ((ذلول فَعُول بمعنى مَفْعول أي: مَذْلولة، فهي كـ رَكوب وحَلوب)). قال الشيخ(٢): «وليس: بمعنىْ مَفْعول لأنَّ فِعْلَه قاصِرٌ، وإنما يُعَذَّى بالهمزةِ كقوله تعالى: ((وَتُذِلُّ مَنْ تشاء))(٣) أو بالتضعيفِ كقولِه: ((وذلَّلْناها لهم))(٤)، وقولُه: ((أي مَذْلولة)) يظهر أنَّه خطأ)). انتهى يعني: حيث استعمل اسمَ المفعولِ تامًّا مِنْ فِعْلٍ قاصرٍ، وهي مناقشةٌ لفظيةٌ. قوله: ((مَناكبِها)) استعارةٌ حسنة جداً. وقال الزمخشري(٥): ((مَثَلٌ لِفَرْطِ التذليل ومجاوَزَتِهِ الغايةَ؛ لأن المَنْكِبَيْن وملتقاهما من الغارِبِ(٦) أرقُّ شيءٍ مِن البعير وأَنْبأه عن أَنْ يطأَّه الراكبُ بقدمِه ويَعْتمد عليه، فإذا جعلها في الذُّلِّ بحيث يُمشَىُ في مناكبها لم يَتْرُكْ))(٧) . آ. (١٦) قوله: ﴿أَأْمِنْتُمْ﴾: قد تقدَّم اختلافُ القراءِ في: الهمزَتَيْن المفتوحتين نحو ((أَنْذَرْتَهم)) (٨) تحقيقاً وتخفيفاً وإدخالِ ألفٍ: بينهما وعَدَمِه في البقرة، وأن قُنْبلا يَقرأ هنا بإبدالِ الهمزة الأولى واواً: (١) المحرر ٦٦/١٦ (٢) البحر ٣٠٠/٨ ١ ٣٠١. (٣) الآية ٢٦ من آل عمران. (٤) الآية ٧٢ من يس، (٥) الكشاف ١٣٨/٤. (٦) الغارب: ما بين السنام والعنق. (٧) هذه اللفظة مشروحة في حاشية الكشاف بقوله: ((أي لم يترك بقية من التذليل)). (٨) الآية ٦ من البقرة. وانظر الدر المصون ١٠٩/١. وانظر في قراءات هذه الآية: السبعة ٦٤٤، والبحر ٨/ ٣٠٢، والتيسير ٢١٢، والقرطبي ٢١٦/١٨، والحجة ٧١٦، والنشر ٣٦٣/١. ٣٨٨ - الملك - في الوصل. فيقول: ((وإليه الُّشورُ وأَمِنْتُمْ)) وهو على أصلِهِ مِنْ تسهيلٍ الثانيةِ بينَ بينَ وعَدَمِ ألفٍ بينهما، وأمَّا إذا ابتدأ فيُحقِّق الأولى ويُسَهِّلُ الثانيةَ بينَ بينَ على ما تقدَّم، ولم يُبْدل الأولى واواً لزوالِ مُوجِبه وهو انضمامُ ما قبلها وهي مفتوحةٌ نحو: مُوَجَّل ويُواخِذُكم، وهذا قد مضى في سورة الأعراف عند قولِه: ((قال فرعونُ آمنتم)»(١) وإنما أَعَدْتُه بياناً وتذكيراً. قوله: (مَنْ في السماء)) مفعولُ ((أَمِنْتُم)»، وفي الكلامِ حَذْفُ مضافٍ أي: أمِنْتُمْ خالقَ مَنْ في السموات. وقيل: ((في)) بمعنى على أي: على السماء، وإنما احتاج القائلُ بهذَيْن إلى ذلك لأنه اعتقد أن ((مَنْ)) واقعةٌ على الباري تعالى وهو الظاهرُ، وثَبَتَ بالدليل القطعيِّ أنه ليس بمتحيٍِّ لئلا يلزَمَ التجسيمُ(٢). ولا حاجةَ إلى ذلك