النص المفهرس

صفحات 701-720

- محمد -
٤٠٦٦- قد جَدَّتِ الحربُ بكم فَجُدُّوا
أو يكونُ على حَذْفٍ مضافٍ أي: عَزَمَ أهلُ الأمرِ.
آ. (٢٢) قوله: ﴿أَنْ تُفْسِدُوا﴾: خبرُ («عسى))، والشرطُ معترضٌ
بينهما، وجوابُه محذوفُ لدلالةِ ((فهل عَسَيْتُم)» عليه أو هو يُفَسِّرِه ((فهل عَسَيْتُمْ))
عند مَنْ يرىْ تقديمَه. وقرأ عليّ (١) ((إنْ تُوُلَيْتُمْ)) بضم التاءِ والواوِ وكسرِ اللام مبنياً
للمفعول مِن الولاية أي: إنْ وَلَّيْتُكم أمورَ الناس. وَقُرىء ((وُلَّيْتُمْ)) من الولاية
أيضاً. وهاتان تَدُلَّن على أنَّ (تَوَلَيْتُمْ)) في العامَّةِ من ذلك. ويجوز أن يكونَ من
الإِعراضِ وهو الظاهرُ. وفي قوله: ((عَسَيْتُمْ)) إلى آخره التفاتٌ مِنْ غَيْبة في
قوله: ((الذين في قلوبهم مَرَضٌ)) إلى خطابِهِم بذلك زيادةً في توبيخِھم.
وقرأ العامَّةُ (وتُقَطّعوا)) بالتشديد على التكثير. وأبو عمروٍ (٢) في روايةٍ
وسلام ويعقوب بالتخفيف، مضارعَ قَطَعَ. والحسن بفتح التاء والطاءِ مشددةٌ.
وأصلُها تَتَقَطَّعوا بتاءَيْن حُذِفَتْ إحداهما. وانتصابُ ((أرحامكم)) على هذا على
إسقاط الخافض أي : في أرحامكم.
آ. (٢٣) قوله: ﴿أولئك﴾: مبتدأ، والموصولُ خبرُه. والتقدير:
أولئك المُفْسِدون، يَدُلُّ عليه ما تقدَّم. وقوله: ((فأَصَمَّهم)). ولم يَقُلْ: فَأَصَمُّ
آذانَهم، و(أَعْمَى أَبْصارَهم)) ولم يَقُلْ: أَعْماهم. قيل: لأَنَّه لا يَلزَمُ مِنْ ذهابٍ
الْأُذُنِ ذَهابُ السماع فلم يتعرَّضْ لها، والأبصار - وهي الأعينُ - يَلْزَمُ مِنْ
(١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٧٧/٢، والبحر ٨٢/٨، والنشر ٣٧٤/٢، والمحتسب
٢٧٢/٢، والقرطبي ٢٤٥/١٦.
(٢) الإتحاف ٤٧٨/٢، والبحر ٨٢/٨، والنشر ٣٧٤/٢، والقرطبي ٢٤٦/١٦.
٧٠١

- محمد ـ
ذهابِها ذهابُ الإِبصارِ ولا يَرِد عليك ((في آذانهم وقرٌ))(١) ونحوه لأنه دون
الصَّمَمِ ، والصَّممُ أعظمُ منه.
آ. (٢٤) قوله: ﴿أم على قُلوب﴾: أم منقطعةٌ. وقد عَرَفْتَ
ما فيها. والعامَّةُ ((على أَقْفالُها)) بالجمع على أَفْعال. وقُرىءٍ(٢) ((أَقْفُلُها)) على.
أَفْعُل. وقُرِىء ((إقْفَالُها)) بكسرِ الهمزةِ مصدراً كالإِقبال. وهذا الكلامُ استعارةٌ
بليغةٌ جُعِلَ ذلك عبارةً عن عَدَمِ وصولِ الحقِّ إليها.
آ. (٢٥) قوله: ﴿الشيطانُ سَوَّل﴾: هذه الجملةُ خبرُ ((إنَّ
الذين ارتدُّوا)). وقد تقدَّم الكلامُ على ((سَوَّل))(٣) معنىَّ واشتقاقاً. وقال
الزمخشري (٤) هنا: ((وقد اشتقُّه من السُّؤْل مَنْ لا عِلْمَ له بالتصريفِ والاشتقاقِ
جميعاً) كأنَّه يُشير إلى ما قاله ابن بحر: مِنْ أنَّ المعنى: أعطاهم سُؤْلَهم. ووجهُ
الغلطِ فيه أنَّ مادةَ السُّؤْلِ من السؤال بالهمز، ومادةً هذا بالواوِ فافترقا، فلو كان
على ما قيل لقيل: سَأَل بتشديد الهمزة لا بالواو. وفيما قاله الزمخشريُّ نَظَرٌ؛
لأن السؤالَ له مادتان: سَأَل بالهمز، وسال بالألفِ المنقلبةِ عن واوٍ، وعليه قراءةٌ
((سال سايل))(٥) وقوله(٦):
٤٠٦٧- سالَتْ هُذَيْلٌ رسولَ الله فاحِشةً
ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بما سالَتْ ولم تُصِبٍ
(١) الآية ٤٤ من فصلت.
(٢) انظر في قراءاتها: الشواذ ١٤٠، والبحر ٨٣/٨.
(٣) انظر: الدر المصون ٤٥٧/٦.
(٤) الكشاف ٥٣٧/٣ .
(٥) الآية ١ من المعارج. وهي قراءة ابن عباس. انظر: البحر ٣٣٢/٨.
(٦) تقدم برقم ٥٠٤.
٧٠٢

