النص المفهرس

صفحات 301-320

- الممتحنة -
مضارعاً. قال ابن عطية (١): ((وعُدِّي بالباء لأنك تقول: علمتُ بكذا)).
قوله: ((ومن يَفْعَلْه)) في الضمير وجهان، أظهرهما: أنه يعودُ على
الإِسرار؛ لأنه أقربُ مذكورٍ. والثاني: أنه يعودُ على الاتخاذ، قاله
ابنُ عطية(٢).
قوله: ((سواء السبيل)) يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً على الظَّرْفِ إنْ قلنا:
((ضَلَّ)) قاصرٌ، وأَنْ يكونَ مفعولاً به إنْ قلنا: هو متعدٍّ.
آ. (٢) قوله: ﴿ووَدُّوا لو تكفرون﴾: في ((وَدُّوا)) وجهان،
أحدهما: أنه معطوفٌ على جواب الشرطِ وهو قوله: ((يكونوا))
و((يَبْسُطوا))، قاله الزمخشري(٣). ثم رتَّب عليه سؤالاً وجواباً فقال: ((فإنْ
قلتَ: كيف أورَدَ جواب الشرط مضارعاً مثلَه ثم قال: ((وَدُّوا)) بلفظ
الماضي؟ قلت: الماضي وإنْ كان يجري في باب الشرط مَجْرى المضارع
في علم الإِعراب، فإن فيه نكتةً، كأنه قيل: ووذُّوا قبل كلِّ شيءٍ كُفْرَكم
وارتدادكم، يعني: أنهم يريدون أن يُلْحِقوا بكم مَضارَّ الدنيا والآخرةِ
جميعاً)). والثاني: أنه معطوفٌ على جملةِ الشرط والجزاء، ويكون تعالى
قد أخبر بخبَرَيْن: بما تَضَمَّنَتْه الجملةُ الشرطيةُ، وبودادتهم كُفْرَ المؤمنين.
وجعل الشيخُ(٤) هذا راجحاً، وأسقط به سؤالَ الزمخشريِّ وجوابَه فقال:
((وكان الزمخشريُّ فَهِمَ مِنْ قولِه: ((وَوَدُّوا)) أنه معطوفٌ على جوابٍ
الشرطِ. والذي يظهرُ أنه ليس معطوفاً عليه لأنَّ / ودادتَهم كفرَهم ليسَتْ [٨٥٠/ب]
(١) المحرر ٤٨٥/١٥.
(٢) المحرر ٤٨٥/١٥.
(٣) الكشاف ٤ / ٩٠.
(٤) البحر ٢٥٣/٨.
٣٠١

- الممتحنة -
مترتبةً على الظفر بهم والتسليطِ عليهم، بل هم وادُّون كفرَهم على كلِّ
حالٍ، سواءً ظَفِروا بهم أم لم يظفروا بهم)) انتهى.
قلت: والظاهرُ أنه عطفٌ على الجواب. وقوله: هم واذُّون ذلك
مُطلقاً مُسَلَّمٌ، ولكن ودادتَهم له عند الظفرِ والتسليطِ أقربُ وأطمعُ لهم
فيه .
وقوله: ((لو تكفرون)) يجوزُ أَنْ تكونَ لما سيقعُ لوقوع [غيرِه]، وأَنْ
تكونَ المصدريةَ عند مَنْ يرى ذلك، وقد تقدَّم تحريرهما في البقرة(١).
آ. (٣) قوله: ﴿يومَ القيامةِ﴾: يجوز فيه وجهان، أحدهما:
أَنْ يتعلَّقَ بما قبلَه أي: لن ينفعَكم يومَ القيامةِ فَيُوقَفُ عليه ويُبتدأ ((يَفْضِلُ
بينكم)). والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بما بعده أي: يَفْصِلُ بينكم يومَ القيامةِ،
فيوقف على ((أولادكم)) ويُبتدأ ((يوم القيامة)).
والقُرَّاء(٢) في ((يَفْصِلُ)) بينكم على أربع مراتبَ، الأولى: لابن عامر
بضم الياءِ وفتح الفاءِ والصادُ مثقَّلةٌ. الثانية:َ كذلك إلاّ أنَّه بكسرِ الصاد
للأخوَيْن. الثالثة: بفتح الياء وسكونِ الفاءِ وكسرِ الصاد مخففةً لعاصم.
الرابعة: بضمِّ الياء وسكونِ الفاءِ وفتح الصادِ مخففةً للباقين، وهم نافعٌ
وابنُ كثير وأبو عمروٍ هذا في السَبعة. وقرأ ابنُ أبي عبلةٍ وأبو حيوةَ بضم
الياء وسكون الفاء وكسر الصادِ مخففةً، مِنْ أَفْصَلَ. وأبو حيوة أيضاً
(نُفْصِلُ)) بضمُّ النونِ مِنْ أَفْصَلَ. والنخعيُّ وطلحة «نُفَصِّلُ» بضم النون
(١) انظر: الدر المصون ١٣/٢.
(٢) السبعة ٦٣٣، والبحر ٢٥٤/٨، والتيسير ٢١٠، والقرطبي ٥٥/١٨،
والحجة ٧٠٦، والنشر ٣٨٧/٢، والشواذ ١٥٥، والمحرر ٤٨٦/١٥ ..
٣٠٢

