النص المفهرس

صفحات 101-120

- النجم-
٤١٣٤_ بنفسي مَنْ تجنُُّه عزيزٌ
عليَّ ومَنْ زيارَتُه لِمَامُ
وقال آخر(١):
٤١٣٥- متى تأتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارِنا
تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأْجَّجا
وقال آخر (٢):
٤١٣٦- لقاءُ أخِلاَءِ الصَّفاءِ لِمامُ
ومنه لِمَّة الشَّعْرِ لِما دونَ الوَفْرةِ.
قوله: ((أَجِنَّةٌ)) جمع جَنين، وهو الحَمْلُ في البطنِ لاستتارِه. وجنين
وأَجِئَّةً كسرير وأَسِرة.
آ. (٣٤) قوله: ﴿وأكْدَى﴾: أصلُه مِنْ أكدى الحافرُ إذا حفر
شيئاً فصادفَ كُذْيَةً مَنَعَتْه من الحفر، ومثلُه أَجْبَلَ أي: صادف جبلاً منعه
من الحفر، وكُدِيَتْ أصابِعُه: كلَّتْ من الهزِّ، ثم اسْتُعْمل في كلِّ مَنْ/ [١/٨٢٣]
طلب شيئاً، فلم يَصِلْ إليه أو لم يُتَمِّمْه. وأَرَأَيْتَ بمعنى أخبرني.
آ. (٣٥) و ﴿أعنده عِلْمُ﴾: هو المفعولُ الثاني. والمفعولُ
الأولُ محذوفٌ اقتصاراً لأعطى.
(١) تقدم برقم ١٧٣.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في شواهد الكشاف ٤/ ٥٤٠، والبحر ١٥٥/٨،
وعجزه:
وكلُّ وِصالِ الغانياتِ ذِمامُ
١٠١

- النجم -
قوله: ((فهو يَرَى)) هذه الجملةُ مترتبةٌ على ما قبلَها ترثُّباً ظاهراً.
وقال أبو البقاء (١): (فهو يرى)) جملةٌ اسميةٌ واقعةٌ موقعَ الفعليةِ. والأصل:
أَعنده عِلْمُ الغيبِ فِيَرى. ولو جاء على ذلك لكان نصباً على جوابٍ
الاستفهام)) انتهى. وهذا لا حاجةَ إليه مع ظهورِ الترتّبِ بالجملةِ الاسميةِ،
وقد تقدَّم له نظيرُ هذا الكلامِ في موضعٍ آخرَ وتقدَّمَ الرُّ عليه.
آ. (٣٧) قوله: ﴿وإبراهيمَ﴾: عطفٌ على ((موسى))، وإنما
خَصَّ هذين النبيَّيْن عليهما السلامُ بالذِّكْر؛ لأنه كان بين إبراهيم وموسى
يُؤْخَذُ الرجلُ بجَرِيرةٍ غيرِهِ، فأولُ مَنْ خالفهم إبراهيمُ عليه السلام.
و ((أم))(٢) منقطعةٌ أي: بل ألم يُنْبَّأ. والعامَّةُ على ((وَفَّى)) بالتشديد. وقرأ (٣)
أبو أمامة الباهلي(٤) وسعيد بن جبير وابن السَّمَيْفع ((وَفَى)) مخففاً. وقد تقدَّم
أنَّ فيه ثلاثَ لغاتٍ (٥)، وأَطْلَقَ التوفيةَ والوفاءَ ليتناولا كلَّ ما وَفَى به.
آ. (٣٨) قوله: ﴿أَلَّ تَزِرُ﴾: ((أَنْ)) مخففةٌ من الثقيلة، واسمُها
محذوفٌ هو ضميرُ الشأنِ. ولا تزرُ هو الخبرُ وجيْءَ بالنفيِ لكونِ الخبرِ
جملة فعليةً متصرفةً غيرَ مقرونةٍ بـ ((قد))، كما تقدَّم تحريرُه في المائدة.
و ((أنْ)) وما في حَيِّزها فيها قولان، أظهرهُما: الجزُّ بدلاً مِنْ ((ما)) في
قوله: ((بما في صُحُف)). والثاني: الرفعُ خبراً لمبتدأ مضمر أي: ذلك أَنْ
(١) الإملاء ٢٤٨/٢
(٢) في الآية ٣٦.
(٣) الإتحاف ٥٠٢/٢، والبحر ١٦٧/٨، والمحتسب ٢٩٤/٢، والقرطبي
٠١١٣/١٧
(٤) صدي بن عجلان. صحابي، نزل حمص، روى له الجماعة. توفي سنة ٨٦.
انظر: تهذيب الكمال ٦٠٦/٢.
(٥) انظر: الدر المصون ٣١٢/١. واللغات هي: أوفى، ووفى، ووفّى.
١٠٢

