النص المفهرس

صفحات 1-20

الدُُّ المُصُون
في عُلُمُ الْحَكِتَابِ المَكْتُون
تأليف
أَحْمَد بْنِ يُوسُفْ المَعْرُوفِّ بِالسَّمِيْنِ الْجَلَبِيّ
المتوفى سنة ٧٥٦هـ
تحقیق
الدّكتور أحمد محَمّد الخراط
الأسْنَاذُ المُشَارِكِ تَجَامِعَةِ الإِمَامْ مَّد بْن سُعُود الإِلَامَّة
المعْهَد العَالِي لِلِدّعَوَة الإسلاميّة - المَدِيْنَة الْمُنُورَة
اعتمد فيه على نسخة بخط المؤلف
الجزء العاشر
دار القلم
ريش
. -

- الحجرات -
سورة الحجرات
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾: العامَّةُ على ضمِّ التاءِ وفتحِ
القافِ وتشديدِ الدالِ مكسورةً، وفيها وجهان، أحدُهما: أنَّه متعدٍّ،
وحُذِفَ مفعولُه: إمّا اقتصاراً كقولهم: هو يعطي ويمنع، ((وكُلُوا
واشْربوا))(١)، وإمّا اختصاراً للدلالةِ عليه أي: لا تُقَدِّموا ما لا يَصْلُحُ.
والثاني: أنه لازمٌ نحو: وَجَّه وتَوَجَّه، ويَعْضُدُه قراءةٌ(٢) ابنِ عباس
والضَّحَّاك ((لا تَقَدَّمُوا)) بالفتح في الثلاثة، والأصلُ: لا تَتَقَدَّمُوْا فحذَف
إحدى التاءَيْن. وبعضُ المكِّيين ((لا تَّقَدَّمُوْا)) كذلك، / إلاَّ أنَّه بتشديد التاء [٨١٠/أ]
كتاءات البزي. والمتوصَّلُ إليه بحرفِ الجرِّ في هاتَيْن القراءتَيْن أيضاً
محذوفٌ أي: لا تَتَقَدَّموا إلى أمرٍ من الأمور. وقُرِىء ((لا تُقْدِموا)) بضمِّ
التاءِ وكسرِ الدال مِنْ أَقْدَمَ أي: لا تُقْدِموا على شيءٍ .
آ. (٢) قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ﴾: مفعولٌ من أجلِه. والمسألةُ من
التنازع لأنَّ كُلََّ مِنْ قولِه: ((لا تَرْفَعوا)) و((لا تَجْهروا له)) يَطْلُبه من حيث
(١) الآية ١٨٧ من البقرة.
(٢) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢٧٨/٢، والإتحاف ٤٨٥/٢، والقرطبي
٣٠٠/١٦، والبحر ١٠٥/٨، والنشر ٣٧٥/٢.

- الحجرات -
المعنى، فيكون معمولاً للثاني عند البصريين في اختيارِهم، وللأولِ عند
الكوفيين. والأولُ أَصَحُ للحَذْفِ من الأولِ أي: لِأَنْ تخبطَ. وقال
أبو البقاء(١): ((إنها لامُ الصيرورة)) ولا حاجةً إليه. ((وأنتم لا تَشْعرون))
حالٌ.
آ. (٣) قوله: ﴿أولئكَ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ ((أولئك)) مبتدأ،
و ((الذين)) خبرُه. والجملةُ خبر ((إنَّ)) ويكونُ ((لهم مغفرةٌ)) جملةً أخرى:
إمَّا مستأنفةً وهو الظاهرُ، وإمَّا حاليةً. ويجوزُ أَنْ يكونَ «الذين امتحنَ)).
صفةً لـ ((أولئك)) أو بدلاً منه أو بياناً، و ((لهم مغفرةٌ)) جملةٌ خبريةٌ. ويجوزُ
أَنْ يكونَ ((لهم)» هو الخبرَ وحده، و («مغفرةٌ) فاعلٌ به.
آ. (٤) قوله: ﴿مِنْ وراء﴾: ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ. وفي كلام
الزمخشريِّ(٢) ما يمنعُ أنَّ ((مِنْ)) تكونُ لابتداءِ الغايةِ وانتهائها. قال: ((لأن
الشيءَ الواحدَ لا يكونُ مَبْدَاً للفعلِ ومنتهىّ له)) وهذا أثبتَه بعضُ الناسِ(٣)،
وزعم أنَّها تَدُلُّ على ابتداءِ الفعلِ وانتهائه في جهةٍ واحدةٍ نحو: ((أَخَذْتُ
الدرهمَ من الكيس)»(٤). والعامَّةُ على ((الحُجُرات)) بضمتين. وأبو جعفر (٥).
وشَيْبَةُ بفتحها(٦). وابنُ أبي عبلةَ بإسكانها وهي ثلاثُ لغاتٍ تقدَّم تحقيقُها.
(١) الإِملاء ٢/ ٢٤٠.
(٢) الكشاف ٥٥٨/٣
(٣)
انظر: البحر ١٠٨/٨.
قالوا: فالكيس محلٌّ لابتداء الأخذ منه وانتهائه معاً.
(٤)
انظر في قراءاتها: الاتحاف ٤٨٥/٢، والنشر ٣٧٦/٢، والقرطبى: ٣١٠/١٦.
(٥)
والبحر ١٠٨/٨ :.
(٦) الحُجَرات.
٦

