النص المفهرس

صفحات 201-220

- الواقعة -
الدنيوية. ومِنْ مجيء تَصَدَّعَ بمعنىْ تَفَرَّق قوله: ((فتصدَّع السحابُ عن
المدينة))(١)، أي: تفرَّق. ويُرَجِّحه قراءةُ مجاهد(٢) ((لا يَصَّدَّعون)) بفتح
الياءِ وتشديد الصادٍ. والأصلُ: يَتَصَدَّعون، أي: يتفرَّقون كقوله تعالى:
(يومئذٍ يَصَّذَّعُون))(٣). وحكى الزمخشري(٤) قراءةً وهي ((لا يُصَدِّعون))
بضم الياء وتخفيفِ الصادِ وكسرِ الدالِ مشددةً. قال: أي لا يُصَدِّعُ بعضُهم
بعضاً، أي: لا يُفَرِّقُونهم. وتقدَّم الخلافُ بين السبعة في ((يُنْزِفون(٥)))
و تفسير ذلك
وقرأ ابن أبي إسحاق(٦) بفتح الياء وكسر الزاي مِنْ نَزَفَ الِثْرُ،
أي: اسْتُقِيَ ما فيها. والمعنى: لا تَنْفَدُ خمرُهم. قال الشيخ(٧): ((وابن
أبي إسحاق أيضاً، وعبد الله (٨) والجحدريُّ والأعمش وطلحة وعيسى،
بضمِّ الياء وكسر الزاي أي: لا يَفْنى لهم شراب)». قلت: وهذا عجيبٌ منه
فإنَّه قد تقدَّم في الصافات(٩) أن الكوفيين يَقْرَؤون في الواقعة بكسر
الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته(١٠).
(١) انظر: البحر ٢٠٥/٨.
(٢) انظر في قراءاتها البحر ٢٠٥/٨.
(٣) الآية ٤٣ من الروم.
(٤) الكشاف ٥٤/٤ .
(٥) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ((يُنْزِفون)) والباقون ((يُنْزِفون)). انظر:
النشر ٣٥٧/٢، والتيسير ٢٠٧، وانظر إعرابه للآية ٤٧ مِنْ الصافات.
(٦) المحتسب ٣٠٨/٢، والبحر ٢٠٦/٨، والقرطبي ٢٠٣/١٧.
(٧) البحر ٢٠٦/٨.
(٨) بعده في البحر: ((والسلمي)).
(٩) الآية ٤٧.
(١٠) وهي المسماة ((عقد اللّآلىء في القراءات)) على وزن الشاطبية وقافيتها. انظر:
البنية ٢٨٢/١.
٢٠١

- الواقعة -.
آ. (٢٠) قوله: ﴿وفاكهةٍ﴾: العامَّةُ على جَرِّ («فاكهة ولحم)»
نَسَقاً على ((أكواب)) أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء: المأكول
والمشروبٍ والمتفكّهِ بهِ، وهذا كمالُ العِيشةِ الراضيةِ. وقرأ (١) زيد بن علي
وأبو عبد الرحمن برفعهما، على الابتداء، والخبرُ مقدَّرٌ أي: ولهم كذا.
آ. (٢٢) قوله: ﴿وحُوْر﴾ قرأ(٢) الأخَوان بجرٍّ ((حور عين)).
والباقون برفعِهما. والنخعيُّ: ((وحِيرٍ عين)) بقلب الواو ياءً وجرِّهما،
وأُبَيِّ وعبد الله (حُؤْراً عيناً)) بنصبهما. فأمَّا الجزُّ فمن أوجه، أحدها: أنه
عطفٌ على ((جنات النعيم)) (٣) كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم
وحورٍ، قاله الزمخشري(٤). قال الشيخ(٥): ((وهذا فيه بُعْدٌ وتفكيكُ كلامٍ
مرتبطٍ بعضُه ببعض، وهو فُهْمُ أعجمي)». قلت: والذي ذهب إليه معنى
حسنٌ جداً، وهو على حَذْفِ مضافٍ أي: وفي مقاربة حور، وهذا هو
الذي عناه الزمخشري. وقد صرَّح غيرُه بتقدير هذا المضاف. الثاني: أنه
معطوفٌ على ((بأكواب)) وذلك بتجوُّزٍ في قوله: ((يطُوفُ)) إذ معناه:
يُنَعَّمون فيها بأكوابٍ وبكذا وبخُور، قاله الزمخشري(٢). الثالث: أنه
معطوفٌ عليه حقيقةً، وأن الوِلْدَانَ يَطُوفون عليهم بالحور أيضاً، فإن فيه
لذةً لهم، طافُوا عليهم بالمأكولِ والمشروبِ والمُتَفَكَّهِ بعد المنكوحِ، وإلى
هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. ولا التفات إلى قولٍ
(١) البحر ٢٠٦/٨.
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٢٢، والتيسير ٢٠٧، والنشر ٣٨٣/٢،
والبحر ٢٠٦/٨، والحجة ٦٩٥، والقرطبي ٢٠٤/١٧.
(٣) الآية ١٢.
(٤) الكشاف ٤/ ٥٤ .
(٥) البحر ٢٠٦/٨.
(٦) الكشاف ٥٤/٤ .
٢٠٢

- الواقعة -
أبي البقاء (١): ((عطفاً على أكواب في اللفظ دون المعنى؛ لأنَّ الحوَر
لا یُطاف بها».
وأمَّا الرفعُ فِمِنْ أوجهٍ أيضاً، أحدُها: عطفاً على ((ولدانٌ))، أي: إنَّ
الحورَ يَطُفْنَ عليهم بذلك، كما الوَلائدُ في الدنيا. وقال أبو البقاء (٢):
(أي: يَطُفْنَ عليهم للتنقُم لا للخدمة)) قلت: / وهو للخدمةِ أَبْلَغُ؛ لأنهم [٨٣٧/ ب]
إذا خدمهم مثلُ أولئك، فما الظنُّ بالمَوْطوءات؟ الثاني: أَنْ يُعطفَ على
الضمير المستكنّ في ((مُتَّكِئِين» وسَوَّغْ ذلك الفصلُ بما بينهما. الثالث: أَنْ
يُعْطفَ على مبتدأ وخبر حُذِفا معاً تقديرُه: لهم هذا كلُّه وحورٌ عين، قاله
الشيخ(٣)، وفيه نظر؛ لأنَّه إنما عُطِف على المبتدأ وحدَهُ، وذلك الخبرُ له
ولِما عُطِف هو عليه.
الرابع: أَنْ يكونَ مبتدأً، خبرُه مضمرٌ تقديرُه: ولهم، أو فيها، أو ثَمَّ
حورٌ. وقال الزمخشري(٤) ((على وفيها حُوْرٌ كبيت الكتاب(٥):
٤٢١١_
إِلَّ رَواكدَ جَمْرُهُنَّ هَباءُ
الخامس: أن يكونَ خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حورٌ، قاله
(١) الإملاء ٢/ ٢٥٤.
(٢) الإملاء ٢/ ٢٥٤.
(٣) البحر ٢٠٦/٨.
(٤) الكشاف ٤/ ٥٤ .
(٥) لم أهتدِ إلى قائله وصدره: بادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مع البلى. وبعده:
ومُشَجَّجٌ أَمَّا سواءُ قَذَالِه فَبَدا وغَيَّسر سارَه المَعْزاءُ
وهما في الكتاب ٨٨/١. وبادت: بليت والآي: ج آية، وهي العلامة.
والرواكد: الأثاني، والجمر هباء لقدمه. والمشجج: الوتد، والقذال: أعلاه . =
٢٠٣