- النجم -
لا تَزِرُ أو هو أَنْ لا تَزِرُ، وهو جوابٌ لسؤالٍ مقدر كأنَّ قائلاً قال: وما في
صُحُفهما؟ فأجيب بذلك. قلت: ويجوزُ أَنْ يكونَ نصباً بإضمار أعني
جواباً لذلك السَّائل. وكلُّ موضع أُضْمِرَ فيه هذا المبتدأُ لهذا المعنى
أُضْمِرَ فيه هذا الفعلُ.
آ. (٣٩ - ٤٠) قوله: ﴿وأَنْ ليس﴾: هي المخففةُ أيضاً.
ولم يُفْصَلْ هنا بينها وبين الفعلِ لأنه لا يَتَصَرَّفُ. ومحلُّها الجزُّ أو الرفعُ
أو النصبُ لعَطْفِها على أَنْ قبلَها، وكذلك محلٌّ ((وَأَنَّ سَعْيَه)) و ((يُرَى)) مبني
للمفعول فيجوزُ أَنْ يكونَ من البصرية أي: يُبْصَر، وأن يكونَ من
العِلميَّة، فيكونُ الثاني محذوفاً أي: يُرى حاضراً، والأولُ أوضحُ. وقال
مكي(١): ((وأجاز الزجَّاج(٢) ((يَرى)) بفتح الياء على إضمارِ الهاءِ أي: سوفَ
يَراه، ولم يُجِزْه الكوفيون لأنَّ سَعْيَه يَصير قد عملَ فيه ((أنَّ) و ((يَرى)) وهو
جائزٌ عند المبرد وغيرِه؛ لأن دخولَ «أنَّ)) على ((سَعْيَه)) وعملَها فيه يَدُلُّ
على أن الهاء المحذوفة مِنْ ((يَرَى))، وعلى هذا جَوَّز البصريون: ((إنَّ زيداً
ضربْتُ)) بغير هاء)). قلت: وهو خلافٌ ضعيفٌ؛ توهّموا أن الاسمَ تَوَجَّه
عليه عاملان مختلفان في الجنسيةِ، وإنما قلتُ في الجنسية لأنَّ رأيَ
بعضِهم أنه يُعْمِلُ فعلَيْن في معمولٍ واحدٍ، ومنه بابُ التنازع في بعض
صورِه نحو: قام وقعد زيدٌ، وضربْتُ وأكرمْتُ عَمْراً، وأن يعملَ عاملٌ
واحدٌ في اسمٍ وفي ضميرِه معاً نحو: ((زيداً ضربتُه)) في باب الاشتغال،
وهذا توهُّمٌ باطلٌ لأنَّا نقولُ ((سَعْيَه)) منصوبٌ بـ((أنَّ)، و((يَرى)) متسلِّطٌ
على ضميره المقدر.
(١) إعراب المشكل ٣٣٣/٢.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٧٦/٥.
١٠٣

- النجم-
قلت: فظاهرُ هذا أنه لم يُقْرَأُ به (١)، وقد حكى أبو البقاء(٢) أنه قُرِىء
به شاذّاً، ولكنه ضَعَّفه مِنْ جهةٍ أخرى فقال: ((وقُرِىء بفتح الياء وهو
ضعيفٌ؛ لأنه ليس فيه ضميرٌ يعودُ على اسم ((أنَّ) وهو السَّعْي، والضميرُ
الذي فيه للهاءِ، فيبقى الاسمُ بغير خبرٍ، وهوَ كقولك: ((إنَّ غلامَ زيدٍ قامَ)).
وأنت تعني: قام زيدٌ، فلا خبرَ لغلام. وقد وُجِّه على أن التقديرَ: سوف
يَراه فتعودُ الهاءُ على السعي وفيه بُعْدٌ)) انتهى. وليت شعري كيف توهّم
المانعَ المذكورَ، وكيف نَظَّرَه بما ذكر؟ ثم أُّ بُعْدٍ في تقدير: سوف يَرى
سعي نفسِه؟ وكأنَّه اطلع على مذهبِ الكوفيين في المنع إلاَّ أنَّ المُذْرَك
غيرُ المُذْرِك.
آ. (٤١) قوله: ﴿ثم يُجْزاه﴾: يجوزُ فيه وجهان، أظهرهما:
أنَّ الضميرَ المرفوعَ عائدٌ على الإِنسان، والمنصوبَ عائدٌ على سعيه.
والجزاء مصدرٌ مبيِّنٌ للنوع. والثاني: قال الزمخشريُّ(٣): ((ويجوزُ أَنْ
يكونَ الضميرُ للجزاء، ثم فَسَّره بقولِه ((الجزاءَ))، أو أبدلَه عنْه كقوله:
((وأَسَرُّوا النجوى الذين ظلموا))(٤). قال الشيخ(٥): ((وإذا كان تفسيراً
للضميرِ المنصوبِ في ((يُجْزاه) فعلى ماذا ينتصِبُ، وأمَّا إذا كان بدلاً فهو
[٨٢٣/ ب] مِنْ بدلِ الظاهرِ/ من المضمرِ، وهي مسألةُ خلافٍ والصحيحُ المنعُ».
قلت: العجبُ كيف يقولُ: فعلى ماذا ينتصِبُ؟ وانتصابُه من
(١) أي بـ ((یَرَى)).
(٢)
الإملاء ٢٤٨/٢
(٣) الكشاف ٣٣/٤
(٤) الآية ٣ من الأنبياء
(٥) البحر ١٦٨/٨.
١٠٤

- النجم -
وجهَيْن، أحدُهما : - وهو الظاهرُ البَيِّن - أنْ يكونَ عطفَ بيانٍ، وعطفُ
البيانِ يَصْدُقُ عليه أنه مُفَسِّرٌ، وهي عبارةٌ سائغةٌ شائعةٌ. والثاني: أَنْ
ينتصِبَ بإضمار أَعْني، وهي عبارةٌ سائغةٌ أيضاً يُسَمُّون مثلَ ذلك تفسيراً.
وقد مَنَعَ أبو البقاء(١) أن ينتصِبَ الجزاء الأَوْفى على المصدرِ، فقال:
(الجزاءَ الأوفى هو مفعولُ ((يُجْزاه)) وليس بمصدرٍ لأنَّه وَصَفَه بالأَوْفِى،
وذلك مِنْ صفةِ المَجْزِيِّ به لا من صفةِ الفعلِ)). قلت: وهذا لا يَبْعُدُ عن
الغلطِ؛ لأنه يلزَمُ أَنْ يتعدّى يُجْزِئُ إلى ثلاثةِ مفاعيل. بيانه: أنَّ الأولَ قام
مقامَ الفاعلِ، والثاني: الهاءُ التي هي ضميرُ السعي، والثالث: الجزاءَ
الأوفى. وأيضاً فكيف يَنْتَظم المعنى؟ وقد يُجاب عنه: بأنه أراد أنه بدلٌ
من الهاءِ كما تقدَّم نَقْلُه عن الزمخشريِّ فِيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: هو مفعولُ
(يُجْزاه))، فلا يتعدَّى لثلاثةٍ حينئذٍ، إلَّ أنه بعيدٌ مِنْ غَرَضِه، ومثلُ هذا
إلغازٌ. وأمَّا قولُه: ((والأوفى ليس من صفات الفعل)) ممنوعٌ (٢)، بل هو
من صفاتِهِ مجازٌ، كما يُؤْصف به المجزيُّ به مجازاً، فإن الحقيقةً في
كليهما منتفيةٌ، وإنما المُتَّصِفُ به حقيقةُ المُجازَى.
آ. (٤٢) قوله: ﴿وأنَّ إلى ربِّك﴾: العامَّةُ على فتح هذه
الهمزة وما عُطِفَ عليها بمعنى: أن الجميعَ في صُحُفِ موسى وإبراهيم.
وقرأ(٣) أبو السَّمَّال بالكسرِ في الجميع على الابتداءِ. وقولُه: ((أَضْحِك
وأَبْكى)) وما بعده: هذا يُسَمِّيه البيانيون الطباقَ والتضادَّ، وهو نوعٌ من
البديع، وهو أَنْ يُذْكَرَ ضدان أو نقيضان أو متنافيان بوجهٍ من الوجوه.
(١) الإملاء ٢٤٨/٢.
(٢)
الأفصح: فممنوع.
(٣) البحر ١٦٨/٨.
١٠٥

- النجم -
آ. (٤٨) قوله: ﴿أَقْنَى﴾: قال الزمخشريُّ(١): («أعطى القُنْيَة
وهي المالُ الذي تَأَثَّلْتَه(٢) وعَزَمْتَ أن لا يَخْرُجُ مِنْ يَدِك)). قال
الجوهري (٣): ((قَنِيَ الرجلُ يَقْنَى قِنَىَ، مثلَ: غنِيَ يَغْنَى غِنَى)). ثم يتعدَّى
بتغييرِ الحركة فيقال: قَنَيْتُ مالاً أي: كَسَبْتُه، وهو نظير: شَتِرَتْ عينُه بالكُسرِ
وشَتَرَها اللَّهُ بالفتح، فإذا دَخَلَتْ عليه الهمزةُ أو التضعيفُ اكتسب مفعولاً ثانياً.
فيقال: أَقْنَاه الله مالاً، وقَنَّاه إياه أي: أَكْسَبه إياه، قال الشاعر (٤).
٤١٣٧- كم مِنْ غنيٌّ أصاب الدهرُ ثَرْوَته
ومِنْ فقيرٍ تَقَنَّى بعد إقْلالِ
أي: تقنَّى مالاً، فحذف الثاني، وحُذِفَ مفعولا أغْنى وأَقْنى؛ لأنَّ
المرادَ نسبةُ هذين الفعلين إليه وحدَه وكذلك في باقيها.
:
وألفُ (أَقْنِى)) عن ياءٍ لأنه مِنَ القُّنْيَةِ قال(٥).
٤١٣٨- ألا إنَّ بَعْدَ العُدْمِ للمَرْءِ قُنْيَةً
وقيل: أَقْنِى أَرْضَى. قال الراغب(٦): ((وتحقيقُه: أنه جَعَلَ له قُنْية
من الرضا وقَنَيْتُ كذا واقْتَتُه قال(٧).
(١) الكشاف ٤/ ٣٤.
(٢)
تأثل: ثبت وادخره صاحبه.
(٣)
الصحاح (قنا) ٢٤٦٨/٦.
لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١٥٥/٨، والمحرر ٢٨٣/١٥.
(٤)
(٥)
تقدم برقم ٤١٥ وضبط القاف بالضم والكسر.
(٦) المفردات ص ٤١٤.
البيت لحاتم وصدره:
(٧)
١٠٦

- النجم -
٤١٣٩-
قَنِيْتُ حَيائِي عِفَّةً وتَكَرُّما
آ. (٤٩) قوله: ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾: الشِّغْرى في لسان العرب
كوكبان يُسَمَّى أحدُهما: الشِّعْرى العَبُور، وهو المرادُ في الآيةِ الكريمةِ فإنَّ
خُزاعةً كانت تَعْبُدُها، وسَنَّ عبادتَها أبو كبشةَ رجلٌ مِنْ ساداتِهم، وكانت
قريشٌ تقولُ لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أبو كبشَة تشبيهاً بذلك
الرجل، في أنه أَحْدَثَ ديناً غيرَ دينهم. والشِّعْرى العَبُور تَطْلُعُ بعد
الجوزاءِ في شدَّةِ الحرِّ، ويُقال لها: مِرْزَمُ الجَوْزاء ويُسَمَّى كلبَ الجبَّار.
والثاني: / الشُّعْرَىُ الغُمَيْصاء، وهي التي في الذِّراع. وسبب تسميتها [٨٢٤/أ]
بذلك ما زَعَمَتْه العربُ: مِنْ أَنَّهما كانا أخْتَيْن أو زوجَيْن لسُهَيْل، فانحدر
سهيلٌ إلى اليمنِ، فَاتَّبَعْته الشِّغْرى العَبُوْر فعبَّرَتْ المَجَرَّةِ فَسُمِّيَتِ العَبورَ،
وأقامَتِ الغُمَيْصاءُ، وبَكَتْ لفَقْدِه حتى غَمَصَتْ عَيْنُها، ولذلك كانت أَخْفَى
من العَبُور.
آ. (٥٠) قوله: ﴿عاداً الأُولى﴾: اعلَمْ أنَّ هذه الآيةَ الكريمةَ
مِنْ أشكلِ الآياتِ نَفْلاً وتوجيهاً، وقد يَشَر اللَّهُ تعالى تحريرَ ذلك كلِّه
بحوله وقوته فأقول: إنَّ القرَّاءَ(١) اختلفوا في ذلك على أربعِ رُتَبٍ،
إحداها: قرأ ابن كثير وابن عامر والكوفيون («عاداً الأولى)) بالتنوين مكسوراً
إذا قلَّ مالي أو نُكِبْتُ بنَكْبةٍ
=
وليس في ديوانه، وهو في المفردات ٤١٤، وعمدة الحفاظ ٤٧٠، وقنيت في
البيت وردت بالكسر.
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٦١٥، والنشر ١/ ٤١٠، والحجة ٦٨٧، والقرطبي
١٧/ ١٢٠، والبحر ١٦٩/٨، والتيسير ٢٠٤.
١٠٧

ن النجم :
!
وسكونِ اللام وتحقيقِ الهمزةِ بعدها، هذا كلُّه في الوصلِ فإذا وقفوا على
(عاداً) وابتدؤوا بـ ((الأُولىُ)) فقياسُهم أَنْ يقولوا ((الأولى)) بهمزةِ الوصلِ
وسكونِ اللامِ وتحقيقٍ الهمزة.
الثانيةُ: قرأ قالون ((عاداً لُؤْلَى)) بإدغامِ التنوين في اللامِ، وَقْلِ حركةٍ
الهمزةِ إلى لام التعريفِ، وهمزِ الواوِ، هذا في الوصل. وأمَّا في الابتداءِ
بالأولى فله ثلاثةُ أوجهٍ، الأولُ: ((الُؤْلَى)) بهمزةٍ وصل، ثم بلامٍ مضمومة،
ثم بهمزةٍ ساكنة. الثاني: (لُؤْلَى)) بلامٍ مضمومةٍ ثم بهمزةٍ ساكنةٍ الثالث:
كابتداءِ ابنِ كثير ومَنْ معه.
الثالثة: قرأ ورش ((عاداً لُولى)) بإدغام التنوين في اللام ونَقْلِ حركةٍ
الهمزة إليها كقالون، إلاَّ أنه أبقى الواوّ علَى حالِها غيرَ مبدلةٍ همزةً هذا
في الوصل. وأمَّا في الابتداءِ بها فله وجهان: ((أَلُّوْلَى)) بالهمزةِ والنقلِ،
و((لُوْلَى)) بالنقلِ دونَ همْزٍ وصلٍ، والواوٌ ساكنةٌ على حالِها فِي هَذَيْن
الوجھیْن.
الرابعة: قرأ أبو عمروٍ كوَرْشٍ وَصْلاً وابتداءً سواءً بسواءٍ، إلاّ أنه
يزيدُ عليه في الابتداءِ بوجهٍ ثالثٍ، وهو وجهُ ابنٍ كثير ومَنْ ذُكِرَ معه، فقد
تحصَّل أنَّ لكلّ مِنْ قالون وأبي عمرو في الابتداء ثلاثةَ أوجهٍ، وأنَّ
لورشٍ وجهين. فتأمَّلْ ذلك فإنَّ تحريرَه صعبُ المأخذِ من كتب القراءات.
هذا ما يتعلَّقُ بالقراءات.
وأمَّا توجيهُها فيُوقف على معرفةِ ثلاثةِ أصولٍ، الأول: حكمُ التنوينِ
إذا وقع بعده ساكنٌ. الثاني: حكمُ حركة النقلِ. الثالث: أصلُ ((أُوْلَى))
ما هو؟ أمَّا الأولُ فحكمُ التنوينِ الملاقي أنْ يُكْسَرَ لالتقاءِ الساکنین نحو:
١٠٨

- النجم -
((قل هو اللَّهُ أحدٌ اللَّهُ))(١) أو يُحْذَفَ تشبيهاً بحرفِ العلةِ كقراءةٍ ((أحدُ اللَّهُ
الصمد)»(٢)، وكقولِ الشاعر(٣).
٤١٤٠-
ولا ذاكرَ اللَّهَ إلاَّ قليلاً
وهو قليلٌ جداً، وقد مضى تحقيقُه. وأمَّا الثاني فإنَّ للعرب في
الحركة المنقولةِ مذهبين: الاعتدادَ بالحركةِ، وعدمَ الاعتدادِ بها، وهي
اللغةُ العالية. وأمَّا الثالثُ(٤) فَأُوْلَى تأنيثُ أَوَّل، وقد تقدَّم الخلافُ في
أصلِه مستوفى في أولِ هذا التصنيفِ فعليك باعتبارِه. إذا تقرَّرَتْ هذه
الأصولُ الثلاثةُ فأقولُ:
أمّا قراءةُ ابنِ كثير ومَنْ معه فإنهم صرفوا ((عاداً»: إمَّا لأنه اسمٌ
للحيِّ أو الأبِ فليس فيه ما يمنعُه، وإمَّا لأنَّه وإنْ كان مؤنثاً اسماً للقبيلةِ
أو الأمّ، إلاَّ أنَّه مثلُ مِنْد ودَعْد فيجوزُ فيه الصرفُ وعدمُه فيكونُ
کقوله(٥):
٤١٤١- لم تَتَلَفَّعْ بفَضْلٍ مِثْزَرِها
دَعْدٌ ولم تُسْقَ دعدُ في العُلَب
فصرفَها أولاً ومَنَعَها ثانياً، ولَم يَنْقُلُوا حركةَ الهمزةِ إلى لام التعريف
فالتقى ساكنان، فكسروا التنوينَ لالتقائِهما على ما هو المعروفُ من
(١) الآية ١ من الإخلاص.
وهي قراءة أبي عمرو في رواية هارون. انظر: السبعة ٧٠١.
(٢)
(٣)
تقدم برقم ١٥٠٤.
(٤) أي الأصل الثالث من الأصول الثلاثة التي أشار إليها.
تقدم برقم ٥٠٢,
(٥)
١٠٩