- الممتحنة -
وفتح الفاء وكسر الصاد مشددةً. وقرأ أيضاً وزيد بن علي ((نَفْصِلُ)) بفتح
النون وسكون الفاء وكسرِ الصاد مخففةً. فهذه أربعٌ فصارت ثمانٍ
قراءات .
فَمَنْ بناه للمفعولِ فالقائمُ مقام الفاعلِ: إمَّا ضميرُ المصدرِ أي:
يُفْصَلِ الفصلُ أو الظرف، وبُني على الفتح لإِضافته إلى غير متمكن
كقوله: ((لقد تَقَطَّعَ بَينكم)»(١) في أحدِ الأوجه، أو الظرفُ وهو باقٍ على
نصبه كقولك: ((جُلس عندَك)).
آ. (٤) قوله: ﴿في إبراهيمَ﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه متعلقٌ
بـ ((أُسْوة)) تقول: ((لي أُسْوَة في فلان)). وقد منع أبو البقاء(٢) أَنْ يتعلَّقَ
بها. قال: ((لأنها قد وُصِفَتْ)) وهذا لا يُبالىُ به لأنه يُغتفر في الظرفِ ما
لا يُغْتَقْر في غيره. الثاني: أنه متعلق بحسنة تعلُّقَ الظرفِ بالعامل.
الثالث: أنَّه نعتٌ ثانٍ لُأُسْوَة. الرابع: أنه حالٌ من الضمير المستترِ في
((حسنةً)). الخامس: أن يكونَ خبرَ كان، و ((لكم)) تبيينٌ. وقد تقدَّم لك
قراءتا ((أسْوة)) في الأحزاب(٣)، والكلامُ على مادتِها.
قوله: ((إذا قالوا)) فيه وجهان،: أحدهما: أنَّه خبرُ كان. والثاني:
أنه متعلقٌ بخبرها، قالهما أبو البقاء(٤). ومَنْ جَوَّزَ في ((كان)) أَنْ تعملَ في
الظرف عَلَّقه بها.
قوله: ((بُرَاءُ)) هذه قراءةُ العامَّةِ بضمِّ الباءِ وفتح الراءِ وألفٍ بين
(١) الآية ٩٤ من الأنعام.
(٢) الإملاء ٢٥٩/٢.
(٣) انظر إعرابه للآية ٢١.
(٤) الإملاء ٢٥٩/٢.
٣٠٣

- الممتحنة -
همزتَيْن، جمعَ بريء، نحو: كُرَماء في جمع كريم. وَعيسى(١) الهمذاني
بكسرِ الباء وهمزةٍ واحدةٍ بعد ألف (٢) نحو: كرام في جمع كريم .. وعيسى
أيضاً، وأبو جعفر، بضم الباءِ وهمزةٍ بعد ألف (٣). وفيه أوجهٌ، أحدُها:
أنه جمعُ بَرِيْء أيضاً، والأصلُ كسرُ الباءِ، وإنما أبدل من الكسرةِ ضمةً،
كـ رُخال (٤) ورُباب(٥) قاله الزمخشري (٦). الثاني: أنه جمعٌ أيضاً
لـ بَرِيء، وأصلُه برَاءَ كالقراءةِ المشهورة، إلَّ أنه حَذَفَ الهمزة الأولى
تخفيفاً، قاله أبو البقاء(٧). الثالث: أنه اسمُ جمع لـ بريء نحو: تُؤَام
وظُؤَار اسْمَيْ جمع لتَوْءَم وظِئْر. وقرأ عيسى أيضاً: ((بَراء)) بفتح الباء.
وهمزة بعد ألف كالتي في الزخرف (٨)، وصَحَّ ذلك لأنه مصدرٌ والمصدرُ
يقع على الجمع كوقوعِه على الواحد. قال الزمخشري(٩): ((والبراء
والبراءةُ كالظَّماءِ والظَّماءة)). وقال مكي (١٠): ((وأجاز أبو عمروٍ وعيسى
ابن عمر ((بِراء)) بكسر الباء جعله ككريم وكِرام. وأجاز الفراء (١١) ((بَراء)) بفتح
(١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٥٣٤/٢، والبحر ٢٥٤/٨، والقرطبي ٥٦/١٨،
والمحتسب ٣١٩/٢.
(٢) ((بِراء)).
(٣) بُراء.
(٤) رُخال: مفرده رِخْل، وهو الأنثى من أولاد الضأن.
(٥) رُباب: مفرده رُبَّى وهو الشاة.
(٦) الكشاف ٤ / ٩١.
الإملاء ٢٥٩/٢.
(٧)
(٨) ((إنني براءٌ ممَّا تعبدون)) الآية ٢٦.
(٩) الكشاف ٩١/٤.
(١٠) إعراب المشكل ٣٧١/٢.
(١١) أشار الفراء - حسبما ضبطه المحقق - إلى ضم الباء وكسرها. انظر: معاني
القرآن ٣/ ١٥٠.
٣٠٤

- الممتحنة -
الباء)) ثم قال: ((وبَراء في الأصلِ مصدرٌ)) كأنه لم يَطَّلِعْ عليها قراءةً
منقولةً .
قوله: ((إلَّ قولَ إبراهيمَ)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه استثناءٌ متصلٌ مِنْ
قولِهِ: ((في إبراهيم)) ولكنْ لا بُدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ ليصِحَّ الكلامُ، تقديرُه:
في مقالات إبراهيم/ إلَّ قولَه كيت وكيت. الثاني: أنه مستثنى مِنْ «أسوةٌ [٨٥١/أ]
حسنةٌ)) وجاز ذلك لأن القولَ أيضاً من جملة الأُسْوة؛ لأن الأسوةَ الاقتداءُ
بالشخص في أقواله وأفعاله، فكأنه قيل لكم: فيه أُسْوة في جميع أحوالِه
من قَوْلٍ وفِعْلٍ إلَّ قولَه كذا. وهذا عندي واضحٌ غيرُ مُخوِجٍ إلى تقديرٍ
مضافٍ وغيرُ مُخْرِجِ الاستثناءِ من الاتصالِ الذي هو أصلُه إلى الانقطاع،
ولذلك لم يذكُر الزمخشريُّ غيرَه قال(١): (فإنْ قلتَ مِمَّ استثنى قَولَه: «إلاَّ
قولَ إِبراهيمَ))؟ قلت مِنْ قولِه: ((أُسْوَةٌ حسنةٌ)) لأنه أرادَ بالأُسوةِ الحسنةِ
قولهم الذي حَقَّ عليهم أَنْ يَأْتَسُوا به ويتخذوه سنةً يَسْتَنُون بها. فإنْ
قلت: فإنْ كانَ قولُه: ((لأستغفرَنَّ لك)) مستثنى من القولِ الذي هو أُسْوَةٌ
حسنةٌ فما بالُ قولِه: ((وما أَمْلِكُ لكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شيءٍ»، وهو غيرُ حقيقٍ
بالاستثناء. ألا ترى إلى قوله: ((قل فَمَنْ يملكُ لكم من اللَّهِ شيئاً؟))(٢)
قلت: أرادَ استثناءَ جملةٍ قولِه لأبيه، والقصدُ إلى موعدِ الاستغفارِ له
وما بعده مبنيٌّ عليه وتابعٌ له. كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلّ
الاستغفارُ». الثالث: قال ابن عطية(٣): ((ويحتمل أن يكون الاستثناءُ من
التبرُّؤِ والقطيعة التي ذُكِرت أي: لم تُبُقِ صلةٌ إلَّ كذا)». الرابع: أنه استثناءٌ
(١) الكشاف ٤/ ٩٠ - ٩١.
(٢) الآية ١١ من الفتح.
(٣) المحرر ٤٨٨/١٥.
٣٠٥

