النص المفهرس
صفحات 341-360
- المنافقين - ألفاً كما قَلَبها في قوله: ((السحرُ)) (آللهُ أَذِنَ لكم) لأنَّ هذه الهمزةَ للوَصْلَ، فهي تَسْقُط في الدَّرْجِ. وأيضاً فهي مكسورةٌ فلا يَلْتبسُ معها الاستفهامُ بالخبر: بخلاف «السحر)) و((الله)). وقال آخرون: هي عِوَضٌ من همزةٍ الوصلِ. كما في (الذَّكَرَيْن))(١) وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ هذه مكسورةٌ فكيف تُبْدَلُ ألفاً؟ وأيضاً فإنما قَلَبْناها هناك ألفاً ولم نحذِفْها، وإن كان حَذْفُها مُسْتحقاً، لئلا يلتبسَ الاستفهامُ بالخبر، وهنا لا لَبْسَ. وقال ابن عطية(٢): ((قرأ أبو جعفر - يعني يزيد بن القعقاع - (استغفرْتَ)) بمَذَّة على الهمزةِ. وهي ألفُ التسوية. وقرأ أيضاً بوَصْلٍ الألف دون همز على الخبر، وفي هذا كلِّ ضَعْفٌ؛ لأنه في الأولى أثبت هَمزةَ الوصلِ، وقد أغنتْ عنها همزةُ الاستفهام، وفي الثانية حَذَفَ همزةً الاستفهام، وهو يُريدها، وهذا ممَّا لا يُستعملُ إلَّ في الشعرِ)). قلت: أمَّا قراءتُه (استغفرْتَ)) بوَصْلِ الهمزة فرُوِيَتْ أيضاً عن أبي عمروٍ، إلاّ أنه هو يضُمُ ميم ((عليهم)) عند وَصْلِه الهمزةَ؛ لأن أصلَها الضمُّ، وأبو عمروٍ يكسِرُها على أصلِ التقاء الساكنين. وأمَّا قولُه: ((وهذا ممَّا لا يُستعمل إلاَّ في شعرٍ)) فإنْ أراد بهذا مَدَّ هذه الهمزةِ في هذا المكانِ فصحيحٌ، بل لا نجده أيضاً، وإنْ أرادَ حَذَفَ همزةَ الاستفهامِ فليس بصحيح لأنَّه يجوزُ حَذْفُها إجماعاً قبل ((أم)) نثراً ونَظْماً، وأمَّا دونَ (أم)) ففيه خلافٌ، والأخفشُ (٣) يُجَوِّزُهُ ويجعلُ منه ((وتلك نعمةٌ))(٤) وقوله(٥): (١) الآية ١٤٣ من الأنعام. (٢) المحرر ٢١/١٦. (٣) انظر: معاني القرآن ٤٢٦/٢. (٤) الآية ٢٢ من الشعراء. (٥) تقدم برقم ٣٣٩. والأصل ((كقول الآخر)) وليست مناسبة. ٣٤١ - المنافقين - ٤٢٦٤- طَرِبْتُ ومَا شَوْقاً إلى البيضِ أَطْرَبُ ولا لَعِباً مني وذو الشَّيْبِ يَلْعَبُ .... وقول الآخر (١): ٤٢٦٥- أَفْرَحُ أَنْ أُزْزَأَ الكرامَ وأَنْ أُوْرَثَ ذَوْداً شصائِصاً نَبْلَا وأمَّا قبل ((أم)) فكثير كقوله (٢): ٤٢٦٦- لَعَمْرُكَ ما أَدْري وإنْ كنتُ داريا بِسَبْعِ رَمَيْنَ الجَمْرَ أم بثمانِ وقد مَرَّتْ هذه المسألةُ مستوفاةً (٣) ولله الحمدُ. آ. (٧) قوله: ﴿يَنْفَضُّوا﴾: قرأ العامَّةُ من الانْقِضاض وهو التفرّقُ. وقرأ(٤) الفضل بن عيسى الرقاشي ((يُنْفِضُوا)) مِنْ أَنْفَضَ القومُ: فَنِيَ زادُهم. ويقال: نَفَضَ الرجلُ وعاءَه من الزاد، فَأَنْفَضَ، فيتعدَّى دونَ الهمزةٍ ولا يتعذَّى معها، فهو من بابٍ: كَبَيْتُهُ فَأَكَبَّ. قال الزمخشري(٥) . ((وحقيقتُهُ: حانَ لهم أَنْ يَنْفُضُوا مَزاوِدَهُم)). آ. (٨) قوله: ﴿ليُخْرِجَنَّ الأعزّ﴾: قراءةُ العامَّةُ بضْمِّ الْيَاءِ وكسرِ الراءِ، مُسْنداً إلى ((الأعزّ))، و((الأذلَّ)) مفعولٌ به، والأعزُّ بعض (١) تقدم برقم ٣٤٠. (٢) تقدم برقم ٣٤١. (٣) انظر: الدر المصون ٢٥٨/١. (٤) البحر ٨/ ٢٧٤، والشواذ ١٥٧. (٥) الكشاف ١١١/٤. ٣٤٢ - المنافقين - المنافقين على زعمه. وقرأ(١) الحسن وابن أبي عبلة والمسيبيُّ (لَنُخْرِجَنَّ)) بنون العظمة وبنصبِ ((الأعَزَّ) على المفعول به ونصبِ الأذلّ على الحالِ، وبه استشهد مَنْ جَوَّز تعريفَها. والجمهورُ جَعلوا أل مزيدةً على حَدِّ (٢): ٤٢٦٧- فَأَرْسَلَها العِراكَ وادخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ. وجَوَّز أبو البقاء(٣) أَنْ يكونَ منصوباً على المفعول به، وناصبُه حالٌ محذوفةٌ، أي: مُشْبِهاً الأذلَّ. وقد خَرَّجَه الزمخشريُّ(٤) على حَذْفِ مضافٍ، أي: خروجَ الأذلِّ، أو إخراجَ الأذَلِّ، يعني بحسَبِ القراءتَيْن: مِنْ خَرَجَ وأَخْرَجَ. فعلى هذا ينتصبُ على المصدرِ لا على الحالِ. ونَقَلَ الدائيُّ عن الحسن أيضاً / ((لنَخْرُجَنَّ)) بفتح [١/٨٥٦] نونِ العظمة وضمُّ الراء ونصبٍ ((الأعزَّ)) على الاختصاصِ كقولهم: ((نحن العربَ أَقْرى الناس للضيفِ))، و ((الأذلَّ)) نصبٌ على الحالِ أيضاً، قاله الشيخ(٥)، وفيه نظرٌ كيف يُخْبرون عن أنفسِهم بأنهم يَخْرُجون في حالٍ الذُّلِّ مع قولهم الأعزّ، أي: أخصُّ الأعزَّ، ويَعْنُون بالأعزِّ أنفسَهم؟ وقد حكى هذه القراءةَ أيضاً أبو حاتمٍ، وحكى الكسائي والفراء(٦) أنَّ قوماً قرؤوا («ليَخْرُجَنَّ)) بفتح الياء وضم الراء ورفع «الأعزّ» فاعلاً ونصب الأول (١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢/ ٥٤٠، والبحر ٢٧٤/٨، والمحرر ٢٢/١٦. (٢) تقدم برقم ٣١١٥. (٣) الإملاء ٢٦٢/٢. (٤) الكشاف ٤/ ١١١. (٥) البحر ٢٧٤/٨. (٦) لم ترد في كتابه ((معاني القرآن)). ٣٤٣ - المنافقين - حالاً وهي واضحةٌ. وقُرِىء (١) لِيُخْرَجَنَّ بالياء مبنياً للمفعول ((الأعزُّ) قائماً مَقام الفاعل، ((الأذلَّ)) حالٌ أيضاً. آ. (١٠) قوله: ﴿وأكُنْ﴾: قرأ (٢) أبو عمروٍ ((وأكونَ)) بنصب الفعل عطفاً على ((فأصَّدَّقَ)) و((فأصَّدَّقَ)) منصوبٌ على جوابِ التمني في قوله: ((لولا أَخَّرْتني)) والباقون ((وأكُنْ)) مجزوماً، وحُذِفَتِ الواوُ لالتقاء الساكنين. واختلفت عبارات الناس في ذلك، فقال الزمخشري(٣): ((عطفاً على محلِّ ((فأصَّدَّقَ)) كأنه قيلَ: إنْ أَخَّرْتَني أصَّدَّقْ وأكنْ)). وقال ابنُ عطية (٤): ((عطفاً على الموضع؛ لأنَّ التقديرَ: إنْ أُخَّرْتني أصَّدَّقْ وأكن، هذا مذهب أبي علي الفارسي(٥): فأمَّا ما حكاه سيبويه(٦) عن الخليلِ فهو غيرُ هذا وهو أنه جزمٌ على توقُّم الشرطِ الذي يَدُلُّ عليه التمني، ولا موضعَ هنا لأن الشرطَ ليسَ بظاهرٍ، وإنما يُعْطَفُ على الموضع حيث يَظْهَرُ الشرطُ كقولِه: ((مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فلا هاديَ له ويَذَرْهم))(٧) فمَنْ جَزَمَ عَطَفه على موضع (فلا هاديَ له)) لأنه لو وقع موقعَه فِعْلٌ لانجزم)) انتهى. وهذا الذي نَقَله عن سيبويهِ هو المشهورُ عند النَّحويين. ونَظَّر سيبويه ذلك بقول زهير (٨): (١) حكاها الفراء في المعاني ٣/ ١٦٠. (٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٣٧، والنشر ٣٨٨/٢، والبحر ٢٧٥/٨، والتيسير ٢١١، والقرطبي ١٣١/١٨، والحجة ٧١٠. (٣) الكشاف ١٠١١٢/٤ (٤) المحرر ٢٣/١٦. (٥) الحجة (خ) ٣٨٦/٤، وتقديره فيه: ((إن تؤخرني أصدق)). (٦) الكتاب ٤٥٢/١. (٧) الآية ١٨٦ من الأعراف وانظر: الدر المصون ٥٢٧/٥. (٨) تقدم برقم ١٧٠٩ . ٣٤٤ - المنافقین - ٤٢٦٨- بَداليَ أني ◌َسْتُ مُذْرِكَ مَا مَضَىْ ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائيا فخفضَ ((ولا سابقٍ)» عطفاً على («مُدْرِكَ)) الذي هو خبر ليس على توقُّم زيادةٍ الباء فيه؛ لأنه قد كَثُرَ جَزُّ خبرِها بالباء المزيدة، وهو عكسُ الآيةِ الكريمةِ؛ لأنه في الآية جُزِمَ على توهُّم سقوط الفاء، وهنا خُفِضَ على تَوَهُمِ وجودِ الباءِ، ولكنَّ الجامعَ توهُّمُ ما يَقْتضي جوازَ ذلك، ولكني لا أُحِبُّ هَذا اللفظَ مستعملاً في القرآن، فلا يُقال: جُزم على التوقُّم، لقُبْحه لفظاً. وقال أبو عبيد: ((رأيتُهُ في مصحف عثمان ((وأكُنْ)) بغير واوٍ. وقد فَرَّق الشيخ (١) بين العطفِ على الموضعِ والعطفِ على التوقُّمِ بشيءٍ فقال: ((الفرقُ بينهما: أنَّ العاملَ في العطف على الموضع موجودٌ، وأثرُه (٢) مفقودٌ، والعاملُ في العطفِ على التوهُّمِ مفقودٌ، وأثرُه موجودٌ» انتهى. قلت: مثالُ الأول: «هذا ضاربُ زيدٍ وعمراً)) فهذا من العطفِ على الموضع، فالعاملُ وهو ((ضارب)) موجودٌ، وأثرُه وهو النصبُ مفقودٌ. ومثالُ الثاني ما نحن فيه؛ فإنَّ العاملَ للجزم مفقودٌ، وأثُره موجودٌ. وأَصْرَعُ منه بيتُ زهير فإنَّ الباءَ مفقودةٌ وأثرهاَ موجودٌ، ولكن أثرَها إنما ظهر في المعطوفِ لا في المعطوفِ عليه، وكذلك في الآية الكريمة. ومن ذلك بيتُ امرىء القيس(٣): ٤٢٦٩- فظلَّ ◌ُهاةُ اللحم مِنْ بينِ مُنْضِجٍ صَفيفِ شِواءٍ أو قَديرٍ مُعَجَّلٍ (١) البحر ٨/ ٢٧٥. (٢) البحر: ((ومؤثره)). (٣) تقدم برقم ١٣٥٥ . ٣٤٥ - المنافقين - فإنهم جعلوه مِن العطفِ على التوقُّم؛ وذلك: أنه توهّم أنه أضاف ((منضج)) إلى ((صَفيف))، وهو لو أضافَه إليه لَجَرَّهُ فعطفَ ((قدير)) على [٨٥٦/ ب] ((صفيف)) بالجرِّ تَوَهماً لجرِّه بالإِضافة. / وقرأ عبيد بن عمير («وأكونُ» برفع الفعل على الاستئناف، أي: وأنا أكونُ، وهذا عِدَةٌ منه بالصَّلاحِ. آ. (١١) وقرأ أبو بكر (١) ((بما يعملون)) بالغَيْبة، والباقون بالخطاب، وهما واضحتان. وقرأ (٢) أُبَي وعبد الله وابن جبير ((فَأَتَصَدَّقَ)) وهي أصلُ قراءةِ العامةِ ولكنْ أُدْغِمَتْ التاءُ في الصادِ. [ثَمَّت بعونه تعالى سورة المنافقين] (١) القرطبي ١٣١/١٨، والحجة ٧١١، والسبعة ٦٣٧، والنشر ٣٨٨/٢، والبحر ٢٧٥/٨، والتيسير ٢١١. (٢) البحر ٢٧٥/٨. ٣٤٦ سورة التغابن بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿له المُلْكُ﴾: مبتدأ وخبرٌ. وقدَّمَ الخبر ليفِيد اختصاصَ المُلْكِ والحمدِ بالله، إذ المُلْكُ والحمدُ لله حقيقةٌ. آ. (٣) قوله: ﴿صُوَرَكم﴾: قرأه العامَّةُ بضم الصادِ، وهو القياسُ في فُعْلَة. وقرأ(١) زيدُ بن علي والأعمش وأبو زيد بكسرِها، وليس بقياس، وهو عكسُ ((لُحَى)) بالضمِّ، والقياسُ لِحى (٢) بالكسر. آ. (٤) قوله: ﴿ما تُسِرُون وما تُعْلِنون﴾: العامَّةُ على الخطابٍ في الحرفَيْنِ. ورُوِي (٣) عن أبي عمروٍ وعاصم بياء الغَيْبةِ، فتحتملُ الالتفاتَ وتحتملُ الإِخبارَ عن الغائبين. آ. (٦) قوله: ﴿بأنه﴾: الهاءُ للشأنِ والحديثِ، و ((كانَتْ تأتيهم رسلُهم)) خبرُها و((استغنى)) بمعنى المجرَّد. وقال الزمخشري(٤): (ظَهَرَ غِناه فالسين ليسَتْ للطلبِ)). (١) البحر ٢٧٧/٨، والإتحاف ٥٤٢/٢. (٢) جمعُ اللحية: لِحى ولُحى. (٣) البحر ٢٧٧/٨ . (٤) الكشاف ٤/ ١١٤. ٣٤٧ - التغابن قوله: ((أبَشَرٌ يَهْدُوننَا)) يجوزُ أَنْ يرتفِعَ على الفاعلية، ويكونَ من الاشتغال، وهو الأرجحُ لأنَّ الأداةَ تطلبُ الفعلَ، وأن يكونَ مبتدأً وخبراً. وجُمِع الضميرُ في ((يَهْدوننا)) إذ البشرُ اسمُ جنسٍ. آ. (٧) قوله: ﴿أَنْ لن يُبْعَثُوا﴾: ((أنْ)) مخففةٌ، لا ناصبةٌ لِثْلا يَدْخُلَ ناصبٌ على مثلِه، و ((أنْ)) وما في حَيِّزها سادَّةٌ مَسَدّ المفعولَيْنِ للزعمِ أو المفعول .. و((بلى)) إيجابٌ للنفي، و((لَتُّبْعَثُنَّ)». جوابُ قسم مقدر . آ. (٩) قوله: ﴿يومَ يَجْمَعُكم﴾: منصوبٌ بقولِه: ((لَسُّبَوُنَّ)» عند النحاس(١) وبـ (خَبِيرٌ)) عند الحوفي، وبـ ((اذكُر)) مضمراً عند الزمخشري(٢)، فيكون مفعولاً به، وبما دَلَّ عليه الكلامُ، أي: تتفاوتون يومَ يجمعُكم، قاله أبو البقاء(٣). والعامَّةُ بفتح الياءِ وضمُّ العين. ورُوِي (٤) سكونُها وإشمامُها عن أبي عمروٍ (٥). وهذا منقولٌ عنه في الراء نحو ((يَنْصُرْكم)) (٦) وبابِه كما تقدَّم في البقرة(٧). وقرأ(٨) يعقوب وسلام وزيد بن علي والشعبي ((نجمعكم)) بنونِ العظمة. (١) إعراب القرآن ٤٤٦/٣. (٢) الكشاف ٤ / ٠١١٥ (٣) الإملاء ٢٦٣/٢. (٤) السبعة ٦٣٨، والبحر ٢٧٨/٨. (٥) رواية عبيد وعلي بن نصر عنه الإِسكان وإشمام الضم، ورواية عباس