- النجم -
اللغتين وحذفوا همزةَ الوصلِ من ((الأولى)) للاستغناء عنها بحركة التنوين
وَصْلاً فإذا ابتدَؤُوا بها احتاجُوا إلى همزة الوصل فَأَتَوْا بها فقالوا: الأُولى
[٨٢٤/ ب] كنظيرِها/ من هَمَزاتِ الوصلِ. وهذه قراءة واضحة لا إشكال فيها ومن ثم
اختارها الجَمُّ الغَفيِرُ.
وأمَّا قراءة(١) مَنْ أدغم التنوينَ في لامِ التعريفِ وهما نافِعٌ
وأبو عمرو مع اختلافِهما في أشياءَ كما تقدَّم بيانُه فوجْهُه الاعتدادُ بحركةٍ
النقل؛ وذلك أنَّ مِنَ العربِ مَنْ إذا نَقَل حركة الهمزةِ إلى ساكنٍ قبلَها
كلام التعريفِ عامَلَها معاملَتَها ساكنةً، ولا يَعْتَدُّ بحركةِ النقلِ، فيكسرُ
الساكنَ الواقِعَ قبلَها، ولا يُدْغِم فيها التنوينَ، ويأتي قبلها بهمزةِ الوصلِ
فيقول: لم يَذْهَبِ لَحْمَرُ، ورأيت زياداً لَعْجَم، من غيرِ إدغام التنوينِ،
والَحْمَرُ والَعْجَمُ بهمزة الوصلِ لأن اللامَ في حكمِ السكونِ، وهذه هي
اللغةُ المشهورة. ومنهم مَنْ يَعْتَدُّ بها، فلا يكسِرِ السَّاكنَ الأولَ، ولا يأتي
بهمزةٍ الوصلِ، ويُدْغِم التنوين في لام التعريف فيقولُ: لم يَذْهَبْ لَحْمُر
بسكون الباء، ولَحْمَرُ ولَعْجَمُ من غيرِ همزٍ، وزيادُ لّعجم بتشديدِ اللامِ،
وعلى هذه اللغةِ جاءَتْ هذه القراءةُ، هذا من حيث الإِجمال.
1
وأمَّا من حيث التفصيلُ فأقول: أمَّا قالون فإنه نَقَلَ حركة الهمزةِ إلى
لام التعريف، وإنْ لم يكنْ من أصلِه النقلُ لأجل قَصْدِه التخفيفَ
بالإِدغام، ولَمَّا نقل الحركةَ اعْتَدَّ بها، إذ لا يمكن الإِدغامُ في ساكنٍ ولا
ما هو في حُكْمِه.
وأمّا همزُه الواوَ ففيه وجهان منقولان، أحدُهما: أَنْ تكونَ أُوْلى
أصلُها عنده وُؤْلَى مِنْ وَأَّل أي: نجا، كما هو قولُ الكوفيين، ثم أَبْدَلَ
(١) ((عاداً لأُوْلَى)).
١١٠

- النجم -
الواوَ همزةٌ لأنها واوٌ مضمومةٌ، وقد تقدَّم لك أنها لغةٌ مطردةٌ، فاجتمع
همزتان ثانيتُهما ساكنةٌ فَوَجَبَ قلبُها واواً نحو: (أُوْمِنُ))، فلمَّا حُذِفَتْ
الهمزةُ الأولى بسببٍ نَقْلِ حركتِها رَجَعَتْ الثانيةُ إلى أصلِها من الهمزةِ
لأنَّها إنما قُلِبت واواً من أجلِ الأُولى، وقد زالَتْ، وهذا كما رأيتَ تكلُّفُ
لا دليلَ عليه. والثاني: أنَّه لَمَّا نَقَلَ الحركةَ إلى اللام صارَت الضمةُ قبل
الواوِ كأنَّها عليها، لأنَّ حركةَ الحرفِ بين يديه، فأبدل الواوَ همزةً
كقوله (١).
٤١٤٢- أَحَبُّ المُؤْقِدِيْنَ إليَّ موسى
وكقراءةِ (يُؤْقِنون))(٢) وهمزِ ((الشُّؤْقِ))(٣) و(سُؤْقِه))(٤) وقد تقدَّم تحریرُ
ذلك(٥)، وهذا بناءً منه على الاعتدادِ بالحركةِ أيضاً. وليس في هذا الوجهِ
دليلٌ على أصلِ (أُوْلى)) عنده ما هو؟ فيُحتمل الخلافُ المذكورُ جميعُه.
وأمَّا ابتداؤُه الكلمةَ من غير نَقْلِ فإنه الأصلُ، ولأنه إنما نَقَلَ في الوصلِ
لَقَصْدِهِ التخفيفَ بالإِدغامِ، ولا إدغامَ في الابتداءِ فلا حاجةً إلى النقلِ.
وأمَّا الابتداءُ له بالنقلِ فلأنه محمولٌ على الوصل ليجريَ اللفظُ فيهما على
سَنَنٍ واحدٍ .
وعلةُ إثباتِ ألفِ الوصلِ مع النقلِ في أحدِ الوجهَينِ: تَرْكُ الاعتدادِ
(١)
تقدم برقم ١٢٨ .
(٢) الآية ٤ من البقرة وهي قراءة أبي حية النميري. انظر: البحر ٤٢/١،
والشواذ ٢.
(٣) الآية ٣٣ من ص، وهي قراءة قنبل. انظر: البحر ٣٩٧/٧.
(٤) الآية ٢٩ من الفتح، وهي قراءة قنبل. انظر: البحر ١٠٣/٨.
(٥) انظر: الدر المصون ١٠١/١.
١١١

