النص المفهرس
صفحات 281-300
- الحشر - وقال آخر (١): ٤٢٤٧ - قد جَفاني الأحبابُ حين تَغَنَّوا بفراقِ الأحبابِ مِنْ فوقٍ لَيْنَهْ وقيل هي أغصان الشجر للينها. وفي عين ((لِينة)) قولان، أحدهما: أنها واوٌ لأنه من اللون، وإنما قُلِبَتْ ياءً لسكونِها وانكسارِ ما قبلَها كدِيْمة وقيمة. الثاني: أنها ياءٌ لأنها من اللِّين. وجَمْعُ اللُينة لِيْن لأنه من بابِ اسم الجنس كتَمْرة وتَمْر. وقد كُشِّر على ((لِيان)) وهو شاذّ؛ لأنَّ تكسيرَ ما يُفَرَّقُ بتاءِ التأنيث شاذٌ كَرُطَبَة ورُطَب وأَرْطاب. وأُنَشد (٢): ٤٢٤٨_ وسالفةٌ كسَحُوْقِ اللّيا ن أَضْرَمَ فيه الغَوِيُّ الشُّعُرْ / والضميرُ في ((تَرَكْتموها)) عائدٌ على معنى ((ما)) وقرأً (٣) عبدُ الله [٨٤٨/أ] والأعمش وزيدُ بن علي (قُؤَّماً» على وزنِ ضُرَّب؛ جمعَ ((قائم)) مراعاةً لمعنى (ما)) فإنه جمعٌ. وقُرِىءَ ((قائماً)) مفرداً مذكراً. وقُرِىء (٤) ((أُصُلِها)) بغير واو. وفيه وجهان، أحدهما: أنه جمعُ ((أَصْلِ)) نحو: رَهْن ورُهُن. والثاني: أن يكونَ حَذَفَ الواوَ استثقالاً لها. (١) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٩/١٨. (٢) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ١٦٥ واللسان (لون). والسالفة: العنق. والسحوق: الطويلة. وفي الديوان ((اللُّبان)) بالباء وهو ضَرْبٌ من الشجر. والغويُّ: الغاوي. والسعر: ج سعير هو شدَّة الوقود. وأراد أنها شقراء . (٣) انظر في قراءاتها: القرطبي ١٠/١٨، والبحر ٢٤٤/٨. (٤) القرطبي ١٠/١٨، والبحر ٢٤٤/٨. ٢٨١ من الحشرـ قوله: ((ولِيُخْزِيَ)) اللامُ متعلقةٌ بمحذوفٍ، أي: ولِيُخْزِيَ أَذِنَ في قَطْعِها، أو ليُسِرَّ المؤمنين ويُعِزَّهم ولِيُخْزِيّ. آ. (٦) قوله: ﴿فما أَوْجَفْتُمْ﴾: الفاءُ جواب الشرطِ، أو زائدةٌ، على أنها موصولةٌ مضمَّنَةٌ معنى الشرط. و ((ما)) نافيةٌ. والإِيجافُ: حَمْلُ البعيرِ على السيرِ السريع يقال: وَجَفَ البعير يَجِفُ وَجْفاً ووَجِيْقاً ووَجَفاناً. وأَوْجفْتُه أنا إيجافاً. قال العَجَّاجِ(١): ٤٢٤٩- ناجِ طواه الأَيْنُ مِمَّا وَجَفا وقال نُصَيب(٢). ٤٢٥٠ - ألا رُبَّ رَكْبٍ قد قَطَعْتُ وجِيفَهم إليك ولولا أنت لم تُوجِفِ الرَّكْبُ قوله: ((من خيلٍ)) ((مِنْ)) زائدةٌ، أي: خَيْلاً. والرِّكاب: الإِبلُ. آ. (٧) قوله: ﴿ما أفاء الله﴾: قال الزمخشري(٣): ((لم يُدْخِلِ العاطفَ على هذه الجملةِ لأنها بيانٌ للأولى، فهي منها غيرُ أجنبيةٍ». (١) البيت للعجاج وهو في ديوانه ٢٣٢/٢، والكتاب ١٨٠/١. وهو في وصف بعير أضمره السير حتى اعوجّ من الهزال كما يرجع البدر بمرور الليالي هلالاً معوجاً. والناجي: السريع. والأين: الإِعياء. والوجيف سير سريعٌ. وبعده: طَيَّ اللياليْ زُلفاً فَزَلَفَا سماوَة الهلالِ حتى احْقَوْقَفا (٢) ليس في ديوانه. وهو في تفسير الماوردي ٤/ ٢١٠، والبحر ٢٤/٨. (٣) الكشاف ٤/ ٨٢. ٢٨٢ : - الحشر - قوله: (يكونَ دُوْلَةً)) قرأ(١) هشام ((تكون)» بالتاء والياء(٢) «دُوْلةٌ» بالرفع فقط، والباقون بالياء مِنْ تحتُ ونصب دُوْلَةً. فأمَّا الرفعُ فعلى أنَّ ((كان)) التّامَّةُ. وأمَّا التذكيرُ والتأنيثُ فواضحان لأنه تأنيثُ مجازيٍّ. وأمَّا النصبُ فعلى أنها الناقصةُ. واسمُها ضميرٌ عائدٌ على الفَيْءِ، والتذكيرُ واجبٌ لتذكيرِ المرفوع. و ((دُولة)) خبرها. وقيل: عائد على ((ما)) اعتباراً بلفظِها. وقرأ العامَّةُ ((دُوْلة)) بضم الدال. وعلي(٣) بن أبي طالب والسُّلميُّ بفتحِها. فقيل: هما بمعنىّ وهما ما يَدُول للإِنسان، أي: يدور من الجِدِّ والعَناءِ والغَلَبة. وقال الحُذَّاقُ من البصريين والكسائيُّ: الدَّولة بالفتح: من المُلك بضم الميم، وبالضم من المِلْكِ بكسرِها، أو