- محمد -
وقد تقدَّم هذا في البقرةِ مُسْتوفى (١).
قوله: ((وأَمْلَىْ)) العامَّةُ على ((أَمْلَى)» مبنياً للفاعل، وهو ضمير الشيطان.
وقيل: هو الباري تعالَى. قال أبو البقاء(٢): ((على الأول يكونُ معطوفاً على
الخبر، وعلى الثاني يكونُ مُسْتأنفاً». ولا يَلْزَمُ ما قاله بل هو معطوفٌ على الخبر
في كلا التقديرَيْن، أخبر عنهم بهذا وبهذا. وقرأ(٣) أبو عمروٍ في آخرين (أُمْلِيَ))
مبنياً للمفعول، والقائمُ مَقامَ الفاعلِ الجارُّ. وقيل: القائم مَقامَه ضميرُ
الشيطان، ذكره أبو البقاء(٤)، ولا معنى لذلك. وقرأ يَعْقُوبُ وسلام ومجاهد / [٨٠٧/أ]
(وأُمْلِيْ)) بضمِ الهمزةِ وكسرِ اللام وسكونِ الياءِ. فاحتملَتْ وجهَيْن، أحدُهما:
أَنْ يكونَ مضارعاً مُسْنداً لضمير المتكلم أي: وأُمْلِي أنا لهم، وأَنْ يكونَ ماضياً
كقراءة أبي عمروٍ سُكِّنَتْ ياؤه تخفيفاً. وقد مضى منه جملةٌ.
آ. (٢٦) قوله: ﴿إِسْرارَهم﴾: قرأ(٥) الأخَوان وحفصٌ بكسرٍ
الهمزة مصدراً، والباقون بفتحها جمعَ ((سِرّ».
آ. (٢٧) قوله: ﴿فكيف﴾: إمّا خبرُ مقدمٌ أي: فكيف عِلْمُه
بإسْرارِهم إذا تَوَقّتْهم؟ وإمَّا منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ أي: فكيف يَصْنعون؟ وإمّا
خبرٌ لـ((كان)) مقدرةٌ أي: فكيف يكونون؟ والظرفُ معمولٌ لذلك المقدَّرِ.
(١) انظر: الدر المصون ٣٩٦/١.
(٢) الإملاء ٢٣٧/٢ .
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٠٠، والتيسير ٢٠١، والبحر ٨٣/٨، والنشر ٣٧٤/٢،
والقرطبي ٢٤٩/١٦، والحجة ٦٦٧ .
(٤) الإملاء ٢٣٧/٢.
(٥) السبعة ٦٠١، والبحر ٨٣/٨، والقرطبي ٢٥٠/١٦، والنشر ٣٧٤/٢، والحجة
٦٦٩، والتيسير ٢٠١.
٧٠٣

- محمد بـ
وقرأ(١) الأعمش ((تَوَفَّهِمْ)) دونَ تاءٍ فاحتملَتْ وجهين: أن يكونَ ماضياً كالعامَّةٍ،
وأن يكون مضارعاً حُذِفَتْ إحدى ياءَيْه.
قوله: ((يَضْرِبُون)) حالٌ: إمَّ من الفاعلِ، وهو الأظهرُ، أو مِن المفعولِ . .
آ. (٢٩) قوله: ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ﴾: ((أنْ)) هذه مخففةٌ و((لن)) وما
بعدها خبرُها، واسمُها ضميرُ الشأن. والأُضْغان: جمعُ ضِغْن، وهي الأحقاد
والضَّغِينة كذلك قال (٢)
٤٠٦٨- وذي ضِغْنٍ كَفَّفْتُ الوُدِّ عنه
وكنتُ على إساءَتِه مُقِيْتا
وقال عمرو بن كلثوم(٣):
٤٠٦٩- فإنَّ الضُّغْنَ بعد الضُّغْنِ يَغْشُو
عليكَ ويُخْرِجُ الداء الدَّفينا
وقيل: الضُّغْنُ العداوةُ. وأُنْشِد(٤).
٤٠٧٠- قُلْ لابنِ هندٍ ما أردتَ بمنطقٍ
ساء الصديقَ وشَيَّد الأضغانا
يقال: ضَغِنَ بالكسرِ يَضْغَنُ بالفتح وقد ضُغِنَ عليه .. واضْطَغَنَ القومُ
وتَضاغنوا، وأصل المادة من الالتواءِ في قوائم الدابةِ والقناة قال(٥):
(١) الإتحاف ٤٧٨/٢، والبحر ٨٤/٨.
(٢) تقدم برقم ١٦٢٧ .
(٣) ديوانه ٧٥، وشرح القصائد السبع ٣٩٢، والدفين: المستر في القلوب.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٥١/١٦، والبحر ٧١/٨.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان (ضغن).
٧٠٤

- محمد -
٤٠٧١- إنَّ قناتي مِنْ صَليباتِ القَنا
ما زادَها التثقيفُ إلَّ ضَغَنا
وقال آخر(١):
٤٠٧٢-
كذاتِ الضِّغْنِ تَمْشِي في الرِّفَاقِ
والاضْطّغانُ: الاحتواءُ على الشيء أيضاً. ومنه قولُهم: اضْطَغَنْتُ
الصبيَّ أي: اختصَصْتُه وأنشد(٢):
٤٠٧٣- كأنه مُضْطَغِنْ صَبِيًّا
وقال آخر(٣):
٤٠٧٤- وما اضْطَغَنْتُ سِلاحي عند مَغْرِضِها
وفرسٌ ضاغِنٌ: لا يَجْري إلّ بالضرب.
(١) البيت لبشر بن أبي خازم وصدره:
فإنك والشّكاةَ مِنْ آلٍ لأُمٍ
وهو في ديوانه ١٦٣، واللسان (ضغن).
(٢) البيت العامرية، وهو في اللسان (ضغن)، والقرطبي ٢٥٢/١٦. وقبله:
يَمْشِي وراء القوم سَيْتَهِيًّا
(٣) البيت لابن مقبل. وعجزه:
ومِرْفَقٍ كِرِئاسِ السَّيْفِ إِذْ غَسَفا
وهو في ديوانه ١٨٦، واللسان (ضغن)، والقرطبي ٢٥٢/١٦. والمغرض: جانب
البطن أسفل الأضلاع. ورئاسه: مقبضه والشاسف: اليابس. ورواية الديوان
اضْطَبْتُ.
٧٠٥