- الممتحنة -
منقطع أي: لكنْ قبولُ إبراهيم. وهذا بناءً مِنْ قائليه على أنَّ القولَ
لم يَنْدَرِجْ تحت قوله: ((أُسْوة) وهو ممنوعٌ.
آ. (٥) قوله: ﴿ربَّنا﴾: يجوز أنْ يكونَ مِنْ مقولِ إبراهيمَ
والذين معه فهو من جملةِ الأُسْوَةِ الحسنةِ، وفَصَلَ بينهما بالاستثناءِ ويجوز
أَنْ يكونَ منقطعاً ممَّا قبله على إضمارٍ قولٍ، وهو تعليمٌ من الله تعالى
لعبادِه كأنَّه قال لهم: قولوا ربَّنا عليك تَوَكَّلْنا. والأولُ أظهرُ.
آ. (٦) قوله: ﴿لِمَنْ كان يَرْجو﴾: بدلٌ من الضمير في
(لكم)) بدلُ بعضٍ مِنْ كل. وقد تقدَّم مثلُه في الأحزاب(١). والضميرُ في
((فيهم)) عائدٌ على إبراهيم ومَنْ معه وكُرِّرَتْ الأُسْوةُ تأكيداً.
آ. (٨ - ٩) قوله: ﴿أَنْ تَبَزُّؤْهم، أَنْ تَوَلَّوْهم﴾: بدلان
من ((الذين)) قبلَهما بدلُ اشتمالٍ. والمعنى: لا ينهاكم اللَّهُ تعالى عن مَبَرَّةٍ
هؤلاء، إنما يَنْهاكم عن تَوَلِّي هؤلاء.
آ. (١٠) قوله: ﴿ولا هم يَحِلُّون لهُنَّ﴾: قيل: هو تأكيد
للأول لتلازُمِهِما. وقيل: أراد استمرارَ الحكم بينهم فيما يَسْتقبِلُ، كما هو
في الحال ما داموا مشركين وهُنَّ مؤمناتٌ. وقوله: ((المؤمنات)) تسميةٌ
للشيء بما يقارِبُه ويُشارِفُه أو في الظاهر. وقُرِىء(٢) «مُهاجراتٌ)) بالرفع
وخُرِّجَتْ على البدلِ والجملةُ مِنْ قولِه: ((اللَّهُ أعلمُ بإيمانهنَّ) فائدتُها:
بيانُ أنَّه لا سبيلَ لكم إلى ما تطمئنُّ به النفس ويُثلج الصدرَ من الإِحاطة
(١) الآية ٢١.
(٢) البحر ٢٥٦/٨.
٣٠٦

- الممتحنة -
بحقيقةِ إيمانهنَّ، فإنَّ ذلك ممَّا استأثر اللَّهُ به. قاله الزمخشري(١): وسُمِّي
الظنُّ الغالِبُ في قوله: (عَلِمْتُموهُنَّ) عِلْماً لما بينهما من القُرْب، كما يقع
الظنُّ موقعَه. وتقدَّم ذلك في البقرة.
وقوله: ((أَنْ تَنكِحُوْهُنَّ)) أي: في أَنْ. وقوله: ((إذا آتَيْتُمُوهُنَّ)) يجوزُ
أَنْ يكونَ ظرفاً مَحْضاً، وأَنْ يكونَ شرطاً، جوابُه مقدَّرٌ أي: فلا جُناحَ
علیکم.
قوله: ((ولا تُمْسِكوا)) قرأ (٢) أبو عمرو في آخرين بضم التاء وفتح
الميم وشدِّ السين، وباقي السبعة بتخفيفها مِنْ مَسَّك وأَمْسَك بمعنىّ
واحد. يقال: أَمْسَكْتُ الحَبْلِ إمساكاً ومَسَّكْتُه تَمْسيكاً. وفي التشديد
مبالغةٌ، والمخفَّفُ صالحٌ لها أيضاً. وقرأ الحسن وابنُ أبي ليلى
وأبو عمروٍ وابنُ عامرٍ في روايةٍ عنهما ((تَمَسَّكُوا) بالفتح في الجميعِ
وتشديدِ السينِ. والأصلُ: تَتَمسَّكوا بتاءين، فحُذِفَتْ إحداهما. وعن
الحسن أيضاً ((تَمْسِكوا)) مضارع مَسَكَ ثلاثياً. والعِصَمُ: جمع عِصْمة،
والكوافر: جمع كافرة كضَوارب في ضاربة. ويُحكى عن الكَرْخِيِّ(٣)
الفقيهِ المعتزليُّ أنه قال: الكوافِرُ يشملُ الرجال والنساءَ. قال الفارسي: / [٨٥١/ب]
((فقلت له: النَّحْويون لا يَرَوْن هذا إلَّ في النساءِ جمعَ ((كافرة)) فقال:
أليس يُقال: طائفة كافرة، وفِرْقَةٌ كافرة. قال أبو علي: فبُهِثُّ وقلتُ: هذا
(١) الكشاف ٤/ ٩٣.
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٣٤، والحجة ٧٠٧، والبحر ٨/ ٢٥٧،
والتيسير ٢١٠، والنشر ٣٨٧/٢، والقرطبي ٦٥/١٨.
(٣) محمد بن أحمد، أبو علي الكَرْخي رأس المعتزلة وداعيتهم. توفي سنة ٤٧٨.
انظر: سير الأعلام ٤٨٩/١٨.
٣٠٧