- الحجرات -
في البقرة في قوله: ((في ظُلُمات))(١). والحُجْرَةُ فُعْلَة بمعنى مَفْعولة كغُرْفة
بمعنى مَغْروفة.
آ. (٥) قوله: ﴿ولو أنَّهِمِ صَبَروا﴾: قد تقدَّم مِثْلُه. وجعله
الزمخشري(٢) فاعلاً بفعلٍ مقدرٍ أي: ولو ثَبَتَ صبرُهم، وجعل اسمَ كان
ضميراً عائداً على هذا الفاعلِ. وقد تقدَّم أنَّ مذهب سيبويهِ (٣) أنها في
محلٌ رفع بالابتداءِ، وحينئذٍ يكون اسمُ كان ضميراً عائداً على صبرِهم
المفهوم من الفعل.
آ. (٦) قوله: ﴿أَنْ تُصِيْبوا﴾: مفعولٌ له، كقولِه: ((أَنْ
تَحْبَطَ))(٤).
آ. (٧) قوله: ﴿لو يُطِيعُكم﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً: إمَّا من
الضميرِ المجرور مِنْ ((فيكم))، وإمَّا من المرفوع المستترِ في ((فيكم))
لوقوعِه خبراً. ويجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ(٥) منعَ هذا
لأدائِه إلى تنافُرِ النَّظْمِ. ولا يَظْهر ما قاله بل الاستئناف واضحٌ أيضاً. وأتى
بالمضارعِ بعد ((لو)) دلالةً على أنه كان في إرادتهم استمرارُ عملِه على
ما يتقوَّلون.
قوله: ((ولكنَّ اللَّهَ)) الاستدراكُ هنا من حيث المعنى لا من حيث
(١) الآية ١٧ من البقرة. ولم يتقدم شيء.
(٢) الكشاف ٣/ ٥٥٩ .
الكتاب ٤١٠/١، وانظر: الدر المصون ٤٨/٢.
(٣)
الآية ٢ من الحجرات.
(٤)
(٥) الكشاف ٣/ ٥٦٠.
٧

- الحجرات -
اللفظُ؛ لأنَّ مَنْ حُبِّبَ إليهِ الإِيمانُ غايَرَتْ صفتُه صفةَ مَنْ تقدَّمَ ذِكْرُه.
وقوله: ((أولئك هم)) التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبَةِ.
آ. (٨) قوله: ﴿فَضْلًا﴾: يجوز أَنْ ينتصِبَ على المفعولِ من
أجله. وفيما ينصِبُّه وجهان، أحدهما: قوله: ((ولكنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلیکم»،
وعلى هذا فما بينهما اعتراضٌ مِنْ قوله: ((أولئك هم الراشدون)). والثاني : :
أنه الراشدون. وعلى هذا فكيف جازَ مع اختلاف الفاعلِ لأنَّ فاعلَ الرُّشدِ
غيرُ فاعلِ الفضل؟ فأجاب الزمخشريُّ(١): بأنَّ الرُّشْدَ لَمَّا وقع عبارةً عن
التحبيب والتزيين والتكريهِ مسندةً إلى أسمائِه صار الرُّشد كأنه فِغْلُه)).
وجَوَّزَ أيضاً أَنْ ینتصِبَ بفعلٍ مقدرٍ أي: جرى ذلك أو كان ذلك. قال
الشيخ(٢): ((وليس مِنْ مواضِع إضمارِ ((كان))، وجَعَلَ كلامَه الأولَ اعتزالاً .
وليس كذلك؛ لأنه أراد الفعلَ المسندَ إلى فاعلِه لفظاً، وإلاَّ فالتحقيقُ أنَّ
الأفعالَ كلَّها مخلوقَةٌ للَّهِ تعالى، وإنْ كان الزمخشريُّ غيرَ موافقٍ عليه.
ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ على المصدرِ المؤكِّد لمضمونِ الجملة السابقةِ لأنها
فضلٌ أيضاً. إلاَّ أنَّ ابنَ عطيةً(٣) جعله من المصدرِ المؤكِّد لنفسِهِ. وجَوَّزَ
الحوفيُّ أن ينتصبَ على الحالِ وليسَ بظاهرٍ، ويكون التقديرُ: مُتَفَضِّلاً
مُنَعِّماً، أو ذا فضلٍ ونِعْمة.
آ. (٩) قوله: ﴿اقْتَتلوا﴾: عائدٌ على أفراد الطائفتَيْن، كقوله:
(١) الكشاف ٣/ ٥٦٢.
(٢) البحر ١١١/٨.
(٣) المحرر ١٣٩/١٥.
٨