- النجم -
بحركةِ اللامِ على ما عليه القراءةُ في نظائرِهِ ممَّا وُجِدَ فيه النقلُ؛ إذ الغَرَضُ
إنما هو جَرْيُ اللفظِ في الابتداءِ والوصلِ على سَنَنٍ واحدٍ، وذلك يَحْصُل
بمجرد النقلِ وإنْ اختلفا في تقديرِ الاعتدادِ بالحركةِ وتركِه. وعلةُ تَرْكِ
الإِتيانِ بالألفِ في الوجِهِ الثاني حَمْلُ الابتداءِ على الوصلِ في النقلِ
والاعتدادِ بالحركةِ جميعاً. ويُقَوِّي هذا الوجهَ رسِمُ ((الأولى)) في هذا
الموضع بغيرِ ألفٍ. والكلامُ في همز الواوِ مع النقل في الابتداءِ كالكلام
عليه في الوَصْل كما تقدَّم.
وأمَّا ورشٌ فإنَّ أصلَه أن ينقلَ حركةَ الهمزةِ على اللام في الوصلِ
فنقل على أصلِه، إلَّ أنه اعتذَّ بالحركةِ ليصِحَّ ما قَصَدَه من التخفيفِ
بالإِدغام، وليس من أصله الاعتدادُ بالحركة في نحو ذلك. ألا ترى أنه
يَحْذِفُ الألفَ في ((سيرتَها الأولى))(١) و ((يتجنَبُها الأَشْقى))(٢) ولو اعْتَدَّ
بالحركةِ لم يَحْذِفْها. وأمَّا ما جاء عنه في بعض الرواياتِ: ((قالوا لان
جِئْتَ بالحق))(٣) فإنه وجهُ نادرٌ مُعَلَّلٌ باتِّباع الأثرِ والجَمْعِ بين اللغتين.
والابتداءُ له بالنَّقْلِ على أصلِه في ذلك أيضاً، والابتداءُ لَه بألفِ الوصلِ
[٨٢٥/ أ] على تَرْكِ الاعتدادِ بالحركةِ، إذْ لا حاجةَ إلى قَصْد ذلك في/ الابتداءِ،
وتَرْكِ الإِثْيانِ له بالألف على الاعتدادِ له بالحركة حَمْلاً للابتداءِ علِى
الوصل وموافقةَ الرسم أيضاً، ولا يُبْتَدأ له بالأصل، إذ ليس مِنْ أصلِه
ذلك، و «الأُوْلَى)) في قَراءتِهِ تَحْتَمل الخلافَ المذكورَ في أصلها.
وأمَّا أبو عمروٍ فالعلةُ له في قراءتِه في الوصلِ والابتداءِ كالعلةِ
الآية ٢١ من طه.
(١)
(٢)
الآية ١١ من الأعلى.
(٣) الآية ٧١ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٤٣٣/١.
١١٢

- النجم -
المتقدمةِ لقالون، إلَّ أنَّه يُخالفه في همزِ الواو لأنه لم يُعْطِها حكمَ
ما جاوَرَها، وليسَتْ عنده مِنْ وَأل بل مِنْ غيرِ هذا الوجهِ، كما تقدَّم لكَ
الخلافُ فيه أولَ هذا الموضوع، ويجوز أَنْ يكونَ أصلُها عندَه مِنْ وَأَل
أيضاً إلَّ أنه أَبْدَلَ في حالِ النقلِ مبالغةً في التخفيف، أو موافَقَةً لحالٍ
تَرْكِ النَّقْلِ، وقد عاب هذه القراءةَ - أعني قراءةَ الإِدغام - أبو عثمانَ(١)،
وأبو العباس(٢)، ذهاباً منهما إلى أنَّ اللغةَ الفَصيحة عدمُ الاعتدادِ
بالعارِضِ، ولكن لا التفاتَ إلى رَدِّهما لثبوتِ ذلك لغةً وقراءةً، وإن كان
غيرُها أَفْصَحَ منها. وقد ثَبَتَ عن العرب أنَّهم يقولون: الَحْمَر ولَحْمَر
بهمزةِ الوصلِ وعَدَمِها مع النقلِ، واللَّهُ أعلمُ.
وقرأ أُبَيِّ - وهي في حَرْفِه - ((عادَ الأُولى))، غيرَ مصروفٍ ذهاباً
إلى القبيلةِ أو الأمُّ كما تقدَّم، ففيه العلَمِيَّةُ والتأنيثُ، ويَدُلُّ على التأنيثِ
قولُه: ((الأُوْلَى)) فوصَفَها بوَصْفِ المؤنث.
آ. (٥١) وقد تقدَّمَ الخلافُ في ((ثمود)» بالنسبة للصَرْفِ وعَدَمِه في
سورة هود(٣)، وفي انتصابِه هنا وجهان، أحدُهما: أنه معطوفٌ على
((عاداً). والثاني: أنَّه منصوبٌ بالفعلِ المقدَّرِ، أي: وأهلَك، قاله
أبو البقاء(٤)، وبه بَدَأ، ولا حاجةً إليه، ولا يجوزُ أن ينتصِبَ بـ ((أَبْقَى))؛
لأنَّ ما بعد ((ما)) النافيةِ لا يعملُ فيما قبلها، والظاهرُ أنَّ متعلَّقَ ((أَبْقَى))
(١) وهو المازني في المنصف ٣١١/١.
(٢) وهو المبرد. وقد أشار إليها في المقتضب من غير أن يعيبها. انظر: المقتضب:
٢٥٤/١.
(٣) انظر: الدر المصون ٣٤٦/٦، ٣٥٠.
(٤) الإملاء ٢٤٨/٢.
١١٣