--
- محمد :-
آ. (٣٠) قوله: ﴿لَأَرَيْناكَهُم﴾: مِنْ رؤيةِ البصرِ. وجاء على
الأفصح من اتصالِ الضميرَيْن، ولو جاء على: أَرَيْناك إياهم جازّ.
قوله: ((فَلَعَرَفْتَهُمْ)) عطفٌ على جوابٍ لو. وقوله: ((وَلَتَعْرِفَنْهم)) جواب
قسمٍ محذوفٍ.
قوله: ((في لَحْنِ القولِ» اللحن يُقال باعتبارَيْن، أحدُهما: الكنايةُ
بالكلامِ حتى لا يفهمَه غيرُ مخاطبَكِ. ومنه قولُ القَتَّالِ الكلابي في حكاية
له(١):
٤٠٧٥- ولقد وَحَيْتُ لكم لكيما تَفْهموا
ولَحَنْتُ لَحْناً ليس بالمُرْتابِ
وقال آخرُ(٢):
٤٠٧٦- منطِقٌ صائبٌ وَتَلْحَنُ أَحْيا
نأَ وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْناً
واللَّحْنُ: صَرْفُ الكلامِ من الإِعراب إلى الخطأ. وقيل: يجمعُه هو
والأولَ صَرْفُ الكلامِ عن وجهِه، يقال من الأول: لَحَنْتُ بفتح الحاء أَلْجَنُ له
فأنا لاحِنٌ، وألحنتُه الكلامَ: أفهمتُه إياه فلَحِنَه بالكسر أي: فَهمه فهو لاحِنٌ .
ويُقال من الثاني: لَحِن بالكسر إذا لم يُعْرِبْ فهو لَحِنٌ.
آ. (٣١) قوله: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حتى﴾: قرأ(٣) ((ولَيَبْلوَنَّكم حتى
يُعْلم ويبلوَ أخبارَكم)) أبو بكر الثلاثةَ بالياءِ مِنْ أسفلَ يعني اللَّه تعالى. والأعمش
(١) ديوانه ٣٦، واللسان (لحن).
(٢) البيت لمالك بن أسماء الفزاري، وهو في الأمالي للقالي ٥/١، واللسان (لحن).
(٣) السبعة ٦٠١، والنشر ٣٧٥/٢، والحجة ٦٧٠، والبحر ٨٥/٨، والتيسير ٢٠١،
والقرطبي ٢٥٤/١٦
٧٠٦

- محمد -
كذلك وتسكين الواو والباقون بنون العظمةِ، ورُویس کذلك وتسکینُ الواوِ.
والظاهرُ قَطْعُه عن الأول في قراءةِ تسكينٍ الواو. ويجوزُ أَنْ يكونَ سَكَّن الواوَ
تخفيفاً كقراءة الحسن ((أو يَعْفو الذي))(١) بسکونِ الواو.
آ. (٣٥) قوله: ﴿وَتَدْعُو إلى السَّلْمِ﴾: يجوز جَزْمُه عطفاً
على فعل النهيٍ. ونصبُه بإضمار ((أَنْ)) في جواب النهي. وقرأ(٢) أبو
عبد الرحمن بتشديدِ الدال. وقال الزمخشري(٣): ((مِنْ ادَّعَى القومُ وتداعَوْا
مثلَ: ارتَمَوْا إلى الصيد وتَرَامَوْ)). وقال غيره: بمعنى تَغْتَرُّوا يعني تْتَسِبوا.
وتقدَّم الخلافُ في ((السّلم))(٤).
قوله: ((وأنتم الأَعْلَوْن)) جملةٌ حاليةٌ. وكذلك ((والله معكم) وأصل
الأَعْلَوْن: الأَعْلَيُون فأُعِلَّ (٥).
قوله: ((يَتِرَكُمْ)) أي: يُنْقِصكم، أو يُفْرِدكم عنها فهو مِنْ: وَتَرْتُ الرجلَ إذا
قتلْتَ له قتيلاً، أو نهبْتَ مالَه، أو من الوِتْر وهو الانفرادُ. وقيل: كلا المعنيين
يَرْجِعُ إلى الإِفراد؛ لأنَّ مَنْ قُتِل له قتيلٌ أو نُهِبَ له مالٌ / فقد أُفْرِد عنه .
[٨٠٧/ب]
٢. (٣٧) قوله: ﴿فَيُحْفِكم﴾: عطفٌ على الشرط و(«تَبْخَلوا))
جواب الشرط.
قوله: ((ويُخْرِجْ أَضْغانَكم)) العامَّةُ على إسنادِ الفعل إلى ضميرٍ فاعلٍ: إمَّا
(١) الآية ٢٣٧ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٤٩٤/٢ .
(٢) الشواذ ١٤١، والمحتسب ٢٧٣/٢، والبحر ٨٥/٨.
(٣) الكشاف ٥٣٩/٣.
(٤) انظر: الدر المصون ٣٥٨/٢.
(٥) أصله الأَعْلَوُوْن وقعت الواو لاماً رابعة فقلبت ياء فصار الأَعْلَيُوْن. تحركت الياء
وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، ثم التقى ساكنان: الألف والواو فحذفت الألف. انظر:
معجم مفردات الإعلال ص ١٩٠ .
٧٠٧

- مُحمدــ
اللَّهِ تعالى أو الرسولِ أو السؤالِ؛ لأنَّه سببٌ وهو مجزومٌ عَطْفاً على جوابٍ
الشرط. ورُوي عن أبي عمروٍ رفعُه على الاستئنافِ(١). وقرأ أيضاً بفتح الياء
وضمُّ الراء ورفع ((أَضْغَانُكم)) فاعلاً بفعله. وابن عباس في آخرين ((وَتَخْرُجْ))
بالتاء مِنْ فوقُ وضم الراء ((أضغاتُكم)) فاعلٌ به. ويعقوب ((ونُخْرِجْ)) بنون العظمةِ
وكسرٍ الراء ((أضغانكم)» نصباً.
۔۔
وقُرِىء (يُخْرَجْ)) بالياء على البناء للمفعولِ ((أَضْغَانُكم)) رفعاً به. وعيسى.
كذلك إلَّ أنه نَصَبه بإضمار ((أَنْ)) عطفاً على مصدر متوهّمٍ أي: يَكُنْ بُخْلُكُمْ
وإخراج أضغانِكم.
آ. (٣٨) قوله: ﴿ها أنتم هؤلاء﴾: قال الزمخشري(٢).
(هؤلاء)) موصولٌ صلتُه (فَتَدْعُوْن)) أي: أنتم الذين تَدْعُون، أو أنتم يا مخاطبون
هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفَهم كأنهم قالوا: وما وَصْفُنا؟ فقيل:
تَدْعُون)). قلت: قد تقدَّم الكلامُ على ذلك مُشْبَعاً في سورة آل عمران(٣).
قوله: «یٹخَلُ عن نفسه)» بَخِلَ وضَنَّ یتعدیَّان بـ علی تارةً وبـ عن أخرى
والأجودُ أَنْ يكونا(٤) حالَ تَعدِّيهما بـ ((عن)) مضمّنَيْن معنى الإِمْساك.
قوله: ((وإِنْ تَتَوَلَّوْا)) هذه الشرطيةُ عطفٌ على الشرطية قبلها، و(«ثم
لا يكونوا)» عطفٌ على ((يَسْتَبْدِلْ)».
[تمّت بعونه تعالى سورة محمد زَێو]
(١) ويُخْرِجُ. انظر في أوجه قراءاتها: البحر ٨٦/٨، والمحتسب ٢٧٣/٢، والقرطبي
٢٥٧/١٦، والإتحاف ٤٧٩/٢.
(٢) الكشاف ٥٣٩/٣.
(٣) انظر: الدر المصون ٢٣٥/٣.
(٤) الأصل ((يكون)).
٧٠٨