- الحجرات -
((هذان خَصْمان اختصموا))(١) وفي ((بينهما) على اللفظ. وقرأ(٢)
ابن أبي عبلة ((اقْتتلَتا)) مراعياً لِلَّفْظ. وزيد بن علي وعبيد بن عمير ((اقتتلا))
أيضاً، إلاَّ أنه ذَكَّر الفعلَ باعتبار الفريقَيْن، أو لأنه تأنيثُ مجازيٌّ.
قوله: ((حتى تَقِيْءَ)» العامَّةُ على همزِهِ مِنْ فاء يَقيء أي: رَجَعَ كجاء
يجيء. والزهري(٣) بياءٍ مفتوحةٍ كمضارع وَفَى، وهذا على لغةٍ مَنْ يَقْصُرُ
فيقول: جاء يَجي، دونَ همزٍ، وحينئذ فَتَحَ الياءَ لأنها صارَتْ حرفَ
الإعراب./
[٨١٠/ب]
آ. (١٠) قوله: ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾: العامَّةُ على التثنيةِ،
وزيدبن ثابت(٤) وعبد الله والحسن وحماد بن سلمة وابن سيرين (إخوانِكم))
جمعاً على فِعْلان. وقد تقدَّم أنَّ ((الإخوان)) تَغْلِبُ في الصداقة، والإِخْوَة
في النَّسَب. وقد يُعْكس كهذه الآيةِ. ورُوي عن أبي عمروٍ وجماعةٍ
((إِخْوَتِكم)) بالتاء مِنْ فوقُ. وقد رُوي عن أبي عمروٍ أيضاً القراءاتُ
الثلاثُ.
وتقدَّم الخلاف(٥) في («القوم)). وجَعَله الزمخشريُّ (٦) هنا جمعاً
(١) الآية ١٩ من الحج.
(٢) البحر ١١٢/٨، والقرطبي ٣١٦/١٦.
انظر في قراءاتها: النشر ٣٨٦/١، والقرطبي ٣١٦/١٦، والبحر ١١٢/٨،
(٣)
والشواذ ١٤٣ .
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٦٠، والحجة ٦٧٥، والنشر ٣٧٦/٢، والبحر
١١٢/٨، والقرطبي ٣٢٣/١٦، والمحتسب ٢٧٨/٢.
(٥) انظر: الدر المصون ٣٦٠/١.
(٦) الكشاف ٣/ ٥٦٥.
٩

- الحجرات -
لـ ((قائم)) قال: ((كِصَوْمِ وزَوْرٍ جمع صائم وزائر)» وفَعْل ليس من أبنية
التكسير إلاَّ عند الأخفش(١) نحو: رَكْب وصَحْب.
وقرأ(٢) أُبَيِّ وعبد الله (عَسَوْا)) و(عَسَيْنَ)) جعلاها ناقصةً وهي لغةُ
تميم. وقرأ العامَّةُ لغة الحجاز. وقرأ(٣) الحسن والأعرج ((ولا تَلْمُزِوا))
بالضمِّ. واللَّمْزُ بالقول وغيرِهِ، والهَمْزُ باللسانِ فقط.
قوله: ((ولا تَنابزُوا)) التنابُرُ: تفاعُلٌ منَ النَّبْزِ، وهو التداعِي بِالنَّبْزِ.
والتَّزْبُ، وهو مقلوبٌ منه لقلةِ هذا وكثرةٍ ذاك ويُقال: تنابَزُوا وتنازَبُوا إذا
دعا بعضُهم بعضاً بلقَبِ سُؤْءٍ. وأصلُه من الرَّفْع كأنَّ النَّبْزَ يَرْفَعُ صاحبَه
فيشاهَدُ، واللَّقَبُ: ما أَشْعَرَ بضَعَة المُسَمَّى كَقُفَّة وَبَطَّة، أو رِفْعَتِهِ كالصِّدِّيقِ
وعتيق والفاروق وأسدِ الله وأسدٍ رسوله، وله مع الاسم والكنيةِ أحكامٌ
ذكَرْتُها في النحو(٤).
آ. (١٢) قوله: ﴿إِثْمٌ﴾: جعلَ الزمخشريُّ(٥) همزه بدلاً من
واوٍ. قال: ((لأنه يَِّمُ الأعمال أي: يكسِرُها))(٦) وهذا غيرُ مُسَلَّمٍ بل تلك
مادةٌ أخرى. ولا تَجَسَّسوا: التجسُّسُ: التنبُّع، ومنه الجاسوسُ والجَسَّاسَةُ.
وجَواسُ الإِنسان وحواسُّه: مشاعِرُهُ، وقد قرأ (٧) منا بالحاء الحسنُ
وأبو رجاء وابن سيرين.
(١) انظر: معاني القرآن له ٥٠٤.
البحر ١١٣/٨، ومعاني القرآن للفراء ٧٢/٣.
(٢)
الإتحاف ٤٨٦/٢، والقرطبي ٣٢٧/١٦، والنشر ٢٨٠/٢، والبحر ١١٣/٨.
(٣)
(٤) انظر: الارتشاف ٤٩٨/١.
(٥): الكشاف ٥٦٨/٣.
(٦) قال: ((بإحباطه)) ووَثَم الشيء: کسره.
(٧) الإتحاف ٤٨٦/٢، والبحر ١١٤/٨، والقرطبي ٣٣٢/١٦.
١٠

- الحجرات -
قوله: (مَيْتاً)) نصبٌ على الحالِ من ((لحم)) أو ((أخيه)) وتقدَّم الخلافُ
في ((مَيْتا))(١).
قوله: «فَكَرِهْتُموه)» قال الفراء (٢): «تقديرُه: فقد كرهتموه فلا
تَفْعَلُوه)». وقال أبو البقاء(٣): ((المعطوفُ عليه محذوفٌ تقديره: عَرَضَ
عليكم ذلك فكرِهْتموه، والمعنى: يُعْرَضُ عليكم فتكرهونه. وقيل: إنْ
صَخَّ ذلك عندكم فأنتم تَكْرهونه)) وقيل: هو خبرٌ بمعنى الأمرِ كقولهم:
((اتقى اللَّهَ امرؤٌ فَعَلَ خيراً يُثَبْ عليه)). وقرأ (٤) أبو حيوةَ والجحدري
«فَكُرُّهْتُموه)» بضمِّ الكاف وتشديد الراءِ عُدِّيّ بالتضعيفِ إلى ثانٍ، بخلافٍ
قولِه أولاً: ((وكَرَّه إليكم الكفرَ))(٥)، فإنه وإنْ كان مُضَعَّفاً لم يَتَعَدَّ إلَّ
لواحدٍ لتضمُّنِه معنی بَغَّض.
آ. (١٣) قوله: ﴿وَجَعَلْناكم شُعوباً وقبائلَ﴾: الشُّعوب:
جمع شَعْب وهو أعلى طبقاتِ الأنسابِ، وذلك أن طبقاتِ النَّسَبِ التي
عليها العربُ ستٍّ: الشَّعْبُ والقبيلة والعِمارة والبَطْنُ والفَخِذُ والفَصيلةُ،
وكلُّ واحدٍ يَدْخُل فيما قبله، فالفصيلةُ تَدْخُلُ في الفَخِذ، والفَخِذُ في
البطن. وزاد بعضُ الناس بعد الفَخِذ العشيرة، فجعلها سبعاً وسُمِّيَ
الشَّعبُ شعباً لتشَغُّبِ القبائلِ منه، والقبائل سُمِّيَتْ بذلك لتقابُلها، شُبُّهَتْ
بقبائلِ الرأسِ وهي قطعٌ متقابلةٌ. وقيل: الشُّعوب في العجم، والقبائل في
(١) انظر: الدر المصون ١٠٣/٣.
(٢) معاني القرآن له ٧٣/٣.
(٣)
الإملاء ٢٤٠/٢.
(٤) الشواذ ١٤٣، والبحر ١١٥/٨.
(٥) في الآية ٧.
١١

