النص المفهرس

صفحات 321-340

- الصف -
أنَّه تُؤمنون»، فجعله خبراً لـ «أَنَّ)»، وهي وما في حَيِّزها خبرٌ لمبتدأ
محذوفٍ. وهذا محمولٌ على تفسيرِ المعنىُ لا تفسيرِ الإِعرابِ، فإنَّه
لا حاجةً إليه .
آ. (١٢) قوله: ﴿يَغْفِرْ﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مجزومٌ
على جوابِ الخبرِ بمعنى الأمر، كما تقدَّم تقريرُه. والثاني: أنه مجزومٌ
على جواب الاستفهام، كما قاله الفراءُ، وتقدَّم تأويلُه. الثالث: أنه
مجزومٌ بشرطٍ مقدَّرٍ أي: إنْ تُؤْمنوا يَغْفِرْ لكم.
آ. (١٣) قوله: ﴿وأُخْرَى﴾: فيها خمسةُ أوجهِ، أحدُها: أنَّها
في موضِع رفعٍ على الابتداءِ، وخبرُها مقدَّر أي: ولكم أو ثَمَّ، أو عنده
خَصْلَةٌ أخرى،َ أو مَثُوْبةٌ أخرى. و «تُحِبُّونها)) نعتٌ لها. الثاني: أن الخبرَ
جملةٌ حُذِفَ مبتدَؤُها تقديرُه: هي نصرٌ، والجملةُ خبرُ (أُخْرى))، قاله
أبو البقاء(١)، وفيه بُعْدٌ كثيرٌ؛ لأنه تقديرٌ لا حاجةَ إليه. والثالث: أنها
منصوبةٌ بفعلٍ محذوفٍ للدلالةِ عليه بالسِّياق، أي: ويُعْطِكُمْ، أو يَمْنَحْكم
مَثوبةً أخرى. و ((تُحبونها)) نعتٌ لها أيضاً.
والرابع: أنها منصوبةٌ بفعلٍ مضمرٍ يُفَسِّره ((تُحِبُّونها)) فيكونُ من
الاشتغالِ، وحينئذٍ لا يكون ((تُحِبُّونها)) نعتاً؛ لأنه مفسِّرٌ للعاملِ قبله.
الخامس: أنها مجرورةٌ عطفاً على ((تجارة)). وضُعِّفَ هذا: بأنها ليسَتْ
مِمَّا دَلَّ عليه، إنما هي ثوابٌ مِنْ عندِ الله. وهذا الوجهُ منقولٌ عن
الأخفش (٢) .
(١) الإِملاء ٢/ ٢٦١.
(٢) معاني القرآن ٤٩٩ وعبارته ((يقول: وتجارةٍ أخرى)) وضبطت في المطبوعة بالضم
ولعله سهو.
٣٢١

- الصف -
قوله: ((نَصْرٌ من اللَّهِ)) خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: ((تلك النعمةُ
- أو الخَلَّةُ الأُخْرى - نَصْرٌ. و((من الله)) نعتٌ له، أو متعلُّقٌ به، أي:
ابتداؤه منه. ورَفْعُ ((نصرٌ وفَتْحٌ)) قراءةُ العامَّةِ، ونَصَبَ (١) ابنُ أبي عبلةَ
الثلاثةَ. وفيه أوجهٌ، ذكرها الزمخشريُّ(٢)، أحدُها: أنها منصوبةٌ على
الاختصاصِ. الثاني: أن ينتصِبْنَ على المصدريَّةِ أي: يُنْصَرون نَصْراً،
ويُفتح لهم فتحاً قريباً. الثالث: أن ينتَصِبْنَ على البدلِ مِنْ ((أُخْرى))
و ((أُخرى)) منصوبٌ بمقدَّرِ كما تقدَّم أي: يَغْفِرْ لكم، ويُدْخِلْكم جناتٍ،
ويؤْتِكم أُخرى، ثم أبدل منها «نَصْراً وفَتْحاً قريباً» .
آ. (١٤) قوله: ﴿أنصارَ الله﴾: قرأ(٣) نافع وابن كثير
وأبو عمرو ((أنصاراً)) منوناً، (الله)) جازًّاً ومجروراً. والباقون (أنصارَ)) غيرَ
منونٍ بل مضافاً للجلالة الكريمة، والرسمُ يحتمل القراءتَيْن معاً. واللامُ
يُحْتمِلِ أَنْ تكونَ مزيدةً في المفعولِ للتقوية لكونِ العاملِ فَرْعاً،
إذ الأصلُ: أنصاراً اللَّهَ، وأَنْ تكون غيرَ مزيدةٍ، ويكونَ الجارُّ والمجرورُ
نعتاً لـ ((أَنْصارَا)) والأولُ أظهرُ. وأمَّا قراءةُ الإِضافةِ ففرعُ الأصلِ المذكورِ.
ويؤيِّدُ قراءةَ الإِضافةِ الإِجماعُ عليها في قوله: ((نحن أنصارُ اللَّه))(٤)
ولم يُتَصَوَّرْ جَرَيانُ الخلافِ هنا لأنه مرسومٌ بالألفِ.
قوله: ((كما قال عيسى)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّ الكافَ في موضع
(١) البحر ٨/ ٢٦٤.
(٢) الكشاف ١٠١/٤
(٣) السبعة ٦٣٥، والنشر ٣٨٧/٢، والقرطبي ٨٩/١٨، والحجة ٧٠٨،
والتيسير ٢١٠، والبحر ٢٦٤/٨.
(٤) الآية ١٤ من الصف.
٣٢٢

- الصف -
نصبٍ على إضمارِ القولِ أي: قُلْنا لهم ذلك، كما قال عيسى. الثاني:
أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ تقديرُه: كونوا كَوْناً، قاله مكي (١) وفيه نظرٌ؛
إذ لا يُؤْمَرُون(٢) بأن يكونوا كَوْناً. الثالث: أنه كلامٌ محمولٌ على معناه
دون لفظِه، وإليه نحا الزمخشريُّ، فإنه قال(٣): ((فإنْ قلتَ ما وجهُ صحةِ
التشبيهِ، وظاهرُه تشبيهُ كوِهم أنصاراً بقولِ عيسى صلوات الله عليه مَنْ
أنصاري؟ قلت: التشبيهُ محمولٌ على المعنى، وعليه يَصِحُ، والمرادُ:
كونوا أنصارَ الله كما كان الحواريُّون / أنصارَ عيسى، حين قال لهم: ((مَنْ [٨٥٣/ ب]
أنصاري إلی الله)).
وتقدَّم في آل عمران(٤) تَعَدِّي ((أَنْصَاري)) بـ ((إلى))، واختلافُ الناس
في ذلك. وقال الزمخشري(٥) هنا: ((فإنْ قلتَ: ما معنىُ قولِه: ((مَنْ
أنصاري إلى الله))؟ قلت: يجبُ أَنْ يكونَ معناه مطابقاً لجوابٍ الحواريين:
نحن أنصارُ الله. والذي يطابقُه أَنْ يكونَ المعنى: مَنْ جُنْدِيٌّ منوجِّهاً إلى
نصرةِ الله؟ وإضافةُ (أَنْصاري)) خلافُ إضافةِ ((أنصار الله))؛ فإنَّ معنى «نحن
أنصارُ الله)»: نحن الذين يَنْصُرون الله، ومعنى ((مَنْ أنصاري)): مَنْ الأنصارُ
الذين يختصُّون بي، ويكونون معي في نُصْرَةِ اللَّهِ. ولا يَصِحُّ أَنْ يكونَ
معناه مَنْ يَنْصُرني مع الله؛ لأنه لا يطابِقُ الجوابَ. والدليل عليه قراءةُ مَنْ
قرأ ((أنصارَ الله)) انتهى. قلت: يعني أنَّ بعضَهم يَدَّعي أنَّ ((إلى)) بمعنى
(١) لم يرد في إعراب المشكل.
(٢) الأصل: «لا یؤمروا)) ولعله سهو.
(٣) الكشاف ١٠١/٤.
(٤) انظر: الدر المصون ٢٠٧/٣.
(٥) الكشاف ٤/ ١٠١.
٣٢٣

- الصف .-
مع (١) أي: مَنْ أنصاري مع الله؟ وقولُه: ((قراءةُ مَنْ قرأ أنصارَ الله)) أي:
لو كانت بمعنى ((مع)) لَمَا صَحَّ سُقوطُها في هذه القراءةِ. وهذا غيرُ لازمٍ؛
لأنَّ كلَّ قراءةٍ لها معنىّ يَخُضُّها، إلاَّ أن الأَوْلَىُ توافُقُ القراءَتَيْن.
قوله: ((فأيَّدْنا الذين آمنوا على عَدُوِّهم)) مِنْ إيقاعِ الظاهرِ موقعَ
المضمرِ فيهما، تَنْبِيُّهاً على عداوةِ الكافرِ للمؤمن؛ إذ الأصلُ: فَأَّدْناهم
عليهم، أي: أيَّدْنا المؤمنين على الكافرين من الطائفتين المذكورتَيْن.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الصف]
(١) نسب صاحب المغني ١٠٤ هذا القول إلى الكوفيين وجماعة من البصريين.
٣٢٤

سورة الجمعة
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿المَلِكِ﴾: هذه قراءةُ العامَّة أعني جرَّ «الملِكِ))
وما بعده نعتاً له والبدلُ ضعيفٌ لاشتقاقِها. وقرأ(١) أبو وائل ومسلمة ابن
محارب ورؤيةُ بالرفع على إضمار مبتدأ مُقْتَضٍ للمدح. قال
الزمخشريُّ(٢): ((ولو قُرِىءَ بالنصب على قولهم («الحمدُ الله أهلَ الحَمْد)»
لكان وجهاً). وقرأ(٣) زيد بن علي ((القَدُّوس)) بفتح القاف. وتقدَّم الكلامُ
عليه(٤) وعلى الأمِّيِّ والأمّيِّين(٥) جَمْعِه. و ((يَتْلُو)) وما بعده صفاتٌ لرسول.
آ. (٣) قوله: ﴿وَآخَرِين﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه
مجرورٌ عطفاً على الأمَّيْنَ، أي: وبَعَثَ في آخرين من الأمَّيْنَ. و ((لَمَّا
يَلْحقوا بهم)) صفةٌ لـ ((آخرين)) قبلُ(٦). والثاني: أنه منصوبٌ عَطْفاً على
الضمير المنصوبٍ في ((يُعَلِّمُهم)»، أي: ويُعَلِّمُ آخرين لم يَلْحقوا بهم
وسيَلْحقون، وكلُّ مَنْ يَعْلَم شريعةً محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلى آخرِ
(١) البحر ٢٦٦/٨، والشواذ ١٥٦، والقرطبي ٩١/١٨.
(٢) الكشاف ٤/ ١٠٢.
(٣) البحر ٢٦٦/٨.
(٤) انظر إعرابه للآية ٢٣ من الحشر.
(٥) انظر: الدر المصون ٤٤٥/١ .
(٦) لعله يعني قبل الجار والمجرور (منهم).
٣٢٥

بـ الجمعة -
الزمان فرسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُعَلِّمه بالقوة؛ لأنه أصلُ ذلك
الخيرِ العظيمِ والفَضْلِ الجَسيمِ.
آ. (٥) قوله: ﴿حُمِّلوا التوراةَ﴾: هذه قراءةُ العامَّةِ. وقرأ(١)
زيد بن علي ويحيى بن يعمر ((حَمَلوا)) مخففاً مبنياً للفاعل.
قوله ((كمَثَلِ الحِمار)) هذه قراءةُ العامَّةِ. وقرأ عبدُ الله(٢) ((حِمَارٍ))
منكَّراً. وهو في قوة قراءةِ الباقين؛ لأنَّ المراد بالحمارِ الجنسُ. ولهذا
وُصِفَ بالجملةِ بعده كما سيأتي. وقرأ (٣) المأمون ابن هارون الرشيد
((يُحَمَّلُ)) مشدّداً مبنياً للمفعول. والجملة مِنْ ((يَحْمِلُ)) أو ((يُحَمَّلُ)) فيها
وجهان، أحدُهما: ـ وهو المشهورُ - أنَّها في موضع الحال من («الحمار))
والثاني: أنَّها في موضع الصفةِ للحمار لجريانِه مَجْرى النكرة؛ إذ المُراد
به الجنسُ. قال الزمخشري(٤): ((أو الجرّ على الوصفِ؛ لأنَّ الحمارَ
كاللئيم في قوله(٥).
٤٢٦١- ولَقد أَمُزُّ على اللئيمِ يَسُبُّني
وقد تقدَّم تحريرُ هذا، وأنَّ منه عند بعضِهم ((وآيَةٌ لهم الليلُ.
نَسْلَخُ))(٦) وأنَّ ((نَسْلَخُ)) نعتٌ لـ الليل. والجمهورُ يَجْعَلونه حالاً للتعريف
(١) البحر ٢٦٦/٨.
(٢) البحر ٢٦٦/٨، والشواذ ١٥٦.
(٣) البحر ٢٦٦/٨، المحرر ٩/١٦. والمأمون هو الخليفة عبد الله بن هارون
الرشيد، عالِمٌ فصيح، توفي سنة ٢١٨. انظر: سير الأعلام ٢٧٢/١٠ .
(٤) الكشاف ١٠٣/٤.
(٥) تقدم برقم ٦٩٧ .
(٦) الآية ٣٧ من يس. وانظر: الدر المصون ٢٦٨/٢.
٣٢٦

- الجمعة -
اللفظي. وأمَّا على قراءةِ عبد الله(١) فالجملةُ وصفٌ فقط، ولا يمتنعُ أَنْ
تكونَ حالاً عند سيبويه(٢) .
والأسْفار: جمعُ سِفْرٍ، وهو الكتابُ المجتمعُ الأوراقِ.
قوله ((بثْسَ مَثَلُ القَوْم)) فيه أوجهٌ، أحدها : - وهو الظاهرُ
المشهور - أنَّ ((مَثَلُ القوم)) فاعلُ ((بِئْس)). والمخصوصُ بالذَّمِّ الموصولُ
بعده فَيُشْكِلُ؛ لأنه / لا بُدَّ مِنْ تصادُقِ فاعلِ نِعْم وبِْسَ والمخصوصِ، [٨٥٤/أ]
وهنا المَثَلُ ليس القومَ(٣) المكذِّبين. والجواب: أنَّه على حَذْفِ مضافٍ،
أي: بِئْسَ مَثَلُ القوم مَثَلُ الذين كَذَّبوا. الثاني: أنَّ ((الذين)) صفةٌ للقوم
فيكونُ مجرورَ المحلَّ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ لِفَهْم المعنى تقديره:
بِئْس مَثَلُ القومِ المكذِّبين مَثَلُ هؤلاء، وهو قريبٌ من الأَولِ. الثالث: أنَّ
الفاعلَ محذوفٌ، وأنَّ مَثَلَ القوم هو المخصوصُ بالذِّم، تقديرهُ: بِئْسَ
المَثَلُ مَثَلُ القوم، ويكونُ الموصَولُ نعتاً للقوم أيضاً، وإليه يَنْحو كلامُ
ابن عطيةً، فإنه قال(٤): ((والتقديرُ: بِئْسَ المَثَلُ مَثَلُ القومِ. وهذا فاسدٌ؛
لأَنَّه لا يُحْذَفُ الفاعلُ عند البَصْريين، إلَّ في مواضعَ ثلاثةٍ (٥)، ليس هذا
منها، اللهم إلَّ أَنْ يقولَ بقولِ الكوفيين. الرابع: أَنْ يكونَ التمييزُ
محذوفاً، والفاعل المُفَسَّرُ به مستترٌ تقديرُه: بئس مَثَلاَ مَثَلُ القوم، وإليه
يَنْحو كلامُ الزمخشريٌّ(٦) فإنه قال: ((بْسَ مَثَلاً مَثَلُ القوم)) فيكونُ الفاعلُ
(١) ((حمار)).
(٢) لأن سيبويه يجيز الحال من النكرة. انظر: الكتاب ٢٤٣/١، ٢٧٢.
(٣) الأصل ((القوم الذين)) بإقحام ((الذين)).
(٤) لم يرد نص ابن عطية هذا في مطبوعة ((المحرر)).
(٥) انظر: الارتشاف ٢/ ١٨٢.
(٦) الكشاف ٤/ ١٠٣.
٣٢٧