- الواقعة -
أبو البقاء (١). وأمَّا النصبُ ففيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ بإضمارٍ :
فِعْل، أي: يُعْطَوْن، أو يَرِثُون حُوْراً، والثاني: أن يكونَ محمولاً على
معنىُ: يَطوف عليهم؛ لأن معناه يُعْطَوْن كذا وكذا فعطف عليه هذا. وقال
مكي (٢): ((ويجوز النصبُ على أَنْ يُحْمَلَ أيضاً على المعنى؛ لأنَّ معنى
يَطوفُ وِلْدانٌ بكذا وكذا يُعْطَوْن كذا وكذا، ثم عطف حوراً على معناه)»
فكأنه لم يَطَّلِعْ عليها قراءةً.
وأمَّا قراءةُ ((وخِيْرٍ)) فلمجاورتها ((عين)) ولأنَّ الياءَ أخفُّ من الواو،
ونظيرهُ في التغيير المجاورة: ((أَخَذَه ما قَدُم وما حَدُث))(٣) بضم دال
(حَدُث)) لأجل ((قَدُم)) وإذا أُفْرِد منه فَتَحْتَ دالَه فقط، وقوله عليه
السلام(٤): ((وربِّ السموات ومَنْ أَظْلَلْنَ ورَبِّ الشياطين ومَنْ أَضْلَلْنَ))
وقوله عليه السلام(٥): ((أيتكنَّ صاحبةُ الجمل الأَرْبَب تَنْبَحُهَا كلابُ
الحَوْءَب)) فَكَّ ((الأَرْبَبَ)) لأجل ((الحَوْءَب)).
وقرأ قتادة ((وحورُ عينٍ)) بالرفع والإِضافة لـ ((عين)) وابن مقسم
بالنصب والإِضافةِ وقد تقدَّم توجيهُ الرفع والنصب. وأمَّا الإِضافةُ فِمِنْ
وساره: سائره، أي: جميعه والمَعْزاء: الأرض الغليظة. والشاهد رفع مشجج
=
على المعنى، أي: كأنه قال وبها رواكد ومشجج.
(١) الإملاء ٢٥٤/٢.
(٢) إعراب المشكل ٣٥١/٢.
(٣) انظر: الصحاح واللسان ((حدث)) وفي اللسان: ((وفي حديث ابن مسعود أنه سلّم
عليه وهو يصلي قال: فأخذني ما قَدُم وما حَدُث)» يعني همومه وأفكاره القديمة
والحديثة)) .
(٤) رواه الترمذي في الدعوات ((التحفة)) ٥٠٦/٩. والأصل: أضلُّوا أو أضَلَّتْ، لأنه
جمع تكسير عاقل يُراد بهِ مَخْض الذكور.
(٥) النهاية ٤٥٦/١. والحوءب: منزل بين مكة والبصرة.
٢٠٤

- الواقعة -
إضافة الموصوف لصفته مؤولاً. وقرأ عكرمةُ ((وحَوْراءَ عَيْناءَ)) بإفرادِهما
على إرادةِ الجنس. وهذه القراءةُ تحتمل وجهَيْن: أحدهما: أَنْ تكونَ
نصباً كقراءة أُبَيّ وعبد الله، وأن تكونَ جرَّاً، كقراءة الأخوَيْن؛ لأن هذين
الاسمَيْن لا ينصرفان فهما محتملان للوجهَيْن. وتقدَّم الكلام في اشتقاق
العِين(١) .
آ. (٢٣ - ٢٤): و ((كأمثال)) صفةٌ أو حالٌ. و((جزاءً)) مفعول
من أجله، أو مصدر، أي: يُجْزَوْن جزاءً.
آ. (٢٦) قوله: ﴿إِلاَّ قِيلاً﴾: فيه قولان، أحدهما: أنه استثناءٌ
منقطعٌ وهذا واضحٌ؛ لأنه لم يندَرِجْ تحت اللَّغْو والتأثيم. والثاني: أنه
متصلٌ وفيه بُعْدٌ، وكأن هذا رأى أن الأصلَ لا يَسْمعون فيها كلاماً فاندرَج
عنده فيه. وقال مكي(٢): ((وقيل: منصوبٌ بيَسْمعون)) وكأنه أرادَ هذا
القول.
قوله: ((سلاماً سلاماً)» فيه أوجهٌ، أحدها: أنه بدلٌ مِنْ ((قيلاً)) أي:
لا يسمعُون فيها إلَّ سلاماً سلاماً. الثاني: أنه نعتٌ لِقِيلا. الثالث: أنه
منصوبٌّ بنفس ((قيلاً)) أي: إلَّ أَنْ يقولوا: سلاماً سلاماً، هو قولُ
الزجَّاجِ (٣). الرابع: أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ مقدرٍ، ذلك الفعلُ مَحْكِيٍّ
بـ «قيلاً)) تقديره: إلاَّ قيلاً اسْلَموا سَلاماً.
وقُرىء (٤) ((سَلامٌ)) بالرفع قال الزمخشري(٥): ((على الحكاية)). قال
(١) انظر إعراب للآية ٤٨ من الصافات.
(٢) إعراب المشكل ٣٥٢/٢.
(٣) معاني القرآن له ١١٢/٥.
(٤) لم أجد مَنْ أشار إليها غير الزمخشري في الكشاف ٤/ ٥٤ .
(٥) الكشاف ٤/ ٥٤.
٢٠٥