- الفتح -
سورة الفتح
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٢) قوله: ﴿لِيغفرَ لكِ اللَّهُ﴾: متعلقٌ بفَتَحْنا، وهي لامُ
العلةِ. وقال الزمخشري(١): ((فإنْ قلتَ: كيف جُعِل فتحُ مكةَ علةٌ للمغفرة؟
قلت: لم يُجْعَلْ علةً للمغفرةِ، ولكن لِما عَدَّد من الأمور الأربعة وهي:
المغفرةُ، وإتمامُ النعمةِ، وهدايةُ الصراطِ المستقيمِ ، والنصرُ العزيزُ؛ كأنه قال:
يَسَّرْنا لك فتح مكة ونَصَرْناك على عدوّك؛ لنجمعَ لك بين عِزِّ الدارَيْن وأغراضِ
العاجلِ والآجل. ويجوزُ أَنْ يكونَ فَتْحُ مكةً من حيث إنَّه جهادٌ للعدو سبباً
الغفران والثواب)». وهذا الذي قاله مخالفٌ لظاهرِ الآية؛ فإنَّ اللامَ داخلةٌ على
المغفرة، فتكونُ المغفرةُ علةً للفتح، والفتحُ مُعَلَّلٌ بها، فكان ينبغي أَنْ يقولَ:
كيف جُعِل فتحُ مكةَ مُعَلَّلا بالمغفرةِ؟ ثم يقول: لم يُجْعَلْ مُعَلَّلاً. وقال
ابنُ عطية(٢): ((المرادُ هنا أنَّ اللَّهَ تعالى فَتَح لك لكي يجعلَ الفتح علامةٌ لغفرانه
لك، فكأنها لامُ صيرورة)) وهذا كلامٌ ماشٍ على الظاهر. وقال بعضُهم: إنَّ
هذه اللامَ لامُ القسمِ والأصلُ: لَيَغْفِرَنَّ فَكْسِرَتْ اللامُ تشبيهاً بـلام كي،
وحُذِفَتْ النونُ. ورُدَّ هذا: بأنَّ اللامَ لا تُكْسَرُ، وبأنَّها لا تَنْصِبُ المضارعَ. وقد
(١) الكشاف ٥٤١/٣ .
(٢) المحرر ٨٧/١٥.
٧٠٩

- الفتح -
يقال: إنَّ هذا ليس بنصبٍ، وإنما هو بقاءُ الفتحِ الذي كان قبل نون التوكيد،
بقي ليدُلَّ عليها، ولكنه قولٌ مردودٌ.
آ. (٥) قوله: ﴿لِيُدْخِلَ﴾: في متعلَّق هذه اللامِ أربعةُ أوجهٍ،
أحدها: محذوفٌ تقديرُه: يَبْتَلِي بتلك الجنود مَنْ شاء فيقبلُ الخيرَ مِمَّنْ أُهَّله له،
والشرَّ مِمَّنْ قضى له به لِيُدْخِلَ ويُعَذِّب. الثاني: أنها متعلقةٌ بقولِه: ((إنّا فَتَحْنا)).
الثالث: أنَّها متعلقةُ بـ ((يَنْصُرَك)). الرابع: أنها متعلقة بـ((يَزْدادوا)). واسْتُشْكل
هذا: بأنَّ قولَه تعالى: ((ويُعَذِّبَ)) عطفٌ عليه، وازديادُهم الإِيمانَ ليس مُسَبَّباً عن
تعذيبِ اللَّهِ الكفارَ. وأجيب: بأنَّ اعتقادهم أنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الكفارَ يزِيدُ في
إيمانهم لا محالة. وقال الشيخ(١): ((والازديادُ لا يكونُ سبباً لتعذيب الكفارِ.
وأُجيب: بأنَّه ذُكِر لكونِه مقصوداً للمؤمنِ. كأنه قيل: بسببٍ ازديادِكم في
الإِيمان يُدْخِلُكم الجنة، ويُعَذِّبُ الكفار بأيديكم في الدنيا)». وفيه نظرً؛ كان
ينبغي أن يقولَ: لا يكونُ مُسَيّباً عن تعذيب الكفارِ، وهذا يُشْبِهُ ما تقدَّم في
((ليغفر لك اللَّهُ))(٢).
قوله: ((عندَ الله)) متعلقٌ بمحذوفٍ، على أنه حال مِنْ ((فوزاً)) لأنَّهِ صفتُه
في الأصل. وجَوَّز أبو البقاء(٣) أَنْ يكون ظرفاً لمكانٍ، وفيه خلافٌ، وأَنْ يكونَ
ظرفاً لمحذوفٍ دَلَّ عليه الفوز أي: يفوزون عند اللَّهِ. ولا يتعلَّق بـ((فَوْزاً، لأنّه
مصدرٌ؛ فلا يتقدَّم معمولُه عليه. ومَنْ اغْتَفَر ذلك في الظرفِ جَوَّزَه.
(١) البحر ٩٠/٨.
(٢) الآية ٢ .
(٣) الإملاء ٢٣٨/٢.
٧١٠

- الفتح -
آ. (٦) قوله: ﴿الظانَّين بالله﴾: صفةٌ للفريقَيْن. وتقدَّم الخلافُ
في ((السوء)) في التوبة(١). وقرأ الحسن(٢) ((السُّوء)) بالضم فيهما.
آ. (٩) قوله: ﴿لِتُوُّمنوا﴾: قرأ(٣) ((ليؤمنوا)) وما بعده بالياء مِنْ
تحت ابنُ كثير وأبو عمروٍ رُجوعاً إلى قوله: ((المؤمنين والمؤمنات)). والباقون
بتاءِ الخطاب. وقرأ(٤) الجحدري (تَعْزُرُوْه)) بفتح التاء وضمِّ الزاي. وهو أيضاً
وجعفر بن محمد كذلك إلاّ أنهما كسرا الزاي. وابنُ عباس واليماني («ويُعَزِّزُوه)»
كالعامَّةُ، إلّ أنه بزاءَيْن من العزَّة. والضمائر المنصوبةُ راجعةٌ إلى الله تعالى. / [٨٠٨/أ]
وقيل: على الرسول إلَّ الأخيرَ.
آ. (١٠) قوله: ﴿إنما يُبايِعون اللَّهَ﴾: خبرُ ((إن الذين)). و («يدُ
اللَّهِ فوق أيديهم)» جملةٌ حاليةٌ، أو خبرٌ ثانٍ. وهو ترشيحٌ للمجازِ في مبايعةِ الله .
وقرأ(٥) تمام بن العباس ((يُبايعون الله)). والمفعولُ محذوفٌ أي: إنما يبايعونك
لأجل الله .
قوله: ((يَنْكُثُ)) قرأ(٦) زيد بن علي ((يَنْكِثُ)) بكسر الكاف. والعامَّةُ على
نصب الجلالة المعظمة(٧). ورَفَعَها ابنُ أبي إسحاق(٨) على أنَّه تعالى
(١) انظر: الدر ١٠٥/٦ - ١٠٦.
(٢) القرطبي ٢٦٥/١٦، والبحر ٩١/٨.
(٣) السبعة ٦٠٣، والنشر ٣٧٥/٢، والبحر ٩١/٨، والتيسير ٢٠١، والقرطبي
٢٦٦/١٦، والحجة ٦٧١ .
(٤) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢٧٥/٢، والبحر ٩١/٨.
(٥) المحتسب ٢٧٥/٢، والبحر ٩١/٨، ولم أقف على ترجمة تمام بن العباس.
(٦) البحر ٩٢/٨.
(٧) في قوله تعالى: ((بما عاهد عليه الله)).
(٨) المحرر ٩٦/١٥. ولم يذكر المصنف هنا أن حفصاً وحده ضم هاء عليه. انظر:
السبعة ٦٠٣.
٧١١