- الجمعة -
مستتراً، مُفَسَّرٌ بـ ((مَثَلاَ)) و((مَثَلُ القوم)) هو المخصوصُ بالذمَّ والموصولُ
صفةٌ له، وحُذِف التمييزُ، وهذا لا يُجيزه سيبويهِ وأصحابُهُ البتةَ، نَصُّوا
على امتناعِ حَذْفِ التمييزِ (١)، وكيف يُحْذَفُ وهو مُبَيِّنٌ؟
آ. (٦) قوله: ﴿أَنَّكم أولياءُ﴾: سادٌّ مَسَد المفعولَيْنِ،
أو المفعولِ، على الخلافِ(٢). و(الله)) متعلّقٌ بـ ((أَوْلياء)) أو بمحذوف نعتاً
لـ أولياء و ((مِنْ دونِ الناس)) كذلك.
وقوله ((فَتَمَنَّوُاْ الموتَ)) جوابُ الشرطِ. والعامَّةُ بضمِّ الواوِ، وهو
الأصلُ في واو الضميرِ. وابن السَّمَيْفع (٣) وابن يعمر وابن أبي إسحاق
بكسرها، وهو أصلُ التقاءِ الساكنين. وابن السَّميفع أيضاً بفتحها، وهذا
طَلَبٌ للتخفيف، وتقدَّم نحوُه في قولِه ((اشْتَروا الضلالة))(٤) وحكى
الكسائيُّ إبدالَ الواوِ همزةً.
آ. (٧) قوله: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾: وقال في البقرة(٥) (ولن
يتمنَّوْه)) قال الزمخشري(٢): ((لا فرقَ بين ((لا)) و ((لن)) في أنَّ كلَّ واحدٍ
منهما نفيٌ للمستقبل، إلاَّ أنَّ في ((لن)) تأكيداً وتشديداً ليس في (( لا ))،
فأتى مرةً بلفظ التأكيد «ولن يتمثَّوْه)»، ومرةً بغير لفظِه (ولا يتمنَّوْنه)). قال
(١) قال في الارتشاف ٢٨٦/٢: ((ويجوز حذف التمييز إذا قصد إبقاء الإبهام
أو کان في الكلام ما يدل علیه)).
٠٠
(٢) انظر الدر ٢٢٨/١.
(٣) انظر في قراءاته: الشواذ ١٥٦، والبحر ٢٦٧/٨، والإتحاف ٥٣٨/٢
(٤) الآية ١٦ من البقرة وانظر: الدر المصون ١٥١/١.
(٥) الآية ٩٥,
(٦) الكشاف ١٠٣/٤
٣٢٨

- الجمعة -
الشيخ(١): ((وهذا رجوعٌ منه عن مذهبِه: وهو أنَّ ((لن)) تَقْتَضي النفي على
التأبيد إلى مذهبِ الجماعة وهو أنَّها لا تَقْتَضْيه)» قلت: وليس فيه رجوٌ،
غايةُ ما فيه أنه سكَتَ عنه، وتشريكُه بين ((لا)) و((لن)» في نفي المستقبل
لا يَنْفي اختصاصَ ((لن)) بمعنى آخرَ. وقد تقدَّم الكلامُ على هذا بأشبعَ منه
هنا في البقرة(٢) .
آ. (٨) قوله: ﴿فإنه مُلاقيكم﴾: في الفاءِ وجهان أحدُهما:
أنها داخلةٌ لِما تَضَمَّنه الاسمُ مِنْ معنى الشرطِ، وحُكْمُ الموصوفِ
بالموصول حكمُ الموصولِ في ذلك. والثاني: أنَّها مزيدةٌ مَخْضَةٌ
لا للتضمين المذكور. وأفسدَ هؤلاء القولَ الأول بوجهَيْن (٣)، أحدُهما أنَّ
ذلك إنَّما يجوز إذا كان المبتدأُ أو اسمُ ((إنَّ) موصولاً، واسمُ ((إنَّ» هنا
ليس بموصولٍ، بل موصوفٌ(٤) بالموصول. والثاني: أنَّ الِرارَ مِنْ
الموتِ لا يُنْجَي منه، فلم يُشْبِهِ الشرطَ، يعنى أنه متحققٌ فلم يُشْبه الشرطَ
الذي هو مِنْ شأنِهِ الاحتمالُ.
وأُجيب عن الأول: بأنَّ الموصوفَ مع صفتِه كالشيءِ الواحدِ، ولأن
((الذي))لا يكونَ إلاَّ صفةً. فإذا لم يُذْكَرِ الموصوفُ دخلَتِ الفاءُ،
والموصوفُ مرادٌ، فكذلك إذا صَرَّح بها. وعن الثاني: بأنَّ خَلْقاً كثيراً
يَظُنُّونَ أنَّ الفِرارَ مِنْ أسبابِ الموتِ يُنَجِّيهم إلى وقتٍ آخر. وجَوزَّ مكي(٥)
(١) البحر ٢٦٧/٨.
(٢) انظر: الدر ٩/٢.
(٣) انظر: الإملاء ٢٦١/٢.
(٤) الأصل: ((موصوفاً).
(٥) إعراب المشكل ٣٧٧/٢.
٣٢٩

- الجمعة -
أَنْ يكونَ الخبرُ قولَه «الذي تَفِرُون منه»، وتكون الفاءُ جوابَ الجملة.
قال: ((كما تقول: زيدٌ منطلقٌ فَقُمْ إليه)) وفيه نظر؛ لأنه لا تَرَتُّبَ بين قولِه:
((إن الموت الذي تَّفِرُّون)) وبين قوله: ((فإنَّه مُلاقيكم)) فليس نظيراً لِما
مَثَّله.
وقرأ (١) زيد بن علي ((إنه)) دونَ فاء وفيها أوجه، أحدُها: أنَّه مستأنفٌ،
وحينئذٍ يكونُ الخبرُ نفسَ الموصولِ كأنه قيلَ: إنَّ الموتَ هو الشيءُ الذي
تَفِرُونَ منِه، قاله الزمخشري(٢). الثاني: أنَّ الخبرَ الجملةُ: ((إنَّه
مُلاقيكم)). وحينئذٍ يكونُ الموصولُ نعتاً للموت. الثالث: أَنْ يكونَ ((إِنَّه)).
تأكيداً(٣)؛ لأنَّ الموتَ لَمَّا طال الكلامُ أُكْدَ الحرفُ توكيداً لفظيّاً، وقد
عَرَفْتَ أنه لا يُؤَكَّدُ كذلك إلَّ بإعادةٍ ما دَخَلَ عليه. أو بإعادةِ ضميرِهِ،
فأُكِّد بإعادةٍ ضميرٍ ما دَخَلَتْ عليه ((إِنَّ) وحينئذٍ يكون الموصولُ نعتاً
للموتِ، و ((مُلاقِيكم)) خبرُه كأنَّ قيل: إنَّ الموتَ إنَّه مُلاقيكم.
آ. (٩) قوله: ﴿مِنْ يوم الجمعة﴾: ((مِنْ)) هذه بيانٌ لـ «إذا»
وتفسيرٌ لها قاله الزمخشريُّ (٤). وقال أبو البقاء(٥): إنَّها بمعنى ((في))،
أي: في يوم. وقرأ العامَّةُ ((الجمعة)) بضمَّتَيْن. وقرأ(٦) ابن الزبير وزيد ابن
علي وأبو حيوة وأبو عمروٍ في روايةٍ بسكونِ الميم. فقيل: هي لغةٌ في
[٨٥٤/ب] الأولى وسُكِّنَتْ تخفيفاً، وهي لغةُ تميم. وقيل: / هو مصدرٌ بمعنى
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٢٦٧/٨، معاني القرآن للقراء ١٥٦/٣.
(٢) الكشاف ٤/ ١٠٤ .
(٣) الأصل: «تأكيد»
(٤) الكشاف ٤/ ١٠٤.
(٥) الإملاء ٢/ ٢٦٢.
(٦) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٥٣٨/٢، والقرطبي ٩٧/١٨، والبحر ٢٦٧/٨.
٣٣٠

