النص المفهرس

صفحات 81-100

- النجم -
سورة والنجم
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿إِذا هَوَى﴾: في العاملِ في هذا الظرفِ
أوجهٌ، وعلى كلٍ فيها إشكال. أحدُ الأوجهِ: أنه منصوبٌ بفعل القسم
المحذوفِ تقديرُهُ: أُقْسِمُ بالنجم وقتَ هُوِيُّه، قاله أبو البقاء(١) وغيرُه. وهو
مُشْكِلٌ فإن فِعْلَ القسم إنشاءٌ، والإِنشاءُ حالٌ، و((إذا) لِما يُسْتقبل من
الزمان فكيف يتلاقيان؟ الثاني: أنَّ العاملَ فيه مقدرٌ على أنَّه حالٌ من
النجم أي: أُقْسِم به حالَ كونِه مستقراً في زمانٍ هُوِيُّه. وهو مُشْكِلٌ مِنْ
وجهين، أحدهما: أن النجمَ جئةٌ، والزمانُ لا يكونُ حالاً عنها كما
لا يكونُ خبراً عنها. والثاني: أنَّ ((إذا)) للمستقبلِ فكيف يكونُ حالاً؟ وقد
أُجيب عن الأول: بأنَّ المرادَ بالنجم القطعةُ من القرآن، والقرآنُ قد نَزَلَ
مُنَجَّماً في عشرين سنةً. وهذا تفسيرُ ابن عباس وغيرِهِ. وعن الثاني: بأنها
حالٌ مقدرةٌ. الثالث: أنَّ العاملَ فيه نفسُ النجم إذا أُريد به القرآنُ، قاله
أبو البقاء(٢). وفيه نظرٌ؛ لأنَّ القرآنَ لا يَعْمل في الظرف إذا أُريد به أنه
اسمٌ لهذا الكتابِ المخصوص. وقد يُقال: إن النجمَ بمعنى المُنَجَّم كأنه
قيل: والقرآنِ المنجَّم في هذا الوقتِ. وهذا البحثُ وارِدٌ في مواضعَ منها
(١) الإملاء ٢٤٦/٢.
(٢) الإملاء ٢٤٦/٢.
٨١

- النجم-
((والشمس وضُحاها))(١) وما بعدَه، وقولُه: ((والليل إذا يَغْشِىُ))(٢) ،
((والضحى. والليلِ إذا سَجا))(٣). وسيأتي في الشمس بحثٌ أخصُّ مِنْ هذا
تقف عليه إنْ شاء الله تعالى. وقيل: المراد بالنجم هنا الجنسُ وأُنّشد (٤):
٤١٢١- فباتَتْ تَعُدُّ النجمَ في مُسْتَحيرةٍ
سريعٍ بأيدي الآكلين جمودُهنا
أي: تَعُدُّ النجومَ، وقيل: بل المرادُ نجمٌ معين. فقيل: الثُّريًّا.
وقيل: الشِّعْرَىُ لِذِكْرِها في قوله: ((وأنه هو ربُّ الشِّعرىُ))(٥). وقيل:
الزُّهْرةِ لأنها كانت تُعْبَدُ. والصحيح أنها الثريًّا، لأنَّ هذا صار عَلَماً
بالغَلَبَة. ومنه قولُ العرب: ((إذا طَلَعَ النجمُ عِشاءً ابتغى الراعي كِساءً».
وقالوا أيضاً: ((طَلَعَ النجمُ غُدْيَة فابتغى الراعي كُسْيَة)). وهَوَى يَهْوي هُوِيّاً
أي: سقط من علو، وهَوِي يَهْوَى هَوَىّ أي: صَبًا. وقال الراغب(٦):
((الهُوِيُّ سقوطٌ مِنْ عُلُوْ)). ثم قال: والهُوِيُّ: ذهابٌ في انحدارٍ. والهوى
[٨٢٠/ ب] ذهابٌ في ارتفاع وأنْشد(٧): /
٤١٢٢-
يَهْوي مخارِمَها هُوِيَّ الأجدَلِ
(١) الآية ١ من الشمس.
(٢) الآية ١ من الليل.
(٣)
الآية ١ من الضحى.
(٤) البيت للراعي، وهو في ديوانه ١٩٤، ومجاز القرآن ٢٣٥/٢. والمستخيرة:
المتحيرة لامتلائها، فهي في كرمة أو قدر قد تحيرت، فهي من صفائها وكثرة
دسمها ترى فيها نجوم السماء.
(٥) الآية ٤٩ من النجم.
(٦) المفردات ص ٥٤٨ ٪.
(٧) تقدم برقم ٢٨٩٧ .
٨٢

- النجم -
وقيل: هَوَىْ في اللغة خَرَقَ الهوىُ(١)، ومَقْصَدُه السُّفْلُ، أو مصيرُه
إليه وإن لم يَقْصِدْه. قال(٢):
هُوِيَّ الذَّلْوِ أسْلَمَها الرِّشَاءُ
٤١٢٣_
وقد تقدَّم الكلامُ في هذا مُشْبَعاً (٣) .
آ. (٢ - ٣) وقوله: ﴿ما ضَلَّ﴾: هذا جوابُ القسم. واعن
الهوى)) أي ما يَصْدُرُ عن الهوى نُطْقُه فـ ((عن)) على بابِها. وقيل: هي
بمعنى الباء (٤). وفي فاعِل ((يَنْطِقِ)) وجهان، أحدُهما: هو ضميرُ النبيِّ
عليه السلام، وهو الظاهرُ. والثاني: أنه ضميرُ القرآنِ كقولِه: ((هذا كتابُنا
يَنْطِقُ عليكم بالحقِّ)(٥) .
آ. (٤) قوله: ﴿إِنْ هو﴾: أي: إنْ الذي يَنْطِق به، أو إنْ
القرآنُ.
قوله: ((يُؤْحِىُ)) صفةٌ لـ ((وَحْيٌ)). وفائدةُ المجيْءِ بهذا الوصفِ أنه
(١) كذا في الأصل لعلها: الهواء.
(٢) البيت لزهير، وصدره:
فشَجَّ بها الأماعزَ وَهْي تهوي
وهو في ديوانه ٦٧، واللسان (هوا)، والبحر ١٥٧/٨، والمحرر ٢٥٦/١٥،
وشج: علا، بها: بالأتن. والأماعز: ج الأمعز، المكان الغليظ الكثير الحصى.
أسلمها خذلها. الرشاء: الحبل.
انظر: الدر المصون ٤٩٩/١، ١١٥/٧.
(٣)
(٤) وهو مذهب أبي عبيدة في المجاز ٢٣٦/٢.
(٥) الآية ٢٩ من الجاثية.
٨٣