- الفتح :
عاهدهم. وقرأ(١) نافع وابن كثير وابن عامر ((فَسَنُؤْتيه)) بنون العظمة. والباقون
بالياءِ مِنْ تحت. وقرىء(٢) ((عَهِد عليه)) ثلاثياً.
آ. (١١) قوله: ﴿شَغَلَتْنا﴾: حكى(٣) الكسائيُّ عن ابن نُوح(٤)
أنه قرأ ((شَغَّلَتْنا)) بالتشديد.
قوله: ((ضَرَّا)) قرأ(٥) الأخَوان بضم الضاد. والباقون بفتحها فقيل: لغتان
بمعنى كالفُقْرِ والفَقْرِ، والضُّعْف والضَّعْف. وقيل: بالفتح ضد النفع، وبالضم
سوءُ الحال.
:
آ. (١٢) وقرأ عبد الله(٦) ((إلى أهلِهم)) دونَ ياءٍ، بل أضاف الأهل
مفرداً. وقُرِىء(٧) ((وزَيَّنَ)) مبنياً للفاعل أي: الشيطان أو فِعْلُكم. و((كنتم قوماً
بُوْرً)) أي: صِرْتُم. وقيل: على بابها من الإِخبار بكونهم في الماضي كذا ..
والبُوْرُ: الهَلاك. وهو يحتمل أن يكونَ هنا مصدراً أُخْبر به عن الجمع كقولهِ(٨).
٤٠٧٧- يا رسولَ الإِلهِ إِنَّ لِساني
راتِقُ ما فَتَفْتُ إِذ أنا بُوْرُ
(١) السبعة ٦٠٣، والنشر ٣٧٥/٢، والبحر ٩٢/٨، والتيسير ٢٠١، والقرطبي
٢٦٨/١٦، والحجة ٦٧٢.
(٢) البحر ٩٢/٨.
(٣) الشواذ ١٤١، والبحر ٩٣/٨.
1.
(٤) في البحر إبراهيم بن نوح بن باذان. وفي طبقات القراء ١٤/١ ((إبراهيم بن زاذان
روى عن الكسائي، وفي التقريب ٦٠٨ ((ابن شنبوذ عن قتيبة، عن الكسائي)) ..
(٥) السبعة ٦٠٤، والنشر ٣٧٥/٢، والحجة ٦٧٢، والتيسير ٢٠١، والقرطبي
٢٦٨/١٦.
(٦) عبد الله بن مسعود. انظر: البحر ٩٣/٨، ومعاني القرآن للفراء ٦٥/٣.
(٧) البحر ٩٣/٨.
(٨) تقدم برقم ٢٨٨٩ .
٧١٢

- الفتح -
ولذلك يَسْتوي فيه المفردُ والمذكرُ وضُّهما. ويجوز أن يكون جمع بائرٍ
كحائل وحُوْل في المعتلِّ، وبازِل وبُزْل في الصحيح .
آ. (١٣) قوله: ﴿ومَنْ لم يُؤْمِنْ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ شرطيةً
أو موصولةً . والظاهرُ قائمٌ مقامَ العائدِ على كلا التقديرَيْن أي: فإِنَّا أَعْتَدْنا لهم.
آ. (١٥) قوله: ﴿يُريدون﴾: يجوز أنْ يكون مستأنفاً، وأَنْ
يكونَ حالاً من ((المخلَّفون))، وأن يكونَ حالاً من مفعول (ذَرُوْنا)).
قوله: ((كلامَ الله)) قرأ(١) الأخَوان ((كَلِمَ)» جمع كِلْمة. والباقون («كلامٌ)).
وقرأ(٢) أبو حيوة ((تَحْسِدُوْننا)) بكسرِ السين.
آ. (١٦) قوله: ﴿أُو يُسْلِمون﴾: العامَّةُ على رَفْعِه بإثبات النون
عطفاً على ((تُقاتلونهم)) أو على الاستئنافِ أي: أوهم يُسْلِمون. وقرأ(٣) أُبَيِّ
وزید بن علي بحذف النون نَصباه بحذفها. والنصبُ بإضمار ((أَنْ)) عند جمهور
البصريين وبـ((أو)) نفسِها عند الجرميِّ والكسائي، ويكون قد عَطَفَ مصدراً
مؤولاً على مصدر متوهّم. كأنه قيل: يكنْ قتال أو إسلامُ. ومثلُه في النصبِ قولُ
امرىء القيس (٤):
٤٠٧٨- فقلتُ له لا تَبْكِ عَيْنُك إنما
نُحاول مُلْكاً أو نموتَ فَنُعْذَرا
(١) السبعة ٦٠٤، والحجة ٦٧٣، والتيسير ٢٠١، والبحر ٩٤/٨، والنشر ٣٧٥/٢،
والقرطبي ٢٧١/١٦.
(٢) البحر ٨/ ٩٤.
(٣) القرطبي ٢٧٣/١٦، والبحر ٩٤/٨، والمحرر ١٠٢/١٥.
(٤) تقدم برقم ١٣٣٥.
٧١٣