- الواقعة -
مكي(١): ((ويجوزُ فَي الكلام الرفعُ على معنى: سلامٌ عليكم، ابتداءٌ :
وخبرٌ وكأنه لم يَعْرِفْها قراءةٌ .
آ. (٢٨) قوله: ﴿مَخْضودٍ﴾: المخضودُ: الذي قُطِع شَوْكُه،
مِنْ خَضَدْتُه أي: قَطَعْتُه. وقيل المُؤْقَرُ من الحَمْلِ حتى لا يَتْبَّنِ سَاقُه
وتَنْثَنِيَ أغصانُه مِنْ خَضَدْت الغصنَ أي ثنيتُه. قال أمية بن أبي الصلت(٢):
٤٢١٢- إن الحَدائقَ في الجِنانِ ظليلةٌ
فيها الكواعِبُ سِذْرُها مَخْضُوْدُ
والطَّلْحُ: جمع الطلحةُ وهي العظيمةُ من العِضاه. وقيل هي
أم غَيْلان. قال مجاهد: ولكنَّ ثمرَها أَحْلى من العسل. وقيل: هو
المَوْزُ. ومعنى مَنْضود أي: متراكبٌ. وفي التفسير: لا يُرى له ساقٌ مِنْ
كثرةٍ ثمرِه. وقرأ (٣) علي رضي الله عنه وعبد الله وجعفر بن محمد ((وطَلْع))
بالعين، ولمَّا قرأها علي رضي الله عنه قال: وما شَأْنُ الطَّلْح؟ واستدلَّ
بقولِه: (لها طَلْعٌ نضيد))(٤) فقيل له: أنْحَوّلُها؟ فقال: آيُّ القرآنِ لا تُهاجُ
اليومَ ولا تُحَوَّلُ. ويُروى عن ابن عباس مثلُه. ومَسْكوب: أي مَصْبُوبٌ
بكثرةٍ. وقُرِىءَ(٥) برفع ((فاكهة)) أي: وهناك، أولهم، أو فيها، أو ثَمَّ
فاكهة .
آ. (٣٣) قوله: ﴿لا مَقْطوعةٍ﴾: فيه وجهان، أظهرهُما: أنه
(١) إعراب المشكل ٣٥٢/٢.
(٢) ديوانه ٣٧٧.
(٣) البحر ٢٠٦/٨، والقرطبي ٢٠٨/١٧.
(٤) الآية ١٠ من قّ، وانظر: القرطبي ٢٠٨/١٧.
(٥) البحر ٢٠٧/٨.
٢٠٦

- الواقعة -
نعتٌ لفاكهة ((ولا)) للنفي، كقولك: ((مَرَرْتُ برجلٍ لا طويلٍ ولا قصير))
ولذلك لزم تكرارُها. والثاني: هو معطوفٌ على فاكهة، / و((لا)) عاطفةٌ [١/٨٣٨]
قاله أبو البقاء(١). وحينئذٍ لا بُدَّ مِنْ حَذْفِ موصوفٍ أي: لا فاكهةٍ
مقطوعةٍ؛ لئلا تُعْطَفَ الصفةُ على موصوفِها.
آ. (٣٤) قوله: ﴿وَفُرُشِ﴾: العامَّةُ على ضمِّ الراء جمع
فِراش. وأبو حيوة(٢) بسكونها وهي مخففةٌ من المشهورة. والفُرُشُ قيل:
هي القماشُ المعهودُ. ومرفوعة على الأَسِرَّة. وقيل: هي كنايةٌ عن
النساءِ، كما كُنِي عنهنَّ باللِّباس، قاله أبو عبيدة(٣) وغيرُه. قالوا: ولذلك
أعاد الضميرَ عليهنَّ في قوله: ((إنَّا أنشأناهنَّ)). وأجاب غيرُهم: بأنه عائدٌ
على النساءِ الدالِ عليهنَّ الفُرُشُ. وقيل: يعودُ على ((حُور)) المتقدمة.
وعن الأخفش(٤): هُنَّ ضميرٌ لمَنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، يعني يدلُّ عليه
السّياقُ.
آ. (٣٧) قوله: ﴿عُرُباً﴾: جمع عَروب كصَبور وصُبُّر.
والعَرُوْب: المتحبِّبة إلى بَعْلِها. وقيل: الحسناءُ. وقيل: المُحْسِنة
لكلامها. وقرأ(٥) حمزة وأبو بكر بسكونِ الراء، وهذا كرسُل ورُسْل،
(١) الإملاء ٢/ ٢٥٤.
(٢) البحر ٢٠٧/٨.
(٣) لم يَرِد في مجازه، مع أنه أعاد الضمير في ((أنشأناهن)) إلى النساء، ولكن يعني
بالنساء الحور العين كما قال. (المجاز ٢٥١/٢).
(٤) معاني القرآن له ٤٩١/٢.
(٥) السبعة ٦٢٢، والحجة ٦٩٦، والنشر ٢١٦/٢، والتيسير ٢٠٧،
والقرطبي ٢١١/١٧، والبحر ٢٠٧/٨. وهذه القراءة رُوِيَت عن نافع
وأبي عمرو، وفصَّل في هذا الخلاف صاحب السبعة.
٢٠٧

- الواقعة : -
وفُرُش وفُرْش. وقال ابن عباس: ((هي العواتِقُ)). وأنشد للبيد(١) :.
-- -
٤٢١٣- وفي الخُدورِ عَروبٌ غيرُ فاحِشةٍ
رَيَّا الرَّوادِفِ يَعْشىُ دونَها البَصَرُ
قوله: ((أَتْرابا)) جمع تِرْب وهو المساوي لك في سِنِّك؛ لأنَّه يَمَبُ
جِلْدَهما الترابُ في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلافِ، وهو من الأسماءِ
التي لا تتعرَّفُ بالإِضافةِ لأنه في معنى الصفةِ، إذ معناه: مُساويِك، ومثلُه
(خِدْنُك)) لأنَّه في معنَى صاحبك.
١
آ. (٣٨) قوله: ﴿لأصحاب اليمين﴾: في هذه اللام
وجهان؛ أحدهما: أنها متعلِّقةٌ بـ ((أَنْشَأْنَاهُنَّ)) أي: لأجل. والثاني: أنها
متعلقةٌ بـ ((أَتْراباً) كقولك: هذا تِرْبٌ لهذا أي: مُساوٍ له.
آ. (٤٣) واليَحْموم وزنه فَيْعول. قال أبو البقاء(٢): ((مِن الحِمَم
أو الحَميم)) واليَحْموم قيل: هو الدُّخان الأسود البهيم. وقيل: وادٍ في
جهنم. وقيل: اسمٌ من أسمائها، والأولُ أظهرُ.
آ. (٤٤) قوله: ﴿لا باردٍ ولا كريم﴾: صفتان للظلِّ كقوله:
((من يَحْموم)). وفيه أنه قد قَدَّم غيرَ الصريحة على الصريحة، فالأَوْلَىُّ أن
يُجْعَلَ صفةً لِيَحْموم، وإن كان السياقُ يُرْشِدُ إلى الأول.
وقرأ(٣) ابنُ أبي عبلة ((لا باردٌ ولا كريمٌ)) برفعهما أي: هو لا باردٌ
كقوله(٤):
(١) ديوانه ٦١. ريًّا الروادف: ضخمة العجيزة. يَعْشَى: يكلُّ البصر من نورها.
(٢) الإملاء ٢٥٤/٢.
(٣) البحر ٢٠٩/٨.
(٤) تقدم برقم ٣٢٤٩.
٢٠٨