- النجم-
يَنْفي المجازَ أي: هو وحيٌّ حقيقةً لا بمجردٍ تسميته، كما تقول: هذا قولٌ
يقال. وقيل: تقديرُه يُوحى إليه، وفيه مزيدُ فائدةٍ . .
آ. (٥) قوله: ﴿عَلَّمَه شديدٌ﴾: يجوز أَنْ تكونَ هذه الهاءُ
للرسول، وهو الظاهرُ، فيكونَ المفعولُ الثاني محذوفاً أي: عَلَّم الرسولَ
الوحيَ أي: المُؤْحِى، وأن تكونَ للقرآنِ والوحي، فيكونَ المفعولُ الأولُ
محذوفاً أي: عَلَّمه الرسولَ. وشديدُ القُوى: قيل: جبريلُ وهو الظاهرُ.
وقيل: الباري تعالى لقوله: ((الرحمنُ عَلَّم القرآن)»(١) وشديدُ القُوى: من
إضافة الصفة المشبهة المرفوعِها فهي غيرُ حقيقية.
آ. (٦) قوله: ﴿مِرَّةِ﴾: المِرَّةُ: القوةُ والشدةُ. ومنه ((أَمْرَرْتُ
الخَبْلَ)) إذا أَحْكَمْتَ فَتْلَه، والمَرِير: الحَبْلُ، وكذلك المُمَرُّ، كأنه كُرِّرِ فَتْلُه
مرةً بعد أخرى. وقال قطرب: ((العربُ تقول لكلِّ جَزْلِ الرأي حصيفٍ
العقلِ: ذو مِرَّة)) وأنشد (٢):
٤١٢٤- وإني لَذو مِرَّةٍ مُرَّةٍ
إذا رَكِبَتْ خالةٌ خَالَها
آ. (٧) قوله: ﴿وهو بالأفُقِ﴾: فيه وجهان، أظهرهما: أنه
مبتدأٌ، و((بالأفق)) خبرُه، والضميرُ لِجبريلَ أو للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
ثم في هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنَّ هذه الجملةَ حالٌ مِنْ فاعل
(استوى)) قاله مكي(٣) . والثاني: أنها مستأنفةٌ أخبر تعالى بذلك. والثاني :.
(١) الآيتان ١ - ٢ من الرحمن.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١٥٤/٨.
(٣) إعراب المشكل ٣٣٠/٢ وقال: أي استوى عالياً.
٨٤

- النجم -
أنَّ ((هو)) معطوفٌ على الضميرِ المستترِ في ((استوى)). وضميرُ ((استوى))
و((هو)): إمَّا أن يكونالله تعالى، وهو قولُ الحسنِ. وقيل: ضميرُ
(استوى)) لجبريل و(هو)) لمحمد عليه السلام. وقيل: بالعكس. وهذا
الوجهُ الثاني(١) إنما يتمشّى على قول الكوفيين؛ لأن فيه العطفَ على
الضمير المرفوع المتصل مِنْ غيرِ تأكيدٍ ولا فاصلٍ (٢). وهذا الوجهُ منقولٌ
عن الفراء (٣) والطبريّ (٤).
آ. (٨) قوله: ﴿فَتَدَلَّى﴾: التدلِّي: الامتداد من عُلُوٍّ إلى
سُفْل، فَيُستعمل في القُرْب من العلوِّ، قاله الفراء(٥) وابن الأعرابي.
وقال الهُذلي(٦) :
٤١٢٥ - تَدَلَّى علينا وهو زَرْقُ حَمامةٍ
له طِحْلِبٌ في مُنْتهى القَيْظِ هامِدُ
وقال آخر (٧) :
(١) أي عطف ((هو)) على الضمير المستتر في استوى.
انظر: الإنصاف ٤٧٤/٢. والعطف هنا على الضمير المرفوع المستتر.
(٢)
(٣)
معاني القرآن له ٣/ ٩٥.
(٤)
تفسير الطبري ٤٣/٢٧.
لم يرد هذا التفسير في ((معاني القرآن)).
(٥)
البيت لأسامة الهذلي، وليس في ديوان الهذليين من شعر أسامة، واللسان
(٦)
(دلي).
(٧) البيت لأبي ذؤيب وهو في ديوان الهذليين ٧٩، واللسان (خيط). والسب:
الحبل. والخيطة: الوتد، والوكف: بساط من أديم. والجرداء: الصخرة.
وعجزه :
بِجَرْداءَ مثلِ الوَكْفِ يَكْبو غرابُها
٨٥

- النجم -
٤١٢٦ - تَدَلَّى عليها بين سِبٌّ وخَيْطَةٍ
ويقال: ((هو كَالقِرِلَّى، إن رأى خيراً تدلَّى، وإن لم يَرَه تولَّى))(١)
واستوى قال مكي(٢): ((يقع للواحد، وأكثرُ ما يقع من اثنين، ولذلك جَعَلَ
الفراء (٣) الضميرَ لاثنين)).
آ. (٩) قوله: ﴿فكان قابَ﴾: ههنا مضافاتٌ محذوفاتٌ
يُضْطَرُّ لتقديرِها أي: فكان مقدارُ مسافةٍ قُرْبِهِ منه مثلَ مقدارِ مسافةِ قابٍ.
وقد فَعَلَ أبو علي هذا في قولِ الشاعر (٤).
٤١٢٧-
وقد جَعَلَشْي مِنْ حَزِيْمَةَ إصبعا
أي: ذا مقدارِ مسافةِ إصبع. والقابُ: القَدْرُ. تقول: هذا قابُ هذا
أي: قَدْرُه. ومثلُه: القِيبُ والقادُ والقِيس قال الزمخشري(٥): ((وقد جاء
التقديرُ بالقوس والرُّمْح والسَّوْط والذِّراع والباع والخُطْوة والشُّبر والفِتْرِ
والإِصبع، ومنه: لا صَلاةَ إلى أن ترتفعَ الشمسُ مِقدار رُمْحين. وفي
(١) القرلى: طائر.
إعراب المشكل ٢/ ٣٣٠.
(٢)
معاني القرآن ٩٥/٣.
(٣)
البيت للكلحبة العرني وصدره:
(٤)
فأَدْرَك إبقاءَ العَرادةِ ظَلْعُها
وهو في شرح الأبيات للفارسي ٤٩٥، والمفضليات ٣٢، والعرادة: فرسه،
الظلع: العرج.
(٥) الكشاف ٢٨/٤.
٨٦