- الفتح -
وقال أبو البقاء(١): ((أو بمعنى: إلّ(٢) أَنْ، أو حتى)).
آ. (١٨) قوله: ﴿إِذ يُباپعونك﴾: منصوبٌ بـ «رضي)» و «تحت
الشجرة» يجوزُ أَنْ يكونَ متعلُّقاً بـ ((يُبايعونك))، وأنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه
حالٌ من المفعول. وفي التفسيرِ: أنه عليه السلام كان جالساً تحتها.
آ. (١٩) قوله: ﴿ومغائِمَ كثيرةٌ﴾: أي: وآتاكم مغانمٌ،
أو آتاهم مغانم، أو أثابَهم مغانم، أو أثابكم مغانمَ، وإنما قَدَّرْتُ الخطاب
والغَيْبَة؛ لأنه يُقرأ ((يَأْخُذونها)) بالغيبة - وهي قراءة العامَّةِ ـــ ((وَتَأْخُذَونها))
بالخطاب، وهي(٣) قراءةُ الأعمشِ وطلحةً ونافعٍ في رواية سقلاب (٤).
آ. (٢٠) قوله: ﴿ولتكونَ﴾: يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه
متعلَّقٌ بفعلٍ مقدٍ بعده، تقديرُه: ولِتَكونَ فَعَلَ ذلك. الثاني: أنَّه معطوفٌ على
علةٍ محذوفةٍ، تقديرُه: وَعَدَ فعجَّل وكَفَّ لتنتَفِعوا ولتكونَ، أو لتشكروه ولتكونَ.
الثالث: أنَّ الواوَ مزيدةٌ، والتعليلُ لِما قبلَه أي: وكَفَّ لتكونَ.
آ. (٢١) قوله: ﴿وأُخْرَى﴾: يجوزُ فيها أوجهٌ، أحدها: أَنْ
تكونَ مرفوعةً بالابتداءِ، و((لم تَقْدِروا عليها)) صفتُها. و((قد أحاط اللَّهُ بها))
خبرُها. الثاني: أنَّ الخبرَ محذوفٌ، مقدِّرٌ قبلها أي: وثَمَّ أُخْرى لم تَقْدِروا
عليها. الثالث: أَنْ تكونَ منصوبةً بفعلٍ مضمرٍ على شريطةِ التفسيرِ، فَيُقَدَّرُ
الفعلُ مِنْ معنى المتأخِّر، وهو قد أحاط اللَّهُ بها أي: وقَضى اللَّهُ أخرى.
(١) الإملاء ٢٣٨/٢.
(٢) في المطبوعة ((إلى)).
(٣) البحر ٩٦/٨، والمحرر ١٠٧/١٥.
(٤) سقلاب بن شيبة أبو سعيد المصري قرأ على نافع، وروى عنه كتاب التمام، وروى
عنه الأزرق. توفي سنة ١٩١. انظر: طبقات القراء ٣٠٨/١.
٧١٤

- الفتح -
الرابع: أَنْ تكونَ منصوبةً بفعلٍ مضمرٍ لا على شريطةِ التفسير، بل لدلالةٍ
السِّياقٍ أي: ووعَد أخرى، أو وآتاكم أخرى. الخامس: أنْ تكونَ مجرورةٌ
بـ ((رُبَّ)) مقدرةً، وتكونَ الواوُ واوَ («رُبَّ))، ذكره الزمخشريُّ(١). وفي المجرورِ
بعد الواوِ المذكورة خلافٌ مشهورُ: هو برُبَّ مضمرةً أم بنفسِ الواو. إلاّ أنَّ
الشيخ(٢) قال: ((ولم تَأْتِ رُبَّ جارَّةً في القرآنِ على كثرةٍ دَوْرِها)» يعني جارَّةٌ
لفظاً، وإلّ فقد قيل: إنها جارَّةٌ تقديراً هنا وفي قوله: ((رُبَما))(٣) على قولنا: إنَّ
((ما)» نكرةٌ موصوفة.
قوله: ((قد أحاط اللَّهُ بها)) / يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً لـ (أُخْرى)) كما تقدَّم، [٨٠٨/ب]
أو صفةً ثانيةً إذا قيل: بأنَّ((أُخْرىُ)) مبتدأٌ، وخبرُها مضمرٌ أو حال أيضاً.
آ. (٢٣) قوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: مصدرٌ مؤكِّد لمضمون الجملةِ
المتقدمة أي: سَنَّ اللَّهُ ذلك سُنَّةً.
آ. (٢٤) قوله: ﴿بما تَعْملون): قرأ(٤) أبو عمروٍ ((يَعْلمون»
بالياء مِنْ تحتُ، رجوعاً إلى الغَيْبة في ((أيديهم)) و((عنهم)) والباقون بالخطاب،
رجوعاً إلى الخطاب في قوله: (أیدیکم» و ((عنكم».
آ. (٢٥) قوله: ﴿والهَدْيَ﴾: العامَّةُ على نصبِهِ. والمشهورُ أنَّه
نسقٌ على الضميرِ المنصوبٍ في ((صَدُّوْكم)). وقيل: نُصِبَ على المعيَّةِ. وفيه
ضَعْفٌ لإِمكان العطفِ. وقرأ(٥) أبو عمروٍ في روايةٍ بجرِّه عطفاً على ((المسجد
(١) الكشاف ٥٤٧/٣.
(٢) البحر ٩٧/٨.
(٣) الآية ٢ من الحجر.
(٤) السبعة ٦٠٤، والحجة ٦٧٤، والنشر ٣٧٥/٢، والتيسير ٢٠١.
(٥) انظر في قراءاته: الشواذ ١٤٢، والبحر ٩٨/٨، والقرطبي ٢٨٤/١٦.
٧١٥