- الحجرات -
العرب، والأسباطُ في بني إسرائيل(١). وقيل: الشعبُ النَّسَبُّ الأبعدُ،
والقبيلةُ الأقربُ. وأنشد(٢).
٤٠٨٦ - قبائلُ مِنْ شُعوبٍ ليس فيهِمْ
كريمٌ قد يُعَدُّ ولا نَجِيبُ
والنسَبُ إلى الشَّعْب (شَعوبيّة)) بفتح الشين(٣)، وهم جيلٌ يَبْغَضون
العربَ.
قوله: ((لِتَعارَفوا)) العامَّةُ على تخفيفِ التاء، والأصلُ: لتتعارفوا.
فحذفَ إحدى التاءَيْن. والبزيُّ(٤) بتشديدِها. وقد تقدَّم ذلك في البقرة(٥).
واللام متعلقةٌ بجَعَلْناكم. وقرأ الأعمش بتاءَيْنَ وهو الأصلُ الذي أدغمه
البزيُّ وحَذَفَ منه الجمهورُ. وابن عباس: ((لِتَعْرِفُوا)» مضارعَ عَرَفَ.
والعامَّةُ على كسرٍ ((إنَّ أَكْرَمَكم)). وابن عباس(٦) على فتحها: فإِنْ جَعَلْتَ
اللامَ لامَ الأمرِ - وفيه بُعْدٌ - اَّضَحَ أن يكونَ قولُه: ((أَنَّ أَكْرَمَكم)) بالفتح
مفعولَ العِرْفان، أَمَرَهم أَنْ يَعْرِفوا ذلك، وإنْ جَعَلْتَها للعلة لم يظهرْ أَنْ
يكونَ مفعولاً؛ لأنه لم يَجْعَلْهم شعوباً وقبائلَ ليعرِفوا ذلك، فينبغي أن
يُجْعَلَ المفعولُ محذوفاً واللامُ للعلة أي: لِتَعْرِفوا الحقَّ؛ لأنَّ أكرمَكم.
(١) انظر: المحرر ١٥٤/١٥.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١١٦/٨، والقرطبي ٣٤٤/١٦.
(٣) كذا في الأصل. وفيه نظر فالذي يُصَغِّر من شأن العرب يقال له شُعوبيَّ بضم
الشين انظر: اللسان (شعب).
(٤) انظر في قراءاتها: التيسير ٨٣، والنشر ٢٢٢/٢، والبحر ١١٦/٨، والشواذ
١٤٤، والمحتبب ٢/ ٢٨٠.
(٥) انظر: الدر المصون ٢/ ٦٠٠.
(٦)
القرطبي ٣٤٥/١٦، والبحر ١١٦/٨.
١٢

- الحجرات -
آ. (١٤) قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُل﴾: هذه الجملةُ مستأنفةٌ أخبر
تعالى بذلك. وجعلها الزمخشريُّ(١) حالاً من الضميرِ في ((قولوا)). وقد
تقدَّم(٢) الكلامُ في ((لَمَّا)) وما تدلُّ عليه والفرقُ بينها وبينَ ((لم)). وقال
الزمخشري(٣): ((فإن قلت: هو (٤) بعدَ قوله: ((لم تؤمنوا)) يُشْبِهُ التكريرَ من
غير استقلالٍ بفائدةٍ مُتَجدِّدة. قلت: ليس كذلك فإنَّ فائدةَ قولِه:
((لم تؤمنوا)) هو تكذيبُ دَعْواهم. و((لَمَّا يَدْخُل)) توقيتٌ لِما أُمِروا به أَنْ
يقولوه)) ثم قال: ((وما في ((لَمَّا)) مِنْ معنى التوقع دليلٌ على أنَّ هؤلاء قد
آمنوا فيما بعدُ». قال الشيخ(٥): ((ولا أدري مِنْ أَيِّ وجه يكونُ المنفيُّ
بـ (لَمَّا)) يقعُ بعدُ»؟ قلت: لأنَّها لنفي قد فَعَلَ، و ((قد) للتوقع.
قوله: ((لا يَلِتُكُمْ)) قرأ(٦) أبو عمروٍ و((لا يَأْلِتُكُمْ) بالهمز مِنْ أَلَتَهِ يَأْتُهُ
بالفتح في الماضي، والكسرِ والضم في المضارع، والسوسيُّ يُدل الهمزةَ
ألفاً على أصلِه. والباقون ((يَلِتْكم)) مِنْ لاته يَلِيتُهُ كباعه يَبيعه، وهي لغةُ
الحجازِ، والأولى لغة غطفانَ وأَسَدٍ. وقيل: هي مِنْ وَلَتَه يَلِتُه كوَعَده
يَعِدُهُ، فالمحذوفُ على القولِ الأول عينُ الكلمةِ ووزنُها يَقِلْكم، وعلى
الثاني فاؤُها ووزنها يَعِلْكم. ويقال أيضاً: ألاتَه يُليته/ كأَباعه يُبِيعه، وآَلَّه [٨١١/أ]
يُؤْلِتُه كَآمَنَ يُؤْمِنُ. وكلُّها لغاتٌ في معنى: نَقَصَه حَقَّه. قال الحطيئة(٧):
(١) الكشاف ٣/ ٥٧٠.
انظر: الدر المصون ٣٨١/٢.
(٢)
(٣)
الكشاف ٣/ ٥٧٠ .
أي قوله: ((وَلَمَّا يدخل الإيمان في قلوبكم)».
(٤)
(٥)
البحر ١١٧/٨ .
السبعة ٦٠٦، والبحر ١١٧/٨، والتيسير ٢٠٢، والقرطبي ٣٤٨/١٦، والحجة ٦٧٦.
(٦)
(٧) ديوانه ١٣٥، واللسان (ألت). والمغلغلة: الرسالة. جهد: حقَّ.
١٣