- النجم -
الحديث(١): ((لَقَابُ قوس أحدِكم من الجنة وموضعُ قِدِّه خيرٌ من الدنيا
وما فيها))، والقِدُّ السَّوْط. وألفُ ((قاب)) عن واوٍ. نصَّ عليه أبو البقاء (٢).
وأمَّا ((قِيْبٌ)) فلا دلالة فيه على كونِها ياءً؛ لأنَّ الواوَ إذا انكسر ما قبلها
قُلِبت ياءً كدِيْمة وقِيمة، وذكره الراغب(٣) أيضاً في مادة ((قوب)) إلاَّ أنه
قال في تفسيره: ((هو ما بين المَقْبَض والسِّيّةِ من القوس)) فعلى هذا يكون
مقدارَ نصفِ القوس؛ لأن المَقْبَضَ في نصفِه. والسِّيَّةُ هي الفُرْضَة التي
يُخَطُّ فيها الوَتَرُ. وفيما قاله نظرٌ لا يخفى. ويُروى عن مجاهد: أنه من
الوَتَر إلى مَقْبَضٍ القوس في وسَطه. وقيل: إنَّ القوسَ ذراعٌ يُقاس به،
نُقل ذلك عن ابن عباس وأنه لغةٌ للحجازيين.
والقَوْسُ معروفةٌ، وهي مؤنثةٌ، وشَذُّوا في تصغيرِها فقالوا: قُوَيْس
من غيرِ تأنيثٍ كعُرَيْبٍ وحُرَيْبٍ، ويُجْمع على قِسِيّ، وهو مَقْلوب مِنْ
قُؤُوس، ولتصریفِه موضعٌ آخر. /
[١/٨٢١]
قوله: ((أو أَذْنىُ)) هي كقوله: ((أو يَزيدون))(٤) لأنَّ المعنى: فكان
بأحدٍ هذين المقدارَيْنِ في رَأْيِ الرائي، أي: لتقارُبِ ما بينهما يَشُكُّ الرائي
في ذلك. وأَدْنى أفعلُ تفضيلٍ، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ أي: أو أدنى مِنْ
قاب قوسين.
آ. (١٠) قوله: ﴿فَأَوْحَى﴾: أي اللَّهُ، وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ
(١) رواه البخاري. انظر: فتح الباري ٥/ ١٩، ٥٦ كتاب الجهاد، ٦ باب الحور
العين.
الإملاء ٢٤٦/٢.
(٢)
(٣) المفردات ٤١٤.
(٤) الآية ١٤٧ من الصافات.
٨٧

- النجم -
لعدم اللَّبْس. وقوله ((ما أَوْحِى)) أُبْهِم تعظيماً له ورَفْعاً مِنْ شأنِه، وبه
استدلَّ(١) جمال الدين ابن مالك على أنه لا يُشْتَرَطُ في الصلة أَنْ تكونَ
معهودة عند المخاطبِ. ومثلُه ((فَغَشِيَهُمْ من اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)) (٢)، إِلَّ أنَّ
هذا الشرطَ هو المشهورُ عند النَّحْوِيين.
آ. (١١) قوله: ﴿مَا كَذَبَ﴾: قرأ(٣) هشامٌ بتشديدِ الدال.
والباقون بتخفيفها. فأمَّا [القراءةُ](٤) الأولى فإنَّ معناها أنَّ ما رآه محمدٌ
صلَّى الله عليه وسلَّم بعينِه صَدَّقه قلبُه، ولم يُنكِرْه أي: لم يَقُلْ له:
لم أَعْرِفْك و ((ما)) مفعولٌ به موصولةٌ، والعائدُ محذوفٌ. ففاعِلُ ((رأىَ))
ضميرٌ يعودُ على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وأمَّا قراءةُ التخفيفِ فقيل
فيها كذلك. و((كذَبَ)) يتعدى بنفسِه. وقيل: هو على إسقاطِ الخافضِ:
أي: فيما رآه، قاله مكي(٥) وغيرُه. وجوَّز في ((ما)) وجهين، أحدُهما: أَنْ
يكونَ بمعنى الذي. والثاني: أَنْ تكونَ مصدريةً، ويجوزُ أَنْ يكونَ فاعلٌ
((رأى)) ضميراً يعودُ على الفؤادِ أي: لم يَشُكَّ قلبُه فيما رآه بعينِه.
آ. (١٢) قوله: ﴿أَفَتُمارُونْهِ﴾: قرأ(٦) الأخَوان ((أَفَتَمْرُؤْنَّه))
بفتح التاء وسكون الميم، والباقون ((تُمارونه)). وعبد الله بن مسعود
(١) انظر: شرح التسهيل لابن مالك ١/ ١٨٧.
(٢)
الآية ٧٨ من طه .
(٣) وهو الراوي عن ابن عامر. انظر: السبعة ٦١٤، والحجة ٦٨٥، والبحر
١٥٩/٨، والتيسير ٢٠٤ ..
(٤) زيادة من (ش).
(٥) إعراب المشكل ٣٣١/٢ ..
(٦)
انظر في قراءاته: البحر ١٥٩/٨، والسبعة ٦١٤، والحجة ٦٨٥، والنشر
٣٧٩/٢، والقرطبي ٩٣/١٧، والتيسير ٢٠٤.
٨٨