- الممتحنة -
تأييدٌ إلهيٌّ)) قلت: وإنما أُعْجِبَ بقوله لكونِه معتزليًّا مثله. والحقُّ أنه
لا يجوز «كافِرة)» وصفاً للرجال، إلاَّ أن يكونَ الموصوفُ مذكوراً نحو:
هذه طائفة كافرة، أو في قوة المذكور. أمَّا أنه يقال: ((كافرة)) باعتبار
الطائفة غير المذكورة، ولا في قوةِ المذكورة بل لمجردِ الاحتمالِ،
ويُجمِعِ جَمْعَ فاعِلة، فهذا لا يجوزُ. وقولُ الفارسي: «لا يَرَوْنَ هذا إلاَّ فِي
النساء)) صحيحٌ ولكنهِ الغالِبُ. وقد يُجْمَعُ فاعِل وصفُ المذكرِ العاقلِ على
فواعِل وهو محفوظ نحو: فوارِس ونواکِس.
قوله: ((يَحْكُمُ بينكم)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه مستأنفٌ لا محلَّ
له. والثاني: أنه حالٌ مِنْ ((حُكْمُ)). والراجعُ: إِمَّا مستترٌ أي: يحكم هو
أي: الحكم على المبالغةِ، وإمَّا محذوفٌ أي: يحكمُه. وهو الظاهرُ.
آ. (١١) قوله: ﴿شيءٌ مِنْ أزواجِكم﴾: يجوز أَنْ يتعلَّقَ
((مِنْ أزواجِكم)) بـ ((فاتَكم) أي: مِنْ جهةِ أزواجِكم. ويُراد بالشيء المَهْرُ
الذي غُرِّمَه الزوجُ؛ لأنَّ التفسيرَ وَرَدَ: أنَّ الرجلَ المسلمَ إذا فَرَّتْ زوجتُه
إلى الكفار أَمَرَ اللَّهُ تعالى المؤمنين أَنْ يُعْطُؤْه ما غُرُّمَه، وفَعَله النبيُّ
صلَّى الله عليه وسلَّم مع جمع مِن الصحابة، مذكورون(١) في التفسير،
ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوف على أنَّ صفةٌ لشيء، ثم يجوز في ((شيء)) أَنْ
يُرادَ به ما تقدَّم من المُهورِ، ولكن على هذا لا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ أي:
مِنْ مُهورِ أزواجِكم ليتطابقَ الموصوفُ وصفتُه، ويجوزُ أَنْ يُرادَ بشيء
النساءُ أي: شيءٌ من النساء أي: نوعٌ وصنفٌ منهنَّ، وهو ظاهرٌ، وصَفَه
بقوله: ((مِن أزواجِكم)).
(١) على تقدير: هم مذكورون، والأقرب (مذكورين)) على الصفة لجمع.
٣٠٨
.- .

- الممتحنة -
وقد صرَّح الزمخشري(١) بذلك فإنه قال: ((وإنْ سبقكم وانفَلَت
منكم شيءٌ مِنْ أزواجكم، أحدٌ منهن إلى الكفار وفي قراءة ابنٍ مسعود (٢)
((أحد)) فهذا تصريحٌ بأنَّ المرادَ بشيء النساءُ الفارَّاتُ. ثم قال(٣): («فإنْ
قلتَ: هل لإِيقاعِ ((شيء)» في هذا الموقع فائدةٌ؟ قلت: نعم الفائدةُ فيه:
أن لا يُغادِرَ شيئاً من هذا الجنس، وإنْ قَلَّ وحَقُر، غيرَ مُعَوَّضٍ منه، تَغْليظاً
في هذا الحكم وتشديداً فيه)) وَلولا نَصُّهُ على أنَّ المرادَ بـ ((شيء)) ((أحد)»
كما تقدَّم لكان قولُه(٤): ((أن لا يغادِرَ شيئاً من هذا الجنس وإن قَلَّ
وحَقُر)) ظاهراً في أنَّ المرادَ بـ ((شيءٍ)» المَهْرُ؛ لأنه يُؤْصَفُ بالقلة والحَقارة
وصفاً شائعاً. وقوله: ((تغليظاً وتشديداً) فيه نظرٌ؛ لأنَّ المسلمين ليس
[لهم](٥) تَسَبُّبٌ في فِرار النساءِ إلى الكفار، حتى يُغَلَّظَ عليهم الحكمُ
بذلك. وعَدَّى ((فات)) بـ ((إلى)) لأنه ضُمِّن معنى الفِرار والذَّهابِ والسَّبْقِ
ونحو ذلك.
قوله: ((فعاقَبْتُمْ)) عطفٌ على ((فاتَكم)). وقرأ العامَّةُ ((عاقَبْتُم)) وفيه
وجهان، أحدهما: أنَّه من العقوبة. قال الزجاج (٦): ((فعاقبْتُمُ: فَأَصَبْتُموهم
في القتالِ بعقوبةٍ حتى غَنِمْتُم)). والثاني: أنه من العُقْبة وهي النَّوْبَةُ، شبَّه
ما حَكَم به على المسلمين والكافرين مِنْ أداءِ هؤلاء مهورَ نساءِ أولئك
تارةً، وأولئك مهورَ نساءِ هؤلاء أخرى، بأُمْرٍ يتعاقبون فيه كما يُتُعاقَبُ في
(١) الكشاف ٤ / ٩٤.
(٢) معاني القرآن، للفراء ١٥١/٣.
(٣) الكشاف ٤ / ٩٤.
(٤) الأصل ((أو)) والتصحيح من الكشاف.
(٥) زيادة من ( ش ).
(٦) معاني القرآن ١٦٠/٥.
٣٠٩

