النص المفهرس
صفحات 661-680
- الأحقاف - ذاكراً ولا آثيراً، أي: مُسْنِداً له عن غيري. وقال الأعشى(١): ٤٠٣٩ أ- إنَّ الذي فيه تَمَارَيْتُما والآثِرِ بُيِّنَ للسامعِ وقيل فيها غيرُ ذلك. وقرأ(٢) عليُّ وابنُ عباس وزيد بن علي وعكرمة في آخرين «أَثْرَة)» دونَ ألفٍ، وهي الواحدة. ويُجْمع على أَثَرَ كَقَتَّرَة وقَتَر (٣). وقرأ الكسائيُّ ((أَثْرَة) و ((إثْرَة)) بضم الهمزة وكسرِها مع سكونِ الثاء. وقتادةُ والسُّلمي بالفتح والسكون. والمعنى: بما يُؤْثَرُ ويُرْوی. أي : ايتوني بخيرٍ واحدٍ يَشْهَدُ بصحةٍ قولِكم. وهذا على سبيلِ التنزّلِ للعِلْمِ بكذِبِ المُدَّعي. و((مِنْ عِلْمٍ)) صفةً لأثارة . آ. (٥) قوله: ﴿ومَنْ أضلَّ﴾: مبتدأ وخبرٌ. قوله: ((مَنْ لا يَسْتجيبُ)) ((مَنْ)) نكرةٌ موصوفةٌ أو موصولةٌ، وهي مفعولٌ بقولِه: ((يَدْعُو)). قوله: ((وهم عَنْ دُعائِهم)) يجوزُ أَنْ يكونَ الضميران عائدَيْنِ على ((مَنْ)) مِنْ قوله: ((مَنْ لا يَستجيب له)) وهم الأصنامُ وتُوْقَعُ عليهم ((مَنْ)) لمعاملتهم إياها معاملةَ العقلاءِ، أو لأنَّه أراد جميعَ مَنْ عُبَدٍ مِنْ دونِ الله. وغَلَّب العقلاءَ، ويكون به كقولك ذكرت لفلان حديث كذا وكذا. وقوله: ((ولا آثراً» يريد ولا مخبراً عن = غيري أنه حلف به. يقول: لا أقول إن فلاناً قال وأبي لا أفعل كذا وكذا)). وانظر: النهاية ٢٢/١، عمدة الحفاظ ص ٨. (١) ديوانه ١٤١، برواية ((والناظِرِ)) بدل ((والآثر)) وغريب الحديث ٥٩/٢. (٢) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢٦٤/٢، والقرطبي ١٨٢/١٦، والبحر ٥٥/٨، والشواذ ١٣٩ . (٣) القترة: الغبرة. ٦٦١ - الأحقاف - قد راعى معنى ((مَنْ) فَلذلك جَمَعَ في قوله: ((وهم)» بعدما راعى لفظَها فأفردَ في قوله: (يَسْتَجِيب)) وقيل: يعود على ((مَنْ)) مِنْ قولِه ((ومَنْ أَضَلُّ))، وحُمِلَ أولاً على لفظها فَأُفْرِدَ في قولِهِ: ((يَدْعُو))، وثانياً على معناها فجُمِعَ في قوله: ((وهم عن دعائهم غافلون)» .. آ. (٧) قوله: ﴿قال الذين كفروا لِلْحَقِّ﴾: هنا أقام ظاهرَيْن مُقَامَ مضمَرَيْنٍ؛ إذ الأصلُ: قالوا لها، أي للآياتٍ، ولكنه أبرزَهما ظاهرَيْن لأجلِ الوصفَّيْن المذكورَيْن. واللام في (للحق)) للعلةِ. : آ. (٩) قوله: ﴿بِذْعاً﴾: فيه وجهان، أحدهما: على حَذْفٍ مضافٍ تقديرُه: ذا بِدْعٍ، قاله أبو البقاء (١). وهذا على أَنْ يكونَ البِدْعُ مصدراً. والثاني: أَنَّ البِدْعَ بنفسِه صفةٌ على فِعْل بمعنى بديع كالخِفِّ والخَفيف. والِدْعُ والبديعُ: ما لم يُرَ له مِثْلٌ، وهو من الابتداع وهو الاختراعُ. أنشد قطرب(٢): ٤٠٣٩ ب - فما أنا بِدعٌ مِنْ حوادِثَ تَعْتَري رجالاً عَرَتْ مِنْ بعدٍ بُؤْسَى بِأَسْعُدِ وقرأ(٣) عكرمة وأبو حيوةً وابنُ أبي عبلة ((بِدَعاً)) بفتح الدال جمع بِدْعة أي: ما كنتَ ذا بِدَع. وجَوَّز الزمخشري (٤) أَنْ يكونَ صفةً علی فِعَل كـ «دِین قِيَم) و((لحم زِيَم))(٥). قال الشيخ(٦): ((ولم يُثْبِتْ سيبويه صفةً على فِعَل إلاّ (١) الإملاء ٢٣٤/٢. (٢) البيت لعدي بن زيد، وهو في ديوانه ١٠٤، والبحر ٥٦/٨، وتفسير القرطبي ١٨٥/١٦. (٣) المحتسب ٢٦٤/٢، والقرطبي ١٨٥/١٦، والبحر ٥٦/٨. (٤) الكشاف ٥١٧/٣. (٥) لحم زيم: متفرق. (٦) البحر ٥٦/٨. ٦٦٢ - الأحقاف - قوماً عِدًا(١)، وقد اسْتُدْرِكُ عليه ((لحم زِيَم)) أي: متفرق، وهو صحيحٌ. فَأمّا ((قِيَم)) فمقصورٌ مِنْ قيام، ولولا ذلك لصَحَّتْ عينُه كما صَحَّتْ في جِوَل وعِوَض. وأمَّا قولُ العربِ: (مكان سِوَىٍ))(٢) و («ماء رِوَىْ)» ورجل رِضَا وماء صِرَىَّ(٣) فمتأوّلَةٌ عند التَّصْرِيفِين)) قلت: تأويلُها إمَّا بالمصدريّة أو القَصْر كِقِيَم في قیام. وقرأ أبو حيوةً أيضاً ومجاهد ((بِدَع)) بفتح الباء وكسر الدال وهو وصفٌ کخذِر. وقوله: ((يُفْعَلُ)) العامَّةُ على بنائه للمفعول. وابنُ أبي عبلة (٤) وزيد ابن علي مبنياً للفاعلِ أي: الله تعالى. والظاهرُ أنَّ ((ما)) في قوله: ((ما يُفْعَلُ بي)) استفهاميةٌ مرفوعةٌ بالابتداءِ، وما بعدها الخبرُ، وهي معلِّقَةٌ لْأُدْري عن العملِ ، فتكونُ سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولَيْها. وجَوَّزَ الزمخشري(٥) أَنْ تكونَ موصولةً منصوبةٌ يعني أنها متعديةٌ لواحدٍ أي: لا أعْرِفُ الذي يفعلُه اللَّهُ تعالى. قوله: ((إلّ ما يُؤْحَىْ)) العامَّةُ على بناء ((يُؤْحَىْ)) للمفعول. وقرأ(٦) ابن عُمير بكسرِ الحاءِ على البناءِ للفاعلِ، وهو اللَّهُ تعالى. (١) الكتاب ٣١٥/٢. (٢) قال ابن عصفور: ((فأما سوى من قوله تعالى: ((مكاناً سِوَى)) فهو اسم في الأصل للشيء المستوي وصف به)). الممتع ص ٦٣. (٣) قال ابن عصفور: ((وأما رٍوَى وصِرَى فيوصف بهما الجميع والمفرد على صورة واحدة والصفة إذا كانت كذلك كانت محكوماً لها بحكم الأسماء)» الممتع