عنه بالإسكان. انظر: السبعة ٦٣٨. (٦) الآية ٢٠ من الملك وانظر: الإتحاف ٥٥١/٢ . (٧) انظر: الدر المصون ٣٦٣/١. (٨) الإتحاف ٥٤٢/٢، والنشر ٣٨٨/٢، والقرطبي ١٣٦/١٨، والبحر ٢٧٨/٨. ٣٤٨ - التغابن - والتَّغابُنُ: تفاعُلٌ من الغَبْن في البيع والشراءِ على الاستعارة وهو أَخْذُ الشيءِ بدون قيمتِه. وقيل: الغَبْنُ: الإِخفَاءُ ومنه: غَيْنُ البيع لاستخفائِه. والتفاعُل هنا من واحدٍ لا من اثنين ويقال: غَبَنْتُ الثوبَ وخَبَنْتُهُ، أي: أَخَذْتُ ما طالَ منه عن مقدارِك فهو نقصٌ وإخفاءٌ. وفي التفسير: هو أن يكتسبَ الرجلُ مالاً مِنْ غيرِ وجهه، فَرِثَه غيرُه فيعملَ فيه بطاعةِ اللهِ، فَيَدْخِلَ الأولُ النارَ والثاني الجنةَ بذلك المالِ، فذلك هو الغَبْنُ البيِّنُ. آ. (١١) قوله: ﴿يَهْدِ قلبَه﴾: بالياءِ مجزوماً جواباً للشرط قراءةُ العامَّة. وابن جبير(١) وابن هرمز وطلحة والأزرق بالنون والضحاك وأبو جعفر وأبو عبد الرحمن ((يُهْدَ)) مبنياً للمفعولِ ((قلبُه)) قائم مقامَ الفاعلِ. ومالك بن دينار وعمرو بن دينار ((يَهْدَأْ)) بهمزة ساكنة، ((قلبُه» فاعلٌ به بمعنى يطمئنُ ويَسْكُن. وعمرو بن فائد ((يَهْدا)» بألفٍ مبدلة من الهمزة كالتي قبلَها، ولم يَحْذِفْها نظراً إلى الأصل وهي أفصح اللغتين. وعكرمة ومالك بن دينار أيضاً يَهْدَ بحذفِ هذه الألفِ إجراءً لها مُجرى الألفِ الأصليةِ كقولٍ زهير (٢): ٤٢٧٠ - جَريءٌ متى يُظْلَمْ يُعاقِبْ بِظُلْمِه سريعاً وإنْ لا يُبْدَ بالظلمِ يُظْلَمِ وقد تقدَّم إعرابُ ما قبلَ هذه الآيةِ وما بعدها. (١) انظر في قراءاته: البحر ٢٧٩/٨، والقرطبي ١٣٩/١٨، والمحتسب ٣٢٣/٢، والشواذ ١٥٧ . (٢) تقدم برقم ٣٥٣. ٣٤٩ - التغابن - آ. (١٦) قوله: ﴿خيراً لأنفسِكم﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: - وهو قولُ سيبويه(١) - أنه مفعولٌ بفعل مقدرٍ، أي: وَأْتُوا خيراً كقوله: (انتَهوا خيراً لكم))(٢). الثاني: تقديرُه: يكنِ الإِنفاقُ خيراً، فهو خبرُ كان المضمرة، وهو قولُ أبي عبيد. الثالث: أنه نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، وهو قولُ الكسائيِّ والفراء(٣)، أي: إنفاقاً خيراً. الرابع: أنه حالٌ وهو قولُ الكوفيين. الخامس: أنه مفعولٌ بقوله: ((أَنْفِقوا))، أي: أَنْفقوا مالاً خيراً. وقد تقدَّم الخلافُ في قراءةِ ((يُضاعِفْه))(٤) و ((يُوْقَ شُخَّ نفسِه))(٥). [تمَّت بعونه تعالى سورة التغابن] (١) الكتاب ١٤٣/١. (٢) الآية ١٧١ من النساء. (٣) معاني القرآن ٢٩٥/١. (٤) انظر إعرابه للآية ١١ من الحديد. (٥) انظر إعرابه للآية ٩ من الحشر. ٣٥٠ سورة الطلاق بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿إذا طَلَّقْتُمْ﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه خطابٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ الجمع تعظيماً كقوله (١): ٤٢٧١- فإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سواكمُ وإن شِئْتٍ لم أَطْعَمْ نُقَاخاً ولا بَرْدا / الثاني: أنه خطابٌ له ولأمَّته والتقدير: يا أيها النبيُّ وأمَّتَه إذا [٨٥٧/أ] طلَّقْتُمْ فحذف المعطوفَ لدلالةِ ما بعده عليه، كقوله(٢) : ٤٢٧٢- إذا حَذَفَتْه رِجْلُها أي، ويَدُها، وتقدَّم هذا في سورة النحل عند (تَقيكمُ الحرّ)(٣). الثالث: أنه خطابٌ لأمَّتِهِ فقط بعد ندائِه عليه السلام، وهو مِنْ تلوينٍ الخطابِ خاطبَ أمتَه بعد أَنْ خاطبه. الرابع: أنَّه على إضمارٍ قول، أي: يا أيها النبيُّ قُلْ لأمتك: إذا طلَّقَتْم. الخامس: قال الزمخشري(٤): (١) تقدم برقم ١٠٢٤. (٢) تقدم برقم ٦٨٨ . (٣) الآية ٨١ من النحل. وانظر: الدر المصون ٢٧٦/٧. (٤) الكشاف ٤/ ١١٧ . ٣٥١ - الطلاق - (خصَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالنداء وعَمَّ بالخطابِ؛ لأنَّ النبيَّ إمامُ أَمَّتِه وقُدْوَتُهم، كما يُقال لرئيس القوم وكبيرِهم: يا فلانُ افعلوا كيتَ وكيتَ اعتباراً بتقدُّمِه وإظهاراً لترؤُسه)» في كلامٍ حسنٍ، وهذا هو معنى القولِ الثالثِ الذي قَدَّمْتُه. وقوله: ((إذا طَلَّقْتُمْ))، أي: إذا أَرَدْتُمْ كقولِه: ((إذا قُمْتُمْ إِلى الصلاةِ)(١) «فإذا قَرأْتَ القرآن (٢)» وتقدَّم تحقيقُ ذلك(٣) . قوله: (لِعِدَّتِهِنَّ)) قال الزمخشري(٤): ((مُسْتَقْبِلاتٍ لِعِذَّتهن، كقولك: (أتيتُهُ لِلَيْلَةِ بَقِيَتْ من المحرَّم))، أي: مُسْتقبلاً لها، وفي قراءةٍ (٥) رسولِ الله صلى الله عليه وسلم (في قُبُل ◌ِدَّتِهِنَّ)) انتهى. وناقشه الشيخ(٦) في تقديره الحالَ التي تَعَلَّق بها الجارُّ كوناً خاصاً. وقال: ((الجارُّ: إذا وقع حالاً إنما يتعلَّق بكونٍ مطلقٍ)) وفي مناقَشَتِهِ نظرٌ لأنَّ الزمخشري لم يَجْعَل الجازَّ حالاً بل جَعَلَه متعلِّقَاً بمحذوف دَلَّ عليه معنى الكلام. وقال أبو البقاء(٧): ((لِعِدَّتِهِنَّ، أي: عند أول ما يُعْتَدُّ لهنَّ به، وهُنَّ في قُبُل الطُّهْرِ)) وهذا منه تفسيرُ معنى لا تفسيرُ إعرابٍ. وقال الشيخ(٨): ((هو على (١) الآية ٦ من المائدة. (٢) الآية ٩٨ من النحل. (٣) انظر: الدر المصون ٢٠٧/٤. (٤) الكشاف ١١٧/٤. (٥) المحتسب ٣٢٣/٢، والكشاف ١١٨/٤، قال أبو حيان (٢٨١/٨): ((على سبيل التفسير». (٦) البحر ٢٨١/٨. (٧) الإملاء ٢٦٣/٢. (٨) البحر ٢٨١/٨. ٣٥٢ - الطلاق - حَذْفِ مضاف، أي: لاستقبالٍ عِدَّتِهِن، واللامُ للتوقيت نحو: لَقِيْتُهُ لِلَيْلَةِ بَقِيْتَ مِنْ شهرِ كذا)) انتهى. فعلى هذا تتعلَّقُ اللامُ بـ ((طَلِّقُوهن)). قولِه: ((لعلَّ اللَّهَ)) هذه الجملةُ مستأنفةٌ لا تعلُّقَ لها بما قبلَها؛ لأنَّ النحاةً لم يَعُدُّوها في المُعلِّقات. وقد جَعَلَها الشيخ(١). مِمَّا يَنْبغي أَنْ يُعَدَّ فيهنَّ، وقَرَّر ذلك في قوله: ((وإنْ أدْري لعلة فتنةٌ لكم))(٢) فهناك يُطْلَبُ تحریرُه. آ. (٢) وقرأ العامَّةُ: ﴿أَجَلَهُنَّ﴾: لأنَّ الأجلَ - من حيث هو - واحدٌ وإنْ اختلفَتْ أنواعُهُ بالنسبةِ إلى المعتدَّات. والضحاك(٣) وابن سيرين ((آجالَهُنَّ)) جمعَ تكسير، اعتباراً بأنَّ أَجَلَ هذه غيرُ أجلِ تَيْكَ . آ. (٣) قوله: ﴿بالغُ أَمْرِهِ﴾: قرأ(٤) حفص «بالغُ» مِنْ غير تنوين، ((أمرِه)) مضافٌ إليه على التخفيفِ. والباقون بالتنوينِ والنصبِ وهو الأصلُ خلافاً للشيخ. وقرأ ابن أبي عبلة وداود بن أبي هند وأبو عمروٍ في روايةٍ «بالغٌ أمرُه» بتنوين (بالغٌ)) ورفْع ((أَمْرُه)) وفيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ ((بالغٌ)» خبراً مقدماً، و «أمْرُه» مبتدأٌ مؤخرٌ. والجملة خبرُ ((إِنَّ». والثاني: أَنْ يكونَ ((بالغٌ)) خبرَ ((إنَّ)) و((أَمْرُه)) فاعلٌ به. وقرأ المفضَّلُ (بالغاً» بالنصب، ((أَمْرُه)) بالرفع. وفيه وجهان، أظهرهما: وهو تخريج (١) البحر ٣٤٥/٦. (٢) الآية ١١١ من الأنبياء. (٣) البحر ٢٨٢/٨. (٤) انظر في أوجه قراءاتها: القرطبي ١٦١/١٨، والسبعة ٦٣٩، والبحر ٢٨٣/٨، والتيسير ٢١١، والنشر ٣٨٨/٢، والحجة ٧١٢. ٣٥٣ - الطلاق- الزمخشريٌّ(١) أَنْ يكونَ «بالغاً)) نصباً على الحال، و((قد جعل اللَّهُ)). هو خبرُ ((إنَّ» تقديرُه: إن اللَّهَ قد جعل لكلِّ شيءٍ قَدْراً بالغاً أمْرُه. والثاني: أَنْ يكونَ على لغةٍ مَنْ ينْصِبُ الاسمَ والخبرَ بها، كقولِهِ (٢): ٤٢٧٣- إنَّ حُرَّاسَنا أُشْدا ويكون ((قد جَعَل)) مستأنفاً كما في القراءةِ الشهيرةِ. ومَنْ رفع ((أَمْرُه)) فمفعولُ ((بالغ)) محذوفٌ تقديره: ما شاء. وجناح(٣) بن حبيش ((قَدَرا)) بفتح الدال. -- آ. (٤) قوله: ﴿واللائي يَئِسْنَ﴾: قد تقدَّم الخلافُ فيه، وأبو عمروٍ (٤) يقرأ هنا((واللايْ يَئِسْنَ)) بالإِظهار، وقاعدتُه في مثلِه الإِدغامُ، إلاَّ أنَّ الياء لَمَّا كانَتْ عنده عارضةً لكونِها بدلاً مِنْ همزةٍ، فكأنه لم يجتمعْ مِثلان. وأيضاً فإنَّ سكونَها عارضٌ، فكأنَّ ياء («اللاي)) محرَّكةٌ، [٨٥٧/ ب] والحرف ما دام متحركاً لا يُدْغَمُ في غيرِهِ / وقرأ(٥) ((يَتِسْنَ)) فعلاً ماضياً، وقُرِىء (٦) ((بَيْتَسْنَ)) مضارعاً. و((مِنْ المحيض مِنْ نسائكم)) ((مِنْ)) الأولى لا بتداءِ الغاية، وهي متعلِّقةٌ بالفعل قبلَها، والثانيةُ للبيان، متعلِّقةٌ بمحذوف و ((اللائي)) مبتدأ، و ((فِعِدَّتُهُنَّ)» مبتدأ ثانٍ، ((وثلاثةُ أُشھر» خبرُه، (١) الكشاف ١٢١/٤ (٢) تقدم برقم ١٨٣٨. (٣) البحر ٢٨٣/٨. (٤) انظر في أوجه قراءاتها: الإتحاف ٥٤٥/٢، والتيسير ١٧٨، والنشر ٤٠٤/١ (٥) أي: الجماعة. (٦) البحر ٢٨٤/٨. ٣٥٤ - الطلاق - والجملةُ خبرُ الأولِ، والشرطُ معترضٌ، وجوابُه محذوف. ويجوزُ أَنْ يكونَ ((إِنِ ارْتَبْتُم)» جوابُه ((فَعِذَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ))، والجملةُ الشرطيةُ خبرُ المبتدأ، ومتعلَّقُ الارتيابِ محذوفٌ فقيل: تقديرُه: إنِ ارْتَبْتُمْ في أنها يَتِسَتْ أم لا لإِمكانِ ظهورٍ حَمْلٍ. وإن كان انقطعَ دَمُها. وقيل: إنِ ارتَبْتُمْ في دَمِ البالغاتِ مَبْلَغَ اليأسِ: أهو دَمُ حيضٍ أم استحاضةِ؟ وإذا كان هذا عِدَّةَ المرتابِ فيها فغيرُ المرتابِ فيها أَوْلَىْ. وأغربُ ما قيل: إنَّ ((إِنْ ارتَبْتُمْ)) بمعنى تَقَّنْتُم فهو من الأضداد. قوله: ((واللائي لم يَحِضْنَ)) مبتدأٌ، خبرُه محذوفٌ. فقدَّروه جملةً كالأول، أي: فعدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ أيضاً، والأَوْلَى أن يقدَّرَ مفرداً، أي: فكذلك، أو مِثْلهنَّ ولو قيل: بأنَّه معطوفٌ على ((اللائي يَئِسْنَ)) عَطْفَ المفرداتِ، وأخبر عن الجميع بقوله ((فِعِدَّتُهنَّ)) لكان وجهاً حسناً. وأكثرُ ما فيه توشُطُ الخبرِ بين المبتدأ وما عُطِف عليه، وهذا ظاهرُ قولِ الشيخ (١): ((واللائي لم يَحِضْنَ)) معطوفٌ على قولِه ((واللائي يَتِسْن)) فإعرابُهُ مبتدأ کإعراب ((واللائي)). قوله: ((وأُولات الأَحْمال)) مبتدأ و ((أَجَلُهُنَّ)) مبتدأ ثانٍ و ((أن يَضَعْن)) خبره والجملة خبر الأول، أي: وَضْع حَمْلهن. ويجوز أَنْ يكونَ ((أَجلُهنَّ» بدلَ اشتمال مِنْ أُولات و((أنْ يضعن)) خبرَ المبتدأ. والعامَّةُ على إفرادِ ((حَمْلهنَّ)) والضحاك(٢) «آجالُهُنَّ) جمع تكسير. آ. (٥) قوله: ﴿ويُعْظِمْ﴾: هذه قراءةُ العامَّةِ مضارعَ أَعْظَمَ، (١) البحر ٨/ ٢٨٤. (٢) البحر ٢٨٤/٨، والمحرر ٤١/١٦، والشواذ ١٥٨. ٣٥٥ - الطلاق - وابن مقسم(١) ((يُعَظِّمْ)) بالتشديد مضارعَ عَظَّم مشدداً. والأعمشِ «نُعْظِم)) مضارعَ أَعْظم، وهو التفاتٌ مِنْ غَيْيةٍ إلى تكلُّمٍ. آ. (٦) قوله: ﴿مِنْ حيثُ سَكَنْتُم﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ («منْ)) للتبعيض. قال الزمخشري(٢): ((مُبَعَّضُها محذوفٌ معناه: أَسْكنوهنَّ مكاناً مِنْ حيث سَكَنْتُمْ، أي: بعضَ مكانِ سُكْناكم، كقُولِه تعالى(٣): ((يَغُضُّوا مِنْ أبصارِهم))، أي: بعضَ أبصارِهم. قال قتادة: ((إن لم يكنْ إلَّ بيتٌ واحدٌ أسْكنها في بعضٍ جوانبه)). والثاني: أنها لابتداء الغاية قاله الحوفي وأبو البقاء(٤). قال أبو البقاء: ((والمعنى: تَسَبَُّوا إلى(٥) إسكانِهِنَّ من الوجه الذي تُسْكِنون أنفسكم. ودلّ عليه قولُه مِنْ وُجْدِكِم، والوُجْدُ: الغِنى)). قوله: ((مِنْ وُجْدِكَم)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه بدلٌ مِنْ قولِه ((مِنْ حيثُ)) بتكريرِ العاملِ، وإليه ذهب أبو البقاء(٦) كأنه قيل: أسْكنوهن مِنْ سَعَتكم. والثاني: أنه عطف بيان لقوله ((من حيث سكنتم))، وإليه ذهب الزمخشري (٧)، فإنه قال بعد أن أعربَ ((مِنْ حيث)) تبعيضيةً كما تقدُّم: ((فإن قلتَ: وقولُه ((مِنْ وُجْدِكم))؟ قلت: هو عطفُ بيانٍ لقولِه: ((مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ)) ومُفَسِّرٌ له كأنه قيل: أَسْكِنوهنَّ مكاناً مِنْ مَساكنكم مِمَّا تُطيقونه. (١) انظر في قراءاتها: البحر ٢٨٤/٨، والشواذ ١٥٨. (٢) الكشاف ٤/ ١٢١. (٣) الآية ٣٠ من النور. (٤) الإملاء ٢٦٣/٢. (٥) الإِملاء: ((في)). (٦) الإملاء ٢٦٣/٢ (٧) الكشاف ٤/ ١٢١. ٣٥٦ - الطلاق - والوُجْدُ الوُسْع والطاقَةُ)). وناقشه الشيخ(١): بأنَّه لم يُعْهَدْ في عطفِ البيان إعادةُ العاملِ، إنما عُهد هذا في البدلِ، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً . والعامَّةُ ((وُجْدِكم)) بضمِّ الواو، والحسن(٢) والأعرج وأبو حيوةً بفتحِها، والفياضُ بن غزوان وعمرو بن ميمون ويعقوب بكسرِها، وهي لغاتٌ بمعنىّ. والوَجْدُ بفتح الواو: الحُزْنُ أيضاً، والحُبُّ، والغَضَب. قوله: ((وَأَتَمِروا)) افْتَعِلُوا مِنْ الأَمْر يقال: ايتَمَرَ القومُ وتآمروا، أي: أمَر بعضُهم بعضاً. وقال الكسائيُّ: ائتمروا: تَشاوروا وتلا قولَه تعالى: ((إنَّ الملا يَأْتَمِرُون بك))(٣) وأنشد قولَ امرِىءٍ القيس(٤): ٤٢٧٤_ ويَعْدُوْ على المَرْءِ ما يأَتَمِزْ / قوله: ((فَسَتُرْضِعُ)) قيل: هو خبرٌ في معنى الأَمْر. والضمير في [٨٥٨/أ] (له)» للأبِ كقولِه: ((فإن أَرْضَعْن لكم)»، والمفعولُ محذوفٌ للعِلْمِ به، أي: فسترضعُ الولدَ لوالدِه امرأةٌ أخرى. والظاهرُ أنه خبرٌ على بابِهِ . آ. (٧) قوله: ﴿لَيُنْفِقْ﴾ هذه قراءةُ العامَّةِ، أعني كَسْرَ اللامِ وجزمَ المضارعِ بِها. وحكى أبو معاذ القارىء (٥) ((لِيُنْفِقَ)) بنصب الفعل على أنها لامُ كي نَصَبَ الفعلَ بعدَها بإضمار ((أَنْ)) ويتعلَّقُ الحرفُ حينئذٍ (١) البحر ٢٨٥/٨. (٢) انظر في قراءاتها: النشر ٣٨٨/٢، والإتحاف ٥٤٥/٢، والبحر ٢٨٥/٨، والقرطبي ١٦٨/١٨، والشواذ ١٥٨. (٣) الآية ٢٠ من القصص. (٤) تقدم برقم ١٨٤٢ . (٥) البحر ٢٨٥/٨، والشواذ ١٥٨. ٣٥٧ - الطلاق . بمحذوفٍ، أي: شَرَعْنا ذلك لِيُنْفِقَ. وقرأ العامَّة ((قُدِر)) مخففاً. وابن أبي عبلة (١) ((قَدَّر)) مشدداً. آ. (٨) قوله: ﴿عَتَتْ عِن أَمْرِ رَبِّها﴾: ضُمِّن معنى أَغْرَضَ، كأنه قيل: أَعْرَضَتْ بسببٍ عُثُوُّها. وقولِه ((فحاسَبْناها)) إلى آخره كلُّه في الآخرة، وأتى به على لفظِ المُضِيِّ لتحقُّقِه. وقيل: العذاب في الدنيا . فيكونُ على حقيقتِه و ((أعدَّ الله)) تكريرٌ للوعيدِ وتوكيداً. وجَوَّزَ الزمخشري(٢) أَنْ يكونَ ((عَتَتْ)) وما عُطِفَ عليه صفةً لـ ((قريةٍ)) ويكونُ الخبرُ لـ ((كأيِّنْ)) الجملةَ مِنْ قولِه («أعدَّ اللَّهُ» فعلى الأول يكونُ الخبرُ (عَتَتْ)) وما عُطِف عليه. آ. (١٠) قوله: ﴿الذين آمنوا﴾: منصوبٌ بإضمار أَعْني بياناً للمنادي، أو يكون عطفَ بيان للمنادِي أو نعتاً له، ويَضْعُفُ کونُه بدلاً لعدمِ حُلولِهِ محلَّ المبدلِ منه. آ. (١١) قوله: ﴿رسولاً﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها - وإليه ذهب الزجَّاج (٣) والفارسي - أنه منصوبٌ بالمصدرِ المنونِ قبلَه(٤)؛ لأنه يَنْحَلُّ لحرفٍ مصدري وفعلٍ، كأنه قيل: أن ذَكرَ رسولاً، والمصدرُ المَنَوَّنُ عاملٌ كقوله تعالى: ((أو إطعامٌ في يومٍ ذي مَسْغَبة