- الجمعة -
الاجتماع. وقيل: لَمَّا كان بمعنى الفعل صار كرجل هُزْأَةً، أي: يُهْزَأ(١)
به، فلمَّا كان في الجمعة معنى التجمّع أُسْكِن؛ لأنه مفعولٌ به في
المعنى، أو يُشْبهُه فصارَ كهُزْأَة الذي يُهزأ به. قاله مكي(٢)، وكذا قال
أبو البقاء (٣): ((هو بمعنى المُجْتَمَع فيه مثلَ: رجل ضُحْكَة، أي: يُضْحك
منه)) وقال مكي (٤): ((يجوزُ إسكان الميم استخفافاً. وقيل: هي لغةٌ)).
قلت: قد تقدَّم أنها قراءةٌ، وأنها لغةُ تميم. وقال الشيخ(٥): ((ولغةٌ بفتحِها
لم يُقْرَأ بها)) قلت: قد نقلها قراءةً أبو البقاء(٦) فقال: ((ويقرأ بفتح الميم
بمعنىُ الفاعِل، أي: يومَ المكان الجامع. مثلَ: رجلٌ ضُحْكَة، أي: كثيرُ
الضَّحِك)) وقال مكي قريباً منه، فإنه قال (٧): ((وفيه لغةٌ ثالثةٌ بفتح الميم
على نسبةِ الفعل إليها، كأنَّها تَجْمع الناسَ كما يُقال: رجلٌ لُحَنَة، إذا كان
يُلَحِّن الناس، وقُرَأَة، إذا كان يُقْرِىءُ الناس))، ونقلها قراءةً أيضاً
الزمخشري (٨)، إلَّ أنه جعلَ الجُمْعةً بالسكون هو الأصلَ، وبالمضموم
مخفّفاً منه فقال: ((يوم الجُمعة: يوم الفوجِ المجموعِ كقولهم: ضُحْكَة
للمضحوك منه. ويومُ الجُمعة بفتح الميم: يومُ الوقتِ الجامعِ كقولهم:
ضُحَكة ولُعَبة، ويومُ الجُمُعة تثقيلٌ للجُمْعَة كما قيل: عُسُرةَ في عُسْرة
(١) قوله يهزأ غير واضح في الأصل.
(٢) إعراب المشكل ٣٧٨/٢.
(٣) الإملاء ٢٦٢/٢.
(٤) إعراب المشكل ٣٧٨/٢.
(٥) البحر ٢٦٧/٨.
(٦) الإملاء ٢/ ٢٦٢.
(٧) إعراب المشكل ٣٧٨/٢.
(٨) الكشاف ٤/ ١٠٤.
٣٣١

- الجمعة -
وقُرِىء بهن جميعاً)) وتقديرُهُ: يوم الوقتِ الجامع أحسنُ من تقدير أبي
البقاءِ: يوم المكانِ الجامع؛ لأنَّ نسبةَ الجمع إلىَ الظرفَيْن مجازٌ فالأولى:
إبقاؤه زماناً على حاله.
آ. (١١) قوله: ﴿انْفَضُّوا إليها﴾: أعاد الضمير على التجارة
دونَ اللهو؛ لأنها الأهمُّ في السبب. قال ابن عطية(١): ((وقال: إليها ولم
يقل: إليهما تَهَمُّماً بالأهمِّ، إذ كانَتْ هي سببَ اللهوِ ولم يكن اللهوُ.
سبها. وتأمَّلْ أنْ قُدِّمِتْ التجارةُ على اللهو في الرؤية؛ لأنها أهُّ وأُخِّرت
مع التفضيل(٢)، لتقعَ النفسُ أولاً على الأَبْيَن)) انتهى. وفي قولِه ((لم يَقُلْ
((إليهما)) ثم أَجابَ بما ذكَرَ نَظَرٌ لا يَخْفَى؛ لأنَّ العطفَ بـ ((أو)) لا يُثَنَّىَ
معه الضميرُ ولا الخبرُ ولا الحالُ ولا الوصف؛ لأنها لأحدٍ الشيئَيْن،
ولذلكَ تأوَّل الناسُ: ((إنْ يكُنْ غنياً أو فقيراً فاللَّهُ أَوْلى بهما(٣)) كما قَدَّمِتْهُ
في موضعِه، وإنما الجوابُ عنه: أنه وَحَدَّ الضميرَ لأنَّ العطفَ بـ ((أو))
وإنما جيْءَ بضميرٍ التجارة دونَ ضمير اللهوِ وإن كان جائزاً لِما ذَكَره
ابنُ عطیةً مِنْ الجوابِ، وهو الاهتمام کما قاله غيرُ واحدٍ. وقد قال
الزمخشريُّ(٤) قريباً ممَّا قاله ابنُ عطية فإنه قال: «كيف قال: إليها، وقد
ذكرَ شيئَيْن؟ قلت: تقديرُه: إذا رأوا تجارةً انفَضُوا إليها أو لَهْواً انفَضُّوا
إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكورِ عليه، وكذلك قراءةُ مَنْ قرأ ((انفَضُوا
إليه)) انتهى. فقوله: قلتُ تقديرُه إلى آخره، يُشْعِرُ بأنَّه كان حقُّ الكلامِ أَنْ
(١) المحرر ١٤/١٦
(٢) فقال: ﴿خيرٌ من اللهو ومن التجارة﴾.
(٣) الآية ١٣٥ من النساء. وانظر: الدر المصون ١١٥/٤.
(٤) الكشاف ١٠٦/٤.
٣٣٢