- الواقعة -
٤٢١٤-
فأَبِيْتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرومُ
آ. (٤٦) قوله: ﴿الحِنْث﴾: هو في أصلٍ كلامهم العِذْلُ
الثقيل، وسُمِّي به الذنبُ والإِثم لثقلِهما، قاله الخطابي: وفلانٌ حَنَثَ في
يمينه أي: لم يَقِ بها؛ لأنه يَأْثَمُ غالباً، ويُعَبَّرُ بالحِنْث عن البلوغِ ومنه
((لم يَبْلُغوا الحِنْثَ))(١) وإنما قيل ذلك لأنَّ الإِنسانَ عند بلوغِه إياه يُؤَاخذ
بالحِنْث أي بالذنب. وتَحَنَّكَ فلانٌ أي: جانَبَ الحِنْثَ. وفي الحديث:
((كان يَتَحَنَّثُ بغار حراء)»(٢) أي يتعبَّد لمجانبته الإِثمَ نحو: تَحَرَّجَ فـ تَفَعَّلَ
في هذه كلُّها للسَلْب.
آ. (٤٧) قوله: ﴿أإذا مِتْنا﴾: قد تقدَّم تقرير هذا كلِّه في
الصافات(٣). وتقدَّم الكلامُ على الاستفهامَيْن في سورة الرعد (٤) فأغنى
ذلك عن إعادةِ كلِّ ذلك ولله الحمد.
آ. (٥٢) قوله: ﴿مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُوم﴾: فيه أوجه،
أحدها: أَنْ تكونَ (مِنْ)) الأولى لابتداء الغاية، والثانية للبيان أي: مُبْتَدِئون
الأكلَ من شجرٍ هو زَقُّوم. الثاني: أَنْ تكونَ (مِنْ)) الثانيةُ صفةً لشجر،
فتتعلَّقَ بمحذوفٍ أي: مستقرٍ. والثالث: أَنْ تكونَ«مِنْ)) الأولىُ مزيدةً أي:
(١) رواه البخاري ٣٥ باب: هل يُجعل للنساء يوم على حِدّة في العلم، ٣ كتاب
العلم، الفتح ٢٣٧/١. من حديث أبي هريرة.
(٢) رواه البخاري ولفظه ((وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث فيه)) ١ كتاب بدء
الوحي (الفتح ٢٢/١).
(٣) انظر إعرابه للآية ١٦.
(٤) انظر: الدر المصون ١٧/٧.
٢٠٩

- الواقعة -
لآكلون شجراً، و((مِنْ)) الثانيةُ على ما تقدَّم فيها من الوجهَيْن. الرابع:
عكسُ هذا، وهو أَنْ تكونَ الثانيةُ مزيدً أي: لَآكلون زَقُوماً، و ((مِنْ))
الأولى للابتداء، أو في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ ((زَقُوم)) أي: كائناً مِنْ
شجرٍ، ولو تأخّر لكان صفةً. الخامس: أنَّ (مِنْ شجر)) صفةٌ لمفعولٍ
محذوفٍ أي: لاكلون شيئاً مِنْ شجرٍ، ((ومِنْ زَقُّوم)) على هذا نعتٌ لِشجر،
أو لشيء المحذوفِ. السادس: أنَّ الأولى للتبعيض، والثانيةَ بدلٌ منها،
والضميرُ في ((منها)) عائدٌ على الشجر. وفي ((عليه)) للشجر أيضاً، وقد
تقدَّم أنه يجوزُ تذكيرُ اسم الجنس وتأنيثُه، وأنهما لغتان. وقيل: في
((عليه)) عائدةٌ على الزقوم. وقال أبو البقاء(١): ((للمأكول)). وقال
ابن عطية (٢): ((للمأكول أو الأكل)). انتهى وفي قوله: ((الأكل)» بُعْدٌ. وقال
الزمخشري (٣): ((وأنَّثَ ضميرَ الشجر على المعنى، وذكَّره على اللفظ في
(منها)) و((عليه)). ومَنْ قرأ(٤) ((مِنْ شجرةٍ من زَقُّوم)) فقد جعل
الضميرين(٥) للشجرةِ، وإنما ذكَّر الثاني على تأويلِ الزَُّّوم لأنه
تفسیرُها))(٦).
آ. (٥٤) قوله: ﴿شُرْبَ الِهِيْمِ﴾: قرأ(٧) نافعٌ وعاصمٌ وحمزةٌ
(١) الإملاء ٢٥٤/٢.
(٢) المحرر ٣٧٦/١٥.
(٣) الكشاف ٤/ ٥٥ .
(٤) قراءة عبد الله. انظر: الفراء ١٢٧/٣، والبحر ٢١٠/٨.
(٥) في ((منها)» و «عليه).
(٦) وقال: ((وهي في معناه)) ..
(٧) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٢٣، والنشر ٣٨٣/٢، والحجة ٦٩٦،
والبحر ٢١٠/٨، والتيسير ٢٠٧، والقرطبي ٢١٤/١٧.
٢١٠