- النجم -
والشعبي ((أَفَتُمْرُوْنَه)) بضمِّ التاءِ وسكون الميم. فأمَّا الأولى ففيها وجهان،
أحدهما: أنها مِنْ مَرَيْتُهُ حَقَّهُ إذا غَلَبْتَه وجَحَدْتَه إياه. وعُدِّي بـ ((على))
لتضمّتِهِ معنى الغَلَبة. وأُنشِد(١).
٤١٢٨- لَئِنْ هَجَرْتَ أخا صدقٍ ومَكْرُمَةٍ
لقد مَرَيْتَ أخاً ما كان يَمْرِيكا
لأنه إذا جَحَده حقَّه فقد غَلَبه عليه. والثاني: أنها مِنْ مَراه على كذا
أي: غَلَبه عليه فهو مِن المِراء وهو الجِدالُ. وأمَّا الثانيةُ فهي مِنْ ماراه
يُماريه مُراءاة أي: جادَلَه. واشتقاقُهُ مِنْ مَرْىٍ الناقةِ؛ لأنَّ كلَّ واحد من
المتجادِلِيْن يَمْري ما عند صاحبه. وكان مِنْ حَقِّه أن يتعذَّى بـ ((في))
كقولك: جادَلْتُه في كذا، وإنما ضُمِّن معنى الغَلَبَةِ فِعُدِّيَ تَعْدِيَتَها. وأمَّا
قراءةُ عبد الله فمِنْ أمراه رباعياً.
آ. (١٣) قوله: ﴿نَزْلَةً أخرىٌ﴾: فيها ثلاثةُ أوجهِ، أحدُها:
أنها منصوبةٌ على الظرفِ. قال الزمخشري(٢): ((نَصْبَ الظرفِ الذي هو
مَرَّة؛ لأنَّ الفَعْلَةَ اسمٌ للمَرَّة من الفعلِ فكانَتْ في حُكْمها)) قلت: وهذا
ليس مذهبَ البصريين، وإنما هو مذهبُ الفرَّاء(٣)، نقله عنه مكي (٤).
الثاني: أنها منصوبةٌ نَصْبَ المصدرِ الواقعِ موقعَ الحالِ. قال مكي (٥):
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١٥٩/٨، والقرطبي ٩٣/١٧، والكشاف
٤ / ٢٩.
(٢) الكشاف ٢٩/٤.
معاني القرآن ٩٧/٣.
(٣)
إعراب المشكل ٣٣١/٢.
(٤)
(٥) إعراب المشكل ٣٣١/٢.
٨٩

ــ النجم-
((أي: رآه نازلاً نَزْلة أخرى))، وإليه ذهب الحوفيُّ وابنُ عطية(١). والثالث:
أنه منصوبٌ على المصدرِ المؤكِّد، فقدَّره أبو البقاء (٢): ((مرةً أخرى
أو رُؤْيةً أخرى)). قلت: وفي تأويلِ ((نَزْلَةً)) برؤية نظرٌ. و((أخرى)) تَدُلُّ
على سَبْقِ رؤيةٍ قبلها.
۔۔
آ. (١٤ _ ١٥) قوله: ﴿عند سِدْرَة﴾: ظرفٌ لِرَآه و ((عندها
جنةُ)) جملةٌ ابتدائيةٌ في موضع الحالِ. والأحسنُ أَنْ يكونَ الحالُ الظرفَّ،
و (جَنَّةُ المَأْوى)) فاعلٌ به. وَالعامَّةُ على ((جنَّة)) اسمٌ مرفوعٌ. وقرأ(٣) أمير
المؤمنين وأبو الدرداء وأبو هريرة وابن الزبير وأنس وزربن حبيش
ومحمد بن كعب ((جَنَّه)) فعلاً ماضياً. والهاء ضميرُ المفعول يعود للنبي
صلَّى الله عليه وسلَّم. والمَأْوَىُ فاعلٌ بمعنى: سَتَره إيواءُ اللَّهِ تعالى.
وقيل: المعنى: ضَمَّهِ المبيتُ والليلُ. وقيل: جَنَّه بظلالِهِ ودَخَلَ فيه. وقد
رَدَّت عائشةُ رضي الله عنها هذه القراءةَ وتبعها جماعةٌ وقالوا: ((أَجَنَّ اللَّهُ
مَنْ قرأها))، وإذا ثبتت قراءةً عن مثلِ هؤلاء فلا سبيلَ إلى رَدِّها، ولكنَّ
[٨٢١/ ب] المستعملَ إنما/ هو أَجَنَّه رباعياً، فإن استعمل ثلاثياً تَعَذَّى بـ ((على))
كقولِه ((فلمَّا جَنَّ عليه الليلُ))(٤). وقال أبو البقاء(٥): ((وهو شاةٍ والمستعملُ
أجنَّه)). وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المادةِ في الأنعام(٦). و ((إذ يَغْشَىْ))
منصوبٌ بـ رآه. وقولُهُ: ((ما يَغْشَىْ)) كقوله: ((ما أَوْحِى))(٧).
(١) المحرر ٢٦٢/١٥
(٢)
الإملاء ٢٤٧/٢.
(٣) المحتسب ٢٩٣/٢، والبحر ١٥٩/٨.
(٤)
الآية ٧٦ من الأنعام.
الإملاء ٢٤٧/٢ . :
(٥)
انظر: الدر المصون ٨/٥.
(٦)
الآية ١٠.
(٧)
!
٩٠

- النجم -
آ. (١٨) قوله: ﴿الكبرىُ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: وهو
الظاهرُ أنَّ («الكبرى» مفعولُ رأى، و((من آياتِ ربِّه» حالٌ مقدمةٌ.
والتقدير: لقد رأى الآياتِ الكبرى من آياتٍ ربه. والثاني: أنَّ ((من آيات
ربِّه)» وهو مفعولُ الرؤية والكُبرى صفةٌ لَآيات ربِّه. وهذا الجمعُ يجوزُ
وَصْفُه بوَصْف المؤنثةِ الواحدةِ، وحَسَّنه هنا كونُه فاصلةً. وقد تقدَّم مِثْلُه
في طه كقوله: ((لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنا الكبرى))(١).
آ. (٩) قوله: ﴿اللات﴾: اسمُ صَنَم. قيل: كان لثَقيفٍ
بالطائف، قاله: قتادة. وقيل: بنخلة. وقيل: بعُكاظُ. ورَجَّح ابنُ عطيةَ(٢)
الأولَ بقولِ الشاعر(٣).
٤١٢٩- وفَرَّتْ ثَقِيْفٌ إلى لاتِها
بمُنْقَلَبِ الخائبِ الخاسرِ
والألف واللام في ((اللات)) زائدةٌ لازمةٌ. فأمَّا قولُه: ((إلى لاتِها))
فَحَذَفَ للإِضافة. وهل هي والعُزَّى عَلَمان بالوَضْع، أو صفتان غالبتان؟
خلافٌ ويَتَرِثَبُ على ذلك جوازُ حَذْفِ أل وعدمُه. فإنْ قلنا: إنهما ليسا
وصفَيْن في الأصلِ فلا تُحْذَفُ منهما أل. وإنْ قلنا: إنهما صفتان، وإنَّ
أل لِلَمْح الصفةِ جاز، وبالتقديرَيْن فأل زائدةٌ. وقال أبو البقاء(٤): ((وقيل:
هما صفّتان غالبتان مثلَ: الحارث والعباس فلا تكون أل زائدة)) انتهى.
(١) الآية ٢٣.
(٢)
المحرر ٢٦٦/١٥.
(٣) البيت لضرار بن الخطاب، وهو في السيرة ٤٩/١، والمحرر ٢٦٦/١٥، والبحر
٠١٦٠/٨
(٤) الإملاء ٢٤٧/٢ .
٩١