- الجمعة -
يُثَنَّى الضمير، ولكنه حُذِف. وفيه ما قَدَّمتُهُ لك: مِنْ أنَّ المانعَ مِنْ ذَلك
أمرٌ صناعيٌ وهو العطفُ بـ((أو)).
وقراً(١) ابن أبي عبلةَ ((إليه)) أعاد الضميرَ إلى اللهو وقد نَصَّ على
جوازٍ ذلك الأخفش(٢) سَماعاً من العرب نحو: ((إذا جاءك زيد أو هند
فَأَكْرِمه)) وإن شِئْتَ ((فَأَكرِمِها)). وقرأ بعضُهم ((إليهما)) بالتثنية. وتخريجُها
كتخريج "إنْ يكُنْ غنياً أو فقيراً (٣)) وقد تقدَّم تحريرُه (٤).
قوله: ((وتركوك)) جملةٌ حاليةٌ مِنْ فاعل ((انفَضُّوا)) و((قد)» مقدرةٌ عند
بعضِهم وقولِهِ ((ما عند اللّهِ خيرٌ)) ((ما)) موصولَةٌ مبتدأ، و((خيرٌ) خبرُها.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الجمعة]
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٢٦٨/٨، ومعاني القرآن للفراء ١٥٧/٣.
(٢) لم يرد هذا النص في معاني القرآن.
(٣) الآية ١٣٥ من النساء.
(٤) انظر: الدر المصون ١١٥/٤.
٣٣٣

سورة المنافقين
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿إذا جاءك﴾: شرطٌ. قيل: جوابُه قالوا.
وقيل: محذوفٌ. و ((قالوا)) حالٌ، أي: جاؤوك قائلين كيت وكيتَ،
فلا تقبَلْ منهم. وقيل: الجوابُ ((انَّخذوا أَيْمانَهم جُنَّةً)) وهو بعيدٌ،
و ((قالوا)» أيضاً حالٌ.
قوله: ((قالوا نَشْهَدُ)) جرىُ مَجْرى القسم كفعل العِلْم واليقين،
ولذلك تُلُقِّيَتْ بما يُتَلَقَّىُ به القسمُ في قوله: ((إِنَّك لَرسولُ الله)) وفي
قوله(١):
٤٢٦٢- ولقد عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي
إنَّ المنايا لا تَطيشُ سِهامُها
وقد تقدَّم خلافُ الناس في الصدق والكذبِ واستدلالُهم بهذه
الآيةِ، والجوابُ عنها، أولَ البقرة.
قوله: ((والله يعلمُ)) جملةٌ معترضةٌ بين قوله: («تَشْهد إنك لَرسولُ))
وبين قوله: ((والله يَشْهد)» لفائدةٍ، قال الزمخشري(٢): ((لو قال: قالوا نشهد
(١) تقدم برقم ٢٨١٠.
(٢) الكشاف ٤/ ١٠٧.
٣٣٥

ـ المنافقين -
إِنَّك لرسول الله، واللهُ يَشْهد إنَّهم لكاذبون، لكان يُؤْهِم أنَّ قولَهم هذا
كذبٌ، فَوَسَّط بينهما قولَه: ((والله يَعْلِمُ إِنَّك لَرسولُه)) لِيُميط هذا الإِنْهام)).
.آ. (٢) قوله: ﴿اَنَّخذوا﴾: قد تقدَّم أنه يجوزُ أَنْ يكونَ جواباً
للشرط، ويجوز أَنْ يكون مستأنفاً، جيْءَ به لبيانِ كذبهم وحَلْفِهم عليه،
[١/٨٥٥] أي: إنَّ الحاملَ لهم على الإِيمان / اتِّقاؤهم بها عن أنفسِهم والعامَّةُ
على فتح الهمزة جمعَ ((يمين)) والحسن(١) بكسرِها مصدراً. وتقدّم مثله في
المجادلة(٢). والجُنَّةُ: التُّرْسُ ونحوُه، وكلُّ ما يَقيك سوءاً. ومن كلام
الفصحاء: ((جُبَّةُ البُرْدِ جُنَّهُ البَرْدِ)) وقال أعشىُ همدان(٣) :.
٤٢٦٣- إذا أنتَ لم تجعلْ لِعِرْضِكَ جُنَّةً
من المالِ سار الذَّمُ كلَّ مَسِيْرٍ
قوله: ((ساء ما كانوا)) يجوز أن تكونَ الجاريةَ مَجْرَىُ بْسَ، وأَنْ
تكونَ على بابها، والأولُ أظهرُ، وقد تقدَّم حكمُ كلٍ منهما (٤) ولله الحمد،
وقوله: ((فطُبعَ)) هذه قراءةُ العامَّة أعني بناءَه للمفعول. والقائمُ مقامَ الفاعلِ
الجارُّ بعدَه. وزيد بن علي (٥) ((وطَبَعَ) مبنياً للفاعل. وفي الفاعلِ وجهانِ،
أحدهما: أنه ضميرٌ عائدٌ على الله تعالى، ويَدُلُّ عليه قراءةُ الأعمش،
وقراءتُه هو في روايةٍ عنه ((فَطَبَعَ اللهُه مُصَرَّحاً بالجلالةِ. والثاني: أنَّ
الفاعلَ ضميرٌ يعودُ على المصدرِ المفهومِ مِمَّا قبلَه، أي: فطَبَعَ هو، أي:
تَلْعابُهم بالدین.
(١) الإتحاف ٥٣٩/٢، والمحتسب ٣٢٢/٢، والبحر ٢٧١/٨.
(٢) الآية ١٦.
(٣) تفسير الماوردي ٢٤١/٤، والبحر ٢٧١/٨.
(٤) انظر: الدر ٦٣٨/٣.
(٥) انظر في قراءاتها: القرطبي ١٢٤/١٨، والبحر ٢٧٢/٨.
٣٣٦