- الواقعة -
بضم الشين، وباقي السبعة بفتحِها، ومجاهد وأبو عثمان النهدي بكسرِها
فقيل: الثلاثُ لغاتٌ في مصدر شَرِب، والمقيسُ منها إنما هو المفتوحُ.
وقيل: المصدرُ هو المفتوحُ والمضموم والمكسورُ اسمان لِمَا يُشْرَبُ
كالرِّعْي والطُّحْن. / وقال الكسائي: يُقالُ شرِبْتُ شُرباً وشَرْباً. ويروى قولُ [٨٣٨/ ب]
جعفر(١): (أيامُ مِنِى أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ وبِعال)) بفتح الشين. والشَّرْب في
غيرِ هذا اسمٌ للجماعة الشاربين قال(٢):
٤٢١٥- كأنَّه خارِجٌ من جِئْبٍ صَفْحَتِهِ
سَفُوْدُ شَرْبٍ نَسُوْهُ عند مُفْتَأَدِ
والمعنى: مثلَ شُرْبِ الهِيم. والهِيْمُ فيه أوجهٌ، أحدها: أنه جَمْعُ
أَهْيَمِ أو هَيْماء، وهو الجَمَلُ والناقةُ التي أصابها الهُيامُ وهو داءٌ مُعْطِئٌ
تشرب الإِبلُ منه إلى أن تموتَ أو تَسْقُمُ سُفْماً شديداً، والأصلُ: هُيْم
بضمُّ الهاءِ كأَحْمر وحُمْر، وحَمْراء وحُمْرٍ، فَقُلِبت الضمةُ كسرةً لتصِخَّ
الياءُ، وذلك نحو: بِيْض في أبيض(٣). وأُنْشد لذي الرمة(٤):
٤٢١٦- فأصبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِدٌ
صَداها ولا يَقْضي عليها هُيامُها
الثاني: أنه جمع هائِم وهائِمة من الهُيام أيضاً، إلاَّ أنَّ جَمْعَ فاعِل
(١) رواه مسلم بلفظ ((أيام التشريق)). انظر: ١٣ كتاب الصيام
برقم ١١٤١، ٨٠٠/٢.
(٢) البيت للنابغة. وهو في ديوانه ١١، والسفود: حديدة ذات شُعَب يُشوى به
اللحم. والمفتأدُ: المُشتوى.
(٣) انظر: الممتع ٤٥٨ .
(٤) ديوانه ١٠٠٠ وضبطها بضم الهاء، والكشاف ٥٦/٤، والصدى: العطش.
٢١١

- الواقعة -
وفاعِلة على فُعْل قليلٌ نادرٌ نحو: بازِل وبُزْل وعائِذ وعُوْذ ومنه: العُوْذُ
المَطافيل(١). وقيل: هو من الهُيام وهو الذَّهابُ؛ لأنَّ الجملَ إذا أصابه.
ذلك هامَ على وَجْهِهِ. الثالث: أنه جمع هَيام بفتح الهاء وهو الرَّمْلُ غيرُ
المتماسكِ الذي لا يُرْوَى من الماء أصلاً، فيكونُ مثلَ سَحاب وسُحُب
بضمتين، ثم خُفْف باسكان عينه ثم كُسِرَتْ فاؤه لتصِحَّ الياء، كما فُعِلَ
بالذي قبله. الرابع: أنَّه جمعُ ((هُيام)) بضم الهاء وهو الرَّمْلِ غيرُ المتماسكِ
أيضاً لغةً في ((الهَيام)) بالفتح، حكاها ثعلب، إلَّ أن المشهورَ الفتحُ ثم
جُمِع على فُعْل نحو: قُرادٍ وقُرْد(٢)، ثم خُفِّفَ وكُسِرَتْ فَاؤُه لتصِحَّ الياء
والمعنى: أنَّه يُصيبهم من الجوع ما يُلِجِئُهم إلى أَكْلِ الزَّقُّوم، ومن العطشِ
ما يَضْطِرُّهم إلى شُرْب الحميم مثلَ شُرْبِ الهِيْم. وقال الزمخشري (٣):
((فإن قلتَ: كيف ضَحَّ عَطْفُ الشاربين على الشاربين، وهما لذواتٍ
واحدةٍ، وصفتان متفقتان، فكان عطفاً للشيء على نفسِه؟ قلت: لَيْستا
بمتفقتَيْن من حيث إنَّ كونَهم شاربين - على ما هو عليه مِنْ تناهي
الحرارة وقَطْع الأمعاء - أمرٌ عجيبٌ، وشُرْبُهم له على ذلك كما تَشْرَب
الهِيم أمرٌ عجيب أيضاً، فكانتا صفتَيْن مختلفتَيْن)) انتهى يعني قوله:
((فشاربون عليه من الحميم، فشاربون)) وهو سؤالٌ حسنٌ، وجوابُه مثلُه ..
وأجاب بعضُهم عنه بجواب آخر: وهو أنَّ قولَه: «فشاربون شُرْبَ
الهيم)) تفسيرٌ للشُرْبِ قبلَه، ألا ترى أنَّ ما قبلَه يَصْلُح أن يكونَ مثلَ شُرْبٍ
الهيم ومثلَ شُرْبٍ غيرِها فَفَسَّره بأنه مثلُ شُرْبِ هؤلاء البهائم أو الرِّمالِ.
(١) العوذ المطافيل: النوق القريبات العهد بالنتاج فتسير مع أولادها.
(٢) القراد: دويبة تَعَضُّنِ الإِبل.
(٣) الكشاف ٤ / ٥٦.
٢١٢

- الواقعة -
وفي ذلك فائدتان، إحداهما: التنبيهُ على كثرةٍ شُرْبهم منه والثاني: عَدَمُ
جَدْوَى الشُّرْب، وأن المشروبَ لا يَنْجَعُ فيهم كما لا يَنْجَعُ في الهِيْم على
التفسیرین.
وقال الشيخ(١): ((والفاءُ تقتضي التعقيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنهم أولاً
لمَّا عَطِشوا شَرِبوا من الحميم، ظَنّاً منهم أنه يُسَكِّنُ عَطَشَهُم، فازدادِ (٢)
العطشُ بحرارةِ الحميم، فشربوا بعده شُرْباً لا يقع بعدَه رِيٍّ أبداً. وهو
مِثْلُ شُرْبِ الهيم فهماَ شُربان مِنَ الحَميم لا شُرْبٌ واحدٌ، اختلفَتْ صفتاه
فَعَطف. والمشروبُ مِنْه في ((فشاربون شُرْبَ الهِيْم)) محذوفٌ لفَهْم المعنى
تقديرُهُ: فشاربون منه)) انتهى. والظاهرُ أنه شُرْبٌ واحدٌ بل الذي نعتقدُ
هذا فقط، وكيف يُناسِبُ أَنْ تكونَ زيادتُهم العطشَ بِشُرْبِه مقتضيةً لشُرْبِهِم
منه ثانياً؟
آ. (٥٦) وقرأ العامَّةُ ((نُزُلُهم)) بضمتين. ورُوي عن أبي عمروٍ (٣)
من طُرُق، وعن نافعٍ وابنِ محيصنٍ بضمةٍ وسكونٍ، وهو تخفيفٌ. وقد
تقدَّم(٤) أن التُّزُلَ ما يُعَدُّ للضيفِ. وقيل: هو أولُ ما يأكلُه فسُمِّي به هذا
تهكُّماً بمَنْ أُعِدَّ له، وهو في المعنى كقولٍ أبي السعر الضَّبِّي(٥):
٤٢١٧_ وكُنَّا إذا الجبَّارُ أَنْزَلَ جَيْشَه
جَعَلْنَا القَنا والمُرْهَفاتِ له نُزْلا
(١) البحر ٢١٠/٨.
(٢) الأصل: ((فازدادوا)) والتصحيح من (ش) والبحر.
(٣) في رواية هارون واليزيدي. انظر: الشواذ ١٥١، والبحر ٢١٠/٨،
والسبعة ٦٢٣، والقرطبي ٢١٥/١٧.
(٤) انظر: الدر المصون ٥٤٦/٣ .
(٥) تقدم برقم ١٥٢٢ .
٢١٣