- النجم -
وهو غَلَطْ لأن التي لِلَمْح الصفةِ منصوصٌ على زيادتِها، بمعنى أنها
لم تؤثّرْ تعريفاً .
واخْتُلِف في تاء ((اللات)) فقيل: أصلٌ، وأصلُه مِنْ لات يليتُ فألفُها
عن ياءٍ، فإنَّ مادةَ لَ ي ت موجودةٌ. وقيل: زائدة، وهي مِنْ لَوَى يَلْوي
لأنهم كانوا يَلْؤُوْن أعناقَهم إليها، أو يَلْتَوون أي: يَعْتَكِفُون عليها، وأصلُها
لَوَيَّةٍ فخُذِفت لامُها، فألفُها على هذا مِنْ واوٍ. وقد اختلف القَراءُ في
الوقف على تائِها (١). فوقف الكسائيُّ عليها بالهاء والباقون بالتاء، وهو
مبنيٌّ على القولَيْن المتقدمَيْنِ: فَمَنْ اعتقدَ تاءَها أصليةً أقَرَّها في الوقف
كتاء بَيْت، ومَنْ اعتقد زيادتَها وَقَف عليها هاءً. والعامَّةُ على تخفيفِ
تائها. وقرأ ابن عباس ومجاهد ومنصور بن المعتمر وأبو الجوزاء
وأبو صالح وابن كثيرٍ في روايةٍ بتشديدِ التاء. وقيل: هو رجلٌ كَان يَلُثُ
السَّوِيْقِ ويُطْعِمُ الحاجّ، فهو اسمُ فاعلٍ في الأصل غَلَبَ على هذا الرجلِ،
وكان يجلسُ عند حَجَرٍ، فلما مات سُمِّي الحَجَرُ باسمِهِ وعُبِدَ مِنْ دون الله
تعالى.
والعُزَّىُ فُعْلىُ من العِزِّ، وهي تأنيثُ الأَعَزِّ كالفُضْلى والأفضل، وهي
اسمُ صنمٍ. وقيل: شجرةٌ كانت تُعْبَدُ.
آ. (٢٠) قوله: ﴿ومَناةَ﴾: قرأ(٢) ابن كثير ((مَناءَة)) بهمزةٍ
مفتوحةٍ بعد الألف، والباقون بألفٍ وحدَها، وهي صخرةٌ كانت تُعْبَدُ مِن
(١) انظر: القرطبي ١٠٠/١٧، والنشر ١٣٢/٢، ٣٧٩، والمحتسب ٢٩٤/٢،
والبحر ١٦٠/٨، والإتحاف ٥٠١/٢.
(٢) السبعة ٦١٥، والنشر ٣٧٩/٢، والتيسير ٢٠٤، والقرطبي ١٠١/١٧، والحجة
٦٨٥، والبحر ١٦١/٨.
٩٢

- النجم -
دونِ اللَّه. فأمّا قراءةُ ابنٍ كثير فاشتقاقُها من النَّوْء، وهو المطرُ لأنهم
يَسْتَمطرون عندها الأَنْواء، ووزنُها حينئذٍ مَفْعَلَة فألفُها عن واوٍ، وهمزتُها
أصليةٌ، وميمُها زائدةٌ. وأنشدوا على ذلك(١).
٤١٣٠- ألا هل أَتّى تَيْمَ بنَ عبدٍ مَناءة
عَلَى النَّأَي فيما بيننا ابنُ تميمٍ
وقد أَنْكر أبو عبيد قراءةَ ابن كثير، وقال: ((لم أسمع الهمز)). قلت:
قد سمعه غيرُه، والبيتُ حُجَّةٌ عليه.
وأمَّا قراءةُ العامَّةِ فاشتقاقُها مِنْ مَنىُ يَمْني أي: صبَّ؛ لأن دماءً
النَّسائكِ كانت تُصَبُّ عندها، وأنشدوا لجرير (٢).
٤١٣١ - أزيدَ مَناةَ تُوْعِدُ يا بنَ تَيْمِ
تَأَمَّلْ أين تاهَ بك الوعيدُ
وقال أبو البقاء(٣): ((وألفه من ياءٍ لقولِك: مَنَى يَمْني إذا قدَّر،
ويجوز أَنْ تكونَ من الواو، ومنه مَنَوان» فوزْنُها على قراءة القصر فَعْلة.
((والأُخْرى)) صفةٌ لمَناة. قال أبو البقاء(٤): ((والأُخْرىُ توكيدٌ؛ لأنَّ
الثالثةَ لا تكونُ إلَّا أُخْرَى)). وقال الزمخشري(٥): ((والأُخْرى ذَمّ وهي
المتأخرةُ الوضيعةُ المقدارِ، كقوله: ((قالَتْ أُخْراهم))(٢) أي: وُضَعاؤُهم
(١) البيت لهوبر الحارثي، وهو في اللسان (مني) والبحر ١٦١/٨.
(٢) ديوانه ١٦٥، والمحرر ٢٦٧/١٥، والبحر ١٦١/٨.
(٣)
الإملاء ٢٤٧/٢ .
الإملاء ٢٤٧/٢ .
(٤)
الكشاف ٤ / ٣٠.
(٥)
(٦) الآية ٣٨ من الأعراف.
٩٣