- النجم -
عائدٌ على مَنْ تقدَّم مِنْ عادٍ وثمودَ، أي: فما أَبْقَى عليهم، أي: على عادٍ
وثمودَ، أو يكونُ التقديرُ: فما أَبْقَى منهم أحداً ولا عَيْناً تَطْرُفُ .
آ. (٥٢) و ﴿قومَ نوح﴾: كالذي قبلَه. و((مِنْ قبلُ))، أي: مِنْ
:
قَبْلِ عادٍ وثمودَ.
وقوله: ((إنَّهم)) يُحْتَمَلُ أَن يكونَ الضميرُ لقومٍ نوحٍ خاصةً، وأن
يكونَ لجميعِ مَنْ تقدَّمَ مِن الأمم الثلاثةِ.
وقوله: ((كانوا هم)) يجوز في ((هم)) أَنْ يكونَ تأكيداً، وأَنْ يكونَ
فَضْلاً، ويَضْعُفُ أَنْ يكونَ بدلاً، والمفضَّل عليه محذوفٌ، تقديرُه: مِنْ
عادٍ وثمودَ، على قولنا: إن الضميرَ لقومٍ نوحِ خاصةً، وعلى القول بأنَّ
الضميرَ للكلِّ يكون التقديرُ: مِنْ غيرهم. و ((المُؤْتَفِكَة)) منصوبٌ
بـ (أَهْوَىْ)) وقُدُمَ لأَجْلِ الفواصل.
آ. (٥٤) قوله: ﴿مَا غَشَّى﴾: كقولِه ((ما أَوْحَىْ)) (١) في الإِبهام
وهو المفعولُ الثاني، إنْ قلنا: إنَّ التضعيفَ للتعديةِ، وإن قُلْنا: إنه
للمبالغةِ والتكثيرِ فتكونُ ((ما)) فاعلةً كقولِه: ((فَغَشِيَهم من اليمِّ ما غَشِيَهُمْ)»(٢).
آ. (٥٥) قوله: ﴿فبأيِّ﴾: متعلقٌ بـ ((تَتَمارَى)) والباءُ ظرفيةٌ
بمعنى في. وقرأ(٣) ابنُ محيصن ويعقوبُ ((تَمارى)» بالحذف كقراءةِ
(تَذَكَّرون))(٤).
(١) الآية ١٠ من النجم: ((فأوحَى إلى عبدِه ما أوحى)).
(٢) الآية ٧٨ من طه .!
(٣) قراءة يعقوب وابن محيصن بتشديد التاء كما في الإتحاف ٥٠٤/٢، والنشر
٣٧٩/٢، والشواذ ١٤٧، والبحر ٨/ ١٧٠.
(٤) الآية ١٥٢ من الأنعام. وانظر: السبعة ٢٧٢.
١١٤

- النجم-
آ. (٥٦) و ﴿هذا﴾: إشارةٌ إلى ما تقدَّم من الآي أو إلى
القرآن، وإلى الرسول صلَّى الله عليه وسلّم، ونذير: يجوزُ أَنْ يكونَ
مصدراً، وأَنْ يكونَ اسمَ فاعلٍ، وكلاهما لا يَنْقاس، بل القياسُ في
مصدرِه إنذار، وفي اسم فاعلِه مُنْذِر، والنُّذُر يجوز أَنْ يكونَ جمعاً لنّذير
بمعنيَيْهِ المذكورَيْن، و((الأُولَى)) صفةٌ حملاً على معنى الجماعةِ كقوله:
(مآربُ أُخْرَى))(١)، والآَزِفَةُ، أي: الساعةُ الآزفة، كقوله: ((اقتربَتِ
الساعةُ))(٢)، ويجوز أن تكونَ الآزفةُ عَلَماً للقيامة بالغَلَبة.
آ. (٥٨) قوله: ﴿كاشِفةٌ﴾: يجوز أنْ يكونَ وصفاً، وأَنْ
يكونَ مصدراً، فإنْ كانَتْ وصفاً احتمل أَنْ يكونَ التأنيثُ/ لأجلِ أنَّه صفةٌ [٨٢٥/ب]
لمؤنثٍ محذوفٍ وقيل: تقديرُه: نفسٌ كاشفةٌ، أو حالٌ كاشِفة، واحتمل
أَنْ تكونَ التاءُ للمبالغة كعلَّمَةٍ ونَسَّابَةِ، أي ليس لها إنسانٌ كاشفةٌ، أي:
كثيرُ الكشف، وإن كان مصدرً(٣) فهو كالعافية والعاقِبَة وخائِنَةِ الأَعْين،
ومعنىُ الكَثْفِ هنا: إمَّا مِنْ كَشَفَ الشيءَ، أي: عَرَفَ حقيقتَه كقولِهِ(٤).
((لا يُجَلِّيها لوَقْتِها إلَّ هو))، وإمَّا مِنْ كَشَفَ الضُرَّ، أي: أزاله، أي: ليس
لها مَنْ يُزيلها ويُنَجِّيها غيرُ اللهِ تعالى، وقد تقدَّم الكلامُ على مادة ((أزف))
في سورة غافر(٥).
آ. (٥٩) قوله: ﴿أَفَمِنْ هذا الحديثِ﴾: متعلُّقٌ بـ ((تَعْجَبون»
(١) الآية ١٨ من طه.
(٢) الآية ١ من القمر.
(٣) الأصل ((مصدر)) وهو سهو.
الآية ١٨٧ من الأعراف.
(٤)
(٥) انظر إعرابه للآية ١٨ من غافر.
١١٥

- النجم-
ولا يجيءُ فيه الإِعمالُ؛ لأنَّ مِنْ شرطِ الإِعمالِ تأخّرَ المعمولِ عن
العوامل، وهنا هو مُتَقدُّمٌ. وفيه خلافٌ بعيدٌ، وعليه تَتَخَرَّج الآيةُ الكريمةُ.
فإنَّ كلّ مِنْ قولِه: تَعْجبون، وتَضْحكون ولا تَبكون يَطْلُبُ هذا الجازَّ مِنْ
حيث المعنى.
والعامَّةُ على فتح التاءِ والجيم والحاءِ مِنْ تَعْجَبون، تَضْحكون.
والحسن (١): بضم التاءَ وكسرِ الجيمِ والحاءِ مِنْ غيرِ واوٍ عاطفةٍ بين
الفعلَيْن، وهي أَبْلَغُ مِن حيث إنَّهمَ إذا أَضْحكوا غيرَهم كان تجزُّؤُهم
أكثرَ. وقرأ (٢) أُبَيُّ وعبد الله كالجماعةَ، إلَّ أنهما بلا واوٍ عاطفةٍ
كالحسنِ، فيُحتمل أَنْ تكونَ ((تضحكون)) حالاً، وأَنْ تكونَ استئنافاً كالتي
قبلها .
آ. (٦١) قوله: ﴿وأنتم سامدون﴾: هذه الجملةُ تَخْتمل أَنْ
تكونَ مستأنفةً، أخبرَ اللَّهُ تعالى عنهم بذلك، وتَحْتمل أَنْ تكونَ حالاً
أي: انتفى عنكم التباكي(٣) حالَ كونِكم ((سامدونَ))(٤). والسُّمُود قيل:
الإِعراضُ. وقيل: اللهوُ. وقيل: الجمود. وقيل: الاستكبار. قال
الشاعر (٥):
٤١٤٣- رَمَى الحِذْثانُ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ
بمقدارِ سَمَذْن له سُمودا
(١) البحر ١٧١/٨.
(٢) الكشاف ٣٥/٤.
(٣) الأصل: ((التكابي)) وهو سهو.
(٤) كذا على حكاية لفظ الآية.
(٥) تقدم برقم ٦٧٦ .
١١٦