- الواقعة -
آ. (٥٧) قوله: ﴿فلولا تُصَدِّقُون﴾: تحضيضٌ. ومتعلَّقُ
التصديقِ محذوفٌ تقديرُه: فلولا تُصَدِّقُون بِخَلْقِنا.
آ. (٥٨) وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾: هي بمعنى أَخْبِرْنِي. ومفعولُها
الأولُ (ما تُمْنُوْن))، والثاني: الجملةُ الاستفهاميةُ. وقد تقدَّم تقريرُ هذا(١).
[١/٨٣٩]
آ. (٥٩) و ﴿أأنتم﴾: يجوزُ فیه وجهان، أحدهما: أنه فاعل/
فعلٍ مقدرٍ أي: أتخلقونه، فلَمَّا حُذِفَ الفعل لدلالةِ(٢) ما بعدَه عليه
انفصل الضميرُ، وهذا من بابِ الاشتغال. والثاني: أنَّ ((أنتم)) مبتدأٌ،
والجملةُ بعده خبرُه. والأولُ أرجحُ لأجلِ أداةِ الاستفهام.
وقوله: ((أم)) يجوز فيها وجهان، أحدهما: أنها منقطعةٌ؛ لأن بعدها
جملةً، وهي إنما تَعْطِفُ المفرداتِ. والثاني: أنها متصلةٌ. وأجابوا عن
وقوعِ الجملةِ بعدها: بأنَّ مجيءَ الخبرِ بعد ((نحن)) أُتي به على سبيلِ
التوكيدِ إذ لو قال: ((أم نحنُ) لاكتُفِيَ به دونَ الخبرِ. ونظيرُ(٣) ذلك جوابُ
مَنْ قال: [مَنْ](٤) في الدار؟ زيدٌ في الدار، أو زيدٌ فيها، ولو اقْتُصِر على
(زيد)) لكان كافياً. قلت: ويؤيِّد كونَها متصلة أنَّ الكلامَ يَقْتَضي تأويلَه:
أيُّ الأمرَيْن واقعٌ؟ وإِذا صَلَحَ ذلك كانت متصلةً إذ الجملةُ بتأويلِ المفردِ.
ومفعولُ ((الخالقُون)) محذوفٌ لفَهْم المعنى أي: الخالِقوه.
وقرأ العامَّةُ ((تُمْنُوْن))(٥) بضمُّ التاء مِنْ أَمْنَىُ يُمْني. وابن عباس
(١) انظر: الدر المصون ٦١٥/٤.
(٢) قوله ((لدلالة)) غير واضح في الأصل.
(٣) انظر: البحر ٢١١/٨.
(٤) زيادة يقتضيها السياق من البحر.
(٥) عاد إلى الآية ٥٨.
٢١٤

- الواقعة -
وأبو السَّمَّال(١) بفتحِها مِنْ مَنَى يَمْنِي. وقال الزمخشري(٢): يقال: ((أَمْنَى
النُّطْفَةَ ومَناها. قال اللَّهُ تعالى: ((مِنْ نُطْفَةٍ إذا تُمْنَى))(٣) انتهى. فظاهرُ هذا
أنه استشهادٌ للثلاثي، وليس فيه دليلٌ له؛ إذ يُقال من الرباعي أيضاً
((ثُمْنَى))(٤) كقولك: ((أنت تُكْرَم)) وهو مِنْ أَكْرَم.
آ. (٦٠) وقرأ(٥) ابن كثير ((قَدَرْنا)» بتخفيفِ الدال. والباقون
بالتشديد هنا، وهما لغتان بمعنىّ واحدٍ في التقدير الذي هو القضاءُ.
آ. (٦١) قوله: ﴿على أَنْ نُبَدِّلَ﴾: يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ
بـ ((مَسْبوقين)) وهو الظاهرُ، ولم يَسْبِقْنا أحدٌ على تبديلِنا أمثالَكم أي:
يُعْجِزْنا يُقال: سبقَه على كذا أي: أَعْجَزه عنه وغَلَبه عليه. والثاني: أنه
متعلّقٌ بقوله: ((قَدَّرْنا)) أي: قَذَّرْنا بينكم على أَنْ نُبَدِّلَ أي: نُمَوِّت طائفةً
ونَخْلُقَها طائفةٌ أخرى، قال معناه الطبري(٦). فعلى هذا يكون قولُه:
((وما نحن بمَسبوقين)) معترضاً، وهو اعتراضٌ حسنٌ.
ويجوز في ((أمثالَكم)) وجهان، أحدهما: أنه جمعُ ((مِثْل)) بكسر
الميم وسكون الثاء، أي: نحن قادرون على أن نُعْدِمَكم ونَخْلُقَ قوماً
(١) البحر ٢١١/٨، والقرطبي ٢١٦/١٧.
(٢) الكشاف ٥٦/٤.
(٣) الآية ٤٦ من النجم.
(٤) لأن الأصل تُؤَمْنَى حذفت همزة أفعل قياساً على حذفها من المضارع المتكلم
طرداً للباب.
(٥) السبعة ٦٢٣، والنشر ٣٨٣/٢، والبحر ٢١١/٨، والتيسير ٢٠٧،
والحجة ٦٩٦، والقرطبي ٢١٦/١٧.
(٦) تفسير الطبري ١٩٧/٢٧.
٢١٥