- الممتحنة -
الرُّكوب وغيرِهِ، ومعناه: فجاءَتْ عُقْبَتُكم مِنْ أداء المَهْر)) انتهى(١).
وقرأ(٢) مجاهدٌ والأعرجُ والزهريُّ وأبو حيوةً وعكرمةُ وحميدٌ بِشَدِّ
القاف، دونَ ألفٍ، فَفَشَّرها الزمخشرُ(٣) على أصلِه بعَقَّبه إذا قفَاه؛ لأنَّ
كلَّ واحدٍ من المتعاقِبَيْنِ يَقْفي صاحبه وكذلك ((عَقَبْتُم)) بالتخفيف يقال:
((عَقَبِهِ يَعْقُبُه)) انتهى. قلت: والذي قرأه بالتخفيف وفتح القافِ النخعيُّ
وابن وثاب والزهري والأعرج أيضاً، وبالتخفيف وكسرَ القافِ مَسْروقٌ
والزهريُّ والنخعي أيضاً.
وقرأ مجاهد ((أَعْقَبْتُمْ)). قال الزمخشريُّ(٤) معناه: «دَخَلْتُم في
العُقْبة)).
وأمَّا الزجَّاجُ(٥) ففَسَّر القراءاتِ الباقيةَ: فكانت العُقْبى لكم أي:
كانت الغلبةُ لكم حتى غَنِمْتُم. والظاهرُ أنه كما قال الزمخشريُّ مِنْ
المعاقبة بمعنى المناوبة .. يقال: عاقَبَ الرجلُ صاحبَه في كذا أي: جاء
فِعْلُ كلِّ واحد منهما بعَقِبٍ فِعْلِ الآخرِ ويُقال: أَعْقَبَ أيضاً، وأُنشِد (٦):
(١) اقتبس المؤلف هذا النص من الكشاف ٩٤/٤ مع أنه لم ينصَّ عليه.
(٢) انظر في قراءاتها: المحتسب ٣١٩/٢، والإتحاف ٥٣٥/٢، والبحر ٢٥٧/٨،
والقرطبي ٦٩/١٨، والشواذ ١٥٥ .
(٣) الكشاف ٤/ ٩٤.
(٤) الكشاف ٤ / ٩٤.
(٥) معاني القرآن ٥/ ١٦٠.
(٦) البيت للكميت وهو في اللسان (عقب). وحاردت الإبل: انقطعت ألبانها
أو قلَّتْ. والنكد: التي ماتت أولادها. والجلاد: الغلاظ الجلود القصار
الشعور. وعقبة القدر: ما التزق بأسفلها.
٣١٠

- الممتحنة -
٤٢٥٥ - وحارَدَتِ النُّكْدُ الجِلادُ ولم يكُنْ
لعُقْبَةِ قِدْرِ المُسْتعيرِينَ مُعِقِبُ
آ. (١٢) قوله: ﴿يُبَايِعْنَكَ﴾: حالٌ. وشيئاً مصدرٌ أي: شيئاً
من الإشراك. وقرأ(١) علي والسُّلمي والحسن ((يُقَتِّلْن)) بالتشديد و ((يَفْتَرِيْنَه))
صفةٌ لبُهتان، أو حالٌ مِنْ فاعل ((يَأْتين)».
آ. (١٣) وقوله: ﴿غَضِبَ اللَّهُ﴾: صفةٌ لـ ((قَوْماً) وكذلك
((قد يَئِسُوا)).
قوله: ((من الآخرة)) ((مِنْ)) لابتداء الغاية أي: إنهم لا يُوقنون بالآخرةِ
البتةَ. و((من أصحاب القبور)) فيه وجهان، أحدُهما: أنها لابتداء الغايةِ
أيضاً، كالأولى، والمعنى: أنهم لا يُوقنون ببَعْثِ الموتى البتَةَ، فَيَأْسُهم
من الآخرةِ كيأسِهم مِنْ مَوْتاهم لاعتقادِهِم عَدَم بَعْثِهم. والثاني: أنَّها لبيانِ
الجنس، يعني / أنَّ الكفارَ هم أصحابُ القبورِ. والمعنى: أن هؤلاء [٨٥٢/أ]
يئسوا من الآخرة كما يَئِس الكفارُ، الذين هم أصحابُ القبور، مِنْ خيرٍ
الآخرة، فيكون متعلَّقُ ((يَئِس)) الثاني محذوفاً. وقرأ(٢) ابنُ أبي الزناد
(الكافرُ)) بالإِفراد. والله أعلمُ.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الممتحنة]
(١) البحر ٢٥٨/٨.
(٢) البحر ٢٥٩/٨.
٣١١

سورة الصف
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٣) قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتاً﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أَنْ يكونَ مِنْ
باب نِعْم وبِئْسَ، فيكون في ((كَبُرَ)) ضميرٌ مبهمٌ مفسَّرٌ بالنكرة بعدَه. («وأَنْ
تقولوا)) هو المخصوصُ بالذمِّ فيجيء فيه الخلافُ المشهورُ: هل رَفْعُه
بالابتداء، وخبره الجملة مقدمةً عليه، أو خبرُه محذوفٌ، أو هو خبرُ مبتدأ
محذوفٍ، كما تقدَّم تحريرُه. وهذه قاعدةٌ مُطَّردةٌ: كلُّ فعلِ يجوز التعجبُ
منه يجوزُ أَنْ يُبْنَى على فَعُلَ بضم العين ويَجْري مَجْرىُ نِعْم وبئس في
جميع الأحكام. والثاني: أنه من أمثلةِ التعجبِ. وقد عذَّه ابنُ عصفور (١)
في التعجبِ المبوبِ له في النحو فقال: ((صيغة ما أَفْعَلَه وأَفْعِلْ به ولَفَعُل
نحو: لَرَمُوَ الرجل)). وإليه نحا الزمخشري(٢) فقال: ((هذا مِنْ أفصحِ كلامٍ
وأبلغِه في معناه. قَصَدَ في (كَبُرَ)) التعجبَ من غير لفظه كقوله(٣) :
(١) شرح الجمل له ١/ ٥٧١.
(٢) الكشاف ٤/ ٩٧.
(٣) تمامه :
وجارةُ جَسَّاسِ أَيَأْنا بنابِها كُلَيْباً
وهو في شواهد الكشاف ٥٦١/٤. وجساس: قاتل كليب. وأبأنا: قابلنا من
البواء وهو التساوي في القصاص. والناب: الناقة ومعناه: ما أغلى ناباً بواؤها
كليب .
٣١٣