فإن ((مَنْ)) هنا المرادُ بها الملائكةُ (٣) سكانُ السماء، وهم الذين يَتَوَّلَّوْن الرحمة والنَّقْمة. وقيل: خُوطبوا بذلك على اعتقادِهم، فإنَّ القومَ كانوا مُجَسِّمة مشبُهَةً، والذي تقدّم أحسنُ. وقوله: ((أَنْ يَخْسِفَ)) و((أَنْ يرسلَ)) فيه وجهان، أحدُهما: أنهما بدلان مِنْ (مَنْ في السماء» بدلُ اشتمال، أي: أَمِنْتُمْ خَسْفَه وإرسالَه، كذا قاله أبو البقاء(٤). والثاني: أَنْ يكونَ على حَذْفِ ((مِنْ)) أي: أَمِنْتُم مِنَ (١) الآية ١٢٣. وانظر: الدر المصون ٤٢٠/٥. (٢) قال في شرح الطحاوية ٢٣١: ((ومن سمع أحاديث الرسول ◌ّه وكلام السلف وجد منه في إثبات الفوقية ما لا ينحصر). (٣) وهو رأي ابن بحر. ومذهب ابن عباس أنه الله تعالى. انظر: الماوردي ٢٧٤/٤. وتقدير خالق مَنْ في السماء هو تقدير القرطبي ٢١٦/١٨. (٤) الإملاء ٢٦٦/٢. ٣٨٩ - الملك - الخَسْفِ والإِرسالِ، والأولُ أظهرُ. وقد تقدَّم(١) أنَّ ((نذير)) ((ونكير)) مصدران بمعنى الإِنكار والإنذار. وأثبت(٢) ورش ياء ((نَذيري)) وَقْفاً وحَذَفَها وَصْلاً، وحَذَفَها الباقون في الحالَيْن. آ. (١٩) قوله: ﴿صافَّاتٍ﴾: يجوز أَنْ يكونَ حالاً مِن ((الطير)) وأَنْ يكونَ حالاً مِن ضمير «فوقَهم)) إذا جَعَلْناه حالاً فتكونُ متداخِلةً. و ((فوقَهم)) ظرفٌ لصافَّات على الأولى أو لـ ((يَرَوْا)) .. قوله: ((ويَقْبِضْنَ)) عَطَفَ الفعلَ على الاسم لأنَّه بمعناه أي: وقابضاتٍ، فالفعلُ هنا مؤولٌ بالاسمِ عكسَ قولِه: ((إن المصَّدِّقِين والمصَّدِّقات وأَقْرَضُوا))(٣) فإن الاسمَ هناك مؤولٌ بالفعلِ. وقد تقدَّم الاعتراضُ على ذلك. وقولُ أبي البقاء (٤): ((معطوفٌ على اسم الفاعل، حَمْلاً على المعنىُ أي: يَصْفِفْنَ ويَقْبِضْنَ أي: صافَّاتٍ وقابِضاتٍ)) لا حاجةً. إلى تقديره: يَصْفِفْنَ ويَقْبِضْنَ؛ لأن الموضعَ للاسمِ فلا نُؤَّوَّلُهُ بالفعل. [٨٦٢/ ب] وقال الشيخ(٥): ((وَعَطَفَ الفعلَ على الاسم / لمَّا كان في معناه، ومثلُه قولُه تعالى: ((فالمُغيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْن))(٦) عطفَ الفعلَ على الاسم لمَّا كان المعنى: فاللاتي أغَرْن فَأَثَرْنَ، ومثلُ هذا العطفِ فصيحٌ وكذا عكسُه، إلَّ عند السهيليِّ فإنهِ قبيحٌ نحو قوله(٧): (١) انظر إعرابه للآية ٤٤ من الحج. (٢) الإتحاف ٥٥١/٢، والتيسير ٢١٣، والنشر ٣٨٩/٢. (٣) الآية ١٨ من الحديد. (٤) الإملاء ٢٦٦/٢. (٥) البحر ٣٠٢/٨. (٦) الآية ٣ - ٤ من العاديات. (٧) تقدم برقم ١٢٨٩ ٣٩٠ - الملك - ٤٢٨٨- بات يُغَشِّيها بعَضْبِ باترٍ يَقْصِدُ في أسْوُقِها وجائِرُ أي: قاصدٌ في أَسْوُقِها وجائر)) انتهى، هو مثلُه في عطفِ الفعلِ على اسمٍ، إلَّ أنَّ الاسمَ فيه مؤولٌ بالفعلِ عكسَ هذه الآيةِ. ومفعولُ (يَقْبِضْنَ)) محذوفٌ أي: ويَقْبِضْنِ أجنحتَهُنَّ، قاله أبو البقاء(١) ولم يُقَدِّز لـ (صافَّاتٍ)) مفعولاً كأنه زَعَمَ أنَّ الاصطفافَ في أنفسِها أي: مصطفَّةٌ. والظاهرُ أنَّ المعنى: صافَّاتِ أجنحتَها وقابضَتَها، فالصَّفُّ والقَبْضُ منها لأجنحتها . وكذلك قال الزمخشريُّ(٢): ((صافَّاتٍ باسِطاتٍ أجنحتَهن)) ثم قال: ((فإِنْ قلتَ لِمَ قال: ويقبضْنَ ولم يَقُلْ: وقابضاتٍ؟ قلت: لأنَّ الطيرانَ هو صَفُّ الأجنحةِ؛ لأنَّ الطيرانَ في الهواءِ كالسِّباحةِ في الماءِ، والأصلُ في السباحةِ مَدُ الأطرافِ وبَسْطُها، وأمَّا القَبْضُ فطارِىءٌ على البَسْطِ للاستظهارِ به على التحرُّكِ، فجيء بما هو طارِىءٌ غيرُ أصلٍ بلفظِ الفعلِ على معنى أنَّهن صافاتٌ، ويكونُ منهنَّ القَبْضُ تارةً بعد تارةً، كما يكون من السَّابح)). قوله: ((ما يُمْسِكُهُنَّ) يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ مستأنفةً، وأن تكونَ حالاً من الضمير في (يَقْبِضْنَ)) قاله أبو البقاء(٣)، والأولُ هو الظاهرُ. وقرأ الزهري (٤) بتشديدِ السينِ. (١) الإملاء ٢٦٦/٢. (٢) الكشاف ١٣٨/٤ . (٣) الإملاء ٢٦٦/٢. (٤) البحر ٣٠٣/٨. ٣٩١ - الملك - آ. (٢٠) قوله: ﴿أَمَّنْ﴾: العامَّةُ بتشديد الميمِ على إدغامٍ ميم ((أم)) في ميم ((مَنْ)، و ((أم)) بمعنىُ بل؛ لأنَّ بعدها اسمَ استفهامٍ، وهو مبتدأٌ، خبرُه اسمُ الإِشارة. وقرأ طلحة(١) بتخفيفِ الأولِ وتثقيل الثاني قال أبو الفضل: ((معناه أهذا الذي هو جندٌ لكم أم الذي يَرْزُقكم)). و ((يَنْصُرُكم)» صفةٌ لجند. آ. (٢١) قوله: ﴿إِنْ أَمْسَكَ﴾: شرطٌ جوابُه محذوفٌ للدلالةِ عليه أي: فَمَنْ يَرْزُقُكم غيرُه؟ وقدَّر الزمخشريُّ(٢) شرطاً بعد قوله: ((أمَّن هذا الذي هو جندٌ لكم، تقديرُه: إِنْ أَرْسَلَ عليكم عذابَه. ولا حاجةً له صناعةً. . آ. (٢٢) قوله: ﴿مُكِبَّاً﴾: حالِ مِنْ فاعلِ ((يَمْشي)). و((أَكَبَّ)) مطاوعُ كَبَّه يقال: كَبَيْتُه فَأَكَبَّ. قال الزمخشري(٣): ((هو من الغرائبِ: والشواذ ونحوُه: قَشَعَتِ الريحُ السَّحابَ فَأَقْشَع، ولا شيءَ من بناءِ أَفْعَلَ مطاوعاً، ولا يُتْقِنُ نحوَ هذا إلَّ حَمَلَةُ كتابٍ سيبويهِ، وإنما أُكَبَّ، مِنْ بابٍ أَنْفَضَ وأَلام، ومعناه: دَخَلَ في الكَبِّ وصار ذا كبِّ، وكذلك أُقْشَعَ السخابُ: دَخَلَ في القَشْعِ، ومطاوعُ كَبَّ وقَشَع انكبَّ وانْقَشَعَ)) .. قال الشيخ)»(٤): ((ومُكِبَّ)) حالٌ مِنْ ((أكبَّ)) وهو لا يتعذَّى، وكَبَّ متعدٍ قال تعالى: ((فَكُبَّتْ وجوهُهم في النار))(٥) والهمزةُ للدخولِ في الشيءِ (١) البحر ٣٠٣/٨. (٢) الكشاف ١٣٩/٤. (٣) الكشاف ٤/ ١٣٩. (٤) البحر ٣٠٣/٨. (٥) الآية ٩٠ من النمل. ٣٩٢ _ الملك _ أو الصيرورةِ ومطاوعُ كَبَّ: انْكَبَّ. تقول: كَبَبْتُه فانكَبَّ. قال الزمخشري: ((ولا شيءَ مِنْ بناءِ أَفْعَل)) إلى قوله: كتاب سيبويه)) انتهى، وهذا الرجلُ كثيرُ التبُّح بكتاب سيبويهِ، وكم مِنْ نَصِّ في كتابٍ سيبويه عَمِي بَصَرُه وبصيرتُه عنه، حتى إن الإِمامَ أبا الحجاج يوسفَ بن معزوزٍ (١) صَنَّف كتاباً، يذكر فيه ما غَلِطَ الزمخشريُّ فيه وما جَهِله من كتاب سيبويه)). انتهى ما قاله الشيخُ. وانظر إلى هذا الرجلِ: كيف أَخَذَ كلامَه الذي أَسْلَفْتُه عنه، طَرَّزَ به عبارتَه حرفاً بحرف، ثم أخذ يُنْحي عليه بإساءةِ الأدب، جزاءَ ما لَقَّنه تِلك الكلماتِ الرائعةَ وجعله يقول: إن مطاوعَ كَبَّ انْكَبَّ لا أكَبَّ وإن الهمزةَ في أكَبَّ للصيرورةِ، أو للدخولِ في الشيء، وبالله لو بَقِي دهرَه غيرَ مُلَقَّنٍ إياها لما قالها أبداً، ثم أخذ يذكُر عن إنسانٍ مع أبي القاسم كالسُّها (٢) مع القمر أنَّه غَلَّطه في نصوصٍ كتابٍ سيبويه، اللَّهُ أعلمُ بصحتِها. [قال الشاعر :](٣) ٤٢٨٩- وكم مِنْ عائبٍ قولاً صحيحاً وآَفَتُهُ من الفَهْمِ السَّقيمِ وعلى تقديرِ التسليم فالفاضلُ مَنْ عُدَّتْ سَقَطاتُه. (١) يوسف بن معزوز القيسي، متقدم في علم العربية، أخذ عن ابن ملكون والسهيلي، له: شرح الإيضاح، والرد على الزمخشري في مفصله. قال السيوطي: ((وتآليفه مفيدة حسنة وإن كان في أغراضه حدة)» توفي سنة ٦٢٥. انظر: البغية ٣٦٢/٢. (٢) الشُّها: كوكب صغير خفي الضوء. (٣) تقدم برقم ٣٩١٢. ٣٩٣ - الملك - وقوله: ((أمَّن يَمْشي)) هو المعادِلُ لـ ((أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا)). وقالٍ أبو البقاء(١): ((و((أَهْدَى)) خبرُ ((مَنْ يمشي))، وخبرُ ((مَنْ)) الثانيةِ محذوفٌ). يعني: أنَّ الأصلَ: أَمَّنْ يمشي سويّاً أَهْدى، ولا حاجة إلى ذلك، لأنَّ قولَه: ((أزيدٌ قائمٌ أم عمروٌ)) لا يُحتاج فيه من حيث الصناعةُ إلى حَذْفٍ الخبرِ، بل تقولُ: هو معطوفٌ على ((زيد)) عَطْفَ المفرداتِ، ووحَّد الخبرَ: لأنَّ ((أم)) لأحدٍ الشيئين .. آ. (٢٣) قوله: ﴿قليلاً﴾: نعتُ مصدرٍ محذوفٍ أو حالٌ من ضميرِ المصدرِ كما هو رَأْيُ سيبويه(٢) و((ما)) مزيدةٌ أي: تَشْكرون قليلاً. والجملةُ من («تَشْكُرُون)»: إمَّا مستأنفةٌ، وهو الظاهرُ، وإمَّا حَالٌ مقدرةٌ. [٨٦٣/أ] لأنهم حالَ الجَعْلِ غيرُ شاكرين. والمرادُ بالقِلَّة / العَدَمُ أو حقيقتُها. آ. (٢٧) قوله: ﴿رَأَوْه﴾: أي: الموعودَ أو العذابَ زُلْفَةً أي: قريباً، فهو حالٌ ولا بُدَّ مِن حَذْفِ مضافٍ أي: ذا زُلْفَةٍ، أو جُعِل نفسَ الزُّلْفَةِ مبالغةً. وقيل: ((زُلْفَةً)) تقديرُه: مكاناً ذا زُلْفَةٍ فينتصِبُ انتصابَ المصدر . قوله: ((سِيْئَتْ)) الأصلُ: ساء أي: أحزنَ وجوهَهم العذابُ ورؤيتُه، ثم بُنِي للمفعول. و((ساء)) هنا ليسَتْ المرادِفَةَ لـ ((بِنْسَ)) كما عُرَفْتَه فيما تقدَّم غيرَ مرةٍ (٣). وأَشَمَّ كسرةَ السينِ الضَّ نافعٌ(٤) وابنُ عامٍ والكسائِيُّ، (١) الإملاء ٢/ ٢٦٦. (٢). انظر: الكتاب ١١٦/١. (٣) انظر: الدر المصون ٦٧٩/٣. (٤) الإتحاف ٥٥١/٢، والنشر ٢٠٨/٢، والقرطبي ٢٢٠/١٨، والبحر ٣٠٣/٨، والتيسير ١٢٥ . ٣٩٤ - الملك - كما فعلوا ذلك في ((سِيْءٍ بهم))(١) في هود، وقد تقدَّم، والباقون بإخلاصٍ الكسرِ، وقد تقدَّم في أولِ البقرةِ تحقيقُ هذا وتصريفُه، وأنَّ فيه لغاتٍ، عند قوله: ((وإذا قِيل لهم))(٢) . قوله: (تَدَّعُوْن)) العامَّةُ على تشديدِ الدالِ مفتوحةً. فقيل: من الدَّعْوى أي: تَذَّعُون أنه لا جنةَ ولا نارَ، قاله الحسن. وقيل: من الدعاءِ أي: تَطْلبونه وتستعجلونه. وقرأ(٣) الحسن وقتادة وأبو رجاء والضحاك ويعقوبُ وأبو زيدٍ وابنُ أبي عبلةَ ونافعٌ في روايةِ الأصمعيِّ بسكونٍ الدالِ، وهي مؤيِّدَةٌ للقولِ: إنَّها من الدعاء في قراءةِ العامّة. آ. (٢٩) قوله: ﴿آَمَنَّا به وعليه توَّلْنا﴾: تقدَّم: لِمَ أُخْر متعلَّقُ الإِيمانِ، وقُدِّمَ مُتَعَلَّقُ التوكلِ؟ وأنَّ التقديمَ يُفيدُ الاختصاصَ. وقرأ(٤) الكسائيُّ ((فسيَعْلمون)) بياءِ الغَيْبة نظراً إلى قَولِه: ((الكافرين)). والباقون بالخطاب: إِمَّا على الوعيدِ، وإمَّا على الالتفاتِ من الغَيْبة المرادة في قراءة الكسائِّ. آ. (٣٠) قوله: ﴿غَوْراً﴾: خبرُ ((أصبح)) وجَوَّز أبو البقاء(٥) أَنْ (١) الآية ٧٧ من هود. وانظر: النشر ٢٠٨/٢. (٢) الآية ١١ من البقرة. وانظر: الدر المصون ١٣٤/١. (٣) المحتسب ٣٢٥/٢، والإتحاف ٥٥٢/٢، والنشر ٣٨٩/٢، والقرطبي ٢٢١/١٨، والبحر ٣٠٤/٨. (٤) السبعة ٦٤٤، والحجة ٧١٦، والنشر ٣٨٩/٢، والتيسير ٢١٢، والبحر ٣٠٤/٨، والقرطبي ٢٢١/١٨. (٥) الإملاء ٢٦٦/٢. ٣٩٥ - الملك - يكونَ حالاً على تمام ((أصبح))، ولكنه استبعدَه، وحكى أنه قُرِىء ((غُؤْوْراً)) بضم الغينِ وهمزةٍ مضمومةٍ، ثم واوٍ ساكنةٍ على فُعُول، وجَعَلَ الهمزةَ منقلبةً عن واوٍ مضمومةٍ. [تمَّت بعونه تعالى سورة الملك] ٣٩٦ سورة ن بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿ن﴾: كقوله: ((ص والقرآن)»(١) وجوابُ القسم الجملةُ المنفيةُ بعدَها. وزعم قومٌ أنه اسمٌ لحُوتٍ وأنه واحد النِّينان. وقومٌ أنه اسمُ الدَّواةِ، وقومٌ أنه اسمٌ لوحٍ مكتوبٍ فيه. قال الزمخشري(٢): ((وأمَّا قولُهم هو الذَّواةُ فما أدري: أهو وَضْعٌ لغويٍّ أم(٣) شرعيٍّ، ولا يَخْلو إذا كان اسماً للدّواةِ مِنْ أنْ يكونَ جنساً أو عَلَماً، فإن كان جنساً فأين الإِعرابُ والتنوينُ؟ وإن كان عَلَماً فأين الإِعراب؟ وأيهما كان فلا بُدَّ له مِنْ مَوْقِع في تأليفِ الكلامِ؛ لأنَّك إذا جَعَلْتَه مُقْسَماً به وَجَبَ إنْ كان جنساً أَنْ تَّجُرَّه وتُنَوَّنَه، ويكونُ القَسَم بدَواة مُنَكَّرةٍ مجهولةٍ، كأنه قيل: ودَواةٍ والقلم، وإنْ كان عَلَمَاً أَنْ تَصْرِفَه وتَجرَّه، أو لا تصرِفه وتفتحَه العلميَّةِ والتأنيثِ، وكذلك التفسيرُ بالحوتِ: إمَّا أَنْ يُرادَ به نونٌ من النينانِ، أو يُجْعَلَ عَلَماً للبَهَموتِ الذي يَزْعُمون، والتفسيرُ باللَّوْحِ مِنْ نورٍ أو ذَهَبٍ والنهرِ في الجنةِ نحوُ ذلكَ)). وهذا الذي أَوْرَده أبو القاسم مِنْ محاسِنِ علمِ الإِعرابِ، وقَلَّ مَنْ يُتْقِنُه. (١) الآية ١ من سورة ص . (٢) الكشاف ٤ / ١٤٠ - ١٤١. (٣) الأصل ((أو )) والتصحيح من الكشاف. ٣٩٧ - ن - وقرأ العامَّةُ: ((ن)) ساكنَ النونِ كنظائرِه. وأدغم(١) ابنُ عامر والكسائيُّ وأبو بكرٍ عن عاصمٍ بلا خلافٍ، وورش بخلافٍ عنه النونَ في الواو، وأظهرها الباقون، ونُقِلُ عَمَّنْ أدغمَ الغُنَّةُ وعَدَمُها. وقرأ ابن عباس والحسن وأبو السَّمَّال وابنُ أبي إسحاق بكسرِ النونِ وسعيد بن جبير: وعيسى بخلافٍ عنه بفتحِها، فالأُولى على التقاءِ الساكنين. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ مجروراً على القَسَم، حَذَفَ حرفَ الجرِّ وبقي عملُه كقولهم: ((اللَّهِ لأفعلَنَّ)) لوجهَيْن، أحدهما: أنَّه مختصُ بالجلالةِ المعظّمة، نادرٌ فيما عداها. والثاني: أنه كان ينبغي أَنْ يُتَوِّنَ. ولا يَحْسُنُ أَنْ يُقال: هو ممنوعُ الصَّرْفِ اعتباراً بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي أَنْ لا يَظْهَرَ فِيه الجزّ بالكسرة البتّةَ. وأمَّا الفتحُ(٢) فيحتمل ثلاثةَ أوجهٍ، أحدها: أَنْ يكونَ بناءً، وأُؤْثِر على الأصلِ للخفَّةِ كأينَ وكيفَ. الثاني: أَنْ يكونَ مجروراً بحرفِ القسم [٨٦٣/ ب] المقدَّرِ / على لغةٍ ضعيفة. وقد تقدَّم ذلك في قراءةِ «فالحقِّ والحقِّ(٣)) بجرٌ ((الحقِّ))، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ، اعتبارٌ(٤) بالسورة، والثالث: أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ محذوفٍ، أي: اقرؤوا نونَ، ثم ابتدأ قَسَماً بقوله ((والقلم»، أو يكونَ منصوباً بعد حَذْفِ حرفِ القسم كقولِه(٥) : (١) انظر في قراءاتها: النشر ١٨/٢، والبحر ٣٠٧/٨، والقرطبى ٢٢٣/١٨، والتيسير ١٨٣. (٢) أي فتح ((ن )) فيقرأ: نونً. (٣) الآية ٨٤ من ص وهي قراءة الحسن وعيسى انظر: البحر ٧/ ٤١١. (٤) أي: وهذا، أو وهو. (٥) تقدم برقم ٩٣. ٣٩٨ - ن - ٤٢٩٠- فذاكَ أمانةَ اللَّهِ الثُّرِيدُ ومُنِعَ الصَّرْفَ لِما تقدَّم، وهذا أحسنُ لعَطْفِ ((والقلم)) على مَحَلِّه. قوله: ((وما يَسْطُرون)) ((ما)» موصولةٌ اسميةٌ أو حرفية، أي: والذي يَسْطُرونه مِنَ الكُتُب، وهم: الكُتَّابُ أو الحَفَظُّة من الملائكة وسَطْرِهم. والضميرُ عائدٌ على مَنْ يُسَطِّرُ لدلالةِ السياقِ عليه. ولذِكْرِ الآلِ المُكْتَتَبِ بها. وقال الزمخشري(١): ((يجوزُ أَنْ يُرادَ بالقلم أصحابُه، فيكون الضميرُ في (يَسْطُرون) لهم)) يعني فيصيرُ كقولِه: ((أو كَظُلُماتٍ في بَخْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاه(٢))) تقديرُه: أو كذي ظُلُماتٍ، فالضميرُ في «يَغْشاه)) يعود على «ذي)) المحذوف. آ. (٢) قوله: ﴿بنعمةٍ ربِّك﴾: قد تقدَّم نظيرُ هذا في الطور في قولِه «فذكِّرْ فما أنتَ بنعمةِ ربِّك بكاهِنٍ(٣) )) وتقدَّم تحقيقُه. إلاَّ أن الزمخشريَّ(٤) قال هنا: ((فإن قلتَ: بِمَ تتعلَّقُ الباءُ في ((بنعمة ربك)) وما محلُّه؟ قلت: تتعلَّق بمجنون منفياً، كما تتعلَّقُ بعاقل مثبتاً كقولك: ((أنت بنعمةِ اللَّهِ عاقلٌ))، مستوياً في ذلك الإِثباتُ والنفيُ استواءَهما في قولِك: ((ضَرَبَ زِيدٌ عَمْراً) و ((ما ضَرَبَ زيدٌ عمراً)) تُعْمِلُ الفعلَ منفياً ومثبتاً إعمالاً واحداً. ومحلُّه النصبُ على الحالِ، كأنه قال: ما أنت مجنونٌ مُنْعِماً عليكَ بذلك، ولم تَمْنَع الباءُ أَنْ يعملَ («مجنون)» فيما قبلَه لأنها زائدةٌ لتأكيدِ النفي». (١) الكشاف ٤ /١٤١. (٢) الآية ٤٠ من النور . (٣) الآية ٢٩ من الطور. (٤) الكشاف ٤/ ١٤١ . ٣٩٩ - ن - قال الشيخ(١): ((وما ذهب إليه الزمخشريُّ مِنْ أنَّ الباءَ تتعلَّقُ بمجنون، وأنه في موضعِ الحالِ يحتاج إلى تأمُّلٍ، وذلك أنَّه إذا تَسَلَّطَ النفي على محكوم به، وذلك له معمولٌ، ففي ذلك طريقان، أحدهما: أنَّ النفيَ تَسَلَّطَ علَى ذلك المعمولِ فقط، والآخر: أَنْ يُسَلَّط النفيُ على المحكوم به، فينتفيَّ مَعمُولُهُ لانتفائه. بيان ذلك: تقولُ: ((ما زيدٌ قائمٌ مُسْرعاً)) فالمتبادَرُ إلى الذهن أنَّه مُنْتٍَ إسراعُه دونَ قيامِه فيكونُ قد قامَ غيرَ مُسْرِعٍ. والوجهُ الآخَرُ: أَنَّه انتفَىُ قيامُه فانتفى إسراعُه، أي: لا قيامَ فلا إسراعَ. وهذا الذي قَرَّرْناه لا يتأتَىُ معه قولُ الزمخشريِّ بوجهٍ، بل يؤديٍّ إلى ما لا يجوزُ النطقُ به في حَقِّ المعصوم)) انتهى. واختار الشيخ(٢) أنْ يكونَ ((بنعمة) قَسَماً مُعْتَرِضاً به بين المحكوم عليه والحُكم على سبيلِ التأكيدِ والتشديدِ والمبالغةِ في انتفاءِ الوصفِ الذَّيم. وقال ابن عطية(٣): ((بنعمةِ رِبِّك)) اعتراضٌ كما تقول للإنسان: ((أنت بحمد اللَّهِ فاضلٌ)) قال(٤): ((ولم يُبَيِّنْ ما تتعلَّقُ به الباءُ في ((بنعمة)). قلت: والذي تتعلَّق به الباءُ في هذا النحو معنى مضمونِ الجملةِ نفياً وإثباتاً، كأنه قيل: انْتفى عنك ذلك بحمد اللَّهِ، والباءُ سببيةٌ، وَثَبَتَ لك الفَضْلُ بحمدِ اللَّهِ تعالى، وأمَّا المثالُ الذي ذكرَه فالباءُ تتعلَّق فيه بلَفْظِ ((فاضل)). وقد نحا صاحب ((المنتخب)) إلى هذا فقال: ((المعنى: انتفى عنك الجنونُ بنعمةِ ربك. وقيل: معناه: ما أنت بمجنونٍ، والنعمةِ لربِّك، (١) البحر ٣٠٨/٨. (٢) البحر ٣٠٧/٨. (٣) المحرر ٧٤/١٦. (٤) ((قال)» هنا مقحمة. ٤٠٠