- الفتح -
الحرام)»، ولا بُدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ أي: وعن نَحْرٍ الهدي. وقُرِىء برفعِه على
أنه مرفوعٌ بفعلٍ مقدرٍ لم يُسَمّ فاعلُه أي: وصُدَّ الهَدْيُ. والعامة على فتح الهاءِ
وسكونِ الدالِ ورُوي عن أبي عمروٍ وعاصم وغيرِهما كسرُ الدالِ وتشديدُ
الياء. وحكى ابن خالويه(١) ثلاثَ لغاتٍ: الهَدْيُ - وهي الشهيرةُ لغةُ قریش -
والهدِيُّ والهَدَى.
قوله: ((مَعْكوفاً) حالٌ من الهدي أي: محبوساً يُقال: عَكَفْتُ الرجلَ عن
حاجتِه. وأنكر الفارسيُّ تعديةَ ((عَكَفَ)) بنفسِه وأثبتها ابنُ سيده(٢) والأزهريُّ(٣)
وغيرُهما، وهو ظاهرُ القرآنِ لبناء اسمِ المفعول منه.
قوله: ((أَنْ يَبْلُغَ)) فيه أوجهٌ، أحدها: أنَّه على إسقاطِ الخافضِ أي: عَنْ
أَنْ، أو مِنْ أَنْ. وحينئذٍ يجوزُ في هذا الجارِّ المقدرِ أن يتعلَّقَ بـ ((صَدُّوكم))، وأن
يتعلَّقَ بمعكوفاً أي: مَحْبوساً عن بلوغِ محلُّه أو من بلوغٍ مَحِلُّه. الثاني: أنه
مفعولٌ مِنْ أجله، وحينئذٍ يجوز أن يكونَ علة للصدِّ، والتقدير: صَدُّوا الهَدْيَ
كراهةَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه، وأن يكون علةً لمعكوفً أي : لأجل أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه، ويكون
الحبسُ من المسلمين الثالث: أنه بدلٌ من الهَدْي بدلُ اشتمالٍ أي: صَدُّوا
بلوغَ الهَدْيِ مَحِلَّه .
قوله: ((لم تَعْلَموهم)) صفةٌ للصِّنفَيْن وغَلَّب الذكورَ.
قوله: ((أَنْ تَطَؤُّوْهم)) يجوز أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ رجال ونساء، وغَلَّبَ الذكورَ
كما تقدَّمَ، وأن يكونَ بدلاً مِنْ مفعول (تَعْلَموهم)) فالتقدير على الأول: ولولا
(١) الشواذ ١٤٣.
(٢) المحكم لابن سيده ١٦٩/١. قال: عكفه عن حاجته يعكفه ويعكُفه عَكْفاً: صرفه
وحبسه .
(٣) تهذيب اللغة ٣٢١/١.
٧١٦

- الفتح -
وَطْءُ رجالٍ ونساءٍ غيرٍ معلومين، وتقدير الثاني: لم تعلموا وَطْأَهم، والخبرُ
محذوفٌ تقديره: ولولا رجالٌ ونساء موجودون أو بالحضرة. وأمَّا جوابُ ((لولا))
ففيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّه محذوفٌ لدلالةِ جواب لو عليه. والثاني: أنه
مذكورٌ. وهو ((لَعَذَّبْنا))، وجوابُ ((لو)) هو المحذوفُ، فَحَذَفَ من الأول لدلالةِ
الثاني، ومن الثاني لدلالةِ الأول. والثالث: أنَّ ((لَعَذَّبْنَا)) جوابُهما معاً وهو بعيدٌ
إن أرادَ حقيقة ذلك. وقال الزمخشري(١) قريباً مِنْ هذا، فإنَّه قال: ((ويجوزُ أَنْ
يكونَ («لو تّزَيَّلوا)) كالتكرير لـ «لولا رجالٌ مؤمنون» لمَرْجِعهما إلی معنیِّ واحدٍ،
ويكون (لَعَذَّبْنا)) هو الجوابَ)). ومنع الشيخ(٢) مرجِعَهما لمعنى واحدٍ قال: ((لأنَّ
ما تعلَّق به الأولُ غيرُ ما تعلّق به الثاني)»(٣).
قوله: ((فُتُصيبَكم)) نَسَقُ على ((أَنْ تَطَؤُّوهم)). وقرأ(٤) ابن أبي عبلةً
وأبو حيوة وابنُ عونٍ ((لو تَزايَلوا)) على تفاعَلوا. والضمير في ((تَزَيَّلوا)) يجوز أَنْ
يعودَ على المؤمنين فقط، أو على الكافرين أو على الفريقين أي: لو تَمْيَّز هؤلاء
مِنْ هؤلاء لَعَذَّبْنا.
والوَظْءُ هنا: عبارةٌ عن القتلِ والدَّوْسِ. قال عليه السلام: ((اللّهم
اشدُدْ وَطْأَتك على مُضَرَ»(٥)، وأنشدوا(٦):
(١) الكشاف ٥٤٨/٣ .
(٢) البحر ٩٨/٨.
(٣) المطبوعة: ((لأن ما تعلق به لولا الأولى غير ما تعلق به الثانية ... )).
(٤) البحر ٩٩/٨، والقرطبي ٢٨٨/١٦.
(٥) رواه البخاري. انظر: فتح الباري ٣٣٩/٢، ١٠ كتاب الأذان، ١٢٨ باب: يهوي
بالتکبیر حین یسجد .
(٦) البيت لزهير. وليس في ديوانه، وهو في البحر ٩٨/٨، واللسان (وطأ)، والمحرر
١١٣/١٥، وشواهد الكشاف ٥٤٠/٤.
٧١٧

- الفتح -
٤٠٧٩ - ووَطِئْتَنا وَطْئاً على حَنَقِ.
وَطْءَ المقيَّدِ ثابِتَ الِهَرْمِ.
والمَعَرَّة: الإِثم.
قوله: ((بغيرِ عِلْمِ)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ ((مَغْرَّةٍ))،
أو أَنْ يكونَ حالاً مِنْ مفعول ((تُصيبكم)). وقال أبو البقاء(١): ((من الضمير
المجرور) يعني في ((منهم)) ولا يَظْهر معناه، أو أن يتعلَّقَ بـ ((يُصيبكم))، أو أن
يتعلَّقَ بـ ((تَطَُّّوْهم)).
قوله: ((لُيُدْخِلَ اللَّهُ)) متعلقٌ بمقدرٍ أي: كان انتفاءُ التسليطِ على أهلٍ
مكةً وانتفاءُ العذابِ لْيُدْخِلَ اللَّهُ.
آ. (٢٦) قوله: ﴿إِذ جَعَلَ﴾: العاملُ في الظرفِ: إما «لَعَذَّبْنَا))
أو ((صَدُّوكم)) أو اذكُرْ، فيكونُ مفعولاً به.
قوله: ((في قلوبهم)) يجوزِ أَنْ يتعلَّقَ بـ جَعَلَ على أنها بمعنى أَلْقى فتتعدَّى
لواحدٍ أي: إذ ألقى الكافرونَ في قلوبِهم الحميةَ، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه
مفعولٌ ثانٍ قُدِّمَ على أنها بمعنی صَيِّرَ ..
قوله: ((حَمِيَّةَ الجاهليةِ)) بدلٌ مِنْ ((الحميةَ)) قبلها. والحميَّةُ: الأنَفَةُ من
الشيءٍ. وأنشد للمتلمِّس(٢):
٤٠٨٠- ألا إنني منهمْ وعِرْضي عِرْضُهُمْ
كذا الرأسُ يَحْمِي أنفَه أَنْ يُهَشِّما
(١) الإملاء ٢٣٩/٢.
(٢) ديوانه ٢١، والبحر ٩٩/٨، ورواية العجز في الديوان:
كذي الأنفِ يحمي أنفَه أَنْ يُكَشَّما
٧١٨

