النص المفهرس
صفحات 41-60
- الذاريات - وَعْدَكم، أو إنَّ وَعيدكم. ولا حاجةَ إلى قولِ مَنْ قالَ: إن قوله: (لَصادِقٌ)) وقع فيه اسمُ الفاعلِ موقع المصدرِ أي: لصِدْقٌ؛ لأنَّ لفظَ اسم الفاعل أَبْلَغُ إذ جُعِل الوعدُ أو الوعيدُ صادقاً مبالغةً، وإن كان الوصفُ إنما يقوم بِمَنْ يَعِدُ أو يُؤْعِدُ. آ. (٧) قوله: ﴿ذاتِ الحُبُك﴾: العامَّةُ على («الحُبُك)) بضمتين وهي الطرائقُ نحو: طرائق الرَّمْلِ والماءِ إذا صَفَقَتْه الريحُ، وحُبُك الشَّعْر: آثارُ تَثَنِيه وتَكَسُّرِه. قال زهير(١): ٤١٠٢- مُكَلِلٌ بأصولِ النجم تَنْسُجُه ريحُ حَرِيقٍ لضاحي مائِه حُبُكُ والحُبُكُ: جمعٌ يُحتمل أَنْ يكونَ مفردُه ((حَبيكة)) كطريقةٍ وطُرُق أو حباكِ نحو: حِمار وحُمُر. قال الراجز(٢): ٤١٠٣- كأنَّما جَلَّلها الحُوَّاكُ طِنْفِسَةٌ في وَشْيِهِا حِباكُ وأصلُ الحَبْكِ: إحكامُ الشيءٍ وإتقانُه، ومنه يقال للدِّرع: مَخْبوكة. وقيل: الحَبْكُ الشَّدُّ والتوثّقُ. قال امرؤ القيس (٣): ٤١٠٤ - قد غدا يَحْمِلُنِي في أَنْفِه لاحِقُ الإِطْلَيْنِ مَخْبوكٌ مُمَرْ (١) تقدم برقم ٢٣٨٣. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١٣٢/٨، والقرطبي ٣٢/١٧، والمحرر ٢٠١/١٥. (٣) ديوانه ١٤٦. أنف كل شيء: أوله. لاحق الإطلين: فرس ضامر الكشحين، والممر: المحكم الفَتْل. ٤١ - الذاريات - وفي هذه اللفظةِ قراءاتٌ كثيرةٌ (١): فعن الحسن ستٌ: الحُبُك بالضم كالعامَّةِ، الحُبْك بالضمِّ والسكون، وتُروى عن ابن عباس وأبي عمروٍ، الحِبِك بكسرهما، الحِبْك بالكسر والسكون، وهو تخفيف المكسور، الحِبَك بالكسر والفتح، الحِبُك بالكسر والضم. فهذه سِتُّ أقلقُها. الأخيرةُ؛ لأنَّ هذه الزُّنةَ مهملةٌ في أبنية العربِ. قال ابنُ عطية (٢) وغيرُه: (هو من التداخُلِ)) يعني: أن فيها لغتين: الكسرَ في الحاء والباء والضمَّ فيهما، فأخذ هذا القارئُ الكسرَ من لغةٍ والضمَّ مِنْ أخرى. واستبعدها الناسُ؛ لأن التداخُلَ إنما يكون في كلمتين. وخَرَّجها الشيخ(٣) على أن الحاءَّ أُتْبِعَتْ لحركةِ التاءِ في («ذات» قال: ((ولم يَعْتَذَّ باللام فاصلةً لأنها ساكنةٌ فهي حاجزٌ غيرُ حصينٍ)). وقد وافق الحسنَ على هذه القراءةِ أبو مالك الغفاريُّ. وقرأ عكرمةٌ بالضمِّ والفتح جمعَ ((حُبْكَة)) نحو: غُرْفة وغُرَف. وابن عباسٍ وأبو مالك («الحَبَك)) بفتحتين جمعُ ((حَبَّكة)) كعَقَبة وعَقَب، فهذه ثمانٍ قراءات. آ. (٨) قوله: ﴿إِنكم﴾: هذا جوابُ القسم. آ. (٩) قوله: ﴿يُؤْفَكُ عنه﴾: صفةٌ لقول. والضميرُ في (عنه)) للقرآن، أو للرسول، أو الدِّين، أو لِما تُوْعَدون أي: يُصْرَفُ عنه. وقيل: ((عن)) للسبب. والمأفوكُ عنه محذوفٌ، والضميرُ في ((عنه)) على هذا لـ ((قولٍ مختلفٍ)) أي: يُؤْفَكُ بسبب القولِ مَنْ أراد الإِسلام بأَنْ (١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٩١/٢، والقرطبي: ٣٢/١٧، والمحتسب ٢٨٦/٢، والبحر ١٣٤/٨، والمحرر ٢٠١/١٥. (٢) المحرر ٢٠١/١٥. (٣) البحر ١٣٤/٨. ٤٢ - الذاريات - يقول/: هو سحرٌ، هو كِهانَةٌ. والعامَّةُ على بناء الفعلَيْن للمفعول. [٨١٤/ب] وقتادة(١) وابن جبير ((يُؤْفَكُ عنه مَنْ أَفَك)) الأول للمفعول، والثاني للفاعل أي: يُصْرَفُ عنه مَنْ صَرَف الناسَ عنه. وزيد بن علي يَأْفَكُ مبنياً للفاعل مِنْ أفك الشيء أي: يَصْرِف الناسَ عنه مَنْ هو مأفوك في نفسه. وعنه أيضاً: ((يَأفِكُ عنه مَنْ أَنَّك)» بالتشديد أي: مَنْ هو أفَّاك في نفسِهِ. وقُرِىء (يُؤْفَنُ عنه مَنْ أُفِنَ)» بالنون فيهما أي: يَحْرِمُه مَنْ حَرَمه، مِنْ أَفِنَ الضَّرْعَ إذا نهكَه حَلْباً. آ. (١٠) وقُرِىءَ(٢) (قَتَل)) مبنياً للفاعل هو اللَّهُ تعالى، ((الخَرَّاصين)» مفعولُه. آ. (١٢) قوله: ﴿أَيَّانَ يومُ الدِّين﴾: مبتدأ وخبرٌ. قيل: وهما ظرفان فكيف يقع أحدُ الظرفين في الآخر؟ وأُجيب: بأنه على حَذْفٍ حَدَثٍ، أي: أَيَّان وقوعُ يومٍ، فأَيَّن ظرفٌ للوقوع. وتقدَّم قراءة ((إِيَّان)) بالكسر في الأعراف(٣). آ. (١٣) قوله: ﴿يومَ هم﴾: يجوز أَنْ يكونَ منصوباً بمضمرٍ أي: الجزاءُ كائنٌ يومَ هم. ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ ((یومُ الدین»، والفتحةُ للبناء على رأي مَنْ يُجيز بناءَ الظرفِ وإنْ أُضيفَ إلى جملةٍ اسميةٍ، وعلى هذا فيكون حكايةً لمعنى كلامِهم قالوه على الاستهزاء، ولو جاء على حكاية لفظِهم المتقدِّم لقيل: يومَ نحن على النار نُفْتَنُ. ويومَ (١) انظر في قراءاتها: الشواذ ١٤٥، والقرطبي ٣٣/١٧، والبحر ١٣٥/٨. (٢) الكشاف ٤/ ١٥. وهي قراءة السلمي: انظر: الدر المصون ٥٣٠/٥. (٣) ٤٣ - الذاريات - منصوبٌ بالدين. وقيل: بمضمرٍ أي: يَحارون. وقيل: هو مفعولٌ بـ أعني مقدراً. وعَدَّى ((يُفْتَنون)) بـ على لأنه بمعنى يُخْتبرون. وقيل: على بمعنى في. وقيل ((يومَ هم)) خبرُ مبتدأ مضمر أي: هو يومَ هم. والفتحُ لِما تقدم، ويؤيِّد ذلك قراءةُ(١) ابن أبي عبلة والزعفراني ((يومُ هم)) بالرفع، وكذلك يؤيِّد القولَ بالبدلِ. وتقدَّم الكلامُ في مثلِ هذا في غافر(٢). آ. (١٤) قوله: ﴿ذُوقوا﴾: أي: يُقال لهم: ذُوقوا. و(«هذا الذي كنتم)) مبتدأ وخبر، هذا هو الظاهرُ. وجَوَّز الزمخشريُّ(٣) أن يكونَ ((هذا)) بدلاً مِنْ ((فِتْنَتِكم)) لأنها بمعنى العذاب. آ. (١٦) قوله: ﴿آخِذين﴾: حالٌ من الضمير في قوله: ((جناتٍ)) .. و((ما آتاهم)) يعني من ما في الجنة فتكونُ حالاً حقيقية. وقيل: ما آتاهم مِنْ أوامره ونواهيه في الدنيا، فتكون حالاً محكيَّةً لاختلافِ الزمانين. وجعل الجارَّ هنا خبراً، والصفةً(٤) فضلةً، وعَكَسَ هذا في قولِهِ: (إنَّ المجرمين في عذابٍ جهنمَ خالدون))(٥). وقيل: لأن الخبرَ مقصودُ الجملة، والغرضُ هناك الإخبارُ عن تخليدِهم؛ لأنَّ المؤمِنَ قد يَدْخُلُ النارَ، ولكن لا بُدَّ مِنْ خروجِه. وأمَّا آيةُ المتقين فجعل الظرفَ فيها خبراً لِأَمْنِهِم الخروجَ منها، فجعل لذلك مَحَطّ الفائدةِ لتحصُل لهم الطمأنينةُ فانتصبَتْ الصفةُ حالاً . (١) القرطبي ٣٤/١٧، والبحر ١٣٥/٨. (٢). انظر إعرابه للآية ٥٢ (٣) الكشاف ١٥/٤ (٤) وهي ((آخذين)). (٥). الآية ٧٤ من الزخرف. ٤٤ - الذاريات - آ. (١٧) قوله: ﴿كانوا قليلاً﴾: فيه أوجهٌ؛ أحدها: أنَّ الكلامَ تَمَّ على ((قليلاً))، ولهذا وَقَفَ بعضُهم على ((قليلاً، ليُؤَاخِيَ بها قولَه تعالى: ((وقليلٌ ماهم)»(١) و ((قليلٌ من عباديَ الشَّكورُ)) (٢) ويَبْندىء ((مِن الليل ما يَهْجَعون)). أي: ما يَهْجَعون من الليل، وهذا لا يَظْهر من حيث المعنى ولا من حيث الصناعة: أمَّا الأول فلا بُدَّ أَن يَهْجَعوا ولا يُتَصَوَّرُ نَفْيُ هجوعِهم. وأمَّا الصناعةُ فلأنَّ ما في حيّر النفي(٣) لا يتقدَّم عليه عند البصريين، هذا إنْ جَعَلْتَها نافيةً، وإنْ جَعَلْتَها مصدريةً صار التقديرُ: من الليل هجوعُهم. ولا فائدةَ فيه لأنَّ غيرَهم من سائر الناس بهذه المَثابة. الثاني: أَنْ تجعلَ ((ما)) مصدريةً في محلٌّ رفع بـ ((قليلاً)). والتقدير: كانوا قليلاً هجوعُهم. الثالث: أَنْ تجعلَ ((ما)) المصدريةَ بدلاً من اسم كان بدلَ اشتمال، أي: كان هجوعُهم قليلاً، و((من الليل)) علىَ هذين لا يتعلَّق بـ ((يَهْجَعون))؛ لأنَّ ما في حَيِّز المصدر لا يتقدَّم عليه على المشهورِ؛ وبعضُ المانعين اغتفره في الظرفِ، فيجوزُ هذا عنده، والمانع يُقَدِّر فعلاً يدلُّ عليه ((يَهْجَعون)) أي: يهجعون من الليل. الرابع: أن ((ما)) مزيدةٌ و ((يَهْجَعون)) خبرُ كان. والتقدير: كانوا يَهْجَعون من الليلِ هُجوعاً أو زمناً قليلاً؛ فـ ((قليلاً)) نعتٌّ لمصدرٍ أو ظرف. الخامس: أنها بمعنى الذي، وعائدُها محذوفٍ تقديره: كانوا قليلاً من الليل الوقتَ الذي يَهْجَعونه، وهذا فيه تكلُّفُ. (١) الآية ٢٤ من صّ. (٢) الآية ١٣ من سبأ. (٣) وهو من الليل. ٤٥ - الذاريات - آ. (١٨) قوله: ﴿وبالأَسْحارِ﴾: متعلقٌ بـ ((يَسْتَغْفرون)). والباءُ بمعنى ((في))، قُدِّمَ متعلَّقُ الخبرِ على المبتدأ لجواز تقديم العامل. آ. (٢١) قوله: ﴿وفي أنفسِكم﴾: نَسقُ على ((في الأرض)) فهو خبر عن ((آياتٌ)) أيضاً. والتقدير: وفي الأرض وفي أنفسكم آياتٌ. وقال أبو البقاء(١): ((ومَنْ رفع بالظرفِ جَعَل ضميرَ الآيات في الظرف)) [٨١٥/أ] يعني مَنْ يرفعُ الفاعلَ بالظرفِ مطلقاً} أي: وإنْ لم يَعْتَمِدْ يَرْفَعُ بهذا الجَارِّ فاعلاً هو ضمير ((آياتٌ)). وجَوَّز بعضُهم أَنْ يتعلَّقَ بـ «تُبْصِرُون)) وهو فاسدٌ؛ لأنَّ الاستفهامَ والفاء يمنعان جوازَه. وقرأ قتادة ((آيةٌ))(٢) بالإِفراد. آ. (٢٢) قوله: ﴿رِزْقُكم﴾: أي: سببُ رزقِكم. وقرأ(٣) حميد وابن محيصن ((رازِقُكم)) اسمَ فاعل، واللَّهُ تعالى مُتَعالٍ عن الجهة. آ. (٢٣) والضميرُ في ((إنَّه لحقٌّ)): إمَّا للقرآنِ، وإمَّا للدينِ، وإمَّا لليوم في قوله: ((وإنَّ الدينَ لواقِعٌ))(٤) و((يومَ هم))(٥) و((يومُ الدين))(٦) وإمّا للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. قوله ((مِثْلَ ما)) الأخَوان(٢) وأبو بكر ((مثلُ)) بالرفع، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، (١) الإملاء ٢٤٤/٢. (٢) في الآية ٢٠. وانظر: البحر ١٣٦/٨. انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٩٢/٢، والقرطبي ٤١/١٧، والبحر ١٣٦/٨. (٣) (٤) الآية ٦. (٥) الآية ١٣. (٦) الآية ١٢. (٧) السبعة ٦٠٩، والنشر ٣٧٧/٢، والحجة ٦٧٩، والتيسير ٢٠٣، والبحر ١٣٦/٨، والقرطبي ٤٤/١٧. ٤٦ ۔ الذاريات - أحدها: أنه خبرٌ ثانٍ مستقلٌّ كالأولِ. والثاني: أنه مع ما قبله خبرٌ واحدٌ نحو: هذا حُلْوٌ حامِضٌ، نقلهما أبو البقاء(١). والثالث: أنَّه نعتٌ لـ (حق)) و ((ما)) مزيدةٌ على ثلاثةِ الأوجهِ. و((أنَّكم)) مضافٌ إليه أي: لَحَقٌّ مثلُ نُطْقِكم. ولا يَضُرُّ تقديرُ إضافتِها لمعرفةٍ لأنها لا تتعرَّفُ بذلك لإبهامِها. والباقون بالنصبِ وفيه أوجّه، أشهرُها: أنه نعتٌ لـ ((حَقٌّ)) كما في القراءةِ الأولى، وإنما بُنِي الاسم لإِضافتِه إلى غيرِ متمكنٍ، كما بناه الآخرُ في قولِه(٢) : ٤١٠٥- فتَداعَى مَنْخِراه بدَمٍ مثلَ ما أثمرَ حَمَّاضُ الجَبَلْ بفتح ((مثلَ)) مع أنها نعتٌ لـ ((دم)) وكما بُنِيَتْ ((غيرَ) في قوله(٣): ٤١٠٦- لم يَمْنَع الشُّرْبَ منها غيرَ أَن نَطَقَتْ حمامةٌ في غُصونٍ ذاتِ أَوْقالِ (غيرَ)) فاعلُ ((يَمْنع)) فبناها على الفتح لإِضافتِها إلى ((أنْ نَطَقَتْ)) وقد تقدَّم في قراءةِ ((لقد تَقَطَّعَ بَيْنَكم))(٤) بالفتح ما يُغْني عن تقريرٍ مثل هذا. الثاني: أنَّ ((مثلَ)) رُكُّب مع ((ما)) حتى صارا شيئاً واحداً. قال (١) (٢) الإملاء ٢٤٤/٢ . تقدم برقم ١٩٨٩ . (٣) تقدم برقم ١٩٩٠ . (٤) الآية ٩٤ من الأنعام. وهي قراءة حفص ونافع والكسائي. وانظر: الدر المصون ٤٨/٥. ٤٧ - الذاريات - المازني: ((ومثلُه: وَيْحَما وهَيَّما وأَيْنَما)) وأنشد لحميد بن ثور (١): ٤١٠٧- ألا هَيَّما مِمَّا لَقِيْتُ وهَيَّما ووَيْحاً لِمَنْ لم يَدْرِ ما هُنَّ وَيْحَما قال: فلولا البناءُ لكان منؤَّناً. وأنشد أيضاً(٢): ٤١٠٨_ فأكْرِمْ بنا أُمَّاً وأكْرِمْ بِنَا ابْنَمَا وهذا الذي ذكرَه ذهب إليه بعضُ النَّحْويين، وأَنْشد (٣). ٤١٠٩- أثورَ ما أَصِيْدُكم أم ثورَيْنْ أم هذه الجَمَّاءَ ذاتَ القرنَيْنْ وأمَّا ما أنشدَه مِنْ قولِه: ((وأكرِمْ بنا ابنَما)) فليس هذا من الباب لأنَّ هذا (ابن)) زِيْدَتْ عليه الميم. وإذا زِيْدَتْ عليه الميمُ جُعِلَتِ النونُ تابعةً للميم في الحركاتِ على الفصيح، فتقول: هذا ابنمٌ، ورأيت ابنَماً، ومررت بابنِمِ، فَتُجْري حركاتِ الإِعراب على الميم وتَتَّبَعُها النونُ. ((وابنما)) في البيت منصوبٌ على التمييز، فالفتحُ لأجلِ النصبِ لا للبناءِ، وليس هذه ( مال) الزائدةَ، بل الميمُ وحدَها زائدةٌ، والألفُ بدلٌ من التنوين. (١) ديوانه ٧، وينسب لحميد الأرقط، وهو في الخصائص ١٨١/٢، واللان (هيا)، والبحر ١٣٧/٨، والمحرر ٢١٠/١٥. (٢) البيت لحسان وصدره: وَلَدْنا بني العنقاءِ وابنَيْ مُحَرِّقٍ وهو في ديوانه ٣٥، واللسان (بني). (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في الخصائص ١٨٠/٢، ورصف المباني ٣٣٦، واللسان (ثور). والجماء: التي لا قرنين لها، ويُحمل البيت على الهزء. ٤٨ - الذاريات - الثالث: أنَّه منصوبٌ على الظرفِ، وهو قولُ الكوفيين، ويجيزون (زيدٌ مثلَك)) بالفتح. ونقله أبو البقاء(١) عن أبي الحسن، ولكن بعبارةٍ مُشْكِلةٍ فقال: ((ويُقْرَّأُ بالفتح، وفيه وجهان، أحدُهما: هو مُعْرَبٌ. ثم في نصبِهِ أوجهٌ)). ثم قال: ((أو على أنه مرفوعُ الموضع، ولكنَّه فُتِحَ كما فُتْح الظرفُ في قوله: ((لقد تَقَطَّعَ بَيْنَكم))(٢) على قولَ الأخفَشِ)). ثم قال: ((والوجه الثاني هو مبنيٌّ)). وقال أبو عبيد: ((بعضُ العربِ يَجْعَلُ ((مثلَ)) نصباً أبداً فيقولون: هذا رجلٌ مثلَك)». الرابع: أنه منصوب على إسقاطِ الجارِّ، وهو كافُ التشبيهِ. وقال الفراء (٣): ((العربُ تَنْصِبُها إذا رُفِعَ بها الاسمُ، يعني المبتدأ، فيقولون: مثلَ مَنْ عبدُ الله؟ وعبدُ الله مثلَك، وأنت مثلَه؛ لأنَّ الكافَ قد تكونُ داخلةً عليها فتُنْصَبُ إذا أَلْقَيْتَ الكافَ)). قلت: وفي هذا نظرٌ، أيُّ حاجةٍ إلى تقدير دخولِ الكافِ و ((مِثْل)) تفيدُ فائدتَها؟ وكأنه لمَّا رأى الكافَ قد دخلَتْ عليها في قوله: ((ليس كمثله شيءٌ) (٤) قال ذلك. الخامس: أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: لحَقٌّ حقاً مثلَ نُطْقِكم. السادس: أنه حالٌ من الضميرِ في ((لَحَقٌّ) لأنه قد كَثُرَ الوصفُ بهذا المصدرِ، حتى جَرَى مَجْرى الأوصافِ المشتقةِ، والعاملُ فيها ((حَقٌّ)). السابع: أنه حالٌ من نفس (حقٌّ)) وإن كان نكرةً. وقد نَصَّ سيبويه(٥) في مواضع من كتابه على جوازِه. وتابعه أبو عمرَ على ذلك. (١) الإملاء ٢٤٤/٢. الآية ٩٤ من الأنعام. (٢) (٣) معاني القرآن ٨٥/٢. الآية ١١ من الشورى. (٤) (٥) الكتاب ٢٧٢/١. ٤٩ - الذاريات - و((ما)» هذه في مثلِ هذا التركيبِ نحو قولهم: ((هذا حَقٌّ كما أنَّك ههنا)) لا يجوز حَذْفُها فلا يُقال: ((هذا حقٌّ كأنَّك هنا)». نَصَّ على ذلك الخليل(١) - رحمه الله تعالى - فإذا جعلْتَ ((مثلَ)) معربةً كانت ((ما)» مزيدةٌ و ((أنكم)) في محلِّ خفضٍ بالإِضافةِ كما تقدَّم، وإذا جَعَلْتَها مبنيَّة: إمَّا للتركيب، وإمَّا لإِضافتِها إلى غيرِ متمكُّنٍ جاز في ((ما)» هذه وجهان: [٨١٥/ ب] الزيادةُ وأَنْ تكونَ نكرةً موصوفةً/ كذا قال أبو البقاء(٢). وفيه نظرٌ لعدم الوصفِ هنا. فإنْ قال: هو محذوفٌ فالأصلُ عَدَمُه. وأيضاً فنصُّوا على أن هذه الصفةَ لا تُحْذَفُ لِإِبهامِ موصوفِها، وأمَّا ((أنَّكم تَنْطِقون)) فيجوز أَنْ يكونَ مجروراً بالإِضافةِ إنْ كانَتْ ((ما)) مزيدةً، وإنْ كانت نكرةً كان في موضعٍ نصبٍ بإضمارٍ أعني: أو رفعٍ بإضمار مبتدأ. آ. (٢٥) قوله: ﴿إِذ دَخَلُوا﴾: في العاملِ في ((إذا أربعةٌ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه ((حديثُ)) أي: هل أتاك حديثُهم الواقعُ في وقت دخولِهم عليه. الثاني: أنه منصوبٌ بما في ((ضَيْف)) من معنى الفعل؛ لأنه في الأصلِ مصدرٌ، ولذلك استوى فيه الواحدُ المذكرُ وغيره، كأنه قيل: الذي أضافهم في وقتِ دخولهم عليه. الثالث: أنَّه منصوبٌ بـ «المُكْرَمينَ)) إنْ أريد بإكرامِهم أنَّ إبراهيمَ أكرمَهم بخدمتِه لهم. الرابع: أنه منصوبٌ بإضمارِ اذْكُرْ، ولا يجوزُ نصبُه بـ((أتاك)) لاختلافِ الزمانَيْن. وقرأ العامَّةُ ((المُكْرَمين)) بتخفيفِ الراءِ مِنْ أُكرم. وعكرمةٍ(٣) بالتشديد. (١) الكتاب ١ / ٤٧٠. (٢) الإملاء ٢٤٤/٢ : (٣) البحر ١٣٨/٨. ٥٠ - الذاريات - آ. (٢٥) قوله: ﴿سلاماً، قال: سَلام﴾: قد تقدَّم تحریرُ هذا في هود(١). وقال ابن عطية (٢): ((ويتجهُ أن يعملَ في ((سَلاما)) ((قالوا)) على أَنْ يُجعل ((سلاماً)) في معنى قولاً، ويكون المعنى حينئذٍ: أنهم قالوا تحية وقولاً معناه سلاماً. وهذا قولُ مجاهد)». قلت: ولو جُعِل التقدير أنَّهم قالوا هذا اللفظَ بعينِه لكان أَوْلىُ، وتفسيرُ هذا اللفظِ هو التحيةُ المعهودةُ. وتقدَّم أيضاً خلافُ القرَّاءِ (٣) في ((سلاماً)) بالنسبة إلى فتحِ سينِه وکسرها وإلی سکونِ لامِه وفتحها. والعامَّةُ على نصب ((سلاماً)) الأول ورفع الثاني، وقُرئا(٤) مرفوعَيْن، وقُرِىءٍ (٥) ((سَلاماً قال: سِلْماً)) بكسرِ سينِ الثاني ونصبِهِ، ولا يَخْفَى توجيهُ ذلك كلُّه مِمَّا تقدَّمَ في هود. قوله: ((قومٌ مُنكرون)) خبرُ مبتدأ مضمرٍ فقدَّروه: أنتم قومٌ، ولم يَسْتحسِنْه بعضُهم؛ لأنَّ فيه عَدَمَ أُنْسِ فمثلُه لا يقعُ من إبراهيم عليه السلام، فالأَوْلَى أَنْ يُقَدَّر: هؤلاء قومٌ أو هم قومٌ، وتكون مقالتُه هذه مع أهلِ بيتِهِ وخاصَّتِه لا لنفسِ الضيفِ؛ لأنَّ ذلك يُؤْحِشُهم. آ. (٢٦) وقوله: ﴿فجاء﴾: عطفٌ على ((فراغَ))، وتَسَبُِّه عنه واضحٌ. والهمزةُ في ((ألا تأكلون)) للإِنكارِ عليهم في عَدَمِ أكلِهم، أو للعَرْضِ أو للتحضيضِ. (١) انظر: الدر المصون ٣٥١/٦. (٢) المحرر ٢١٢/١٥. انظر: الدر المصون ٣٥٢/٦. (٣) البحر ١٣٩/٨. (€) (٥) وهي قراءة حمزة والكسائي وآخرين. انظر: التيسير ١٢٥، والنشر ٢٩٠/٢، والقرطبي ٤٥/١٧، والبحر ١٣٩/٨، والحجة ٦٧٩. ٥١ - الذاربات - آ. (٢٩) قوله: ﴿في صَرَّةٍ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الفاعل أي: كائنةً في صَرَّة. والصَّرَّة قيل: الصيحة. قال امرؤ القيس(١). ٤١١٠ - فَأَلْحَقَنا بالهادياتِ ودونَه جَواحِرُها في صَرَّةٍ لم تَزَيَِّلِ قال الزمخشري(٢): ((مِنْ صَرَّ الجُنْدُبُ والبابُ والقلمُ. ومحلُّه النصبُ على الحالِ أي: فجاءَتْ صارَّةً))، ويجوزُ أَنْ يكونَ متعلقاً بـ ((أَقْبَلَتْ)) أي: أقبلَتْ في جماعةِ نسوةٍ كُنَّ معها. والصَّرَّةُ: الجماعةُ من النساء . قوله: ((فصَكَّتْ)) أي: لَطَمَتْ. واخْتُلف فيه، فقيل: هو: الضَّرْبُ باليد مبسوطةً. وقيل: بل ضَرْبُ الوجهِ بأطرافِ الأصابعِ فِعْلَ المتعجُّبِ، وهي عادةُ النساءِ. قوله: ((عجوزٌ)) خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: أنا عجوزٌ عقيمٌ فكيف أَلِدُ؟ تفسّرها الآيةُ الأخرى. آ. (٣٠) قوله: ﴿كذلك﴾: منصوبٌ على المصدرِ بـ ((قال)» الثانية أي: مثلَ ذلك القولِ الذي أخبرناك به قال ربُّك أي: إنه من جهةٍ الله تعالى فلا تَتَعجّي منه. آ. (٣٤) قوله: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه منصوبٌ على النعتِ الحجارة. والثاني: أنَّه حالٌ من الضمير المستكنِّ في (١) تقدم برقم ٦٧ . (٢) الكشاف ١٨/٤. ٥٢ - الذاريات - الجارِّ قبله. الثالث: أنه حالٌ مِنْ «حجارة) وحَسَّن ذلك كونُ النكرةِ وُصِفَتْ بالجارِّ بعدها. قوله: ((عند ربِّك)) ظرفٌ لـ ((مُسَوَّمةً) أي: مُعْلَمَةً عنده. آ. (٣٧) قوله: ﴿فيها آية﴾: يجوز أن يعود الضمير على القرية أي: تَرَكْنا في القرية علامةً كالحجارةِ أو الماء المُنْتِنِ، ويجوزُ أَنْ يعودَ على الإِهلاكةِ المفهومةِ/ من السّياق. [٨١٦/ أ] آ. (٣٨) قوله: ﴿وفي موسى﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها : - وهو الظاهر - أنه عطفٌ على قولِه: ((فيها)» بإعادةِ الجارِّ؛ لأن المعطوفَ عليه ضميرٌ مجرورٌ فيتعلَّقُ بـ ((تَرَكْنا» من حيث المعنى، ويكونُ التقديرُ: وتَرَكْنا في قصةٍ موسى آيَةً. وهذا معنىّ واضحٌ. والثاني: أنه معطوفٌ على قولِه: ((وفي الأرضِ آيَاتٌ))(١) أي: وفي الأرضِ وفي موسىْ آيَاتٌ للموقِنِين، قاله الزمخشري(٢) وابنُ عطية (٣). قال الشيخُ(٤): ((وهذا بعيدٌ جداً يُتَزَّ القرآنُ عن مثلِه)). قلت: ووجهُ استبعادِه له: بُعْدُ ما بينهما، وقد فعل أهلُ العلمِ هذا في أكثرَ من ذلك. الثالث: أنه متعلقٌ بـ ((جَعَلْنا)) مقدرةً لدلالةٍ ((وتَرَكْنا)). قال الزمخشري(٥): ((أو على قولِه - يعني أو يُعْطَفُ على قوله - وترَكْنا فيها آيةً على معنى: وجَعَلْنا في موسى آيةً كقوله(٦). (١) الآية ٢٠. (٢) الكشاف ١٩/٤. المحرر ٢١٨/١٥. (٣) البحر ٨/ ١٤٠. (٤) الكشاف ١٩/٤. (٥) تقدم برقم ١٥٠. (٦) ٥٣ - الذاريات بـ ٤١١١ - فَعَلَفْتُها: تِبْناً وماءً بارداً قال الشيخ(١): ((ولا حاجةَ إلى إضمار ((وجَعَلْنا)) لأنه قد أمكن أَنْ يكونَ العامل في المجرور ((وتَرَكْنا)). قلت: والزمخشريُّ إنما أراد الوجه الأولَ بدليلٍ قوله: ((وفي موسى معطوف على ((وفي الأرض)) أو على قوله: ((وتركْنا فيها)). وإنما قال: ((على معنى)) من جهةٍ تفسيرِ المعنى لا الإعراب، وإنما أظهر الفعلَ تنبيهاً على مغايرة الفعلَيْن، يعني: أن هذا التركَ غيرُ ذاك التركِ، ولذلك أبرزَه بمادةِ الجَعْلِ دون مادة التركِ لتظهرَ المخالفةُ. قوله: ((إذا أَرْسَلْناه)) يجوز في هذا الظرفِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يكونَ منصوباً بآية على الوجهِ الأول أي: تركنا في قصة موسى علامةً في وقتِ إرسالِنا إياه. والثاني: أنَّه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنَّه نعتٌ لَآية أي: آيةً كائنةً في وقتٍ إرسالِنا. الثالث: أنه منصوبٌ بـ («تَرَكْنا)). قوله: ((بسلطانٍ)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفس الإِرسال، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ: إمَّا مِنْ موسى، وإمَّا مِنْ ضميرِهِ أي: ملتبساً بسلطان، وهي الحُجَّةُ. آ. (٣٩) قوله: ﴿برُكْنِه﴾: حالٌ من فاعل («تَوَلَّى)». قوله: ((ساحرٌ أو مجنونٌ)) ((أو)) هنا على بابها من الإِبهام على السامعِ أو للشكِّ، نَزَّل نفسَه مع أنَّه يَعْرِفُه نبياً حقاً منزلةَ الشَّاكُّ في أمرِهِ (١) البحر ١٤٠/٨. ٥٤ - الذاريات - تَمْويهاً على قومِه. وقال أبو عبيدة(١): ((أو بمعنى الواو)). قال: ((لأنه قد قالهما، قال تعالى: ((إنَّ هذا لساحِرٌ عليمٌ))(٢). وقال في موضع آخرَ: ((إن رسولَكم الذي أُرْسِلَ إليكم لَمجنونٌ»(٣). وتجيءُ ((أو)) بمعنى الواو کقوله(٤). ٤١١٢- أثَعْلَبَةَ الفوارِسَ أو رِياحا عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةً والخِشابا وردَّ الناسُ عليه هذا وقالوا: لا ضرورةَ تَدْعُو إلى ذلك، وأمَّا الآيتان فلا تَدُلَّن على أنَّه قالهما معاً، وإنما تفيدان أنه قالهما أعَمَّ مِنْ أَنْ يكونا معاً، أو هذه في وقت وهذه في آخرَ. آ. (٤٠) قوله: ﴿وجنودَه﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على مفعول ((أَخَذْناه)) وهو الظاهرُ، وأَنْ يكونَ مفعولاً معه. قوله: (وهو مُلِيْمٌ)) جملةٌ حاليةٌ، فإن كانت حالاً من مفعول ((نَبَذْناهم)) فالواوُ لازمةٌ إذ ليسَ فيها ذِكْرٌ يعودُ على صاحب الحال، وإن كانت حالاً من مفعول ((أَخَذْناه)) فالواوُ ليسَتْ واجبةٍ؛ إذ في الجملة ذِكْرٌ يعودُ عليه. وقد يُقال: إنَّ الضمير في ((نَبَذْناهم)) يعود على فرعون وعلى جنودِهِ، فصار في الحال ذِكْرٌ يعودُ على بعض ما شَمَلَه الضميرُ الأول. وفيه نظرٌ؛ إذ يصيرُ نظيرَ قولِك: ((جاء السلطانُ وجنودُه فأكرمتُهم راكباً فرسَه)) فتجعل ((راكباً)) حالاً من بعضٍ ما اشتمل عليه ضميرُ «أكرمتُهم)). (١) مجاز القرآن ٢٢٧/٢. (٢) الآية ١٠٩ من الأعراف. (٣) الآية ٢٧ من الشعراء. تقدم برقم ٧٧٢. (٤) ٥٥ - الذاريات - آ. (٤١) قوله: ﴿وفي عادٍ، وفي ثمود، وفي موسى﴾: تقدَّم مثلُه(١). آ. (٤٢) قوله: ﴿إِلَّ جَعَلَتْه كالرَّميم﴾: هذه الجملةُ في موضع المفعول الثاني لـ ((تَذَرُ)) كأنه قيل: ما تَتْرك من شيءٍ إلَّ مجعولاً نحو: ما تركتُ زيداً إلاَّ عالماً. وأعرَبها الشيخُ(٢) حالاً وليس بظاهرٍ. آ. (٤٤) قوله: ﴿الصاعِقةُ﴾: هذه قراءةُ العامَّةِ. وقرأ(٣) الكسائي ((الصَّعْقَة))، والحسن ((الصاقِعة)). وتقدَّم ذِكْرُ هذا كلُّه في البقرة(٤). قوله: ((وهم يَنْظُرون)) جملةٌ حاليةٌ من المفعول. و ((ينظرون)) قيل: من النظر. وقيل: من الانتظار أي: ينتظرون ما وُعِدوه من العذاب. ۔۔ آ. (٤٦) قوله: ﴿وقومَ نوح﴾: قرأ(٥) الأخَوان وأبو عمرو [٨١٦/ ب] بجرِّ الميم، والباقون/ بنصبها. وأبو السَّمَّال وابن مقسم وأبو عمرو في روايةِ الأصمعيُّ ((وقومُ)) بالرفع. فأمَّا الخفضُ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه معطوفٌ على ((وفي الأرض)). الثاني: أنه معطوفٌ على ((وفي موسى)). الثالث: أنه معطوفٌ على ((وفي عاد». الرابع: أنه معطوفٌ على ((وفي (١) في الآية ٣٨. (٢) البحر ٨/ ١٤١ . (٣) التيسير ٢٠٣، والنشر ٣٧٧/٢، والقرطبي ٥١/١٧، والسبعة ٦٠٩، والبحر ٨/ ١٤١، والحجة ٦٨٠. (٤) لم يشر إلى ذلك في البقرة، وأشار إلى بعضه في النساء. انظر: الدر ٤/ ١٤٠. (٥) التيسير ٢٠٣، والنشر ٣٧٧/٢، والقرطبي ٥٢/١٧، والسبعة ٦٠٩، والبحر ١٤١/٨، والحجة ٦٨١. ٥٦ - الذاريات - تمودَ»، وهذا هو الظاهرُ لقُرْبِهِ وبُعْدٍ غيرِهِ. ولم يذكرْ الزمخشريُّ (١) غيرَه فإنه قال: ((وقُرِىء بالجرِّ على معنى ((وفي قوم نوح)). ويُقَوِّيه قراءةُ عبد الله ((وفي قوم نوح)). ولم يَذْكُرْ أبو البقاء(٢) غيرَ الوجهِ الأخيرِ لظهوره. وأمّا النصبُ ففيه ستةُ أوجهٍ، أحدها: أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ أي: وأهلَكْنا قومَ نوح؛ لأنَّ ما قبلَه يَدُلُّ عليه. الثاني: أنه منصوبٌ بـ اذْكُرْ مقدراً، ولم يَذْكُرْ الزمخشريُّ(٣) غيرَهما. الثالث: أنَّه منصوبٌ عطفاً على مفعول ((فَأَخَذْناه)). الرابع: أنه معطوفٌ على مفعول ((فَنَبَذْناهم في اليَمِّ» وناسَبَ ذلك أنَّ قومَ نوحِ مُغْرقون من قبلُ. لكنْ يُشْكِلُ أنَّهم لم يَغْرَقوا في المِّ. وأصلُ العطفِ أَنْ يقتضيَ التشريكَ في المتعلَّقات. الخامس: أنَّه معطوفٌ على مفعولِ ((فَأَخَذَتْهم الصاعقةُ)). وفيه إشكالٌ؛ لأنهم لم تأخُذْهم الصاعقةُ، وإنما أُهْلكوا بالغَرَقِ. إلَّ أَنْ يُرادَ بالصاعقةِ الداهيةُ والنازلةُ العظيمة من أيُّ نوع كانت، فيَقْرُبُ ذلك. السادس: أنه معطوفٍ على محلِّ ((وفي موسى))، نقله أبو البقاء(٤) وهو ضعيفٌ. وأما الرفعُ فعلى الابتداءِ والخبرُ مقدَّرٌ أي: أهلَكْناهم. وقال أبو البقاء(٥): ((والخبرُ ما بعدَه)) يعني مِنْ قوله: إنهم كانوا قوماً فاسقين. ولا يجوز أَنْ يكونَ مرادُه قولَه: ((من قبلُ))؛ إذ الظرفُ ناقصٌ فلا يُخْبَرُ به. (١) الكشاف ١٩/٤. الإملاء ٢٤٥/٢ . (٢) الكشاف ٤/ ١٩. (٣) الإملاء ٢٤٥/٢ . (٤) الإملاء ٢٤٥/٢. (٥) ٥٧ ۔ الذاريات ـ آ. (٤٧) قوله: ﴿والسماءَ بَنَيْناها﴾: العامةُ على النصب على الاشتغالِ، وكذلك قولُه: ((والأرضَ فَرَشْناها)) والتقديرُ: وبَيْنا السماءَ بَنَيْناها. وقال أبو البقاء(١): ((أي: ورفَعْنا السماءَ)) فقدَّر الناصبَ مِنْ غير لفظ الظاهر، وهذا إنما يُصار إليه عند تعذُّرِ التقديرِ الموافقِ لفظاً نحو: زيداً مررت به، وزيداً ضربْتُ غلامَهُ. وأمّا في نحو («زيداً ضربتُه)) فلا يُقَدَّر: إلَّ ضربْتُ زيداً. وقرأ (٢) أبو السَّمَّال وابن مقسم برفعِهما على الابتداء، والخبرُ ما بعدهما. والنصبُ أرجحُ لعطفٍ جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلَها. قوله: ((بأَيْدٍ)) يجوز أَنْ يتعلقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ. وفيها وجهان، أحدهما: أنَّها حالٌ من فاعل ((بَنَيْناها)) أي: ملتبسين بقوةٍ. والثاني: أنها حالٌ مِنْ مفعولِه أي: ملتبسةً بقوةٍ. ويجوزُ أَنْ تكونَ الباءُ للسببِ أي: بسببٍ قدرتِنا. ويجوزُ أَنْ تكونَ الباءُ مُعَدِّيَّةً مجازاً، على أن تجعلَ الأَيْدَ كالآلةِ المبنيِّ بها كقولك: بَنَّيْتُ بِيتَك بالآَجُرُ. قوله: ((وإِنَّا لَمُوْسِعُون)) يجوز أَنْ تكونَ الجملةُ حالاً مِنْ فاعل (بَنَّيْناها))، ويجوزُ أَنْ تكونَ حالاً من مفعوله، ومفعول ((مُؤْسِعونَ)) محذوفٌ أي: موسِعون بناءَها. ويجوزُ أَنْ لا يُقَدَّر له مفعولٌ؛ لأنَّ معناه (لَقَادِرون))، مِنْ قولك: ما في وُسْعي كذا أي: ما في طاقتي وقوتي. آ. (٤٨) قوله: ﴿فِعْمَ الماهِدون﴾: المخصوصُ بالمدح محذوفٌ لفهم المعنى: أي: نحن كقوله: ((نِعْمَ العبدُ))(٣). (١) الإملاء ٢٤٥/٢. (٢) البحر ٨/ ١٤٢. (٣) الآية ٤٤ من ص. ٥٨ - الذاريات - آ. (٤٩) قوله: ﴿ومِنْ كلِّ شيءٍ﴾: يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بـ ((خَلَقْنَا)) أي: خَلَقْنا مِنْ كلِّ شيء زوجَيْن، وأَنْ يتعلَّق بمحذوف على أنه حالٌ مِنْ ((زوجَيْن))؛ لأنه في الأصل صفةٌ له؛ إذ التقديرُ: خَلَقْنا زوجَيْن كائنين من كلِّ شيءٍ، والأولُ أقوى في المعنى. آ. (٥٢) قوله: ﴿كذلك﴾: فيه وجهان، أظهرُهما: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: الأمرُ مثلُ ذلك. والإِشارةُ بـ ((ذلك)) قال الزمخشريُّ(١) : ((إلى تكذييهِم الرسولَ وتسميته ساحراً ومجنوناً، ثم فَسَّر ما أَجْمل بقوله: ((ما أَتَى)). والثاني: أن الكاف في محلِّ نصبٍ نعتاً لمصدر محذوف، قاله مكي(٢)، ولم يُبَيِّنْ تقديرَه/ ولا يَصِحُ أَنْ ينتصِبَ بما بعده [٨١٧/أ] الأجل ((ما)) النافية. وأمَّا المعنى فلا يمتنعُ، ولذلك قال الزمخشري(٣). ((ولا يَصِحُ أن تكون الكافُ منصوبةً بـ ((أتى)) لأنَّ ((ما)» النافيةَ لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، ولو قيل: لم يأتِ لكان صحيحاً)) يعني لو أتى في موضع ((ما)) بـ ((لم)) لجازَ أن تنتصِبَ الكافُ بـ ((أتى)) لأن المعنى يَسُوغ عليه. والتقدير: كَذَّبَتْ قريشٌ تكذيباً مثلَ تكذيب الأمم السابقة رسلَهم. ويَدُلُّ عليه قولُه: ((ما أتى الذين من قبلهم)) الآية. قوله: ((إلَّ قالوا)) الجملةُ القوليةُ في محلِّ نصب على الحال من (الذين مِنْ قبلهم))، و ((من رسولٍ)) فاعلُ ((أتى)) كأنه قيل: ما أتىُ الأوَّلين رسولٌ إلَّ في حالِ قولهم: هو ساحرٌ. والضميرُ في ((به)» يعودُ على القولِ المدلولِ عليه بـ ((قالوا)) أي: أتواصَىُ الأوَّلُوْن والآخِرون بهذا القولِ المتضمَّنِ لساحرٍ أو مجنونٍ، والاستفهامُ للتعجب. (١) الكشاف ٤/ ٢٠. (٢) مشكل الإعراب ٣٢٦/٢. (٣) الكشاف ٤/ ٢٠. ٥٩ - الذاريات :- آ. (٥٦) قوله: ﴿إِلَّ لِيَعْبُدونِ﴾: متعلقٌ بـ ((خَلَقْتُ)). واخْتُلف في الجن والإنس: هل المرادُ بهم العمومُ، والمعنى: إلَّ لأمْرِهم بالعبادة، ولِيقِرُّوا بها؟ وهذا منقولٌ عن عليّ، أو يكون المعنى: ليطيعونِ وينقادوا لقضائي، فالمؤمنُ يفعل ذلك طَوْعاً والكافرُ كَرْهاً، أو يكون المعنى: إلَّ مُعَذِّين للعبادة. ثم منهم منْ يتأتَّى منه ذلك، ومنهم مَنْ لا كقولك: هذا القلمُ بَرَيْتُه للكتابة، ثم قد تكتب به وقد لا تكتب، أو المرادُ بهم الخصوص. والمعنى: وما خلقتُ الجنَّ والإِنس المؤمنين. وقيل: الطائعين. والأولُ أحسن. آ. (٥٧) قوله: ﴿أَنْ يُطْعِمونِ﴾: قيل: فيه حَذْفُ مضافٍ، أي: يُطعموا خَلْقي. وقيل: المعنى أَنْ ينفعونِ، فعبَّر ببعضِ وجوه الانتفاعات؛ لأنَّ عادةَ السادة أَنْ ينتفعوا بعبيدِهم، واللّهُ سبحانه وتعالى مُسْتَغْنٍ عن ذلك. آ. (٥٨) قوله: ﴿المتينُ﴾: العامَّةُ على رفعِه. وفيه أوجهٌ: إمَّا النعتُ للرزَّق، وإمَّا النعتُ لـ ((ذو))، وإمَّا النعتُ لاسم ((إنَّ) على الموضع، وهو مذهبُ الجَرْميِّ والفراءِ (١) وغيرِهما، وإمَّا خبرٌ بعد خبرٍ، وإمَّا خبرُ مبتدأ مضمٍ. وعلى كل تقدير فهو تأكيدٌ لأن ((ذو القوة)) يُفيد فائدتَه. وقرأ (٢) ابن محيصن ((الرازق)) كما قرأ ((وفي السماء رازٍقُكم))(٣) كما تقدَّم. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش ((المتينِ)) بالجر فقيل: صفة (١) مذهبه في معاني القرآن ٣/ ٩٠ أن المتين مرفوع من صفة الله. الإتحاف ٤٩٤/٢، والقرطبي ٥٦/١٧، والبحر ١٤٣/٨. (٢) الإتحاف ٤٩٤/٢، والبحر ١٤٣/٨، والمحتسب ٢٨٩/٢. (٣) ٦٠