بالضمّ في المال، وبالفتح في النُّصْرة وهذا يَرُدُّه القراءة المرويَّةُ عن علي والسلمي؛ فإنَّ النصرةَ غيرُ مرادةٌ هنا قطعاً. و ((كيلا)) علةٌ لقولِه: «فللَّهِ وللرسول))، أي: استقرارُه لكذا لهذه العلّةِ. آ. (٨) قوله: ﴿للفقراءِ﴾: فيه ثلاثةُ أوجهِ، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ ((لذي القُرْبى)) قاله أبو البقاء (٤) والزمخشري(٥). قال أبو البقاء: ((قيل هو بدلٌ مِنْ ((لذي القُربى)) وما بعده). وقال الزمخشري: ((بدلٌ مِنْ قوله ((ولذي القُربىُ)) وما عُطِف عليه. والذي مَنَعَ الإِبدالَ مِنْ لله وللرسول)» (١) التيسير ٢٠٩، والنشر ٣٨٦/٢، والقرطبي ١٦/١٨، والبحر ٢٤٥/٨، الإتحاف ٥٣٠/٢، والمحتسب ٣١٦/٢. (٢) الجمَّال والداجوني عنه بالتذكير، وأكثر طرق الحلواني عنه بالتأنيث. انظر: الإتحاف ٢/ ٥٣٠. (٣) البحر ٢٤٥/٨، والقرطبي ١٦/١٨. الإملاء ٢٥٨/٢. (٤) (٥) الكشاف ٣/ ٨٣. ٢٨٣ - الحشر - والمعطوفِ عليهما وإنْ كان المعنى لرسول الله أن اللهَ عزَّ وجلَّ أخرجَ رسوله من الفقراءِ في قوله: ((ويَنْصُرُون اللهَ ورسولَه)) وأنه تعالى يترقَّعُ برسوله عن تسميته بالفقير، وأنَّ الإِبدالَ على ظاهرِ اللفظ من خلافٍ الواجب في تعظيم اللهِ عزَّ وجلَّ)) يعني لو قيل: بأنَّ بَدَلٌ مِنْ (الله)) وما بعده لَزِمَ فيه ما ذُكِرَ: مِنْ أنَّ البدلَ على ظاهرِ اللفظِ يكونُ من الجلالةِ فيُقال: (للفقراء)) بدلٌ مِنْ (الله)) ومِنْ ((رسولِه)) وهو قبيحٌ لفظاً، وإن كان المعنى على خلافِ هذا الظاهرِ، كما قال: إن معناه لرسولِ الله، وإنما ذُكر اللهُ عزَّ وجلَّ تفخيماً، وإِلاَّ فاللهُ تعالى غنيٌّ عن الفَيْءٍ وغيره، وإنما جعله بدلاً مِنْ ((لذي القُربىُ)) لأنه حنفيٌّ، والحنفية يشترطون الفقرَ في إعطاءِ ذوي القُربىْ مِنَ الفَيْءِ. الثاني: أنه بيانٌ لقولِه ((والمساكين وابن السبيل)) وكُرِّرتْ لامُ الجر لَمَّا كانت الأولى مجرورةٌ باللام؛ ليُبيِّنَ أنَّ البدلَ إنما هو منها، قاله ابنُ عطية (١)، وهي عبارةٌ قَلِقَةٌ جداً. الثالث: أن ((للفقراء» خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: ولكنَّ الفَيْءَ للفقراء. وقيل: تقديرُه: ولكن يكونُ (للفقراء)). وقيل: تقديرُه: اعجَبوا للفقراء. قوله: ((يَبْتَغُون)) يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً. وفي صاحبِها قولان، أحدهما: للفقراء. والثاني: واو ((أُخْرِجوا)) قالهما مكي(٢). آ. (٩) قوله: ﴿والذين تَبَوَّؤُوا﴾: يجوزُ فيه وجهان، أحدهما: أنه عطفُ على الفقراء، فيكونُ مجروراً، ويكونُ من عَطْفٍ (١) المحرر ٤٦٨/١٥ (٢) إعراب المشكل ٣٦٧/٢. ٢٨٤ - الحشر - المفرداتِ، ويكون ((يُحبُّون)) حالاً. والثاني: أَنْ يكونَ مبتدأ، خبُره (يُحِبُّون))، ويكون حينئذٍ مِنْ عطفِ الجُمل. قوله: ((والإِيمانَ)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه ضُمِّنَ ((تَبَوَّؤوا)) معنى لزِموا، فَيَصِحُ عَطْفُ الإِيمان عليه؛ إذ الإِيمانُ لا يُتْبَوَّأ. والثاني: أنه منصوبٌ بمقدرٍ، أي: واعتقدوا، أو وأَلِفوا، أو وأحَبُّوا. الثالث: أن يُتَجَوَّز في الإِيمان فيُجْعَلَ لاختلاطِه بهم وثباتِهِم عليه كالمكانِ المُحيطِ بهم، فكأنَّهم نَزَلوه، وعلى هذا فيكونُ جَمَعَ بين الحقيقةِ والمجازِ في كلمةٍ واحدةٍ، وفيه خلافٌ مشهورٌ. الرابع: أَنْ يكونَ الأصلُ: / دارَ [٨٤٨/ب] الهجرة ودارَ الإِيمان، فأقامَ لامَ التعريفِ في الدار مُقام المضافِ إلیه، وحَذَفَ المضافَ مِنْ دار الإِيمان، ووَضَعَ المضافَ إليه مَقامه. الخامسُ: أَنْ يكونَ سَمَّى المدينة لأنَّها دارُ الهجرة ومكانُ ظهورِ الإِيمان بالإِيمان، قال هذين الوجهَيْن الزمخشريُّ(١)، وليس فيه إلَّ قيامُ أل مَقامَ المضافِ إليه، وهو مَحَلُّ نَظَرِ، وإنما يُعْرَفُ الخلافُ: هل تقوم أل مَقامَ الضميرِ المضافِ إليه؟ الكوفيون(٢) يُجيزونه كقولِه تعالى: ((فإنَّ الجنةَ هي المأْوى)»(٣)، أي: مَأْواه، والبصريون يمنعونه ويقولون: الضميرُ محذوفٌ، أي: المَأوى له وقد تقدَّمَ تحريرُ هذا. أمَّا كونُها عِوَضاً من المضاف إليه فلا نَعْرِفُ فيه خلافاً. السادس: أنَّه منصوبٌ على المفعولِ معه، أي: مع الإِيمان معاً، قاله ابن عطية (٤)، وقال: ((وبهذا الاقترانِ يَصِحُ معنى قولِه ((مِنْ قبلهم)) (١) الكشاف ٤/ ٨٣. (٢) انظر: المغني ٧٧ . (٣) الآية ٣٩ من سورة النازعات. (٤) المحرر ٤٦٩/١٥. ٢٨٥ - الحشر - فتأمَّلْه)) قلت: وقد شَرَطوا في المفعول معه أنَّه يجوز (١) عَطْفُه على ما قبلَه حتى جَعَلوا قولَه ((فَأَجْمِعُوا أَمْرَكم وشركاءَكم))(٢) مِنْ بابِ إضمار الفعل. لأنَّه لا يُقال: أجمعتُ شركائي إنما يقال جَمَعْتُ، وقد تقدَّم القولُ فِي : ذلك - ولله الحمد - مشبعاً(٣). قوله: ((حاجةٌ مِمَّا أُوْتُوا)) فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ الحاجةَ هنا على بابِها من الاحتياج، إلَّ أنها واقعةٌ مَوْقِعَ المحتاجِ إليه، والمعنَى: ولا يجدون طَلَبَ محتاج إليه ممَّا أُوْتي المهاجرون من الفيءُ وغيرِهِ، والمُحتاج إليه يُسَمَّى حاجةً تقول: خُذْ منه حاجتك، وأعطاه مِنْ مالِه حاجته، قاله الزمخشري(٤). فعلى هذا يكون الضميرُ الأول للجائين مِنْ بعدِ المهاجرين، وفي ((أُوْتوا)) للمهاجرين. والثاني: أنَّ الحاجةَ هنا مِن الحَسَدِ، قاله بعضُهم، والضميران على ما تقدَّم قبلُ. وقال أبو البقاء(٥): مَسَّ حاجةٍ، أي: إنه حُذِف المضافُ للعلم به، وعلى هذا فالضميران للذين تبوَّؤوا الدارَ والإِيمان. قوله: ((ولو كان بهم» واوُ الحال وقد تقدَّم الكلامُ عليها(٦). (١) كذا في الأصل. والصواب ((لا يجوز)) قال ابن مالك في الكافية الشافية٠ ٦٩٣/٢، والنصب إن لم يَجُز العطف يجب. وإذا ضعف العطف رجح النصب على المعية . (٢) الآية ٧١ من سورة يونس. (٣) انظر: الدر المصون ٢٤٠/٦. (٤) الكشاف ٨٤/٤ قال: ((يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطمح إلى شيءٍ منه یُحتاج إلیه». (٥) الإملاء ٢٥٩/٢. (٦) انظر: الدر ٤١٧/٢، ٣٠٧/٣. ٢٨٦. - الحشر - والخَصاصَةُ: الحاجةُ، وأصلُها مِنْ خَصاصِ البيت، وهي فُروجهُ، وحالُ الفقير يتخَلَّلُها النَّقْصُ، فاسْتُعير لها ذلك. قوله: ((ومَنْ يُوْقَ)) العامَّةُ على سكون الواو وتخفيفِ القافِ مِنْ الوقاية. وابنُ أبي عبلة(١) وأبو حيوة بفتح الواو وشدِّ القافِ. والعامَّةُ بضمِّ الشينِ مِنْ ((شُحَّ)» وابنُ أبي عبلة(٢) وابنُ عمر بكسرها. آ. (١٠) قوله: ﴿والذين جاؤُوا﴾: يحتمل الوجهَيْن المتقدمَيْن في ((الذين)» قبلَه، فإن كان معطوفاً على المهاجرين فـ((يقولون)» حالٌ كـ ((يُحِبُّون)) أو مستأنف، وإنْ كان مبتدأً فـ ((يقولون)) خبرُه. آ. (١١) قوله: ﴿الإِخوانِهِم﴾: اللامُ هنا للتبليغ فقط بخلافٍ قوله: ((وقال الذين كفروا للذين آمنوا)) فإنَّها تحتملُ ذلك وتحتمل العلةَ، وقوله: ((ولا نُطيعُ فيكم)»، أي: في قتالِكم، أو في خِذْلانكم. وقوله: ((وإنْ قُوْتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم)) أُجيب القسمُ المقدرُ لأنَّ قبل ((إنْ)) لاماً (٣) موطِّئة حُذِفَتْ للعِلْم بمكانِها، فإنَّ الأكثرَ الإِتيانُ بها. ومثلُه قولُه: ((وإنْ لم يَنْتَهوا عَمَّا يقولون لَيَمَسَّنَ))(٤) وقد تقدَّم. آ. (١٢) قوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجوا لا يَخْرُجون﴾: إلى آخره أُجيب القسمُ لسَبْقِه، ولذلك رُفِعَتِ الأفعالُ ولم تُجْزَمْ، وحُذِفَ جوابُ الشرطِ لدلالةِ جوابٍ القسم عليه، ولذلك كان فِعلُ الشرطِ ماضياً. وقال (١) الشواذ ١٥٤، والكشاف ٤/ ٨٤. (٢) البحر ٢٤٧/٨. (٣) الأصل ((لام)) وهو سهو. (٤) الآية ٧٣ من المائدة. ٢٨٧ - الحشر - أبو البقاء(١): ((قولُه: ((لا يَنْصُرُوْنَهم)) لَمَّا كان الشرطُ ماضياً تُرِكُ جَزْمُ الجوابِ)) انتهى. وهو غَلَطْ؛ لأنَّ ((لا يَنْصُرونهم)) ليس جواباً للشرطِ، بل هو جوابٌ للقسم، وجواب الشرطِ محذوفٌ كما تقدَّمَ تقريرُه، وكأنه توهّم أنه من بابٍ قوله(٢): : ٤٢٥١- وإن أتاه خليلٌ يومَ مَسْأَلَةٍ يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ وقد سبق أبا البقاء ابنُ عطية (٣) إلى ما يُؤْهِم شيئاً من ذلك، ولكنه صرَّح بأنه جوابُ القسم، وقال: ((جاءت الأفعالُ غير مجزومةٍ في ((لا يَخْرجون)) ولا ((يَنْصُرون)) لأنها راجعةٌ على حكم القسم لا على حكمٍ الشرط. وفي هذا نظرٌ)) وقوله: ((وفي هذا نظر)) مُؤْهِمٌ أنه جاء على خلافٍ ما يقتضيه القياسُ، وليس كذلك، بل جاء على ما يَقْتضيه القياسُ. وفي هذه الضمائرِ قولان، أحدهما: أنها كلَّها للمنافقين. والثاني: أنها مختلفةٌ، بعضُها لهؤلاء وبعضُها لهؤلاء. آ. (١٣) قوله: ﴿لَأَنتم أشدُّ رهبةً﴾: ((رهبةً)) مصدرٌ مِنْ رُهِبَ المبنيُّ للمفعولِ، فالرهبةُ واقعةٌ من المنافقين لا مِنْ المخاطبين، كأنه قيل: لأنتم أشدُّ مرهوبيَّةً في صدورِهم من اللهِ فالمخاطبون مرهوبون، وهو كقولِ كعبٍ بن زهير - رضي الله عنه - في مَدْح رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم (٤): (١) الإملاء ٢٥٩/٢. (٢) تقدم برقم ١٢٣١ . (٣) المحرر ٤٧٣/١٥ : ..--- (٤) ديوانه ٢١، وجمهرة أشعار العرب ٧٩٧/٢. والغيل: الشجر الملتفُّ: مخدره: مکان خدوره، أي: إقامته. ٢٨٨ - الحشر - ٤٢٥٢- فَلَهْوَ أَخْوَفُ عندي إذ أُكَلِّمُهُ وقيل: إنك محبوسٌ ومقتولُ مِنْ ضَيْغَمٍ بِثَراءِ الأرضِِ مُخْدَرُه بَيَطْنِ عَثَّرَ غِيْلٌ دونَه غِيْلُ و ((رَهْبةً)) تمییز. آ. (١٤) قوله: ﴿جميعاً﴾: حالٌ و ((إلاَّ فِي قُرَىّ)) متعلقٌ بـ «یُقاتِلونکم». وقوله: ((جُدُر)) قرأ(١) ابنُ كثير وأبو عمرو ((جدار)) بالإِفرادِ. وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه أرادَ به السُّوْرَ، والسُّؤْرُ الواحد يَعُمُّ الجميعَ من المقاتِلةِ ويَسْتُرهم. والثاني: أنه واحدٌ في معنى الجمع لدلالة السِّاقِ عليه. والثالث: أنَّ كلَّ فِرْقة منهم وراءَ جدار، لا أنَّهم كلَّهم وراءَ جدار. والباقون قَرَؤُوا جُدُر بضمتين / اعتباراً بأنَّ كلَّ فِرْقٍ وراءَ جِدار، فجُمِعَ لذلك. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن وثاب والأعمش، ويُروى عن ابن كثير وعاصم بضمةٍ وسكونٍ، وهي تخفيفُ الأولى. وقرأ ابن كثير أيضاً في رواية هارونَ عنه، وهي قراءةُ كثيرٍ من المكيين ((جَدْرٍ)» بفتحة وسكون فقيل: هي لغةٌ في الجدار. وقال ابن عطية(٢): ((معناه أصلُ بنيانٍ كالسُّور ونحوه)» قال(٣): ((ويُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ جَدْر النخيل، أي: أو مِنْ [٨٤٩/ أ] (١) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٣٢، والبحر ٢٤٩/٨، والتيسير ٢٠٩، والحجة ٧٠٥، والنشر ٣٨٦/٢، والقرطبي ٣٥/١٨، والشواذ ١٥٤، والمحرر ٤٧٤/١٥. (٢) المحرر ٤٧٤/١٥. (٣) قال هذا بعد أن نقل قراءة جُذْر. ٢٨٩ - الحشر - وراءِ نخيلهم. وقُرِىء ((جَدّر)) بفتحتين حكاها الزمخشريُّ(١)، وهي لغةٌ في الجدار أيضاً. قوله: ((بينَهم)) متعلّقٌ بشديد و ((جميعاً)) مفعولٌ ثانٍ، أي: مجتمعين و «قلوبُهم شَتَّى)» جملةٌ حاليةٌ أو مستأنفةٌ للإِخبار بذلك. والعامَّةُ على (شتى)) بلا تنوينٍ لأنَّها ألفُ تأنيثٍ. ومِنْ كلامهم: ((شتی