- الفتح -
وهي المَنْعُ، ووزنُها فعيلة، وهي مصدرٌ يقال: حَمَّيْتُ عن كذا حَمِيَّةٌ.
قوله: ((وكانوا أحَقُّ)» الضميرُ يجوزُ أَنْ يعودَ على المؤمنين، وهو الظاهر
أي: أحقّ بكلمةِ التقوى من الكفار. وقيل: يعودُ على الكفار / أي: كانت [٨٠٩/أ]
قُرَيْشٌ أَحَقَّ بها لولا حِرْمانُهم.
آ. (٢٧) قوله: ﴿لقد صَدَق﴾: صَدَقَ يتعدَّى لاثنين ثانيهما
بحرفِ الجرِّ يُقال: صَدَقْتُكَ في كذا. وقد يُحْذَفُ كهذه الآيةِ.
قوله: ((بالحَقِّ)) فيه أوجهُ، أحدُها: أَنْ يتعلَّق بـ((صدق)). الثاني: أَنْ
يكونَ صفةً لمصدرٍ محذوفٍ أي: صِدْقاً مُلْتَبساً بالحق. الثالث: أَنْ يتعلَّقَ
بمحذوفٍ على أنه حالٌ من ((الرؤيا)) أي: مُلْتبسةً بالحق. الرابع: أنَّه قسمٌ
وجوابُه ((لَتَدْخُلُنَّ)) فعلى هذا يُوقف على ((الرؤيا)) ويُبْتَدَأُ بما بعدَها.
قوله: ((لَتَدْخُلُنَّ)) جوابُ قسمٍ مضمرٍ، أو لقوله: ((بالحق)) على ذلك
القولِ. وقال أبو البقاء (١): ((و((لَتَدْخُلُنَّ)) تفسيرٌ للرؤيا أو مستأنَفُ أي: والله
لَتَدْخُلُنَّ»، فجعل كونَه جوابَ قسمٍ قسيماً لكونِه تفسيراً للرؤيا. وهذا لا يَصِحُ
البتةَ، وهو أَنْ يكونَ تفسيراً للرؤيا غيرَ جوابٍ لقسم، إلَّ أَنْ يريدَ أنه جوابُ
قسمٍ ، لكنه يجوزُ أَنْ يكونَ هو مع القسم تفسيراً، وأن يكونَ مستأنفاً غيرَ تفسيرٍ
وهو بعيدٌ من عبارته.
قوله: ((آمِنِين)) حالٌ مِنْ فاعل ((لَتَدْخُلُنَّ)) وكذا ((مُحَلِّقين ومُقَصِّرِين))،
ويجوزُ أَنْ يكونَ ((مُحَلُّقين)) حالاً مِنْ (آمِنين)) فتكونَ متداخلةٌ .
قوله: ((لا تَخافون)) يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأنْ يكونَ حالاً ثالثةً، وأَنْ
يكونَ حالاً: إمَّا مِنْ فاعل ((لَتَدْخُلُنَّ) أو مِنْ ضميرٍ ((آمنين)) أو (مُحَلِّقين))
(١) الإملاء ٢٣٩/٢.
٧١٩

- الفتح -
أو ((مقصِّرين)). فإن كانَتْ حالاً مِنْ ((آمِنِين)) أو حالاً من فاعل ((لَتَدْخُلُنَّ)) فهي
حالٌ للتوكيد و (آمنين)) حالٌ مقاربةٌ، وما بعدها حالٌ مقدرةٌ إِلَّ قولَه:
((لا تَخافون)) إذا جُعِل حالاً فإنها مقارنةً أيضاً.
آ. (٢٩) قوله: ﴿محمدٌ رسولُ اللهِ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ
مبتدأ مضمرٍ، لأنه لَمَّا تقدَّمَ: ((هو الذي أَرْسَلَ رسولَه)) دلَّ على ذلك، المقدَّرِ
أي: هو أي: الرسولُ بالهدى محمدٌ، و «رسولُ)) بدلٌ أو بيانٌ أونعتٌ، وأن
يكونَ مبتدأً أو خبراً، وأن يكونَ مبتدأً و ((رسولُ اللَّهِ» على ما تقدَّم من البدل.
والبيانِ والنعتِ. و((الذين معه)) عطفٌ على ((محمدٌ)) والخبرُ عنهم قوله: ((أشدَّاء
على الكفار)). وابن عامر (١) في روايةٍ ((رسولَ الله) بالنصبِ على الاختصاص،
وهي تؤيِّدُ كونَه تابعاً لا خبراً حالة الرفعِ . ويجوزُ أَنْ يكونَ ((والذين)) على هذا
الوجه (٢) مجروراً عطفاً على الجلالة أي: ورسولُ الذين آمنوا معه؛ لأنه لَمَّا
أُرْسِل إليهم أُضيف إليهم فهو رسولُ اللَّهِ بمعنى: أنَّ اللَّهَ أرسله، ورسولُ أمتِهِ
بمعنى: أنه مُرْسَلٌ إليهم، ويكون ((أشدَّاءُ)) حينئذٍ خبرَ مبتدأ مضمر أي: هم
أشدَّاء. ويجوزُ أَنْ يكونَ تَمَّ الكلامُ على ((رسولُ الله)) و((الذين معه)) مبتدأ
و (أشدَّاءُ)) خبره.
وقرأ الحسن (٣) ((أشداءَ، رحماءَ)) بالنصبِ: إمَّا على المدحِ، وإمّا على
الحال من الضميرِ المستكنِّ في ((معه)» لوقوعِه صلةً، والخبرُ حينئذٍ عن المبتدأ ...
قوله: ((تَراهم رُكَّعاً سُجَّدًا)) حالان؛ لأنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّةٌ، وكذلك ((يَبْتَغُونِ)»
(١) البحر ١٠١/٨، والكشاف ٥٥٠/٣، وأورد السمين هذه القراءة على هيئة جملة
اعتراضية في الحاشية وليس موضعها هنا.
(٢) أي: وجه كون ((والذين)) عطفاً على ((محمدٌ)).
(٣) الإتحاف ٤٨٣/٢، والمحتسب ٢٧٦/٢، والبحر ١٠٢/٨، والقرطبي ٢٩٣/١٦
٧٢٠