- النجم-
لَأَشْرافِهم، ويجوزُ أَنْ تكونَ الأَوَّليةُ والتقدمُ عندهم لِلَّت والعُزَّى)).
انتهى. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الأخرى إنما تدلُّ على الغَيْرِيَّة وليس فيها تَعَرُّضُ
المَدْح ولا ذَمِّ، فإنْ جاء شيءٌ مِنْ هذا فلقرينةٍ خارجيةٍ. وقيل: الأُخْرى
صفةٌ للعُزَّى؛ لأنَّ الثانيةَ أُخْرى بالنسبة إلى الأُوْلى. وقال الحسين ابن
الفضل: ((فيه تقديمٌ وتأخيرٌ» أي: العُزَّى الأخرى ومناةَ الثالثة، ولا حاجةَ
إلى ذلك لأنَّ الأصلَ عدمُه.
و((أرأيت)) بمعنى أَخْبِرْني فيتعذَّى لاثنين، أوَّلُهما: اللات وما عُطِف
عليها. والثاني: الجملةُ الاستفهاميةُ مِنْ قولِه: ((أَلَكُمُ الذَّكَرُ)) فإنْ قيل: لم يَعُدْ
من هذه الجملةِ ضميرٌ على المفعول الأولِ. فالجوابُ: أنَّ قولَه: ((وله الأنثى))
في قوةٍ ((وله هذه الأصنامُ)) وإن كان أصلُ التركيبِ: ألكم الذَّكَر وله هُنَّ، أي:
[٨٢٢/ أ] تلك الأصنامُ، وإنما أُوْثِرَ هذا الاسمُ الظاهرُ لوقوعِه رَأْسَ فاصلةٍ. /
وقد جَعَلَ الزّجَّاجُ(١) المفعولَ الثاني محذوفاً فإِنَّه قال: ((وجهُ تَلْفيقِ
هذه الآيةِ مع ما قبلَها فيقول: أَخْبِروني عن آلهتكم هل لها شيءٌ من
القدرةِ والعظمة التي وُصِفَ بها ربُّ العزَّةُ في الآي السالفة)) انتهى. فعلى
هذا يكونُ قولُه: ((ألكم الذَّكَرُ)) متعلقاً بما قبلَه من حيث المعنى، لا من
حيث الإِعرابُ. وجَعَل ابنُ عطية (٢) الرؤية هنا بَصَريةً فقال: ((وهي من
رؤيةِ العين؛ لأنَّه أحال على أَجْرام مرئيةٍ، ولو كانَتْ ((أَرَأَيْتَ)) التي هي
استفتاءٌ لم تَتَعَذَّ) وهذا كلامٌ مُثْتَجٌ(٤)، وقد تقدَّم لك الكلامُ عليها مُشْبَعاً
في الأنعام(٤) وغيرها ..
(١) معاني القرآن له ٧٢/٥.
(٢) المحرر ٢٦٥/١٥.
الكلام المثبج: المضطرب المعمى غير البَيِّن.
(٣)
(٤) انظر: الدر المصون ٤ /٦١٥.
:
٩٤

- النجم -
آ. (٢٢) قوله: ﴿ضِيْزَى﴾: قرأ(١) ابنُ كثير ((ضِتْرَى)) بهمزةٍ
ساكنةٍ، والباقون بياءٍ مكانَها. وزيدُ بن علي ((ضَيْزَى)) بفتح الضادِ والياءِ
الساكنة. فأمَّا قراءةُ العامَّةِ فيُحتمل أَنْ تكونَ مِنْ ضاره يَضَيزه إذا ضامه
وجارَ عليه. فمعنى ضِيْزَى أي: جائرة. قال الشاعر(٢).
٤١٣٢ - ضازَتْ بنو أُسْدٍ بحُكْمِهِمُ
إذ يَجْعلون الرأسَ كالذَّنَبِ
وعلى هذا فتحتملُ وجهين، أحدُهما: أَنْ تكونَ صفةً على فُعْلى
بضم الفاءِ، وإنما كُسِرت الفاءُ لتصِحَّ الياءُ كِيْض(٣). فإن قيل: وأيُّ
ضرورةٍ إلى أَنْ نقدِّر أصلَها ضمَّ الفاء؟ ولم لا قيل: بأنها فِعْلَى بالكسر؟
فالجوابُ أن سيبويه (٤) حكى أنه لم يَرِدْ في الصفاتِ فِعْلَى بكسر الفاء إنما
وَرَدَ بضمِها نحو: حُبْلِى وَأُنْثى ورُبَّى(٥) وما أشبهه. إلاّ أنه قد حَكى غيرُه
في الصفات ذلك، حكى ثعلب: ((مِشْية حِيْكىُ))(٦)، ورجلٌ كِيْصَىْ(٧).
وحكى غيرُه: امرأةٌ عِزْهىْ(٨)، وامرأة سِعْلى(٩)، وهذا لا يُنْقَضُ لأن
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٦١٥، والنشر ٣٩٥/١، والتيسير ٢٠٤، والبحر
١٦٢/٨، والقرطبي ١٠٣/١٧، والحجة ٦٨٥.
(٢) البيت في الشعر المنسوب إلى امرىء القيس، وهو في ملحق ديوانه ٤٥٧،
والقرطبي ١٠٣/١٧.
(٣) قال ابن عصفور: ((جمع أبيض أصله بُيْض نحو: حُمْر ثم قلبت الضمة كسرة)
الممتع ٤٥٨ .
(٤)
الكتاب ٣٧١/٢.
الرُّبَّى: الشاة التي وضعت حديثاً.
(٥)
حيكى: مشية فيها تبختر.
(٦)
رجل كِيْصَى: لئيم.
(٧)
(٨) امرأة عِزْهى، ورجل عِزْهى: لئيم، أو الذي لا يقرب النساء.
(٩) امرأة سِعْلى: صحَّابة بذيئة.
٩٥

- النجم :-
سيبويه (١) يقول: حِيْكِىُ وكِيْصىُ كقولِه في ((ضِيزَى)) لتَصِحَّ الياءُ، وأما
عِزْهَى وسِعْلى فالمشهورُ فيهما: سِعْلاة وعِزْهاة.
والوجه الثاني: أَنْ تكونَ مصدراً كذِكْرى، قال الكسائي: يقال:
ضازَ يَضيز ضِيْزَى، كذَكَر يَذْكُر ذِكْرى. ويُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ ضَأَزَه
بالهمز كقراءةٍ ابن كثير، إلاّ أنه خُفِّفَ همزُها، وإن لم يكنْ من أصولٍ
القُرَّاءِ كلِّهم إبدالُ مثلِ هذه الهمزةِ ياءً لكنها لغةٌ التُزِمَتْ فقرؤُوا بها،
ومعنى ضَأَزَه يَضْأَزُه بالهمز: نَقَصه ظُلماً وجَوْراً، وهو قريبٌ من الأول.
ومِمَّنْ جَوَّز أَنْ تكونَ الياءُ بدلاً مِنْ همزة أبو عبيد، وأَنْ يكونَ أصلُها
ضُوْزَى بالواوِ لأنه سُمِع ضازَه يَضُوْزُه ضُوْزی، وضازه يَضِيْزُهُ ضِيْزى،
وضَاَزِه يَضْأَزُه ضَأْزاً، حكى ذلك كلَّه الكسائيُّ، وحكى أبو عبيد ضِزْتُه
وضُزْته بكسرٍ الفاء وضمِّها. وكُسِرت الضادُ مِنْ ضُؤْزَى لأنَّ الضمةَ ثقيلةٌ
مع الواو، وفعلوا ذلك لِيَتَوَصَّلوا به إلى قَلْب الواوِ ياءً، وأنشد الأخفش
على لغة الهمز(٢).
٤١٣٣- فإن تَنْأَ عَنَّا نَتَقِصْك وإن تَغِبْ
فَسَهْمُكَ مَضْؤُوْزٌ وَأَنْفُكَ راغِمُ
و ((ضِغْزَى)) في قراءةِ ابن كثير مصدرٌ وُصِفَ به، ولا يكون وصفاً
أصلياً لِما تقدَّم عن سيبويه. فإن قيل: لِم لا قيل في: ((ضِتْرِى)) بالكسر
والهمز: إِنَّ أصلَه ضُغْزَى بالضم فكُسِرَتِ الفاءُ كما قيل فيها مع الياء؟
فالجواب: أنه لا مُوْجِبَ هنا للتغيير؛ إذ الضمُّ مع الهمز لا يُسْتثقل
(١) الكتاب ٣٧١/٢.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان (ضأز)، والقرطبي ١٠٣/١٧.
٩٦

- النجم -
استثقالَه مع الياء الساكنة، وسُمع منهم ((ضُوْزَى)) بضم الضاد مع الواو
أو الهمزة.
وأمَّا قراءةُ زيدٍ(١) فَتَحْتمل أَنْ تكونَ مصدراً وُصِف به كدَعْوى، وأَنْ
تكونَ صفةً كسَكْرِى وَعَطْشَى(٢).
آ. (٢٣) قوله: ﴿إِنْ هي﴾: في ((هي)) وجهان، أحدهما: أنها
ضميرٌ للأصنام أي: وما هي إلاَّ أسماءٌ ليس تحتها في الحقيقة مُسَمَّياتٌ
في الحقيقة لأنكم تَدَّعُوْن الإلهية لِما هو أبعدُ شيءٍ منها وأشدُ منافاةً لها،
كقوله: ((ما تَعْبُدُون مِنْ دونِهِ إلَّ أسماءً سَمَّيْتُموها))(٣). والثاني: أن تكونَ
ضميرَ الأسماءِ، وهي اللاتُ والعُزَّى ومَناة، وهم يَقْصِدُون بها أسماءَ
الآلهة، يعني: وما هذه الأسماءُ إلَّ أسماءٌ سَمَّيْتموها بهواكم وشهواتِكم
ليس لكم على صحةٍ تَسْمِيَتِّها بُرْهانٌ تتعلَّقون به، قاله الزمخشري(٤). وقال
أبو البقاء(٥): ((أسماء)) يجب أن يكون المعنى: ذواتُ أسماءٍ: لقوله:
(سَمَّيْتُموها)) لأنَّ الاسمَ لا يُسَمَّى)).
قوله: ((إنْ يَتَّبِعُون)) العامَّةُ على الغَيْبة التفاتاً من خطابهم إلى الغيبة
عنهم تحقيراً لهم. وقرأ(٦) عبد الله/ وابن عباس وطلحة وعيسى بن عمر [٨٢٢/ب]
وابن وثاب بالخطاب، وهو حسنٌ موافِقٌ.
(١) ضَیْزَى.
(٢) انظر في مسألة ضيزى: الأصول ٢٦٧/٣، وأدب الكاتب ٥٩٣، وابن يعيش
٩٧/١٠، والمنصف ١٦١/٢، والممتع ٤٩٣، وشرح الشافية ٨٥/٣.
(٣) الآية ٤٠ من يوسف.
الكشاف ٤/ ٣١.
(٤)
(٥)
الإملاء ٢٤٧/٢ .
(٦) القرطبي ١٠٣/١٧، والبحر ١٦٢/٨.
٩٧

- النجم -
قوله: ((وما تَهْوَى الأنفسُ)) نَسَقٌ على الظنِّ، و ((ما)) مصدريةٌ،
أو بمعنى الذي.
قوله: ((ولقد جاءهم مِنْ ربُّهم الهُدى)) يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من
فاعلِ ((يَتَبعون)) أي: يَتَبعون الظنَّ وهَوَى النفس في حالِ تنافي ذلك وهي
مجيْءُ الهدى مِنْ عِند ربِّهم. ويجوزُ أَنْ يكونَ اعتراضاً فإنَّ قوله: ((أم
للإنسان)» متصلٌ بقولِه: ((وما تَهْوى الأنفسُ)) وهي أم المنقطعةُ فتقدَّر بـ بل
والهمزة على الصحيح. قال الزمخشري (١): ((ومعنى الهمزة فيها الإِنكارُ
أي: ليس للإنسانِ ما تَمَنَّى».
آ. (٢٦) قوله: ﴿وكم مِنْ مَلَكِ﴾: كم هنا خبريةٌ تفيد
التكثيرَ، ومحلُّها الرفعُ على الابتداءِ ((ولا تُغْني شفاعتُهم)) هو الخبرُ.
والعامَّةُ على إفراد الشفاعة وجُمِعَ الضميرِ اعتباراً بمعنى مَلَكَ وبمعنى
((كم)). وزيد بن علي (٢) ((شفاعتُه)) بإفرادها اعتبر لفظ ((كم))، و((مَلَكَ)).
وابن مقسم ((شفاعاتُهم) بجمعها. و((شيئاً)) مصدرٌ أي: شيئاً من الإِغناء.
.آ. (٢٨) قوله: ﴿وما لهم به﴾: أي: بما يقولون أو بذلك.
وقال مكي(٣): («الهاءُ تعود على الاسم لأنَّ التسميةَ والاسمَ بمعنى)).
وقرأ (٤) أُبي ((بها)) أي: بالملائكة أو بالتسمية، وهذا يُقَوِّي قولَ مكي.
آ. (٣٠) قوله: ﴿ذلك مَبْلَغُهم﴾: قال الزمخشري(٥): «هو
(١) الكشاف ٣١/٤ ::
(٢) انظر في قراءاتها: البحر ١٦٣/٨.
(٣)
مشكل الإعراب ٢٨/٢.
الكشاف ٤/ ٣٢.
(٤)
(٥) الكشاف ٣٢/٤.
٩٨