يتيماً)(٥) وقولِه (٢): (١) البحر ٢٨٦/٨، والكشاف ١٢٣/٤. (٢) الكشاف ٤/ ١٢٣. (٣) معاني القرآن ١٨٨/٥. (٤) وهو قوله ((ذِكْراً)). (٥) الآية ١٤ من البلد. (٦) تقدم برقم ١٥٧٤. والأصل ((وقول الآخر)) ولعلها غير مناسبة. ٣٥٨ - الطلاق - ٤٢٧٥- بضَرْبٍ بالسيوفِ رؤوسَ قَوْمٍ أَزَلْنا هامَهُنَّ عن المَقيلِ الثاني: أنَّه جُعِل نفسُ الذِّكْرِ مبالغةً فأَبْدِل منه. الثالث: أنَّه بدلٌ منه على حَذْفِ مضافٍ مِنْ الأول تقديرُه: أنزل ذا ذكرٍ رسولاً. الرابع: كذلك، إلاَّ أنَّ ((رسولاً)) نعت(١) لذلك المحذوف. الخامس: أنه بدلُ منه على حَذْفِ مضافٍ مِنْ الثاني، أي: ذِكْراً ذِكْرَ رسول. السادس: أَنْ يكونَ (رسولاً)) نعتاً لـ ذِكْراً على حَذْفِ مضاف، أي: ذِكْراً ذا رسولٍ، فـ ((ذا رسول)) نعتٌّ لِذِكْر. السابع: أَنْ يكونَ ((رسولاً)) بمعنى رسالة، فيكونَ ((رسولاً)) بدلاً صريحاً مِنْ غير تأويل، أو بياناً عند مَنْ يرىُ جَرَيانه في النكراتِ كالفارسيِّ، إلاَّ أنَّ هذا يُبْعِدُه قولُه: ((يَتْلُو عليكم))، لأنَّ الرسالةَ لا تَتْلو إلَّ بمجازٍ، الثامن: أَنْ يكونَ ((رسولاً)» منصوباً بفعلٍ مقدر، أي: أرسل رسولاً لدلالةِ ما تقدَّمَ عليه. التاسع: أَنْ يكونَ منصوباً على الإِغراء، أي: اتبِعوا والزَمُوا رسولاً هذه صفتُه. واختلف الناس في ((رسولاً)) هل هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أو القرآنُ نفسُه، أو جبريلُ؟ قال الزمخشري(٢): ((هو جبريلُ عليه السلام، أُبْدِل مِنْ ((ذِكْراً» لأنه وُصِف بتلاوةِ آياتِ اللَّهِ، فكأنَّ إنزالَه في معنى إنزالِ الذِّكْرِ فصَحَّ إبدالُه منه)). قال الشيخ(٣): ((ولا يَصِحُ لتبايُنِ المدلولَيْنِ بالحقيقة، ولكونِه لا يكونَ بدلَ بعضٍ ولا بدلَ اشتمال)) انتهى. وهذا الذي قاله الزمخشريُّ سبقه إليه الكلبيُّ. وأمَّا اعتراضُه عليه فغيرُ لازمٍ لأنه - (١) الأصل لانعتاً)) وهو سهو. (٢) الكشاف ٤/ ١٢٣. (٣) البحر ٢٨٦/٨. ٣٥٩ - الطلاق - إذا(١) بُؤْلِغَ فيه حتى جُعِل نفسَ الذِّكْر كما تقدَّم بيانُه. وقُرىء(٢) ((رسولٌ)) على إضمار مبتدأ، أي: هو رسول. قوله: ((لِيُخْرِجَ)) متعلّقٌ إمَّا بـ ((أَنْزَل))، وإمَّا بـ ((يَتْلو)) وفاعِلُ يُخْرِج: إِمَّا ضميرُ الباري تعالى المنَزِّل، أو ضميرُ الرسولِ، أو الذِّكرِ، و((مَنْ يُؤْمِنْ)) هذا أحدُ المواضع التي رُؤْعي فيها اللفظُ أولاً، ثم المعنى ثانياً، ثم اللفظُ آخِراً، وقد تقدَّم ذلك في المائدة. وقد تأوَّلَ بعضُهم هذه الآية. [وقال: ليس قولُه ((خالدين)) فيه ضميرٌ عائدٌ على ((مَنْ)) إنما يعود على مفعولِ ((يُدْخِلْه))، و((خالدين)) حالٌ منه، والعاملُ فيها ((يُدْخِلْه)) لا فِعْلُ الشرطِ]. (٣) هذه عبارةُ الشيخ، وفيها نظرٌ؛ لأنَّ ((خالدين)) حالٌ مِنْ مفعول ((يُدْخِلْه)) عند القائلينَ بالقول الأول، وكأنَّ إصلاحَ العبارةِ أَنْ يقالَ: حالٌ مِنْ مِفْعولِ ((يُدْخِلْه)) الثاني، وهو ((جناتٍ)) والخلودُ في الحقيقةِ لأصحابها، وكان ينبغي على رأي البصريين أن يقال: خالدين هم فيها، لجريان الوصفِ على غير مَنْ هو له. قوله: ((قد أَحْسَنَ اللَّهُ)) حالٌ ثانيةٌ، أو حال مِنْ الضمير في [٨٥٨/ ب] ((خالدين)) فتكونُ متداخلةً. / .آ. (١٢) قوله: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾: العامَّةُ بالنصب، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه عطفُ على ((سَبْعَ سمواتٍ)) قاله الزمخشري(٤). واعترض: (١) لعل ((إذا)» هنا مقحمة، أو يكون جوابها محذوفاً تقديره: جاز. (٢) البحر ٢٨٧/٨. (٣) ما بين معقوفين لم يظهر بوضوح بسبب التصوير أثبتناه من (ش). (٤) الكشاف ٤/ ١٢٤ . ٣٦٠