النص المفهرس
صفحات 141-160
- القمر - في نُدورِ عكسَ أفعل التفضيل. قالوا: ((ما خيرَ اللبنِ للصحيح وما شَرَّه للمبطون)» وهذا مِنْ محاسِن الصناعة. وقرأ أبو قيس الأَوْدِيُّ(١)، ومجاهد الحرفَ الثاني ((الأُشُرُ)) ثلاث ضماتٍ. وتخريجها: على أنَّ فيه لغةَ ((أَشُر)) بضم الشين كحَذُر وحذِر، ثم ضُمَّت الهمزة إتباعاً لضم الشين. ونقل الكسائي عن مجاهد ضمَّ الشين وفتح الهمزة على أصلٍ تَيْكَ اللغةِ كحَذُر. آ. (٢٦) قوله: ﴿سَيَعْلَمُون﴾: قرأ(٢) ابنُ عامر وحمزةُ بالخطاب. وفيه وجهان، أحدهما: أنه حكاية قول صالح لقومِه. والثاني: أنه خطابُ اللهِ تعالى على جهة الالتفاتِ. والباقون بالياءِ غَيْبَةً، وهي ظاهرةٌ لجَريان الغيب قَبلَه في قوله: ((فقالوا: أَبَشَراً)) واختارها مكي(٣) لأن عليها الأكثر. و((غداً) في قوله ليس المرادُ به الذي يلي يومَك بل الزمانُ المستقبلُ، كقول الطرمَّاح(٤). ٤١٦٥- ألا عَلِّلاني قبل نوحِ النوائحِ وقبلَ اضطرابَ النَّفْسِ بين الجوانحِ وقبلَ غدٍ يا لهفَ نفسي على غدٍ إذا راح أصحابي ولستُ برائحٍ (١) عبد الرحمن بن ثروان الكوفي روى عن شريح القاضي وروى عنه سفيان الثوري. ثقة ثبت. مات سنة ١٢٠، روى له الجماعة سوى مسلم. انظر: تهذيب الكمال ٧٧٩/٢. (٢) السبعة ٦١٨، والنشر ٣٨٠/٢، والحجة ٦٨٩، والقرطبي ١٣٩/١٧، والبحر ١٨٠/٨، والتيسير ٢٠٦. (٣) الكشف ٢٩٨/٢. (٤) ليس في ديوانه، وإنما هما لأبي الطَمَحان القَيْني، كما في الحماسة ٢٨/٢، وأمالي الشجري ٢٨٦/١، كما ينسبان لهدبة بن خشرم في العقد الفريد ٢٤٨/٣. ١٤١ - القمر - آ. (٢٧) قوله: ﴿فتنةٌ﴾: مفعولٌ له أو مصدرٌ من معنى الأول، أو في موضع الحال. آ. (٢٨) وقرأ العامة ((قِسْمَةٌ)) بكسر القاف. ورُوي (١) عن أبي عمروٍ فتُحها وهو قياس المَرَّةِ. والضمير في ((بَيْنَهم)) لقوم صالحٍ والناقة، فغلَّب العاقلَ. آ. (٢٩) قوله: ﴿فنادَوْا﴾: قبله محذوفٌ، أي: فتمادَوْا على [٨٢٩/ أ] ذلك ثم مَلُّوهُ فعزمُوا على عَقْرِها فنادَوْا صاحبَهم/ وتَعاطَىُ: مطاوعُ عاطَى، كأنهم كانوا يتدافَعُوْن ذلك حتى تَوَلاَّه أَشْقاها. آ. (٣١) قوله: ﴿كهَشِيم المُخْتَظِرِ﴾: العامَّةُ على كسرٍ الظاء اسمَ فَاعلٍ وهو الذي يَتَّخِذُ حَظيرةٌ مِنْ حَطَب وغيرِهِ .. وقرأ (٢) أبو السَّمَّال وأبو حيوة وأبو رجاء وعمرو بن عبيد بفتحها. فقيل: هو مصدرٌ، أي: كَهَشِيم الاحتظار وقيل: هو مكانٍ. وقيل هم اسمُ مفعولٍ وهو الهَشيمُ نفسهُ، ويكون من بابِ إضافةِ الموصوفِ لصفتهِ كمسجدٍ الجامع. والحَظْرُ: المَنْعُ، وقد تقدَّم تحريرُه في سبحان(٣). آ. (٣٤) قوله: ﴿إِلاَّ آلَ لوطٍ﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه مُتصلٌ ويكون المعنى: أنه أرسل الحاصِبَ على الجميع إلاَّ أهلَه فإنه لم يرسِلْ عليهم. والثاني: أنه منقطعٌ، ولا أدري ما وجهُه؟ فإنَّ الانقطاعَ (١) البحر ١٨١/٨. (٢) المحتسب ٢٩٩/٢، والقرطبي ١٤٢/١٧، والإتحاف ٥٠٧/٢، والبخر ١٨١/٨. (٣) انظر: الدر المصون ٣٣٢/٧. ١٤٢ - القمر - وعدمَه عبارةٌ عن عدم دخولِ المستثنى في المستثنى منه، وهذا داخلٌ ليس إلا. وقال أبو البقاء(١): ((هو استثناءً منقطعٌ. وقيل: متصلٌ، لأنَّ الجميع أُرْسِلَ عليهم الحاصبُ فهَلَكوا إلَّ آل لوطٍ. وعلى الوجهِ الأولِ يكون الحاصِبُ لم يُرْسَلْ على آلِ لوطِ)) انتهى. وهو كلامٌ مُشْكِلٌ. وقوله (نَجَّيْنَاهُمْ) تفسيرٌ وجوابٌ لقائلٍ يقولُ: فما كان مِنْ شأنِ آلِ لوطٍ؟ كقولِه ((أبى)) بعد قولِهِ ((إلَّ إبليسَ))(٢) وقد تقدَّم في البقرة. ((وبسَحَرٍ)) الباءُ حاليةٌ أو ظرفيةٌ. وانصرف ((سَحَر)» لأنه نكرةٌ، ولو قُصِدَ به وقتٍّ بعينِه لمُنِعَ للتعريفِ والعَذْلِ عن أل، هذا هو المشهورُ. وزعم صدرُ الأفاضل(٣) أنه مبنيٌّ على الفتح كأمسٍ مبنياً على الكسر. آ. (٣٥) قوله: ﴿ونعمةً﴾: إمّا مفعولٌ به، وإمَّا مصدرٌ بفعلٍ مِنْ لفظِها، أو مِنْ معنى ((نَجَّيْناهم)) لأنَّ تَنْجِيَتَهم إنعامٌ، فالتأويلُ: إمَّا في العامل، وإمّا في المصدر ((ومِنْ عندِنا)»: إمَّا متعلقٌ بنعمة، وإمَّا بمحذوفٍ صفةً لها. والكاف في ((كذلك)) نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: مثلَ ذلك الجزاء نَجْزِي. وقرأ العامَّةُ ((فَطَمَسْنا)) مخففاً. وابن مقسم (٤) مُشَدَّداً على التكثيرِ لأجلِ المتعلَّق أو لشِدَّة الفعلِ في نفسِه. آ. (٣٨) قوله: ﴿بُكْرَةٌ﴾: انصرفَ لأنه نكرةٌ، ولو قُصِد به (١) الإملاء ٢٥٠/٢. (٢) الآية ٣٤ من البقرة. القاسم بن الحسين أبو محمد الخوارزمي الحنفي له: شرح المفصل، وشرح (٣) الأنموذج، وشرح سقط الزند. توفي سنة ٦١٧. انظر: معجم الأدباء ٢٣٨/١٦، والبغية ٢/ ٢٥٢. (٤) البحر ٨/ ١٨٢. ١٤٣ - القمر - وقتٌ بعينه امتنع للتغريف والتأنيثِ. وهذا كما تقدَّم في ((غُدْوة))(١) ومَنَعَها زيد بن علي(٢) الصرفَ، ذَهَب بها إلى وقتٍ بعينه. آ. (٤٢) قوله: ﴿أَخْذَ عَزِيزِ﴾: مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه. آ. (٤٤) و: ﴿أم يقولونَ﴾: العامَّةُ على الغَيْبة التفاتاً. وأبو حيوة (٣) وأبو البرهسم وموسى الأسواري بالخطاب جَرْياً على ما تقدَّم مِنْ قوله «أكُفَّارکم، إلى آخره. آ. (٤٥) والعامَّةُ على ((سَيُهْزَمُ)) مبنياً للمفعول. ((والجَمْعُ)) مرفوعٌ به. وقُرِىء (٤) ((ستَهْزِمُ)) بفتح التاء خطاباً للرسول عليه السلام، ((الجمعَ)) مفعولٌ به، وأبو حيوة في روايةٍ ويعقوب ((سَنَهْزِمُ» بنونِ المعظّم نفسَه، و ((الجمعَ)) منصوبٌ أيضاً، ورُوِيَ عن أبي حيوة أيضاً وابن أبي عبلة (سَيَهْزِمُ)) بياء الغَيْبةِ مبنياً للفاعل، ((الجمعَ)) منصوبٌ، أي: سَيَهْزِمُ اللهُ الجمعَ. ((ويُؤَلُّون)) العامَّة على الغَيْبة. وأبو حيوة(٥) وأبو عمروٍ في روايةٍ (تُوَلُّون)) بتاء الخطاب، وهي واضحةٌ. والدُّبُرُ هنا: اسمُ جنسٍ. وحَسُنَ هنا لوقوعِه فاصلةً بخلافِ ((لَيُؤَلُنَّ الأدبار))(٦). وقال الزمخشري (٧): ((أي: الأدبار، كما قال(٨). (١) على قراءة ابن عامر في الأنعام آية: ٥٢. انظر: الدر المصون ٦٣٩/٤ (٢) البحر ١٨٢/٨. (٣) البحر ١٨٣/٨، والشواذ ١٤٨. انظر في قراءاته: الشواذ ١٤٨، والقرطبي ١٤٥/١٧، والنشر ٢/ ٣٨٠، والبخر (٤) ١٨٣/٨. (٥) البحر ١٨٣/٨، والقرطبي ١٧/ ١٤٥ . (٦) الآية ١٢ من الحشر. الكشاف ٤/ ٤١. (٧) (٨) تقدم برقم ١٥٣ . ١٤٤ - القمر - ٤١٦٦- كُلُوا في بَعْضٍ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا وقُرىء ((الإِذبار))(١). قال الشيخ(٢): ((وليس مثل/ ((بعضٍ بَطْنكم)) [٨٢٩/ب] لأن الإفراد هنا له مُحَسِّنٌ ولا مُحَسِّنٌ لإِفرادِ ((بَطْنكم). آ. (٤٨) قوله: ﴿ذُوْقُوا﴾: على إرادةِ القولِ، وقرأ(٣) أبو عمروٍ وفي روايةٍ محبوبٍ عنه ((مَسَّقَر)) وخَطَّه ابن مجاهد. وهو معذورٌ لأنَّ السينَ الأخيرةَ مِنْ ((مَسَّ)) مُذْغَم فيها فلا تُدْغَمُ في غيرها لأنها متى أُدْغِم فيها لَزِم تحريكُها، ومتى أُدْغمت هي لَزِمِ سكونُها فتنافس الجَمْعُ بينهما. قال الشيخ(٤): ((والظَّنُّ بأبي عمروٍ أنه لم يُدْغِمْ حتى حَذَفَ أحد الحرفينِ، لاجتماع الأمثال ثم أَدْغم) قلت: كلامُ ابن مجاهد إنما هو فيما قالوه إنه أدغم، أمَّا إذا حَذَفَ وأَدْغَمَ فلا إشكالَ. ((وسَقَرَ)) عَلَمُّ لجهنم - أعاذَنا اللَّهُ منها - مشتقةٌ مِنْ سَقَرَتْه الشمسُ والنارُ، أي: لَوَّحَتْه ويُقال: صَقَرَتْه بالصاد، وهي مبدلَةٌ من السين لأجل القاف. قال ذو الرمة (٥): (١) ضبطت في ((الكشاف)) بكسرة الهمزة، وفي نَقْل أبي حيان عنه ((البحر ١٨٣/٨)) بفتح الهمزة. البحر ٨/ ١٨٣. (٢) البحر ١٨٣/٨. (٣) (٤) البحر ٨/ ١٨٣. ديوانه ١٤٥٨، والبحر ١٧٢/٨، واللسان ((صقر)). وذابت الشمس، أي: من (٥) شدة الحر. واتقى: أي الثور. والأفنان: الأغصان. والصريمة: قطعة من الرمل. ومربوع: أصابها الربيع فاخضرَّت. أعبلت الشجرة: إذا خرج ورقها. ١٤٥ - القمر - ٤١٦٧- إذا ذابتِ الشمسُ اتَّفى صَقَراتِها بأَقْنَانِ مَرْبوع الصَّريمةِ مُعْبِلٍ (وسَقَرَ)) متحتمُ المنع؛ لأن حركةَ الوسطِ تَتَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ الحرفِ الرابع کعقرب وزینب. آ. (٤٩) قوله: ﴿إِنَّا كلَّ شيءٍ خَلَقْناه﴾: العامَّةُ على نصب ((كل)) على الاشتغال وأبو السَّمَّال(١) بالرفع. وقد رَجَّحَ الناسُ، بل بعضُهم أوجبَ النصبُّ قال: لأن الرفعَ يُؤْهِمُ ما لا يجوزُ على قواعد أهل السُّنَّة. وذلك أنه إذا رُفع ((كل شيء)) كان مبتدأً ((وخَلَقْناه)) صفةٌ لـ ((كل)) أو لشيء. و ((بقَدَر)» خبرهُ. وحينئذٍ يكون له مفهومٌ لا يَخْفَى على متأمِّله، فيلزَمُ أن يكون الشيءُ الذي ليس مخلوقاً لله تعالى لا بَقَدَر، كذا قَدَّرِه بعضُهم. وقال أبو البقاء (٢): ((وإنما كان النصبُ أَوْلى الدلالِتِه على عموم الخَلْقِ، والرفعُ لا يدلُّ على عمومِه، بل يُفيد أنَّ كل شيءٍ مخلوقٌ فهو بقدر». وقال مكي بن أبي طالب(٣): ((كان الاختيارُ على أصول البَصْرِيين رفع ((كل)،كما أن الاختيارَ عندهم في قولك («زيدٌ ضربْتُه)» الرفعُ، والاختيارُ عند الكوفيين النصبُ فيه بخلاف قولِنا ((زيد أكرمتُه)) لأنه قد تقدَّم في الآية شيءٌ عَمِل فيما بعده وهو ((إنَّ) والاختيارُ عندهم النصبُ فيه. وقد أجمع القرّاءُ على النصبِ فى ((كل)) على الاختيار فيه عند الكوفيين لِيَدُلَّ ذلك على عموم الأشياء المخلوقاتِ أنها لله تعالى بخلافِ ما قاله أهلُ الزَيْغِ مِنْ أنَّ ثمَّ مخلوقاتٍ لغير الله تعالى(٤)، وإنما دلَّ النصبُ في ((كلَّ)) على (١) المحتسب ٢/ ٣٠٠، والقرطبي ١٤٧/١٧، والبحر ١٨٣/٨. (٢) الإملاء ٢٥٠/٢. (٣) إعراب المشكل ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١. (٤) ثم قال: وقوله تعالى ((الله خالقُ كلِّ شيءٍ» يَرُدُّ قولَهم .. ١٤٦ - القمر - العموم؛ لأن التقديرَ: إنَّا خَلَقْنا كلَّ شيءٍ خَلَقْناه بَقَدَرٍ، فَخَلَقْناه تأكيدٌ وتفسيرٌ لـ ((خَلَقْنا)) المضمر الناصبِ لـ ((كلَّ)). وإذا حَذَقْتَه وأَظْهَرْتِ الأولَ صار التقديرُ: إِنَّا خَلَقْناه كلَّ شيءٍ بَقدَر (١)، فهذا لفظُ عامٌ يَعُمُّ جميع المخلوقاتِ. ولا يجوز أَنْ يكون ((خَلَفْناه)) صفةً لـ ((شيءٍ)) لأنَّ الصفةَ والصلةَ لا يعملان فيما قبل الموصوفِ ولا الموصولِ، ولا يكونان تفسيراً لِما يعملُ فيما قبلهما، فإذا لم يَبْقَ ((خَلَقْناه)» صفةً لم يَبْقَ إلاّ أنه تأكيدٌ وتفسيرٌ للمضمر الناصب، وذلك يَدُلُّ على العمومِ. وأيضاً فإن النصبَ هو الاختيارُ لأنَّ ((إِنَّ)) عندهم يَطلبُ الفعلَ فهو أَوْلى به، فالنصبُ عندهم في ((كل)) هو الاختيارُ، فإذا انضاف إليه معنى العموم والخروج عن الشُبَهِ كان النصبُ أَوْلى من الرفع». وقال ابن عطية(٢): / ((وقومٌ من أهلِ السُّنَّة بالرفع)). قال أبو الفتح(٣): [٨٣٠/أ] ((هو الوجهُ في العربية، وقراءتُنا بالنصب مع الجماعة)). وقال الزمخشري(٤): ((كلَّ شيء)) منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ يُفَسِّره الظاهرُ. وَقُرِىء ((كلُّ شيءٍ)) بالرفع. والقَدْر والقَدَر: التقديرُ، وقُرِىء بهما، أي: خَلَقْنا كلَّ شيءٍ مُقَدَّراً مُحْكَماً مُرَتَباً على حَسَبٍ ما اقْتَضَتْه الحكمةُ أو مُقَدَّراً مكتوباً في اللوح، معلوماً قبل كونه قد عَلِمْنا حاله وزمانَه)) انتهى. وهو هنا لم يَتَعَصَّبْ للمعتزلةِ لضعفٍ وجهِ الرفع. وقال قومٌ: إذا كان الفعل يُتَوَهَّمُ فيه