- الصف -
٤٢٥٦-
غلَتْ نابٌ كُلَيْبٌ بَواؤُها
ثم قال: ((وأَسْند إلى ((أَنْ تقولوا)) ونَصَبَ «مَقْناً)) على تفسيره دلالةٌ
على أنَّ قولَهم ما لا يفعلون مَقْتُ خالِصٌ لا شَوْبَ فيه)). الثالث: أنَّ كَبُرَ
ليس للتعجبٍ ولا للذَّمِّ، بل هو مُسْتَدٌ إلى ((أَنْ تقولوا)) و ((مَقْتاً» تمييزٌ
محولٌ من الفاعلية، والأصل: كَبُرَ مَفْتُ أَنْ يقولوا أي: مَقْتُ قَوْلِكم.
ويجوز أن يكونَ الفاعلُ مضمراً عائداً على المصدرِ المفهومِ مِنْ قولِهِ:
(لِم تقولونَ)) أي: كَبُر هو أي: القولُ مَقْتاً، و((أَنْ تقولوا)) على هذا: إما
بدلٌ من ذلك الضميرِ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: هو أن تقولوا، وقرأً(١)
زيد بن علي ((يُقَاتَلون)) بفتح التاءِ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. وقُرِىء ((يُقَتَّلون))
بالتشدید.
آ. (٤) قوله: ﴿صَفَّا﴾: نصبٌ على الحال أي: صافِين،
أو مَصْفُوفین.
قوله: ((كأنَّهمْ)) يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً ثانيةً مِنْ فاعل ((يُقاتِلون)»، وأنْ
يكونَ حالاً من الضمير في ((صَفَّاً) فتكونَ حالاً متداخلةً، قاله
الزمخشرُّ(٢)، وأن يكونَ نعتاً لصَفًّا، قاله الحوفيُّ: وعاد الضميرُ على
((صَفَّ)) جمعاً لأنه جمعٌ في المعنى كقوله: ((وإنْ طائفتان من المؤمنين
اقْتَتَلُوا))(٣) والمَرْصُوصُ قيل: المتلائمُ الأجزاءِ المُسْتَويها. وقيل: المعقود
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٢٦١/٨.
(٢) الكشاف ٤ / ٩٧.
(٣) الآية من ٩ من الحجرات.
٣١٤

- الصف -
بالرَّصاص. وقيل: هو من التضامِّ، مِنْ تراصٌ الأسنان. وقال الراعي(١):
٤٢٥٧- ما لَقِيَ البيضُ من الحُرْقوصِ
يَقْتَحُ بابَ المُغْلَقِ المَرْصوصِ
الحُرْقوص: دُوَيِبَّةٌ تُولَعُ بالنساءِ الأَبْكار.
آ. (٥) قوله: و﴿قد تعلمون﴾: جملةٌ حالية.
آ. (٦) قوله: ﴿مُصَدِّقاً﴾: حالٌ وكذلك ((مُبَشِّرا)) والعاملُ
(رسول)) لأنَّه بمعنى المُرْسَل. قال الزمخشري(٢): ((فإنْ قلتَ بِمَ انتصَبَ
مُصَدِّقاً مُبَشِّراً، أبما في الرسول مِنْ معنى الإِرسال أم بإليكم؟ قلت:
بمعنى الإِرسال؛ لأنَّ ((إليكم) صلةٌ للرسول، فلا يجوزُ أن تعملَ شيئاً،
لأَنَّ حروفَ الجرِّ لا تعملُ بأنفسِها، ولكنْ بما فيها مِنْ معنى الفعل، فإذا
وقعَتْ صِلاتٍ لم تتضمَّنْ معنى فعلٍ فِمِنْ أين تعملُ)) انتهى. يعني بقوله:
(صلات)) أنها متعلقةٌ برسول صلةً له، أي: متصلٌ معناها به، لا الصلةُ
الصناعيةُ. و((يأتي مِنْ بعدي)) و((اسمُه أحمدُ)) جملتان في موضع جرِّ نعتاً
الرسول أو («اسمهُ أحمدُ» في موضعِ نصبٍ على الحالِ مِنْ فاعل ((يَأْتِي)»
أو تكونُ الأولى نعتاً، والثانيةُ حالاً. وكونُهما حالَيْن ضعيفٌ لإِتيانِهما من
النكرة، وإنْ كان سيبويه(٣) يُجَوِّزه. و «أحمدُ» يَحْتمل النقلَ من الفعل
المضارع، أو من أفعلِ التفضيل، والظاهرُ الثاني، وعلى كلا الوجهين
فمنعُه من الصَرفِ العلميةِ والوزنِ الغالبِ، إلاّ أنه على الأول يمتنعُ معرفةً
(١) ليس في ديوانه. وهو في اللسان (حرقص) منسوباً لأعرابية، والبحر ٢٦٠/٨.
(٢) الكشاف ٤/ ٩٩.
(٣) انظر: الكتاب ٢٧٢/١، ٢٤٣،
٣١٥