- النجم -
فرَدَّ شعورَهن السودَ بِيْضاً
ورَدَّ وجوهَهن البيضَ سُودا
فهذا بمعنى الجمود والخُشوع، وقال آخر (١):
٤١٤٤- ألا أيها الإِنسانُ إِنَّك سامِدٌ
كأنَّك لا تَقْنَى ولا أنت هالكُ
فهذا بمعنى لاهٍ لاعِبٌّ، وقال أبو عبيدة(٢): ((الشُّمود)»: الغناءُ بلغة
حمير، يقولون: يا جاريةُ اسْمُدي لنا، أي: غَنِّي، وقال الراغب (٣).
((السَّامِدُ: اللاهي الرافعُ رأسَه، مِنْ قولهم: بعيرٌ سامِدٌ فِي سَيْرِهِ، وقيل:
سَمَّدَ رأسَه وسَبَّدَه، أي: استأصلَ شَعْرَه)).
[تمَّت بعونه تعالى سورة النجم]
(١) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في البحر ١٥٥/٨.
(٢)
ليس في المجاز.
(٣) المفردات ٢٤١.
١١٧

- القمر -
سورة القمر
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿وانْشَقَّ القمرُ﴾: هذا ماضٍ على حقيقتِه وهو
قولُ عامَّةِ المسلمين، إلَّ مَنْ لا يُلْتَفَتُ إلى قولِهِ، وقد صَحَّ في الأخبار
أنه انشقَّ على عهد رسولِ اللهِعَ لَ مرَّتين. وقيل: انشَقَّ بمعنى: سينشَقُّ
يومَ القيامةِ، فأوقع الماضيّ موضع المستقبلِ لتحقُّقِه، وهو خلافُ
الإِجماع. وقيل: انشَقَّ بمعنى انْفَلَقَ عنه الظلامُ عند طلوعِه، كما يُسَمَّى
الصبحُ فَلَقاً. وأنشد للنابغة (١):
٤١٤٥- فلمَّا أَدْبَرُوا ولهُمْ دَوِيٌّ
دعانا عند شَقِّ الصُّبْحِ داعي
وإنما ذكَرْتُ لك تنبيهاً على ضَعْفِه وفسادِهِ.
آ. (٢) قوله: ﴿مُسْتَمِرٌ﴾: فيه أقوالٌ، أحدها: أنَّ معناه: دائمٌ
مُطَّرِدٌ. وكلُّ شيءٍ قد انقادَتْ طريقتُه ودامَتْ حالُه قيل فيه: استمرَّ. قاله
الزمخشري(٢). ومِنْه قولُه(٣).
(١) ليس في ديوانه، وهو في القرطبي ١٢٦/١٧، والبحر ١٧٣/٨.
(٢) الكشاف ٣٦/٤.
(٣) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ١٠٩.
١١٩

- القمر-
٤١٤٦ - ألا إنما الدنيا ليالٍ وأَعْصُرٌ
وليسَ على شيءٍ قويمٍ بِمُسْتَمِرُ
أي: بدائم باقٍ. الثاني: أنَّ معناه: مُؤَثَّقٌ مُحْكَمٌ مِنْ قولِهِم: أَمَرَّ
الحبلَ، أي: أَحْكَمَ فَتْلَه. قال(١).
٤١٤٧- حتى اسْتَمَرَّتْ على شَزْرٍ مَريرتُه
صِدْقُ العزيمةِ لا رَّاً ولا ضَرَعا
الثالث: أنَّ معناه مارِّ ذاهب مَنَّوْا أنفسَهم بذلك. الرابع: أنَّ
معناه شديدُ المرارة. قال الزمخشري(٢): ((أي: مُسْتَبْشَعٌ عندنا، مُرٌّ على
لَهَواتنا، لا نَقْدِرُ أَنْ نَسِيْغَه كما لا نَسيغُ المُرَّ المَقِرَ))(٣) انتهى. يقال: مَرَّ
الشيءُ بنفسِه ومَرَّه غِيرُه، فيكون متعدياً ولازِماً ويقال: أَمَرَّه أيضاً.
[٨٢٦/ أ] الخامس: أنَّ معناه/ مُشْبةُ بعضُه بعضاً، أي: استمرَّتْ أفعالُه على هذا
الحالِ. قاله الشيخ(٤)، وهو راجِعٌ إلى المعنى الأول، أعني الدوامَ
والاطُّرادَ، وكان هو قد حكاه قبل ذلك. وأتى بهذه الجملة الشرطيةِ
تنبيهاً على أَنَّ حالَهم في المستقبلِ كحالِهِم في الماضي. وقُرِىء
(يُرَوْ))(٥) مبنياً للمفعول مِنْ أَرَى.
آ. (٣) قوله: ﴿وكلُّ أمرٍ مُسْتَقِرٍّ﴾: العامَّةُ على كسرِ القافِ
(١) البيت للقيط بن يعمر وهو في ديوانه ٤٩، والقرطبي ١٢٧/١٧. والشزر:
الذي يفتل مقلوباً وبذلك فُتِل فتلاً شديداً.
(٢) الكشاف ٣٦/٤.
المقر: المرُّ.
(٣)
البحر ١٧٤/٨.
(٤)
(٥) البحر ١٧٣/٨.
١٢٠