الوصفُ وأنَّ ما بعدَه يَضْلُحُ (١) كرَّر في الأصل ((فخلقناه)) تأكيد وتفسير لـ خَلَقْنا المضمر الناصب لكل شيء)». (٢) المحرر ٣١٥/١٥. (٣) المحتسب ٣٠٠/٢. (٤) الكشاف ٤ / ٤١. ١٤٧ ت القمر- للخبر، وكان المعنى على أن يكون الفعلُ هو الخبرَ اختير النصبُ في الاسمِ الأولِ حتى يتضحَ أنَّ الفعل ليس بوصفٍ، ومنه هذا الموضعُ؛ لأنَّ قراءة الرفع تُخَيِّل أنَّ الفعلَ وصفٌ، وأن الخبرَ ((بقدَر)). وقد تنازع أهلُ السنة والقَدَرِيَّة الاستدلال بهذه الآية: فأهلُ السُّنَّة يقولون: كلُّ شيء مخلوقٌ لله تعالى بقَدَرٍ، ودليلُهم قراءة النصبِ لأنه لا يُفَسَّر في هذا التركيب إلَّ ما يَصِحُّ أن يكون خيراً لو رُفِع الأولُ على الابتداء. وقال القَدَرية: القراءةُ برفع ((كل)) و ((خَلَقْناه)) في موضع الصفة لـ((كل))، أي: إِنَّ أَمْرَنا أو شأنَنا: كلُّ شيءٍ خَلَفْناه فهو بَقَدر أو بمقدار، وعلى خَدِّ ما في هيئتِه وزمنه. وقال بعضُ العلماء: في القَدَر هنا وجوهٌ، أحدها: أنه المقدارُ في ذاتِه وفي صفاته. والثاني: التقديرُ كقولِهِ ((فَقَدَرْنا فِنعم القادِرون))(١). وقال الشاعر(٢): ٤١٦٨- وقَد قَدَّر الرحمُنُ ما هو قادِرُ أي: ما هو مُقَدَّر. والثالث: القَدَرُ الذي يُقال مع القضاء كقولِكَ: كان بقضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ فقوله ((بقَدَرٍ)) على قراءة النصب متعلِّقٌّ بالفعل الناصب وفي قراءةِ الرفع في محلٌّ رفع، لأنه خبرٌ لـ ((كل)) و ((كل)) وخبرُها في محل رفع خبراً لـ إنَّ. آ. (٥٢) وسيأتي قريباً آيةٌ عكسَ هذه أعني في اختيار الرفع وهي (١) الآية ٢٣ من المرسلات. (٢) لم أهتد إلى قائله وتمامه، وهو في البحر ١٨٣/٨. ١٤٨ - القمر - قولُهُ ((وكلُّ شيءٍ فَعَلوه في الزُّبْرِ))(١) فإنَّه لم يختلف في رفعِه قالوا لأنَّ نصبَه يُؤذّي إلى فسادِ المعنى لأنَّ الواقعَ خلافُه، وذلك أنَّك لو نَصَبْتَه لكان التقديرُ: فعلوا كلَّ شيءٍ في الزبُر، وهو خلافُ الواقع؛ إذ في الزُّبُر أشياءُ كثيرةٌ جداً لم يفعلوها. وأمَّا قراءةُ الرفع فتَؤدِّي أنَّ كلَّ شيءٍ فعلوه هم، ثابتٌ في الزُّبُر وهو المقصود فلذلكَ انُّفِقَ على رفعِه، وهذان الموضعان مِنْ نُكَتِ المسائلِ العربيةِ التي اثَّفق مجيئُها في سورةٍ واحدةٍ في مكانّيْن متقاربين ومما يَدُلُّ على جلالةِ علمِ الإِعرابِ وإفهامهِ المعانيَ الغامضةَ. والجاهلون لأهل العلم أعداءٌ. آ. (٥٣) وقرأ العامَّةُ ((مُسْتَطَرٌ)) بتخفيف التاءِ من السَّطر وهو الكَتْبُ، أي: مُكْتَب. وقرأ (٢) الأعمش وعمران بن حدير وتُرْوَى عن عاصم(٣) بتشديدها. وفيه وجهان. أحدهما: أنه مشتقٌ مِنْ طَرَّ الشاربُ والنبات، أي: ظهر ونَبَتَ، بمعنى: أنَّ كلَّ شيءٍ قلَّ أو كثُر ظاهرٌ في اللوح غيرُ خفي، فوزنُهُ مُسْتَفْعَل كمُسْتَخْرج. والثاني: أنَّه من الاستطار، كالقراءة العامة وإنما شُدِّدَت الراءُ من أجل الوقفِ كقولهم: «هذا جَعْفَرُّ وفَرَجْ)) ثم أُجري الوصلُ مُجرى الوقف فوزنه مُفْتَعَل كقراءة الجمهور. آ. (٥٤) قوله: ﴿نَهَر﴾: العامةُ بالإِفرادِ وهو اسمُ جنس بدلیل مقارنتِه للجمع، والهاء مفتوحةٌ كما هو الفصيح، وسَكَّنها(٤) مجاهد (١) الآية ٥٢ من القمر. (٢) البحر ١٨٤/٨. وعمران بن حدير السدوسي أبو عبيدة البصري. روى عن أبي مجلز. وروى عنه شعبة. ثقة صدوق. توفي سنة ١٤٩. (٣) وهي رواية عصمة عن أبي بكر عن عاصم. انظر في قراءاتها: المحتسب ٣٠٠/٢، والإتحاف ٥٠٧/٢، والبحر ٨/ ١٨٤ . (٤) ١٤٩ - القمر - والأعرج وأبو السَّمَّال والفياض وهي لُغَيَّةٌ. وقد تقدَّم الكلامُ عليها أولَ البقرة(١). وقيل ليس المرادُ هنا نهرَ الماءِ، وإنما المرادُ به سَعَةُ الأرزاقِ [٨٣٠/ ب] لأنَّ المادةَ تَدُلُّ على ذلك كقول قيس بن