- الواقعة -
آخرين أمثالَكم، ويؤيّده: ((إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيها الناسُ ويَأْتِ بآخرين)»(١).
والثاني: أنه جمع ((مَثَل)) بفتحتين، وهو الصفةُ أي: نُغَيِّرُ صفاتِكم التي
أنتم عليها خَلْقاً وخُلُقاً، ونُنْشِئُكُم في صفاتٍ غيرِها.
آ. (٦٢) وتقدَّم قراءتا ((النشأة)) في العنكبوت(٢).
آ. (٦٣) قوله: ﴿أَفَرَ أَيْتُم﴾: وما بعده قد تَقَدَّم نظيرُه(٣).
وأُتي هنا بجواب ((لو)) مقروناً باللام وهو الأكثرُ؛ لأنه مُثْبَتٌ وحُذف في
قوله: ((جَعَلْناه أُجاجاً)) لأنَّ الِمِنَّةَ بالمأكولِ أعظمُ منها بالمشروب.
وقرأ(٤) طلحة «تَذْكُرُون)» بسكون الذال وضمِّ الكاف.
آ. (٦٥) قوله: ﴿فِظَلْتُمْ﴾: هذه قراءةُ العامَّةِ أعني فتَحَ الظاء
مع لامٍ واحدة. وقد تقدَّم الكلامُ عليها مستوفى في طه(٥). وأبو حيوةٍ(٦)
وأبو بكرٍ في روايةٍ بكسرِ الظاء. وعبد الله والجحدريُّ ((فظَلِلْتُمْ)) على
الأصل بلامَيْن، أُولاهما مكسورةٌ. ورُوي عن الجحدري فتحُها، وهي لغةٌ
أيضاً.
والعامةُ («تَفَكَّهون)» بالهاء، ومعناه: تَنْدَمون، وحقيقتُه: تُلْقُون
الفُكاهةَ عن أَنْفِسِكم، ولا تُلْقَى الفُكاهةُ إلَّ من الخِزْي فهو من بابٍ:
(١) الآية ١٣٣ من النساء.
(٢) راجع إعرابه للآية ٢٠ حيث قرأ ابن كثير وأبو عمرو ((النشاءة)) والآخرون «النّشْأَة)»
السبعة ٤٩٨.
(٣) انظر: الدر المصون ٦١٥/٤.
(٤) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٥١٦/٢، والنشر ٢٦٦/٢، والبحر ٢١١/٨.
(٥) انظر إعرابه للآية ٩٧.
(٦) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٥١٦/٢، والقرطبي ٢١٩/١٧، والبحر ٢١١/٨.
٢١٦

- الواقعة -
تَحَرَّج وتَأَثَّم وتَحَوَّب(١). وقيل: تَفَكَّهون: تَعْجَبون. وقيل: تَلاومون.
وقيل: تَتَفَجَّعون، وهذا تفسيرٌ باللازم.
وقرأ(٢) أبو حرام العكلي ((تَفَكَّنون)) بالنون مثل تَتَنَدَّمون. قال
ابن خالويه(٣): ((تَفَكَّةَ تَعَجَّب، وتَفَكَّن تندَّمَ)». وفي الحديث(٤): ((مَثَلُ
العالِمِ مَثَلُ الحَمَّة يَأْتيها البُعَداء ويترُكها القُرَباءِ. فبيناهُمْ إذ غار ماؤها
فانتفع بها قومٌ وبقي قومٌ يَتَفَكَّنون)) أي: يَتَنَدَّمون.
آ. (٦٦) قوله: ﴿إِنَّا لِمُغْرَمُون﴾: قرأ(٥) أبو بكر ((أإِنا)»
بالاستفهام وهو على أصلِه في تحقيقِ الهمزتَيْن وعَدَم إدْخال ألفٍ بينهما
والباقون بالخبر. وقبلَ هذه الجملةِ قولٌ مقدرٌ على كلتا القراءتين، وذلك
في محلِّ نصبٍ على الحالِ تقديرُه: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهون قائلين أو تقولون: إنا
لمُغْرَمون أي: لَمُلْزَمون غرامةَ ما أَنْفَقْنا أو مُهْلَكون لهلاكِ رِزْقِنا، من
الغَرامِ وهو الهلاكُ. قاله الزمخشري(٦). ومن الغَرام بمعنى الهَلاك
قولُه(٧) :
٤٢١٨- إن يُعَذِّبْ يَكُنْ غَراماً وإِنْ يُعْـ
سطِ جَزِيلاً فإنَّه لا يُبالي
(١) الحُوْب: الإِثم.
(٢) الشواذ ١٥١، والبحر ٢١٢/٨. ولم أقف على أبي حرام العكلي.
(٣) الشواذ ١٥١ .
(٤) انظر: غريب الحديث للهروي ٤/ ٤٩٠، والنهاية ٤٦٦/٣، ٤٤٥/١. والحَمَّة:
عين ماء حار يستشفي بها المرضى.
(٥) السبعة ٦٢٤، والنشر ٣٧٢/١، والتيسير ٢٠٧، والقرطبي ٢١٩/١٧،
والحجة ٦٩٧، والبحر ٢١٢/٨.
(٦) الكشاف ٤/ ٥٧.
(٧) البيت للأعشى وهو في ديوانه ٩.
٢١٧