- الحجرات -
٤٠٨٧ - أَبْلِغْ سَراةَ بني سعدٍ مُغَلْغَلَةٌ
جَهْدَ الرسالةِ لا أَلْتاً ولا كَذِباً
وقال رؤية(١):
٤٠٨٨- وليلةٍ ذاتِ ندىّ سَرَيْتُ
ولم يَلِتْني عن سُراها ليتُ
أي: لم يَمْنَعني ويَحْبِسْني.
آ. (١٦) قوله: ﴿أَتُعَلِّمون﴾: هذه منقولةٌ بالتضعيفِ مِنْ
عَلِمْتُ به بمعنى شَعَرْتُ به، فلذلك تَعَذَّتْ لواحدٍ بنفسِها ولّآخرَ بالباء.
آ. (١٧) قوله: ﴿أَنْ أَسْلَموا﴾: يجوز فيه وجهان، أحدهما:
أنَّه مفعولٌ به؛ لأنه ضُمِّن ((يَمْثُون)) معنى يَعْتَدُّون، كأنه قيل: يَعْتَدُّون
عليك إسلامَهم مانِّيْنَ به عليك؛ ولهذا صَرَّح بالمفعولِ به في قوله:
((لا تَمُثُّوا عليَّ إسلامَكم)) أي: ((لا تَعْتَدُّوا عليَّ إسلامَكم)) كذا استدلَّ
الشيخُ(٢) بهذا. وفيه نُظرٌ؛ إذ لقائلٍ أَنْ يقولَ: لا نُسَلِّمُ انتصابَ ((إِسْلامَكُمْ))
على المفعولِ به، بل يجوزُ فيه المفعولُ مِنْ أجلِه، كما يجوزُ في محلٌ
(أَنْ أَسْلَمُوا)) وهو الوجهُ الثاني فيه، أي: يمثُّون عليك لأجلِ أَنْ أَسْلَمُوا،
فكذلك في قوله: ((لا تَمُثُّوا عليَّ إسلامَكم) وشروطُ النصبِ موجودةٌ،
والمفعولُ له متى كان مضافاً استوى جَرُّه بالحرفِ ونصبُه.
وقوله: ((أَنْ هَداكم)» كقولِه: «أن أَسْلَموا)). وقرأ (٣) زيد بن علي
ليس في ديوانه، وهو في اللسان (ليت).
(١)
(٢) البحر ١١٧/٨.
(٣) البحر ١١٨/٨، والقرطبي ٣٥٠/١٦.
١٤

- الحجرات -
((إذ هَداكم)» بـ ((إذ) مكانَ ((أَنْ)) وهي تفيد التعليلَ. وجوابُ الشرطِ مقدرٌ
أي: فهو المانُّ عليكم لا أنتم عليه وعليَّ.
آ. (١٨) قوله: ﴿واللَّهُ بصيرٌ بما تَعْملون﴾: ابن كثير(١)
بالغَيْبة نظراً لقوله: ((يَمُنُّون)) وما بعده، والباقون بالخطابِ نظراً إلى قولِه:
((لا تَمُثُّوا عليَّ إسلامَكم)) إلى آخره.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الحجرات]
(١) السبعة ٦٠٦، والحجة ٦٧٧، والنشر ٣٧٦/٢، والتيسير ٢٠٢، والقرطبي
٣٥٠/١٦، والبحر ١١٨/٨.
١٥