تَؤُوب الحَلَبةُ))(٢)، أي: متفرِّقين. وقال آخر (٣): ٤٢٥٣ - إلى اللهِ أَشْكو فِتْنَةً شَقَّت العِصا هي اليومَ شَتَّى وهي أَمْسِ جمِیعُ وقرأ(٤) مبشر بن عبيد ((شتىّ)) منونة، كأنه جعلها ألفَ الإِلحاق. آ. (١٥) قوله: ﴿كَمَثَلِ الذين﴾: خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: مثلُهم مثلُ هؤلاء. و ((قريباً)) فيه وجهان، أحدهما: أنَّه منصوبٌ بالتشبيه المتقدم، أي: يُشَبُّهونهم في زمنٍ قريب سيقع لا يتأخر، ثم بَيِّنَ ذلك بقوله: ((ذاقُوا وَبَالَ أَمْرِهم)). والثاني: أنه منصوبٌ بـ ((ذاقوا))، أي: ذاقوه في زمنٍ قريب سيقع ولم يتأخّرْ. وانتصابُه في وجهَيْه على ظرف الزمان. وقوله: ((كمثل الشيطان)»(٥) كالبيان لقوله: ((كمثل الذين مِنْ قبلهم)). آ. (١٧) قوله: ﴿فكان عاقبتَهما﴾: العامَّةُ على نصب (١) الكشاف ٤/ ٨٥. (٢) مثل عربي. انظر: مجمع الأمثال ١/ ٣٥٨. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في الماوردي ٢١٥/٤، والقرطبي ٣٦/١٨. (٤) البحر ٢٤٩/٨. (٥) في الآية ١٦. ٢٩٠ - الحشر - ((عاقبَتَهُما)» بجَعْلِه خبراً، والاسمُ ((أنَّ) وما في حَيّرها؛ لأنَّ الاسمَ أَعْرَفُ مِنْ ((عاقبتَهُما)). وقد تقدَّم تحريرُ هذا في آل عمران (١) والأنعام(٢). وقرأ(٣) الحسن وعمرو بن عبيد وابن أرقم (٤) برفعِها على جَعْلِها اسماً، و ((أنّ) وما في حَيُِّها خبراً كقراءةِ ((ثم لم تكنْ فتنَتُّهم إلاَّ أَنْ قالوا))(٥). قوله: ((خالدَيْن)) العامَّةُ على نَصْبِه حالاً من الضمير المستكنِّ في الجارِّ لوقوعِه خبراً. وعبد الله (٦) وزيد بن علي والأعمش وابن أبي عبلة برفعِه خبراً، والظرفُ مُلْغَى فيتعلَّق بالخبر، وعلى هذا فيكون تأكيداً لفظياً للحرفِ وأُعيد معه ضميرُ ما دَلَّ عليه كقوله: ((ففي الجنة خالدين فيها))(٧) وهذا على مذهب سيبويه(٨) فإنه يُجيز إلغاءَ الظرفِ وإنْ أُكِّدَ، والكوفيون يَمْنَعونَه وهذا حُجَّةٌ عليهم. وقد يُجيبون: بأنَّا لا نُسَلُّمُ أَنَّ الظرفَ في هذه القراءةِ مُلْغَى، بل نجعلُه خبراً لـ((أنَّ) وخالدان خبرٌ ثانٍ، وهو مُحْتِمِلٌ لِما قالوه إلاَّ أنَّ الظاهرَ خلافُه. آ. (١٨) قوله: ﴿وَلْتَنْظُرْ﴾: العامَّةُ على سكونِ لامِ الأمرِ. وأبو حيوة(٩) ويحيى بنُ الحارث بكسرِها على الأصل. والحسنُ بكسرها (١) انظر: الدر المصون ٤٣٣/٣. (٢) انظر: الدر المصون ٤/ ٥٧٢. (٣) الإتحاف ٥٣١/٢، والبحر ٢٥٠/٨، والقرطبي ٤٢/١٨، والشواذ ١٥٤. (٤) سليمان بن أرقم أبو معاذ البصري، روى قراءة الحسن البصري وهو ضعيف مجمع على ضعفه. انظر: طبقات القراء ٣١٢/١. (٥) الآية ٢٣ من الأنعام وهي قراءة قنبل وابن عامر وحفص. انظر: السبعة ٢٥٤. (٦) الإتحاف ٥٣١/٢، والبحر ٢٥٠/٨، والقرطبي ٤٢/١٨. (٧) الآية ١٠٨ من هود. (٨) انظر: الكتاب ٢٧٨/١. (٩) البحر ٨/ ٢٥٠، والمحرر ٤٧٧/١٥ . ٢٩١ - الحشر - ونصبِ الفعل، جَعَلَها لامَ كي، ويكونُ المُعَلَّلُ مقدراً، أي: ولْتنظر نفسٌ حَذَّركم وأَعْلمكم. وتنكيرُ النفسِ والغدِ: قال الزمخشري(١): ((أمَّا تَنْكِيرُ النفس فلاستقلالِ الأنفس (٢) النواظرِ فيما قَدَّمْنَ للآخرة، كأنه قيل: فلتنظرْ نفسٌ واحدةٌ. وأمَّا تنكيرُ الغد فلتعظيمِه وإبهامِ أَمْرِه كأنه قيل: لِغدٍ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِعِظَمِهِ)) . وقوله: ((واتقوا الله)) تأكيدٌ. وقيل: كُرِّر لتغايُرِ متعلَّق التَّقْوَيَيْنِ فمتعلَّقُ الأولى أداءُ الفرائض لاقترانِه بالعمل، والثانيةِ تَرْكُ المعاصي لاقترانِه بالتهديد والوعيدِ، قال معناه الزمخشري (٣). آ. (١٩) قوله: ﴿ولا تكونوا﴾: العامَّةُ على الخطابِ. وأبو حيوة(٤) بالغَيْبة على الالتفاتِ. آ. (٢٠) قوله: ﴿أصحابُ الجنةِ هم الفائزون﴾: كالتفسير لنفي تساوِيْهما. و(هم)) يجوزُ أَنْ يكونَ فَضْلاً، وأَنْ يكونَ مبتدأ، فعلى الأول الإِخبارُ بمفردٍ، وعلى الثاني بجملةٍ. آ. (٢١) قوله: ﴿خاشعاً﴾: حالٌ؛ لأن الرؤيةَ بَصَرية. وقرأ(٥) طلحة (مُصَّدٌّعاً)) بإدغام التاء في الصاد. وأبو ذر وأبو السَّمَّال(٦) ((القَدُّوس)) بفتح القاف. وقرأ العامَّةُ (١) الكشاف ٨٦/٤. (٢) مطبوعة الكشاف: ((فاستقلال للأنفس)). (٣) الكشاف ٨٦/٤. (٤) البحر ٨/ ٢٥٠. (٥) البحر ٢٥/٨. (٦) المحتسب ٣١٧/٢، والقرطبي ٤٥/١٨، والبحر ٢٥١/٨. ٢٩٢ - الحشر - (المُؤْمِنُ)) بكسر الميم اسمَ فاعل مِنْ آمَن بمعنى أَمَّن(١). وأبو جعفر (٢) محمد بن الحسين - وقيل ابن القعقاع -: بفتحها. فقال الزمخشري(٣): «بمعنى المُؤْمَنِ به على حَذْفِ حرف الجر، كما تقول في قومَ موسى مِنْ قولِه ((واختار موسى قومَه))(٤) المختارون)). وقال أبو حاتم: ((لا يجوزُ ذلك، أي: هذه القراءة؛ لأنه لو كان كذلك لكان ((المؤمَنُ به)) وكان جارًّاً، لكن المؤمَنَ المطلقَ بلا حرفِ جر / يكون مَنْ كان خائفاً فأَمِّنَ)) [٨٤٩/ب] فقد رَدَّ ما قاله الزمخشريُّ. آ. (٢٣) قوله: ﴿الجبَّارُ﴾: اسْتَدَلَّ به مَنْ يقول: إن أمثلةَ المبالغةِ تأتي من المزيدِ على الثلاثةِ، فإنه مِنْ أَجْبَرَه على كذا، أي: قهره. قال الفراء(٥): ((ولم أسمع فعَّالاً مِنْ أَفْعَلَ إلَّ فِي جَبَّر وَذَّراك مِنْ أدرك)) انتهى. واسْتُدْرك عليه: أَسْأَر فهو سَأَر. وقيل: هو من الجَبْر وهو الإصلاحُ. وقيل: مِنْ قولِهِم نَخْلَةٌ جَبَّارة، إذا لم تَنَلْها الجُناةُ. قال امرؤ القیس(٦): ٤٢٥٤- سَوامِقُ جَبَّارِ أثيثٍ فُروعُه وعالَيْنَ قِنْواناً مِن البُشْر أَحْمرا (١) من معانيها: يُؤَمِّنُ أولياءه من عذابه ويؤمِّن عباده من ظلمه، والمصدِّق لرسله بإظهار معجزاته عليهم ومصدِّق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب ومصدق الكافرين ما أوعده من العقاب، والذي وحَّد نفسه ... انظر: القرطبي ٤٦/١٨. وقال الزمخشري (٨٧/٤): ((واهب الأمن)). (٢) البحر ٨٧/٤، والشواذ ١٥٤. (٣) الكشاف ٤/ ٨٧. (٤) الآية ١٥٥ من الأعراف. (٥) معاني القرآن ٨١/٣. (٦) تقدم برقم ٣١٢. ٢٩٣ - الحشر - آ. (٢٤) قوله: ﴿المُصَوِّرُ﴾: العامَّةُ على كسرِ الواوِ ورَفعٍ الراءِ: إِمَّا صفةً، وإمَّا خبراً. وقرأ(١) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن وابن السَّمَيْفَع وحاطب بن أبي بَلْتعة(٢) بفتح الواو ونصب الراء. وتخريجُها: على أن يكونَ منصوباً بالباري والمُصَوَّر هو الإِنسانُ: إمّا آدمُ، وإمَّا هو وبنوه. وعلى هذه القراءةِ يَحْرُم الوقفُ على ((المصوَّر)» بل يجب الوصلُ ليظهرُ النصبُ في الراء، وإلَّ فقد يُتَوَهَّمُ منه في الوقفِ ما لا يجوزُ. ورُوي عن أمير المؤمنين أيضاً فَتْحُ الواوِ وجَرُّ الراءِ. وهي كالأولى في المعنى، إلاّ أنه أضاف اسمَ الفاعل المعمولِه تخفيفاً نحو: الضاربُ الرجلِ. والوقف على المصوّر في هذه القراءةِ أيضاً حرامٌ. وقد نَّه عليه بعضُهم. وقال مكي(٣): ((ويجوز نصبُه في الكلام، ولا بُدَّ مِنْ فتح الواوِ، فتنصبُه بالباري، أي: هو اللهُ الخالقُ المصوّر، يعني آدمَ عليه السلام وبنيه)) انتهى. قلت: قد قُرِىء بذلك كما تقدَّم، وكأنه لم يَطَّلِعْ عليه. وقال أيضاً: ((ولا يجوز نصبُه مع كسرِ الواوِ، ويُروى عن علي: رضي الله عنه)»(٤) يعني أنه إذا كُسِرَت الواوُ كان من صفاتِ اللهِ تعالى، وحينئذٍ لا يَسْتقيم نصبُه عنده؛ لأنَّ نَصْبَه باسمِ الفاعلِ قبلَه. وقوله: ((ويُروى))، أي(٥): كسرُ الواوِ ونصبُ الراء. وإذا صَحَّ هذا عن أمير (١) البحر ٢٥١/٨، والمحرر ٤٨١/٨. (٢) عمرو بن عُمَيْر المكي. شهد بدراً، وكان رسولَ النبي صلَّى