- الواقعة -
[٨٣٩/ ب]
آ. (٦٩ - ٧٠) قوله: ﴿لو نَشاءُ جَعَلْنَاه أُجاجاً﴾: / قد
تقدَّم عدمُ دخولِ اللام في جواب ((لو)) هذه. وقال الزمخشري(١): ((فإنّ
قلتَ: لِمَ أُدْخِلَتِ الْلَامُ في جواب (لو)) في قوله: (لَجَعَلْنَاهُ حُطامً)(٢)
ونُزِعَتْ منه ههنا؟ قلت: إنَّ (لو)) لمَّا كانَتْ داخلةً على جملتَيْن، مُعَلَّقَةٍ
ثانيتُهما بالأولى تعليقَ الجزاءِ بالشرط، ولم تكن مُخَلِّصةً للشرط كـ ((إنْ))
ولا عاملةً مثلَها، وإنما سَزَى فيها معنى الشرطِ اتفاقاً، من حيث إفادتُها
في مضمونَيْ جملَتَيْها أنَّ الثاني امتنع لامتناع الأولِ، افتقرَتْ في جوابِها
إلى ما يَنْصَبُّ عَلَماً على هذا التعليقِ، فَزِيْدَتْ هذه اللامُ لتكونَ عَلَماً على
ذلك، فإذا حُذِفَتْ بعدما صارَتْ عَلَماً مشهوراً مكانُه فلأِنَّ الشيءَ إذا عُلِمَ
وشُهِر مَوْقِعُه وصار مَأْلوفاً ومَأْنوساً به لم يُبالَ بإسقاطِه عن اللفظِ، استغناءً
بمعرفةِ السامع. ألا ترى إلى ما يُحكى عن رؤبةَ أنه كان يقول: ((خير)»
لمَنْ يقولُ له: كيف أصبحْتَ؟ فَحَذَفَ الجارَّ لِعِلْم كلِّ أحدٍ بمكانِه
وتَساوي حالَيْ إثباتِه وحَذْفِه لشُهْرةِ أَمْرِهِ. وناهِيك بقولَ أوس(٣):
:
٤٢١٩- حتى إذا الكَلَّبُ قال لها
كاليومِ مَطْلوباً ولا طَلَبا
فحذفَ ((لم أَرَ)) فإذن حَذْفُها اختصارٌ لفظي، وهي ثابتةٌ في المعنى،
فاستوى الموضعان بلا فرقٍ بينهما. على أن تَقَدُّمَ ذِكْرِها والمسافةُ قصيرةٌ
مُغْنٍ عن ذِكْرِها ثانيةً، ويجوزُ أَنْ يُقال: إنَّ هذه اللَم مفيدةٌ معنى التوكيدِ
لا مَحالةَ، فَأَدْخِلَتْ في آيةِ المطعوم دونَ آيَةِ المَشْروبِ، للدلالةِ على أنَّ
(١) الكشاف ٤ / ٥٧.
(٢) الآية ٦٥.
(٣) تقدم برقم ٢٥١٣.
٢١٨

- الواقعة -
أَمْرَ المطعومِ مُقَدَّمٌ على أَمْرِ المشروبِ، وأنَّ الوعيدَ بفَقْدِهِ أشدُّ وأصعبُ
من قِبَلِ أنَّ المشروبَ إنما يُحتاجُ إليه تَبَعاً للمطعوم، ألا ترى أنك إنما
تَسْقي ضيفَك بعدما تُطْعِمُهُ، ولو عَكَسْتَ قَعَدْتَ تحت قولِ أبي العلاءِ (١):
٤٢٢٠- إذا سُقِيَتْ ضُيوفُ الناس مَخْضاً
سَقَوْا أضيافَهم شَبِماً زُلالا
وسُقِي بعضُ العرب فقال: أنا لا أَشْرَبُ إلَّ على ثميلة (٢)، ولهذا
قُدُّمَتْ آيةُ المطعومِ على آيةِ المشروب» انتهى.
قال الشيخ (٣): ((وقد طوَّل الزمخشريُّ)) فلم يَذْكُرْ هذا الكلامَ
الحسنَ، ثم ذَكَر بعض كلامِه، وواخَذَه في قوله: ((إنَّ الثاني امتنع لامتناع
الأول)» وجعلها عبارةَ بعضٍ ضعفاءِ المُعْرِبين، ثم ذكر عبارةَ سيبويه(٤)،
وهي: حرفٌ لِما كان سيقعُ لوقوعٍ غيرِهِ، وذكر أنَّ قولَ مَنْ قال: ((امتناع
الامتناع)) فاسدٌ بقولك: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً، يعني أنه لا يَلْزَمُ
مِن امتناع الإِنسانية امتناعُ الحيوانية. ومِثْلُ هذه الإِيراداتِ سهلةٌ وإذا تَبَعَ
الرجلُ (٥) الناسَ في عبارتهم لا (٦) عليه. على أنها عبارةُ المتقدِّمين من
النحاة، نَصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ .
وقوله: ((مِنْ المُزْنِ)) المُزْنُ: السحاب وهو اسم جنس واحدُه مُزْنة.
قال الشاعر (٧) :
(١) سقط الزند ١ / ٨٤.
(٢) الثميلة: البقية من الطعام والشراب تبقى في البطن.
(٣) البحر ٢١٢/٨.
(٤) الكتاب ٣٠٧/٢.
(٥) أي الزمخشري.
(٦) الأصخُّ: ((فلا عليه)).
(٧) تقدم برقم ٢٨٣.
٢١٩

-: الواقعة -
٤٢٢١- فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها
ولا أرضَ أَبْقَلَ إبْقالَها
وقال الآخر (١)
٤٢٢٢- ونحن كماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا
كَهامٌ ولا فينا يُعَدُّ بخيلٌ
آ. (٧١) قوله: ﴿تُوْرُوْن﴾: مِنْ أَوْرَيْتُ الزَّنْدَ أي: قَدَحْتَه
فاستخرجتَ نارَه، ووَرِي الزَّنْدُ يَرِي أي: خَرَجَتْ نارُه. وأصلُ تُوْرُوْن
تُؤْرِيُون (٢).
آ. (٧٣) قوله: ﴿للمُقْوِين﴾: يُقال: أَقْوَىُ الرجلُ: إذا حلَّ
في الأرض القِواءِ، وهي القَفْرُ، كأَصْحَرَ: دَخَلَ في الصحراء. وأَقْوَتِ
الدار: خَلَتْ، مِنْ ذلك لأنها تصير قَفْراً. قال النابغة(٣):
٤٢٢٣ - يا دارَميَّةً بالعَلْياءِ فالسَّنَدِ
أَقْوَتْ وطال عليها سالفُ الأَبْدِ
آ. (٧٥) قوله: ﴿فلا أُقْسِمُ﴾: قرأه العامَّةُ ((فلا))، لَإِمَ ألفٍ،
وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنها حرفُ نفي، وأنَّ المنفيَّ بها محذوفٌ، وهو
كلامُ الكافرِ الجاحدِ تقديرُه: فلا حُبَّةَ لِما يقولُ الكافرُ، ثم ابتدأ قَسَماً
بما ذَكَر، وإليه ذهب جماعةٌ من المفسّرين والنَّحْويين. وضُعَّفَ هذا: بأنَّ
(١) البيت للسموءل وهو في الحماسة ٨١/١. والكهام: البطيء الثقيل الكليل.
(٢) أصله تُؤَوْرِيُّوْن حذفت الهمزة، ثم أعلَّ بحذف الياء ووزنه تُفْعون. انظر: معجم
المفردات الإعلال والإبدال ٤٨٦.
(٣) تقدم برقم ١٢١٩.
٢٢٠