- المنافقين -
آ. (٤) قوله: ﴿تَسْمَعْ﴾: العامَّةُ بالخطاب، و((لِقولهم)) متعلّقٌ
به وضُمِّنَ ((تَسْمَعْ)) معنى تُصْغي وتميلُ، فلِذلك عُدِّيَ باللام. وقيل: بل
هي مزيدةٌ، أي: تسمعُ قولَهم. وليس بشيءٍ؛ لنَصاعةِ معنى الأول.
وقرأ (١) عطيةُ العَوْفِيُّ وعكرمةُ بالياءَ مِنْ تحت مبنياً للمفعول، والقائم مَقامَ
الفاعلِ الجارُّ لأجلِ التضمينِ المتقدِّمِ. ومَنْ اعتقد زيادةَ اللامِ أولاً لم يَجُزْ
أَنْ يعتقدَها هنا، أي: تَسمِعْ قَوْلَهم؛ لأنَّ اللامَ لا تُزادُ في الفاعلِ ولا فيما
أشبهه .
قوله: ((كأنَّهم خُشُبٌ)) في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهِ، أحدُها: أنَّها
مستأنفةٌ. والثاني: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هم كأنَّهم، قالهما
الزمخشري(٢). والثالث: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، وصاحبُ
الحالِ الضميرُ في ((قولِهِم)) قاله أبو البقاء (٣). وقرأ (٤) أبو عمروٍ والكسائيُّ
وقنبلٌ ((خُشْب)) بضمٍ وسكونٍ، وباقي السبعةِ بضمتين. وقرأ السعيدان:
ابنُ جبير وابنُ المسيَّب بفتحتين، ونسبها الزمخشريُّ (٥) لابن عباس
ولم يذكُرْ غيرَه. فأمَّا القراءةُ بضمتَيْن فقيل: يجوزُ أَنْ تكونَ جمع خشَبَة
نحو: ثَمَرَة وثُمُر، قاله الزمخشريُ(٦)، وفيه نظرٌ؛ لأن هذه الصيغةَ
محفوظةٌ فِي فَعَلَة لا تَنْقاس نحو: ثَمَرَة وثُمُر. ونقل الفاسيُّ عن الزبيدي
(١) البحر ٨/ ٢٧٢، والشواذ ١٥٧ .
(٢) الكشاف ١٠٩/٤.
(٣) الإملاء ٢ / ٢٦٢.
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٣٦، والنشر ٢١٦/٢، والبحر ٢٧٢/٨،
والتيسير ٢١١، والقرطبي ١٢٥/١٨، والحجة ٧٠٩.
(٥) الكشاف ١٠٩/٤.
(٦) الكشاف ١٠٩/٤.
٣٣٧

- المنافقين -
أنه جمعُ خَشْباء، وأَحْسَبُه غَلِطَ عليه لأنه قد يكون قال ((خُشْب)» بالسكون
جمع خَشْباء نحو: حَمْراءِ وحُمْر؛ لأنَّ فَعْلاء الصفةَ لا تُجْمع على فُعُل
بضمتين بل بضمةٍ وسكونٍ. وقوله («الزبيدي)) تصحيفٌ: إمَّا منه وإمَّا من
الناسخِ، إنما هو اليزيديُّ تلميذُ أبي عمرو بن العلاء، نقل ذلك
الزمخشري(١). وقال أبو البقاء (٢): ((وخُشْب بالضمِّ والإِسكان جمعُ خَشَب
مثل: أَسَد وأُسْد)» انتهى. فهذا يُوهم أنه يقال: أُسُد بضمتين وليس
كذلك(٣) .
وأمَّا القراءةُ بضمةٍ وسكونٍ فقيل: هي تخفيفُ الأولى. وقيل: هي
جمعُ خَشْباء وهي الخَشَبةُ التي نُخِرِ جَوْفُها، أي: فُرُّغَ، شُبِّهوا بها الفراغ
بَواطنِهِم مِمَّا يُنْتَفَعُ به. وقيل: هي جمعُ خَشَبة نحو بَدَنَة وبُدْن، قاله
الزمخشري (٤).
وأمَّا القراءةُ بفتحتَيْن فهو اسمُ جنس، وأَنَّثَتْ صفتُه كقوله: «نخلِ
خاوية»(٥) وهو أحدُ الجائزَيْن.
وقوله: ((مُسَنَّدَة)) تنبيهٌ على أنها لا يُنْتَفَعُ بها، كما يُنتفع بِالخَشَبِ
في سَقْفٍ وغيرِه، أو شبهوا بالأصنامِ؛ لأنهم كانوا يُسْنِدونها إلى الحِيطان.
قوله: ((يَحْسَبُونَ كُلَّ صيحةٍ عليهم)) فيه وجهان، أظهرهما: أنَّ
(١) الكشاف ١٠٩/٤ :
(٢) الإملاء ٢٦٢/٢.
(٣) لا غبار على كلام أبي البقاء فهو يُخَرِّج قراءة ((خُشْب)) فيرى أنها جمع خَشَب
مثل أَسَد وأُشد ومن جموع أَسَد: أُسُد كما في معاجم اللغة: الصحاح واللسان.
(٤) الكشاف ٤/ ١٠٩.
(٥) الآية ٧ من الحاقة.
٣٣٨