الله عليه وسلّم إلى المقوقس صاحب مصر توفي سنة ٣٠ .. انظر: سير أعلام النبلاء ٤٣/٢، وأسد الغابة ٠٤٣١/١ (٣) إعراب المشكل ٣٦٩/٢. (٤) نص مكي: ((أنه قرأ بفتح الواو وكسر الراء على التشبيه بالحسن الوجه)). وواضحٌ أن السمين لم يُكمل نصَّ مكي. (٥) تبين من الحاشية السابقة أنه لا صحة لهذا التفسير. ٢٩٤ - الحشر - المؤمنين فيتخرَّج على أنه من القطع. كأنه قيل: أَمْدَحُ المصوِّر كقولهم: ((الحمدُ لله أهلَ الحمد)) بنصب أهلَ، وقراءةِ مَنْ قرأ الله ربَّ العالمين))(١) بنصبِ (ربَّ)) قال مكي (٢): ((والمصوِّر: مُفَعِّل مِنْ صَوَّر يُصَوِّرُ، ولا يحسُنُ أَنْ يكونَ مِنْ صار يَصير؛ لأنه يلزمُ منه أَنْ يقال: المُصَيِّر بالياء)) ومثلُ هذا من الواضحات ولا يقبله المعنى أيضاً. [تَمَّت بعونه تعالى سورة الحشر] (١) الآية ١ من الفاتحة وهي قراءة زيد بن علي. انظر: الدر المصون ٤٥/١. (٢) إعراب المشكل ٣٦٨/٢. ٢٩٥ سورة الممتحنة بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿عَدُوِّي وعَدُوَّكم أولياءَ﴾: هذان مفعولا الاتخاذ. والعدوٌّ لَمَّا كان بزنةِ المصادِر وقعَ على الواحدِ فما فوقَه، وأضاف العدوّ لنفسه تعالى تغليظاً في جُرْمِهم. قوله: ((تُلْقُون)) فيه أربعةُ أوجهِ، أحدها: أنه تفسيرٌ لموالاتِهم إياهم. الثاني: أنه استئنافُ إخبارٍ بذلك فلا يكون للجملة على هذين الوجهَيْن محلٌّ من الإعراب. الثالث: أنها حالٌ مِنْ فاعل («تَتَّخِذوا)) أي: لا تتخذوا مُلْقِين المودةَ. الرابع: أنها صفة لـ ((أولياءَ)). قال الزمخشري(١): ((فإن قلتَ: إذا جَعَلْتَه صفةً لأولياء، وقد جَرَىُ على غير مَنْ هوله، فأين الضميرُ البارزُ، وهو قولُك: تُلْقُون إليهم أنتم بالمودة؟ قلت: ذاك إنما اشترطوه في الأسماءِ دونَ الأفعالِ لو قيل: أولياءَ مُلْقِين إليهم بالموذَّة على الوصف لَما كان بُدٌّ مِن الضميرِ البارزِ)» قلت: قد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ مستوفاةً، وفيها كلامٌ لمكي وغيرِهِ. إلاَّ أن الشيخَ(٢) اعترضَ على كونِها صفةً أو حالاً بأنهم نُهُوا عن اتخاذِهم أولياءً مطلقاً في قولِه: ((لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياءً)» (٣) والتقييدُ بالحالِ والوصفِ يُوهم (١) الكشاف ٨٩/٤. (٢) البحر ٨/ ٢٥٢. (٣) الآية ٥١ من المائدة. ٢٩٧ - الممتحنة - جوازَ اتِّخاذهم أولياءَ إذا انتفى الحالُ أو الوصفُ. ولا يَلْزَمُ ما قال لأنه معلومٌ من القواعدِ الشرعيةِ فلا مفهومَ لهما البتةَ. وقال الفراء(١): ((تُلْقون. من صلةِ أولياء))(٢)، وهذا على أصولِهِم مِنْ أَنَّ النكرةَ تُؤْصَلُ كغيرها من: الموصولات. قوله: ((بالمودَّة)) في الباء ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن الباءَ مزيدةٌ في المفعولِ به كقوله: ((ولا تُلْقُوا بأيديكم)»(٣). والثاني: أنها غيرُ مزيدةٍ والمفعولُ محذوفٍ، ويكون معنى الباءِ السببَ. كأنه قيل: تُلْقُوْنِ إليهم أسرارَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأخبارَه بسبب المودةِ التي [٨٥٠/ أ] بينكم. / والثالث: أنها متعلقةٌ بالمصدرِ الدالِّ عليه ((تُلْقُون)) أي: إلقاؤهم. بالموذَّةِ، نقله الخوفيُّ عن البصريين، وجَعَلَ القولَ بزيادةِ الباءِ قولَ الكوفيين (٤). إلاَّ أن هذا الذي نَّقَله عن البصريين لا يُوافقُ أصولَهم؛ إذ يَلْزَمُ منه حَذْفُ المصدرِ وإبقاءُ معموله، وهو لا يجوزُ عندَهم. وأيضاً فإنَّ فيه حَذْفَ الجملةِ برأسِها، فإنَّ ((إلقاءَهم)) مبتدأ و((بالمودة)) متعلقٌ به، والخبرُ أيضاً محذوفٌ. وهذا إجحافٌ. قوله: ((وقد كفروا)» فيه أوجهٌ: الاستئناف، والحالُ مِنْ فَاعلِ: (تتَّخذوا)) والحالُ مِنْ فاعلِ ((تُلْقُون)) أي: لا تتولّؤْهم ولا تواذُوهم وهذه حالُهم. والعامَّةُ ((بما» بالباء، والجحدري(٥) وعاصمٌ في روايةٍ ((لِما)» باللام (١) معاني القرآن ١٤٩/٣. (٢). قال: ((كقولك: لا تتخذَنَّه رجلاً تلقي إليه كل ما عندك)). وقال أبو حيان ٢٥٢/٨: ((وعند البصريين لا توصل بل توصف)). (٣) الآية ١٩٥ من سورة البقرة. (٤) وهو قول الفراء في معاني القرآن ١٤٧/٣. (٥) البحر ٢٥٣/٨، والقرطبي ٥٣/١٨. ٢٩٨ - الممتحنة - أي: لأجلِ ما جاءكم، فعلى هذا الشيءِ المكفورِ غيرُ مذكور، تقديره: كفروا باللهِ ورسولِه. قوله: ((يُخْرِجون الرسولَ)) يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ تفسيراً لكُفْرِهم، فلا مَحَلَّ له على هذَيْن، وأَنْ يكونَ حالاً مِنْ فاعل («كفروا)). قوله: ((وإِيَّاكم)) عطفٌ على الرسول. وقُدِّم عليهم تَشريفاً له. وقد اسْتَدَلَّ به مَنْ يُجَوِّزُ انفصالَ الضميرِ مع القدرةِ على اتصالِه، إذ كان يجوز أَنْ يُقال: يُخْرجونكم والرسولَ، فيجوز: ((يُخْرجون إياكم والرَّسولَ)» في غيرِ القرآنِ وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ حالةَ تقديم الرسولِ دلالةٌ على شَرَفِه. لا نُسَلِّمُ أنه يُقْدَرُ على اتِّصاله. وقد تقدَّم لك الكلامُ على هذه الآيةِ عند قولِه تعالى: ((ولقد وَصَّيْنا الذين أُوْتوا الكتابَ مِنْ قَبِلِكم وإياكم)) في سورة النساء(١) فعليك باعتباره. قوله: ((أَنْ تُؤْمنوا)) مفعولٌ له. وناصبُه: ((يُخْرِجون)) أي: یُخرجونکم لإِیمانِکم أو کرامةَ إیمانِکم. قوله: ((إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ)) جوابُه محذوفٌ عند الجمهور لتقدُّم (لا تتَّخذوا))، ومقدم وهو ((لا تتخذوا)) عند الكوفيين ومَنْ تابعهم. وقد تقدَّم تحريرُه. وقال الزمخشري(٢): و((إِنْ كنتم خَرَجْتُمْ)) متعلِّقٌ بـ «لا تَّخذوا)). يعني: لا تتولَّوْا أعدائي إنْ كنتم أوليائي. وقولُ النحويين في مثلِه: هو شرطٌ، جوابُه محذوفٌ لدلالةِ ما قبله عليه)) انتهى. يريد أنَّه (١) الآية ١٣١ من النساء. وانظر: الدر المصون ٤/ ١١١. (٢) الكشاف ٨٩/٤. ٢٩٩ - الممتحنة - متعلَّقٌ به من حيث المعنى. وأمّا من حيث الإِعراب فكما قال جمهورُ النَّخویین . قوله: ((جهاداً وابتغاءً» يجوزُ أَنْ يُنْصَبا على المفعول له أي: خَرَجْتُمْ لأجلِ هذَيْن، أو على المصدرِ بفعلٍ مقدرٍ أي: تُجاهِدون، وتبتَغُون، أو على أنهما في موضع الحال. قوله: ((تُسِرُون)) يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، ولم يذكُر الزمخشريُّ (١) غيرَه، وأن يكونَ حالاً ثانية مِنْ ما انتصب عنه ((تُلْقُون)) حالاً، وأَنْ يكُونَ بدلاً مِنْ (تُلْقُون))، قاله ابن عطية (٢). ويُشْبه أَنْ يكونَ بدلَ اشتمالٍ لأنَّ إلقاءَ المودةِ يكون سرًّا وجَهْراً، فَأَبْدَل منه هذا للبيانِ بأيِّ نوعٍ وقع الإلقاء، وأن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: أنتم تُسِرُّون، قاله ابن عطية(٣)، ولا يَخْرِجُ عن معنى الاستئناف. وقال أبو البقاء (٤): ((هو توكيدٌ لـ ((تُلْقُون)). بتكريرِ معناه)) وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الإِلقاءَ أعُّ مِنْ أَنْ يكونَ سِرًّا أو جَهْراً. وقوله: ((بالموذَّةِ)) الكلامُ في الباء هنا کالكلام عليها بعد ((تُلْقُون)»(٥) . قوله: ((وأنا أَعْلَمُ)) هذه الجملةُ حالٌ مِنْ فاعل («تُسِرُّون)) أي: وأيُّ طائلٍ لكم في إسْراركم وقد عَلِمتم أن الإِسرارَ والإِعلان سيَّانِ في علمي؟ و «أعلمُ)) يجوز أن يكونَ أفعلَ تفضيل وهو الظاهرُ، وأَنْ يكونَ فِعلاً (١) الكشاف ٨٩/٤ (٢) المحرر ٤٨٤/١٥. (٣) المحرر ٤٨٤/١٥ . (٤) الإملاء ٢٥٩/٢. (٥) في أول الآية: ((تُلْقون إليهم بالمودة)). ٣٠٠