الخطیم(٢). / ٤١٦٩- مَلَّكْتُ بها كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَها يَرىُ قائمٌ مِنْ دونِها ما وراءَها أي: وسَّعْتُ، وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز والأعمش وزهير الفرقبي ((ونُهُر)) بضم النونِ والهاءِ، وهي تحتمل وجهين، أحدهما: أَنْ يكونَ جِمعَ نَهَر بالتحريك وهو الأولى نحو: أُسُد فِي أَسَد. والثاني: أن يكون جمعَ الساكنِ نحو: سُقُفُ فِي سَقْف ورُهُن فِي رَهْن، والجمع مناسِبٌ للجمع قبلَه في ((جنات)) وقراءةُ العامة بإفرادِهِ أَبْلَغُ وقد تقدَّم كلامُ ابن عباس(٣) في قوله تعالى آخر البقرة (وملائكته وكتابه (٤)) بالإِفرادِ، وأنه أكثرُ مِنْ ((الكتب)). وتقدَّم أيضاً تقديرُ الزمخشري(٥) لذلك، فعليك(٦) .. قوله تعالى ((في مَفْعَدٍ)) يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً ثانياً، وهو الظاهرُ وأَنْ يكون حالاً من الضمير في الجارُّ لوقوعِه خبراً. وجَوَّز أبو البقاءِ(٧) أَنْ (١) انظر: الدر المصون ٢١٣/١. (٣) الدر المصون ٦٩٢/٢. (٢) تقدم برقم ٤٥. الآية ٢٨٥ وهي قراءة حمزة والكسائي. الدر ٢/ ٦٩٢ .. (٤) الكشاف ٤٠٧/١. (٥) كلمة لم أتبينها لعلها «بقراءته). (٦) الإملاء ٢/ ٢٥٠. (٧) ١٥٠ - القمر - يكونَ بدلاً مِنْ قولِه «في جنات)) وحينئذٍ يجوزُ أَنْ يكونَ بدلَ بعضٍ، لأن المقعدَ بعضُها، وأَنْ يكون اشتمالاً لأنها مشتمِلَةٌ، والأولُ أظهرُ. والعامَّةُ على إفراد ((مَقْعَد)) مُراداً به الجنس كما تقدَّم في (نَهَر)). وقرأ(١) عثمان البتّي ((مقاعِدٍ)) وهو مناسبٌ للجمع قبلَه. ومَفْعَدُ صِدْقٍ من بابِ رجلٌ صدقٍ: في أنه يجوزُ أنْ يكونَ من إضافةِ الموصوف لصفتِهِ. والصدقُ يجوزُ أَنْ يُرادَ بِهِ ضدُّ الكذبِ، أي: صُدِّقوا في الإِخبار به، وأَنْ يرادَ به الجَوْدَةُ والخيريَّةُ. و «مليك)» مثالُ مبالغةٍ وهو مناسِبٌ هنا، ولا يُتَوهَّمُ أنَّ أصلَه مَلِك لأنه هو الوارِدُ في غيرِ موضع، وأنَّ الكسرةَ أُشْبِعَتْ فتولَّد منها ياءٌ؛ لأنَّ الإِشباعَ لم يَرِدْ إلَّ ضرورةً أَو قليلاً، وإنْ كان قد وقع في قراءةِ هشام ((أَفِيدَةً)» في آخر إبراهيم (٢)، وهناك يطالَع ما ذكَرْتُه فيه. [تمَّت بعونه تعالى سورة القمر] (١) الشواذ ١٤٨، والبحر ١٨٤/٨، والقرطبي ١٧/ ١٥٠. (٢) انظر: الدر المصون ٧/ ١١٢. ١٥١ - الرحمن - سورة الرحمن عزَّ وجلَّ بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿الرحمنُ﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: اللَّهُ الرحمنُ. الثاني: أنه مبتدأٌ، وخبرُه مضمرٌ، أي: الرحمنُ ربُّنا. وهذان الوجهان عند مَنْ يرى أنَّ ((الرحمن)) آيةٌ مع هذا المضمرِ معه، فإنهم عَدُّوا ((الرحمن)) آيةً ولا يُتَصَوَّرُ ذلك إلَّ بانضمامٍ خبرٍ أو مُخْبَرِ عنه إليه، إذ الآيةُ لا بُدَّ أَنْ تكونَ مفيدةً، وسيأتي ذلك في قولِه (مُذْهامَّتان))(١). الثالث أنه ليس بآيةٍ، وأنه مع ما بعده كلامٌ واحدٌ، وهو مبتدأُ خبرُه ((عَلَّم القرآنَ)). آ. (٢) قوله: ﴿عَلَّمَ القرآنَ﴾: فيه وجهان، أظهرُهما: أنها عَلَّم المتعديةُ إلى اثنين أي: عَرَّف، من التعليم، فعلى هذا المفعولُ الأولُ محذوف فقيل: تقديره: عَلَّم جبريلَ القرآنَ. وقيل: علَّم محمداً. وقيل: عَلَّم الإِنسانَ. وهذا أَوْلَى لعُمومِه، ولأنَّ قولَه ((خَلَقَ الإِنسانَ)» دالٌّ عليه. والثاني: أنها من العلامةِ. فالمعنى: جَعَله علامةً وآيةٌ يُعْتنى بها. وهذه الجملُ التي جيْءَ بها من غيرِ عاطفٍ لأنها سِيْقَتْ لتعديدِ نعمةٍ كقولك: فلانٌ أَحْسَنَ إلى فلانٍ: أكرمه، أشاد (٢) ذِكْرَه، رَفَعَ مِنْ قَدْرِهِ، (١) الآية ٦٤ من الرحمن. (٢) أشاد به: رفع به صوتَه، وأشاد البناء: أعلاه. ١٥٣ - الرحمن - فلشِدَّةِ الوصلِ تَرَكَ العاطفَ. والظاهر أنها أخبارٌ. وقال أبو البقاء (١): و ((خَلَقِ الإِنسان)» مستأنفٌ وكذلك («عَلَّمه)) ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الإِنسان مقدرةً و((قد)) معها مرادةٌ». انتهى. وهذا ليس بظاهرٍ بل الظاهرُ ما قدَّمتهُ ولم يذكُرْ الزمخشريُّ (٢) غيرَه. فإن قيل: لِمَ قَدَّم تعليمَ القرآنِ للإِنسان على خَلْقِه وهو متأخرٌ عنه في الوجودِ؟ قيل: لأنَّ التعليمَ هو السببُ في إیجادِه وخَلْقِهِ .. آ. (٥) قوله: ﴿بِحُسْبانٍ﴾: فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أن (الشمس)) مبتدأ و ((بحُسْبان)) خبرُها على حَذْفِ مضافٍ تقديره: جَرْيُ الشمس والقمر بحُسْبانٍ، أي: كائن أو مستقر أو استقرَّ بحُسْبان. الثاني: أنَّ الخبرَ محذوفٌ يتعلَّق به هذا الجارّ تقديره: يَجْريان بحسبان، وعلى هذين القولَيْن فيجوز في الحُسْبان وجهان، أحدهما: أنه مصدرٌ مفردٌ" بمعنى الحُسْبان، فيكون كالشُّكران والكُفْران. والثاني: أنه جمعُ حِساب [١/٨٣١] كشِهاب وشُهْبان. / والثالث: أنَّ الحُسْبَانَ خبرُه، والباءُ ظرفيةٌ بمعنى في، أي: كائنان في حُسْبان، وحُسْبان على هذا اسمٌ مفرد، اسمٌ للفَلَكِ المستدير، شَبَّهه بحُسْبان الرَّحى الذي باستدارته تستدير الرحى، قاله مجاهد(٣). آ. (٧) قوله: ﴿والسماءَ رَفَعَها﴾: العامَّةُ على النصب على الاشتغال مراعاةً لعَجُزِ الجملةِ التي يُسَمِّيها النحاةُ ذاتَ وجهين. وفيها (١) الإملاء ٢٥١/٢. (٢) الكشاف ٤٣/٢. (٣) انظر: البحر ١٨٨/٨. ١٥٤ - الرحمن - دليلٌ لسيبويه(١) حيث يُجَوِّزُ النصبَ، وإنْ لم يكنْ في جملةِ الاشتغالِ ضميرٌ عائد على المبتدأ الذي تضمَّنَتْه الجملةُ ذاتُ الوجهين. والأخفشُ يقول: لا بُدَّ من ضميرٍ، مثالُه: ((هند قامَتْ وعمراً أكرمْتُه لأجلها)) قال: (لأنك راعَيْتَ الخبرَ، وعَطَفْتَ عليه، والمعطوفُ على الخبرِ خبرٌ فِيُشْترط فيه ما يُشْترط فيه، ولم يَشْتَرِطِ الجمهورُ ذلك وهذا دليلُهم، قال الفراء: (كلهم نَصَبُوا مع عدم الرابط إلَّ مَنْ شذَّ منهم. وقد تقدَّمَ هذا محرراً في سورة يس عند قوله تعالى: ((والقمَرَ قَدَّرناه)»(٢) فهناك اختلف السبعةُ في نَصْبِه ورفعه ولله الحمدُ. قوله: ((وَوَضَعَ الميزانَ)) العامَّةُ على ((وَضَع)) فعلاً ماضياً. و «الميزانَ)) نُصِبَ على المفعولِ به. وقرأ إبراهيم(٣) ((ووَضْعَ الميزانِ)) بسكون الضاد وخفض «الميزانِ)). وتخريجُها: على أنه معطوفٌ على مفعولِ ((رَفَعَها))، أي: وَرَفَعَ وَضْعَ الميزان، أي: جَعَلَ له مكانةً ورِفْعَةً لأَخْذِ الحقوق به، وهو مِنْ بديع اللفظِ، حيث بصير التقديرُ: ورَفَعَ وَضْعَ الميزان. وقال الزمخشري(٤): (فإن قلتَ: كيف أَخَلَّ بالعاطف في الجمل الأُوَل وجِيْءَ به بعدُ؟ قلت: بَكْتَ بالجملِ الأُوَلِ واردةً على سَنَنِ التعديد الذين أنكروا الرحمنَ وآلاءَه كما يُبَكَّتُ مُنكِرُ أيادي المُنْعَمِ [عليه](٥) من (١) الكتاب ١/ ٤٧. (٢) الآية ٣٩ من يس. قرأ الكوفيون وابن عامر بالنصب والباقون بالرفع، انظر: السبعة ٥٤٠. البحر ١٨٩/٨. (٣) (٤) الكشاف ٤/ ٤٤. (٥) من الكشاف. ١٥٥ - الرحمن - الناس بتعدُّدها عليه في المثالِ الذي قَدَّمْتُه(١)، ثم رَدَّ الكلامَ إلى منهاجِه بعد التبكيت في وَصْلِ ما يجب وَصْلُهُ للتناسُبِ والتقارُب بالعاطفِ. فإِنْ قلت: أيُّ تناسُبٍ بين هاتَيْنِ الجملتَيْن حتى وَسَّط بينهما العاطفَ؟ قلت: إن الشمسَ والقمرَ سماويان، والنجمَ والشجرَ أَرْضيان فبينهما تنأْسُبُ من حيث التقابلُ، وأن السماءَ والأرضَ لا تزالان قرينتَيْن، وأنَّ جَرْيَ الشمسِ والقمرِ بحُسْبان مِنْ جنسٍ الانقيادِ لأمرِ اللَّهِ، فهو مناسِبٌ لسُجودِ النجم والشجرِ)). آ. (٨) قوله: ﴿أَنْ لا تَطْفَوْا﴾: في ((أنْ)) هذه وجهان، أحدُهما: أنَّها الناصبةُ، و((لا)) بعدها نافيةٌ، و((تَطْغَوْا)) منصوبٌ بـ ((أنْ))، وأنَّ قبلَها لامَ العلةِ مقدرةً، تتعلَّقُ بقوله: ((ووَضَع الميزانَ) التقدير: لثلا تَطْغَوْا، وهذا بَيِّنٌ. وأجاز الزمخشريُّ(٢) وابنُ عطية (٣) أَنْ تكونَ المفسَّرَةَ، وعلى هذا تكونُ ((لا)) ناهيةً والفعلُ مجزومٌ بها. إلَّ أنَّ الشيخَ(٤) رَدَّه: بأنَّ شَرْطَها تقدُّمُ جملةٍ متضمنةٍ لمعنى القول، وليسَتْ موجودةً. قلت: وإلى كونِها مفسِّرةً ذهبَ مكي(٥) وأبو البقاء (٦). إلاَّ أنَّ أبا البقاءِ كأنَّه تَنَبَّه للاعتراضِ فقال: ((وأَنْ بمعنى أَيْ، والقولُ مقدَّرٌ))، فجعل الشيءَ المفسَّرَ [٨٣١/ ب] بـ ((أَنْ)) مقدَّراً لا ملفوظاً بها، إلاّ أنه قد يُقال: قولُهُ/ ((والقولُ مقدرٌ)) ليس - (١) مثاله: ((زيد أغناك بعد فقر، أعزَّك بعد ذل، كثَّرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحدٌ بأحد فما تُنكر من إحسانه)). (٢) الكشاف ٤/ ٤٤. (٣) المحرر ٣٢٣/١٥ (٤) البحر ١٨٩/٨. (٥) إعراب المشكل ٢/ ٣٤٢. (٦) الإملاء ٢٥١/٢. ١٥٦ - الرحمن - بجيدٍ، لأنها لا تُفَسِّرُ القولَ الصريحَ، فكيف يُقَدِّر ما لا يَصِحُّ تفسيرُه؟ فإِصْلاحُه أَنْ يقولَ: وما هو بمعنى القول مقدرٌ. آ. (٩) قوله: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾: العامَّةُ على ضَمِّ التاءِ وكسرٍ السينِ مِنْ أَخْسَرَ، أي: نَقَصَ كقولِه: ((وإذا كالُوهم أو وَزَنوهم يُخْسِرون))(١). وقرأ (٢) زيد بن علي وبلال بن أبي بردة بفتح التاءِ وكسرٍ السينِ فيكون فَعَلَ وأَفْعَلَ بمعنىً. يقال: خَسِر الميزانَ وأخسَره، بمعنىّ واحدٍ نحو: جَبَر وأَجْبَر. ونقل أبو الفتح(٣) وأبو الفضل عن بلال فتحَ التاءِ والسينٍ. وفيها وجهان، أحدُهما: أنه على حَذْفِ حرفِ الجر تقديره: ولا تَخْسَروا في الميزان. ذكره الزمخشري (٤) وأبو البقاء(٥). إلاّ أنَّ الشيخَ(٦) قال: ((لا حاجةً إلى ذلك؛ لأنَّ ((خَسِرَ)) جاء متعدياً. قال تعالى: ((خَسِروا أنفسَهم)(٧)، ((خَسِر الدنيا والآخرةَ﴾(٨). قلت: وهذا ليس مِنْ ذاك. ألا ترى أنَّ (خَسِروا أنفسَهم)) و(خَسِر الدنيا والآخرةَ» معناه: أنَّ الخُسْرانَ واقعٌ بهما، وأنَّهما معدومان. وهذا المعنى ليس مُراداً في الآيةِ قطعاً، وإنما المرادُ: لا تُخْسِروا الموزونَ في الميزان. وقُرِىء ((تَخْسُرُوا)) (١) الآية ٣ من المطففين. انظر في قراءاتها: المحتسب ٣٠٣/٢، والشواذ ١٤٩، والبحر ١٨٩/٨، (٢) والقرطبي ١٧/ ١٥٥ . (٣) المحتسب ٣٠٣/٢. الكشاف ٤ / ٤٤. (٤) تخريج أبي البقاء على حَذْفَ ((في) متعلق بقراءة العامة ((تُخْسِرواه، انظر: (٥) الإملاء ٢٥١/٢. (٦) البحر ١٨٩/٨. الآية ١٢ من الأنعام. (٧) الآية ١١ من الحج. (٨) ١٥٧ - الرحمن - بفتح التاءِ وضمِّ السينِ. قال الزمخشري(١): ((وقُرِىء ولا تَخْسِرُوا بفتح التاء وضم السين وكسرِها وفتحِها. يقال: خَسِر الميزانَ يَخْسِرِهِ وَيَخْسُره. وأمَّا الفتحُ: فعلىُ أنَّ الأصلَ ((في الميزان)) فحذف الجارَّ وأوصِلَ الفعلَ إليه)) وكَرَّر لفظَ الميزان، ولم يُضْمِرْه في الجملتَيْن بعده تقويةً لشَأْنِهِ وهذا کقوله(٢). ٤١٧٠- لا أَرى المُوتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا آ. (١٠) قوله: ﴿والأرضَ وضعَها﴾: كقوله: «والسماءَ رفعها))(٣). وقرأ أبو السَّمَّال(٤) بالرفع مبتدأً. و «للأّنام)» علةٌ للوَضْع. والأنام: قيل: الحيوان. وقيل: بنو آدمَ خاصةً. وقيل: هم الإِنسُ والجنُّ، ووزنُه فَعالٍ كقَذال، فيُجْمع في القلة على آنِمَة بزنة: امرأةٌ آئِمة وفي الكثرة: على أُنُم، كقَذال وأَقْذِلَةً وقُذُل. آ. (١١) قوله: ﴿فيها فاكهةٌ﴾: يجوزُ أَنْ تكون هذه الجملةُ حالاً من الأرض، إلاَّ أنَّها حالٌ مقدَّرَةٌ. ويجوزُ وهو الأحْسَنُ أَنْ يكونَ الجارُّ والمجرورُ هو الحالَ، و ((فاكهةٌ)) رَفْعٌ بالفاعليَّةِ، ونُكِرَتْ؛ لأنَّ الانتفاعَ بها دونَ الانتفاعِ بما ذُكِرَ بعدها، وهو من بابِ الترقِّي مِن الأَدْنى إلى الأعلَى. والأَكْمام: جمعُ كِمّ بالكسر وهو وعاءُ الثمرة. (١) الكشاف ٤ /٤٤. (٢) تقدم برقم ٤٩٠. وفي الأصل: كقول الآخر، وليست مناسبة. (٣) الآية ٧ من الرحمن. (٤) البحر ٨/ ١٩٠. ١٥٨ - الرحمن - آ. (١٢) قوله: ﴿والحَبُّ ذو العَصْفِ والرَّيْحان﴾: قرأ(١) ابنُ عامر بنصب الثلاثة. وفيه ثلاثةُ أوجهِ: النصبُ على الاختصاص، أي: وأخُصُّ الحبَّ، قاله الزمخشري(٢). وفيه نظرٌ؛ لأنه لم يَدْخُلْ فِي مُسَمَّى الفاكهة والنخل حتى يَخُصَّه مِنْ بَيْنِها، وإنما أراد إضمارَ فعلٍ وهو أَخُصُ، فليس هو الاختصاصَ الصناعيَّ. الثاني: أنَّه معطوفٌ على الأرض. قال مكي(٣): ((لأنَّ قولَه ((والأرضَ وَضَعَها))، أي: خلقها، فعطف ((الحَبَّ)) على ذلك)). الثالث: أنَّه منصوبٌ بـ((خَلَق)) مضمراً، أي: وخلق الحَبَّ. قال مكي(٤): ((أو وخَلَقَ الحَبَّ)» وقرأ به موافقةً لرَسْم مصاحِف بلده، فإنَّ مصاحفَ الشام ((ذا)» بالألف. وجَوَّزوا في ((الرَّيْحان)) أن يكونَ على حَذْفِ مضافٍ، أي: وذا الريحان فحُذِفَ/ المضافُ، وأُقيم [١/٨٣٢] المضافُ إليه مُقَامَه كـ ((واسْأَلِ القريةَ)) (٥). وقرأ الأخَوان برفع الأَوَّلين(٦) وجَرِّ ((الزَّيْحان)) عطفاً على «العَصْفِ))، وهي تؤيِّدُ قولَ مَنْ حذفَ المضافَ في قراءةِ ابنِ عامٍ. والباقون برفعٍ الثلاثةِ عطفاً على فاكهة، أي: وفيها أيضاً هذه الأشياءُ. ذكر أولاً ما يتلذَّذُون به من الفواكه، وثانياً الشيءَ الجامعَ بين التلذُّذِ والتغذّي وهو ثَمَرُ النَخْلِ، وثالثاً ما يَتَغَذَّى به فقط، وهو أعظمُها؛ لأنه قُوْتُ غالبٍ (١) انظر في قراءتها: السبعة ٦١٩، والنشر ٣٨٠/٢، والتيسير ٢٠٦، والبحر ١٩٠/٨، والحجة ٦٩٠، والقرطبي ١٧/ ١٥٨. (٢) الكشاف ٤/ ٤٥. إعراب المشكل ٣٤٢/٢. (٣) إعراب المشكل ٣٤٢/٢. (٤) (٥) الآية ٨٢ من يوسف. (٦) ((والحبُّ ذو)). ١٥٩ - الرحمن - الناس. ويجوز في الرَّيْحان على هذه القراءةِ أَنْ يكونَ معطوفاً على ما قبلَه، أي: وفيها الرَّيْحانُ أيضاً، وأَنْ يكونَ مجروراً بالإِضافةِ في الأصلِ، أي: وذو الرَّيحان ففُعِلَ به ما تقدَّم. والعَصْفُ: وَرَقُ الزَّرْعِ. وقيل: التَّْنُ. وأصلُه كما قال الراغب(١). مِن (العَصْفِ والعَصِيْفة وهو ما يُعْصَفُ، أي: يُقْطَعُ من الزَرْع)) وقيل: هو حُطامُ النباتِ. والريحُ العاصف: التي تكسِرُ ما تمرُّ عليه وقد مَرَّ ذلك. والرَّيْحان في الأصل: مصدرٌ ثم أُطْلِقَ على الرزق كقولهم: ((سُبْحانَ الله ورَيْحانَه))، أي: استِرْزاقُه وقيل: الرَّيْحان هنا هو المَشْمومُ. وفي الرَّيْحان قُولان، أحدُهما: أنه على فَعْلان كاللََّّان(٢) مِنْ ذواتٍ الواوٍ. والأصلُ: رَؤْحان. قال أبو علي (٣): ((فأُبْدِلَتْ الواوُ ياءً، كما أَبْدَلوا الياءَ واواً في ((أَشاوى))(٤). والثاني: أن يكون أصلُه رَيْوِحان، على وزن فَيْعِلان، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ فيها الياءُ، ثم خُفِّفَ بحَذْفِ عينٍ الكلمةِ كما قالوا: كَيْنُوْنة(٥) وبَيْنُونة. والأصلُ تشديدُ الياءِ فخفّفَتْ كما خُفْفُ هَيْنِ ومَيْت. قال مكي(٦): ((ولَزِم تَخْفِيْقُه لطولِه بلَحاق الزيادتَيْن))، ثم رَدَّ قولَ الفارسيُّ بأنه لا مُؤْجبَ لقَلْبِها ياءً ثم قال: ((وقال بعضُ الناس)) فذكَرٍ ما قَدَّمْتُهُ عن أبي علي إلى آخره. (١) المفردات ٣٣٦. (٢) لواه دَيْنَه لَيَّاناً: مَطَله. الحجة (خ ) ٤ / ٣٥٢. (٣) (٤) أشاوى جمع شيء فهي في معنى أشياء. انظر: الممتع ٥١٦. (٥) انظر: الممتع ٥٠٢. (٦) إعراب المشكل ٣٤٣/٢. ١٦٠