- النجم -
اعتراض أي: فَأَعْرِضْ عنه ولا تُقابِلْه، إنَّ ربك هو أعلمُ [بالضالٌ]))(١).
قال الشيخ(٢): ((كأنه يقول: هو اعتراضٌ بين ((فأعرِضْ)) وبين ((إنَّ ربك))،
ولا يظهر هذا الذي يقولُه من الاعتراضٍ)). قلت: كيف يقولُ: كأنه يقول
هو اعتراضٌ وما بمعنى التشبيه، وهو قد نَصَّ عليه وصرَّح به فقال: أي
فأعرِضْ عنه ولا تقابِلْه، إنَّ ربك؟ وقوله: ((ولا يَظْهر))، ما أدري عدمَ
الظهورِ مع ظهور أنَّ هذا علةٌ لذاك، أي: قوله: ((إنَّ ربَّك)) علةٌ لقولِه:
(فأعْرِضْ)) والاعتراضُ بين العلةِ والمعلولِ ظاهرٌ، وإذا كانوا يقولون: هذا
معترضٌ فيما يجيءُ في أثناء قصةٍ فكيف بما بين علةٍ ومعلول؟
وقوله: ((أعلمُ بمَنْ ضَلَّ)) جوَّزَ مكي(٣) أن يكونَ على بابِه من
التفضيل أي: هو أعلمُ مِنْ كل أحد، بهذين الوصفَيْن وبغيرِهما، وأَنْ
يكونَ بمعنى عالِم وتقدَّم نظيرُ ذلك مراراً(٤).
آ. (٣١) قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾: في هذه اللام أوجهٌ، أحدها:
أَنْ تتعلَّقَ بقولِه: ((لا تُغْنِي شفاعتُهم)) ذكره مكي(٥). وهَو بعيدٌ من حيث
اللفظُ ومن حيث المعنى. الثاني: أَنْ تتعلَّقَ بما دَلَّ عليه قولُه: ((ولله
ما في السموات)) أي: له مِلْكُهما يُضِلُّ مَنْ يشاء ويَهْدي مَنْ يشاء ليجزيَ
المحسنَ والمسيءَ. الثالث: أَنْ تتعلَّق بقولِه: ((بمنْ ضَلَّ وبمَنْ اهتدى)).
واللام للصيرورة أي: عاقبة أمرهم جميعاً للجزاءِ بما عملوا، قال معناه
(١) زيادة من (الكشاف)).
(٢) البحر ٨/ ١٦٤.
(٣)
إعراب المشكل ٣٣٢/٢.
(٤) نحو قوله تعالى: ((وهو أعلم بمَنْ اهتدَى)).
(٥) إعراب المشكل ٣٣٢/٢، ولم يقل به وإنما نقله عن غيره.
٩٩

- النجم -
الزمخشري(١). الرابع: أن تتعلَّقَ بما دَلَّ عليه قولُه: ((أعلمُ بمَنْ ضَلَّ)
أي: حَفِظ ذلك ليجزيَ، قاله أبو البقاء(٢). وقرأ (٣) زيد بن علي النجزيَ،
ونجزيَ)) بنونِ العظمة، والباقون بياء الغَيْبَةِ.
آ. (٣٢) قوله: ﴿الذين يَجْتَنِبون﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً
بدلاً أو بياناً أو نعتاً للذين أحسنوا، وبإضمار أَعْني، وأن يكونَ خبر مبتدأ
مضمرٍ أي: هم الذين، وقد تقدَّم الخلاف في (كبائر)) و ((كبير الإِثم) (٤).
قوله: ((إلَّ اللَّمَمَ)) فيه أوجه، أحدهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ لأنَّ اللَّمَمَّ
الصغائرُ، فلم تندرِجْ فيما قبلَها، قاله جماعةٌ (٥) وهو المشهور. الثاني: أنه
صفةٌ و((إلاَّ)) بمنزلة ((غير)) كقوله: ((لو كان فيهما آلهةٌ إلَّ اللَّهُ))(٦) أي:
كبائرَ الإِثم والفواحشِ غيرِ اللمم. الثالث: أنه متصلٌ وهذا عند مَنْ يُفَسِّر
اللممَّ بغير الصغائرِ، والخلاف مذكور في التفسير. وأصلُ اللَّمَم: مَا قَلَّ
وصَغُرِ، ومنه اللَّمَمُّ وهو المَسُّ من الجنون، وألمَّ بالمكان قِلَّ لُبُه به،
أَلَمَّ بالطعام أي: قَلَّ أكلُه منه. وقال أبو العباس: ((أصلُ اللَّمم: أَنْ يُلِمّ
بالشيء من غير أن يِركَبَه يقال: ألمَّ بكذا إذا قاربه، ولم يُخالِطْه)). وقال
الأزهري (٧): «العربُ تستعمل الإلمامَ في معنى الدُنوِّ والقُرْب)). وقال جرير (٨).
(١) الكشاف ٣٢/٤.
(٢)
الإملاء ٢٤٧/٢ .!
الإتحاف ٥٠٢/٢، والبحر ١٦٤/٨.
(٣)
انظر إعرابه للآية ٣٧ من الشورى.
(٤)
وهو قول أبي عبيدة في المجاز ٢٣٧/٢، والنحاس في إعرابه ٢٧١/٣.
(٥)
(٦) الآية ٢٢ من الأنبياء.
تهذيب اللغة ٣٤٨/١٥.
(٧)
(٨) ديوانه ٥١٢، والبحر ٨/ ١٥٥.
١٠٠