- الصف -
وينصرف نكرةً، وعلى الثاني يمتنع تعريفاً وتنكيراً، لأنه تَخْلُفُ العلميةَ
الصفةُ. وإذا نُكِّر بعد كونِه عَلَماً جَرَىُ فيه خلافُ سيبويه (١) والأخفشِ،
وهي مسألةٌ مشهورة بين النحاة. وأنشد حسان رضي الله عنه يمدح النبي
صلَّى الله عليه وسلَّم وصَرَفَه(٢) :
٤٢٥٨- صلَّى الإِلهُ ومَنْ يَحُفُّ بعرشِه
والطيبونَ على المباركِ أحمدٍ
((أحمد)) بدل أو بيان للمبارك.
قوله: ((هذا سِخْرٌ)) قد تقدَّم خلافُ القراء فيها في المائدة (٣).
وقال الشيخ (٤) هنا: ((وقرأ الجمهور ((سِحْرٌ)) وعبد الله وطلحة
والأعمش وابن وثاب ((ساحر))، وترك ذِكْرَ الأخوَیْن.
آ. (٧) قوله: ﴿وهو يُدْعَى إلى الإِسلام﴾: جملةٌ حاليةٌ
مِنْ فاعلِ ((افترى))، وهذه قراءةُ العامَّةِ. وقرأ(٥) طلحة ((يَدَّعي)) بفتح الياء
والدال مشددة مبنياً للفاعل، وفيها تأويلان، أحدهما - قاله
الزمخشري(٦) - وهو أن يكونَ يَفْتَعِل بمعنى يَفْعَلُ نحو: لَمَسَه والتَمَسِه.
والضميران أعني (((هو)) والمستتر في ((يَذَّعي)) لله تعالى، وحينئذٍ تكون
[٨٥٢/ ب] القراءتان / بمعنى واحدٍ، كأنَّه قيل: واللَّهُ يدعو إلى الإِسلام. وفي
(١) انظر: الكتاب ٥/٢.
١
(٢) ديوانه ٢٧٠، والبحر ٨/ ٢٦٢.
(٣) انظر: الدر المصون ٤ / ٤٩٧.
(٤) البحر ٨/ ٢٦٢.
(٥) القرطبي ٨٤/١٨، والمحتسب ٣٢١/٢، والبحر ٢٦٢/٨.
(٦) الكشاف ٤ /٩٩.
٣١٦

- الصف -
القراءة الأولى يكون الضميران عائدَيْن على ((مَنْ)). والثاني: أنه مِنْ ادَّعى
كذا دَعْوَى، ولكنه لَمَّ ضُمِّن ((يَذَّعي)) معنى يَنْتَمي وينتسبُ عُدِّي بـ ((إلى))
وإلَّ فهو متعدٍّ بنفسه، وعلى هذا الوجهِ فالضميران لـ ((مَنْ)) أيضاً، كما
هي في القراءة المشهورة.
وعن طلحة أيضاً ((يُدَّعى)) مشددَ الدال مبنياً للمفعول. وخَرَّجَها
الزمخشريُّ(١) على ما تقدَّم مِنْ: اذَّعاه ودَعاه بمعنّى نحو: لَمَسه والتمسه.
والضميران عائدان على ((مَنْ)) عكسَ ما تقدَّم عنده في تخريج القراءة
الأولى فإنَّ الضميرَيْن لله تعالى، كما تقدَّم تحریرُه.
آ. (٨) قوله: ﴿لِيُطْفِئُوا﴾: في هذه اللام أوجهٌ، أحدُها: أنها
مزيدةٌ في مفعولِ الإِرادةِ. قال الزمخشريُّ (٢): ((أصلُهَ: يُريدون أَنْ يُطْفِئوا،
كما جاء في سورة التوبة(٣). وكأنَّ هذه اللامَ زِيْدَتْ مع فعل الإِرادة
توكيداً له لِما فيها من معنىُ الإِرادة في قولك: ((جِئتُ لأكرمَك)) كما
زِيْدَت اللامُ في («لا أبالك)) تأكيداً لمعنى الإضافةِ في ((لا أباك)). وقال
ابن عطية(٤): ((واللامُ في ((لِيُطْفِئوا)) لامٌّ مؤكِّدة دخلَتْ على المفعول لأنَّ
التقديرَ: يُريدون أَنْ يُطْفئوا. وأكثر ما تَلْزَمُ هذه اللامُ المفعولَ إذا تقدَّمَ.
تقول: ((لزيدٍ ضَرَبْتُ، ولِرؤيتِك قصَدْتُ)) انتهى. وهذا ليس مذهبَ سيبويه
وجمهورِ الناس(٥). ثم قولُ أبي محمد(٦): ((وأكثرُ ما تَلْزَمُ)) إلى آخره
(١) الكشاف ٩٩/٤.
(٢) الكشاف ٤/ ٩٩.
(٣) الآية ٣٢.
(٤) المحرر ٥٠٧/١٥.
انظر: الإنصاف ٥٧٥، والدر المصون ٦٦٠/٣.
(٦) أي ابن عطية.
٣١٧

- الصف -
ليس بظاهرٍ لأنه لا قُولَ بلزومِها البتةَ، بل هي جائزةُ الزيادةِ، وليسِ الأكثرُ
أيضاً زيادتَها جوازاً، بل الأكثرُ عَدَمُها.
الثاني: أنَّها لامُ العلة والمفعولُ محذوفٌ أي: يُريدون إبطالَ القرآنِ
أو دَفْعَ الإِسلام أو هلاكَ الرسولِ عليه السلام لِيُطْفِئوا.
الثالث: أنها بمعنى ((أَنْ)) الناصبةِ، وأنها ناصبةٌ للفعل بنفسِها. قال
الفراء (١): ((العربُ تجعلُ لامَ كي في موضع ((أَنْ)) في أرادَ وأمر» وإليه
ذهب الكسائيُّ أيضاً. وقد تقدَّم لك نحوٌ مِنْ هذا في قوله: ((يُريد اللَّهُ
ليبيِّنَ لكم)) في سورة النساء(٢).
قوله: ((مُتِمُّ نُوْرِه)) قَرأ(٣) الأخَوان وحفص وابن كثير بإضافة ((مُتِمُّ))
لـ (نورِه) والباقون بتنوينه ونصبِ «نورَه» فالإِضافةُ تخفيفٌ، والتنوينُ هو
الأصلُ. والشيخُ ينازِعُ في كونِهِ الأصلَ وقد تقدَّم. وقوله: ((واللَّهُ متُمُّ))
جملةٌ حالية مِنْ فاعلِ ((يريدون)) أو ((يُطفئوا)) وقوله: ((ولو كَرِه) حالٌ من
هذه الحالِ فهما متداخلان. وجوابُ ((لو)) محذوفٌ أي: أتَمَّه وأظهَره،
وكذلك ((ولو كره المُشْرِكون)).
آ. (١٠) قوله: ﴿تُنْجِيكم﴾: الجملةُ صفةٌ لـ ((تجارة)).
وقرأ (٤) ابن عامر ((تُنَجِّيكم)) بالتشديد. والباقون بالتخفيف. مِنْ أَنْجِىُ،
وهما بمعنىّ واحدٍ؛ لأن التضعيفَ والهمزةَ مُعَدِّيان.
(١) معاني القرآن له ١/ ٢٦١.
(٢) الآية ٢٦.
(٣) السبعة ٦٣٥، والحجة ٧٠٧، والبحر ٢٦٣/٨، والتيسير ٢١٠،
والنشر ٣٨٧/٢، والقرطبي ٨٥/١٨.
(٤) السبعة ٦٣٥، والحجة ٧٠٨، والبحر ٢٦٣/٨، والتيسير ٢١٠،
والنشر ٢٥٩/٢، والقرطبي ٨٧/١٨.
٣١٨