- ق-
سورة ق
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿والقرآنِ﴾: قَسَمِّ. وفي جوابِه أوجهٌ، أحدُها:
أنَّه قولُه: ((قد عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرضُ)). الثاني: ((ما يُبَدَّلُ القولُ)).
الثالث: (ما يَلْفِظُ مِنْ قولٍ)). الرابع: ((إنَّ في ذلك لَذِكْرى)). الخامس:
((بل عَجِبوا)) وهو قولٌ كوفيٌّ(١). قالوا: لأنَّه بمعنى ((قد عَجِبوا)).
السادس: أنَّه محذوفٌ، فقدَّره الزجَّاجُ(٢) والأخفشُ(٣) والمبردُ ((لَتُبْعَثُنَّ)).
وغيرُهم: لقد جِئْتُم مُنْذِراً. والعامَّةُ على سكونِ الفاءِ (٤). وقد تقدَّم.
وفَتَحَها(٥) عيسى، وكَسَرها الحسنُ وابن أبي إسحاق، وضمَّها هارونُ
وابنُ السَّمَيْفَعِ. وقد مَضَىُ توجيهُ ذلك كلِّه: وهو أنَّ الفتحَ يحتمل البناءَ
على الفتح للتخفيفِ، أو يكونُ منصوباً بفعلٍ مقدرٍ، ومُنِع الصرفَ،
أو مجرورٌ بحرفٍ قسم مقدرٌ، وإنما مُنعَ الصرفَ أيضاً. والضمُّ على أنه
مبتدأٌ أو خبرٌ، ومُنع الصرف أيضاً.
(١) مذهب الفراء أن الجواب مقدر بـ ((لتبعثُنَّ)). انظر: معاني القرآن ٧٥/٣.
(٢) مذهبه في معاني القرآن ٤١/٥ أن الجواب محذوف تقديره: إنكم مبعوثون.
(٣)
مذهبه في معاني القرآن ٤٨٣/٢ أن جواب القسم ((قد علمنا ما تنقص)).
مِنْ قوله تعالى: ((ق)).
(٤)
(٥) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢٨١/٢، والقرطبي ١/١٧، والإتحاف ٤٨٨/٢،
والبحر ١٢٠/٨.
١٧

- ق-
آ. (٣) قوله: ﴿أإذا مِتْنَا﴾: قرأ العامَّةُ بالاستفهام،
وابنُ عامر (١) في روايةٍ، وأبو جعفر والأعمش والأعرج بهمزةٍ واحدةٍ،
فتحتملُ الاستفهامَ كالجمهورِ، وإنما حَذَفَ الأداةَ للدلالةِ، وتحتملُ
الإِخبارَ بذلك. والناصبُ للظرفِ في قراءةِ الجمهورِ مقدرٌ أي: أنُبْعَثُ
أو أَنَرْجِعُ إذا مِتْنا. وجوابُ ((إذا)) على قراءةِ الخبرِ محذوفٌ أي: رَجَعْنا.
وقيل: قولُه: ((ذلك رَجْعٌ)) على حذفِ الفاءِ، وهذا رأيُ بعضِهم.
والجمهور لا يُجَوِّزُ ذلك إلَّ في شعرٍ. وقال الزمخشريُّ(٢): ((ويجوزُ أَنْ
يكونَ الرَّجْعُ بمعنى المَرْجوع هو الجوابَ، ويكونَ مِنْ كلامِ اللَّهِ تعالِی،
استبعاداً لإِنكارهم ما أُنْذِروا به من البَعْثِ. والوقفُ على ما قبلَه على هذا
التفسيرٍ حسنٌ)). فإنْ قلت: فما ناصبُ الظرفِ إذا كان الرَّجْعُ بمعنى
المَرْجوع؟ قلت: ما دَلَّ عليه المنذِرُ من المنذَرِ به وهو البعثُ)) وأَنْجَى
عليه الشيخُ(٣) في فهمِه هذا الفهمَ.
آ. (٥) قوله: ﴿بل كَذَّبوا﴾: هذا إضرابٌ ثانٍ. قال
الزمخشري (٤): ((إضرابٌ أُتبع الإضرابَ قبله للدلالةِ على أنَّهم جاؤُوا بما
هو أفظعُ مِنْ تعجُّبهم، وهو التكذيبُ بالحق)). وقال الشيخ(٥): ((وكأن هذا
الإضرابَ الثاني بذلُ بدَاءٍ من الأول)). قلت: وإطلاقُ مثلِ هذا في
(١) انظر في أوجه قراءاتها: الإتحاف ٤٨٨/٢، والبحر ١٢٠/٨، والمحتسب
٢٨١/٢٠، والنشر :٣٦٩/١.
(٢) الكشاف ٤/٤.
(٣)
البحر ١٢١/٨.
الكشاف ٤/٤.
(٤)
(٥) البحر ١٢١/٨.
--
١٨