- المنافقين -
((عليهم)) هو المفعولُ الثاني للحُسْبان، أي: واقعةً وكائنةً عليهم، ويكون
قولُه: ((هم العدوُ)) جملةً مستأنفةً، أخبر تعالى بذلك. والثاني: أَنْ يكونَ
(عليهم)) متعلقاً بصيحة، و((هم العدوُّ)) الجملةُ في موضع المفعول الثاني
للحُسبان. قال الزمخشري(١): ((ويجوزُ أَنْ يكونَ ((هم العدوُ)) هو المفعولَ
الثاني، كما لو طَرَحْتَ الضميرَ. فإنْ قلتَ: فحقُّه أن يُقالَ: هي العدو
قلت: منظورٌ فيه إلى الخبر، كما ذُكِر في قوله: ((هذا ربي))(٢)، وأَنْ
يُقَدَّرَ مضافٌ محذوفٌ على ((يَحْسَبُون كلَّ أهلِ صيحةٍ)) انتهى. وفي الثاني
بُعْدٌ بعيدٌ.
قوله: ((أنَّى يُؤْفَكون)) ((أَنَّى)) بمعنى كيف. وقال ابن عطية(٣):
ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ «أَنَّى)) ظرفاً لـ ((قاتَلَهم)) كأنَّه قال: قاتلهم اللهُ كيف
انصَرفوا، أو صُرِفوا؟ فلا يكونُ في القولِ استفهامٌ على هذا» انتهى. وهذا
لا يجوزُ؛ لأنَّ ((أَنَّى)) إنما هي بمعنى كيف، أو بمعنى أين الشرطيةِ
أو الاستفهاميةِ، وعلى التقادير الثلاثةِ فلا تَتَمَخَّضُ للظرفِ فلا يعملُ فيها
ما قبلَها البتةَ، كما لا تعمل في أسماءِ الشرطِ والاستفهامِ.
آ. (٥) قوله: ﴿يَسْتَغْفِرْ لكم رسولُ الله﴾: هذه المسألةُ
عَدَّها النحاةُ من الإعمالِ، وذلك أنَّ ((تعالَوا)» يطلبُ ((رسولُ الله)) مجروراً
بـ إلى، أي: تعالَوا إلى رسولِ الله، و((يَسْتغفر)) يَطْلبه فاعلاً، فأعمل
الثاني، ولذلك رفعَه، وحَذَف من الأول؛ إذ التقدير: تعالَوْا إليه،
ولو أَعْملِ الأولَ لقيل: إلى رسولِ الله / يَسْتغفر، فيُضمر في ((يَسْتغفر)) [٨٥٥/ب]
(١) الكشاف ٤/ ١٠٩.
(٢) الآية ٧٧ من الأنعام.
(٣) المحرر ١٨/١٦.
٣٣٩

- المنافقين -
فاعلٌ ويمكن أَنْ يقال: ليَستْ هذه من الإِعمال في شيء لأنَّ قولَه:
((تعالَوْا)» أمرٌ بالإِقبال من حيث هو، لا بالنَّظر إلى مُقْبَلٍ عليه .
قوله: «لَوَّوْا)» هذا جوابُ («إذا». وقرأ (١) نافع «لَوَوْا)) مخففاً،
والباقون مشدّداً على التكثير و((يَصُدُّون)) حال لأنَّ الرؤيةَ بَصَريَّةٌ، وكذا
قولُه ((وهم مُسْتكبرون)) حالٌ أيضاً: إمَّا من صاحب الحالِ الأولى، وإمَّا
مِنْ فاعل ((يَصُدُّون)) فتكونُ متداخلةً. وأتى بـ ((يَصُدُّون)) مضارعاً دلالةً
على التجدُّدِ والاستمرار. وقرِىء(٢) ((يَصِدُّون)) بالكسر وقد تقدَّمتا في
الزخرف(٣).
آ. (٦) قوله: ﴿اسْتَغْفَرْتَ﴾: قراءةُ العامَّةُ بهمزةٍ مفتوحةٍ مِنْ
غير مَدّ، وهي همزةُ التسويةِ التي أصلُها الاستفهامُ. وقرأ(٤) يزيد ابن
القعقاع «آسْتَغْفَرْت)). بهمزةٍ ثم ألفٍ، فاختلف الناس في تأويلها، فقال
الزمخشري(٥): ((إِشْباعاً لهمزة الاستفهام للإظهارِ والبيانِ، لا قَلْباً لهمزة
الوصل كما في ((السحرُ))(٦) و((اللهُ»(٧) يعني أنه أشبع فتحةً همزةِ التسويةِ
فتولَّد منها ألفٌ، وقَصْدُه بذلِك إظهارُ الهمزةِ وبيانُها، لا أنه قَلَبُّ الوصَل
(١) السبعة ٦٣٦، والنشر ٣٨٨/٢، والقرطبي ١٢٧/١٨، والحجة ٧٠٩،
والبحر ٢٧٣/٨ ..
(٢) البحر ٢٧٣/٨.
(٣) انظر إعرابه للآية ٥٧ من الزخرف.
(٤) انظر في قراءاتها: النشر ٣٨٨/٢، الإتحاف ٥٤٠/٢، والمحتسب ٣٢٢/٢،
والبحر ٢٧٣/٨ .
(٥) الكشاف ٤/ ١١١
(٦) الآية ٨١ من يونس وهي قراءة أبي عمرو. انظر: الدر ٢٤٩/٦.
(٧) الآية ٥٩ من يونس.
٣٤٠