- الصف -
آ. (١١) قوله: ﴿تُؤْمِنون﴾: لا محلَّ له لأنه تفسير لتجارة.
ويجوز أَنْ يكونَ محلُّها الرفعَ خبراً لمبتدأ مضمرٍ أي: تلك التجارةُ
تؤمنون، والخبرُ نفسُ المبتدأ فلا حاجةَ إلى رابطٍ، وأَنْ تكونَ منصوبةً
المحلِّ بإضمارِ فعلٍ أي: أعني تؤمنون. وجاز ذلك على تقديرِ ((أَنْ)) وفيه
تَعَشُّفٌ. والعامَّةٌ على ((تُؤمنون)) خبراً لفظاً ثابتَ النون. وعبد الله(١)
((آمِنوا)) و((جاهِدوا)) أمرَيْن. وزيد بن علي ((تؤمنوا)) و ((تجاهِدوا)) بحذف
نونِ الرفع. فأمَّا قراءةُ العامَّة فالخبرُ بمعنى الأمرِ يَدُلُّ عليه القراءاتان
الشاذَّتان؛ فإن قراءةَ زيدٍ بنِ علي على حَذْفِ لام الأمر أي: لِتؤمنوا
ولتجاهِدوا كقوله(٢):
٤٢٥٩- محمدُ تَفْدِ نَفْسَك كلُّ نفس
وقوله: ((قل لعبادي الذين آمنوا يُقيموا))(٣) في وجهٍ أي: لِتَقْدِ،
وليقيموا، ولذلك جُزِمَ الفعلُ في جوابِه في قوله: ((يَغْفِرْ)) وكذلك
قولُهم(٤): ((اتقى اللَّهَ امرؤْ فَعَلَ خيراً يُثَبْ عليه)) تقديرُه: ليتقِ اللَّهَ. وقال
الأخفش(٥): ((إنَّ ((تؤمنون)) عطفُ بيان لتجارة)) وهذا لا يُتَخَيَّلُ إلَّ بتأويل
أن يكونَ الأصلُ: أنْ تؤمنوا فلمَّا حَذَفَ ((أن)) ارتفع الفعلُ كقوله (٦):
(١) انظر في قراءاتها: القرطبي ٨٧/١٨، والبحر ٢٦٣/٨، والشواذ ١٥٦.
(٢) تقدم برقم ٢٢٨٩.
(٣) الآية ٣١ من إبراهيم.
(٤) انظر: الكتاب ٤٥٢/١.
(٥) لم يرد هذا الإِعراب في كتابه معاني القرآن».
(٦) تقدم برقم ٥٢١.
٣١٩

- الصف -
٤٢٦٠- ألا أيُّهذا الزَّاجِريْ أَحْضُرُ الوغَى
الأصل: أن أَخْضُرَ. وكأنه قيل: هل أدلكم على تجارة مُنْجية:
إيمانٍ وجهاد. وهو معنى حسنٌ لولا ما فيه من التأويل. وعلى هذا
فيجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ تجارة. وقال الفراء (١): ((هو مجزومٌ على جوابٍ
الاستفهام وهو قولُه: ((هل أدلكم)) واختلف الناسُ في تصحيح هذا
[٨٥٣/ ١] القولِ: فبعضُهم / غلَّطه. قال الزجاج(٢): ((ليسُوا إذا دَلَّهم على ما ينفعهم
يَغْفِرُ لهم، إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا))(٣) يعني أنه ليس مرئَباً على
مجرد الاستفهام ولا على مجرَّدِ الدلالة. وقال المهدوي: ((إنما يَصِحُ
حَمْلاً على المعنى وهو أَنْ يكونَ ((يؤمنون)) ويُجاهدون عطفَ بيان على
قولِه: «هل أدلكم)) كأنَّ التجارةَ لم يُدْرَ ما هي؟ فَبُيَِّتْ بالإِيمان والجهاد،
فهي هما في المعنى فكأنه قيل: هل تُؤمنون وتجاهدون؟ قال: فإِنْ
لم تقدِّر هذا التقديرٌ لم يَصِحَّ؛ لأنه يَصيرُ: إِنْ دُلِلْتُمْ يَغْفِرْ لكم، والغُفْرانُ
إنما يجبُ بالقَبولِ والإِيمانِ لا بالدَّلالةِ. وقال الزمخشري قريباً (٤) منه.
أيضاً. وقال أيضاً: ((إنَّ ((تُؤْمنون)) استئنافٌ، كأنهم قالوا: كيف نعملُ؟
فقال: تؤمنون)). وقال ابن عطية(٥): ((تُؤْمنون فعلٌ مرفوعٌ، تقديرُه: ذلك
(١) لم يذكر مسألةُ الجزم في معاني القرآن (١٥٤/٣) وإنما أجاز تقدير ((أنّ))
وطرحها: ((تقول للرجل: هل لك في خير تقوم بنا إلى المسجد فتصلي وإن
قلت: ((أن نقوم إلى المسجد)) كان صواباً».
(٢) معاني القرآن له ١٦٦/٥.
(٣) قال: ((إنما هو جواب ((تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون يغفر لكم)).
(٤) الكشاف ٤/ ٩٩ - ١٠٠.
(٥) المحرر ٥٠٩/١٥.
٣٢٠