- ق-
كتابٍ الله لا يجوزُ البتةَ. وقيل: قبل هذه الآيةِ جملةٌ مُضْرَبٌ عنها.
تقديرُها: ما أجادُوا النظرَ، بل كَذَّبوا. وما قاله الزمخشريُّ أحسنُ.
والعامَّةُ على تشديدٍ ((لَمَّا)) وهي: إمَّا حرفُ وجوبٍ لوجوب،
أو ظرفٌ بمعنى حين، كما عَرَفْتَه(١). وقرأ (٢) الجحدريُّ بكسرِ اللام
وتخفيفِ الميم على أنَّها لامُ الجرِّ دَخَلَتْ على ((ما)) المصدرية، وهي نظيرُ
قولهم: ((كتبْتُهُ لخمسٍ خَلَوْن)) أي: عندها.
قوله: (مَرِيْج)) أي: مُخْتَلِط. قال أبو واقد(٣).
٤٠٨٩_ مَرِجَ الدِّيْنُ فأَعْدَدْتُ له
مُشْرِفَ الأَقْطارِ مَخْبوكَ الكَتَدْ
وقال آخر (٤).
٤٠٩٠- فجالَتْ والتمسْتُ به حَشاها
فَخَرَّ كأنَّه خُوْطِ مَرِیْجُ
وأصلُه من الحركةِ والاضطرابِ/ ومنه: مَرَجَ الخاتمُ في إصبعِه .
[٨١١/ ب]
(١) ذهب الفارسي إلى ظرفيتها، وذهب الجمهور إلى حرفيتها. انظر: الدر المصون
١٥٩/١.
(٢) المحتسب ٢٨٢/٢، والبحر ١٢١/٨.
(٣) نسب في اللسان (مرج) لأبي دُواد، وهو في القرطبي ٣٢/١٧. والبيت في
وصف فرس. والكتد: مجتمع الكتفين.
(٤) البيت لعمرو بن الداخل الهذلي. وهو في ديوان الهذليين ١٠٣/٣، واللسان
(مرج) ومجاز القرآن ٢٢٢/٢، والقرطبي ٥/١٧. والخوط: الغصن.
والتمست: قصدت. خرَّ: سقط. وبه: أي بالسهم. والحشا: حشوة الجوف.
١٩

- ق-
آ. (٦) قوله: ﴿فوقَهم﴾: حالٌ من (السماء)) وهي مؤكِّدةٌ.
و ((كيف)» منصوبةٌ بما بعدها وهي معلِّقَةٌ للنظرِ قبلها.
آ. (٨) قوله: ﴿تَبْصِرَةَ﴾: العامَّةُ على نصبِها على المفعول
مِنْ أجله أي: تبصيرَ أمثالِهِم وتذكيراً مِنَّا لهم. وقيل: منصوبانٍ بفعلٍ مِنْ
لفظِهما مقدرٍ أي: بَصِّرْهم تَبْصِرةً وذكِّرْهم تَذْكرةً. وقيل: حالان أي:
مُبَصَّرين مُذَكَّرِين. وقيل: حالٌ من المفعول أي: ذاتَ تَبْصيرٍ وتَذْكِيرٍ لِمَنْ
يَراها. وزيد بن علي(١) بالرفع. وقرأ ((وذِكْرٌ) أي: هي تبصرةٌ وذِكْرٌ.
و((لكلِّ)): إمَّا صفةٌ، وإمَّا متعلِّقٌ بنفس المصدر.
آ. (٩) قوله: ﴿وحَبَّ الحَصِيد﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ بابٍ
حَذْفِ الموصوفِ العِلْم به تقديرُه: وحَبَّ الزَرْعِ الحصيدِ نحو: مسجد
الجامع وبابِه. وهذا مذهبُ البصريين(٢)؛ لئلا تَلْزَمَ إضافةُ الشيءٍ إِلى
نفسِه. ويجوزُ أَنْ يكونَ من بابٍ إضافةِ الموصوفِ إلى صفْتِه؛ لأنَّ
الأصلَ: والحَبَّ الحصيدَ أي: المحصود.
آ. (١٠) قوله: ﴿والنَّخْلَ﴾: منصوبٌ عطفاً على مفعول
(أَنْبَتْنَا)) أي: وأَنْبَتْنا النخلَ. و «باسِقاتٍ)) حالٌ. وهي حالٌ مقدرةٌ؛ لأنَّها
وقتَ الإِنباتِ لم تكن طِوالاً. والبُسُوْقُ: الطُّوْلُ. يُقال: بَسَقَ فلانٌ على
أصحابِه أي: طالَ عليهم في الفَضْلِ. ومنه قولُ ابنِ نوفل في ابن هبيرة(٣):
البحر ١٢١/٨.
(١)
انظر: الإنصاف ٤٣٦/٢.
(٢)
(٣) اللسان (بسق)، ومجاز القرآن ٢٢٣/٢، والمحرر ١٦٥/١٥.
٢٠