ص ٦٥. وماء صری: فاسد. (٤) البحر ٥٧/٨، والكشاف ٥١٧/٣. (٥) الكشاف ٥١٨/٣. (٦) البحر ٥٧/٨، والقرطبي ١٨٨/١٦. ٦٦٣ - الأحقاف - آ. (١٠) قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾: مفعولاها محذوفان تقديره: [٨٠١/ب] أرأيتم حالَكم إنْ كان كذا أَلَسْتُمْ ظالمين/، وجوابُ الشرطِ أيضاً محذوفٌ تقديره: فقد ظَلَمْتُمْ، ولهذا أتى بفعل الشرط ماضياً. وقَدَّره الزمخشريُّ (١): ألستُمْ ظالمين. ورَدَّ عليه الشيخ(٢): ((بأنَّه لو كان كذلك لَوَجَبَتْ الفاءُ؛ لأنَّ الجملةَ الاستفهامية متى وقعت جواباً للشرط لَزِمَتِ الفاءُ. ثم إنْ كانت أداةُ الاستفهامِ همزةً تقدَّمَتْ على الفاء نحو: ((إنْ تَزُرْنا أنما نُكْرِمُك))، وإنْ كانت غيرَها تقدَّمَتِ الفاءُ عليها، نحو: إنْ تَزُرْنا فهل ترى إلاّ خيراً)). قلت: والزمخشريُّ ذكر أمراً تقديريًّاً فَسَّر به المعنى لا الإِعرابَ. وقال ابن عطية (٣): ((وأَرَأَيْتُمْ تَحْتمل أن تكون مُنِّهةً، فهي لفظُ موضوعٌ للسؤالِ لا يَقْتضي مفعولاً، وتحتمل أن تكونَ الجملةُ كان وما عملتْ فِيه سادَّةً مَسَدَّ مفعولَيْها)». قال الشيخ(٤): ((وهذا خلافُ ما قَرِّره النحاة)». قلت: قَد تقدَّم تحقيقُ ما قَرَّره(٥). وقيل: جوابُ الشرطِ هو قولُه: ((فَآمَن واستكْبَرْتُمْ)) وقيل: هو محذوفٌ تقديرُهُ: فَمَنْ المُحِقُّ مِنَّا والمُبْطِلُ. وقيل: فَمَنْ أَضَلُّ. قوله: ((وكَفَرْتُمْ به)) الجملةُ حاليةٌ أي: وقد كَفَرْتُمْ. ومنهم من لا يُضْمِرُ «قد» في مثله. آ. (١١) قوله: ﴿للذين آمنوا﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ لامَ العلة أي: لأجلِهم، وأَنْ تكونَ للتبليغ، ولو جَرَوْا على مقتضى الخطابِ لَقالوا: (١) الكشاف ٥١٨/٣. (٢) البحر ٥٧/٨. (٣) المحرر ١٥/١٥. (٤) البحر ٥٧/٨. (٥) انظر: الدر المصون: ٤ /٦١٥. ٦٦٤ - الأحقاف - ما سَبَقْتُمونا، ولكنهم التفَتُوا فقالوا: ما سَبَقُوْنا. والضميرُ في (كان)) وإليه عائدان على القرآن، أو ماجاء به الرسولُ. قوله: ((وإذْ لم يَهْتَدوا)) العامل في ((إِذْه مقدرٌ أي: ظهر عِنادُهم وتَسَبَّب عنه قولُه: ((فَسَيقولون)). ولا يَعْمل في ((إذ)) ((فَسَيقولون)) لتضادُّ الزمانَيْنِ ولأجل الفاءِ أيضاً. آ. (١٢) قوله: ﴿ومِنْ قبلِه كتابُ موسى﴾: العامَّةُ على كسر ميم ((مِنْ)) حرفَ جرِّ. وهي مع مجرورِها خبرٌ مقدَّمٌ. والجملةٌ حاليةٌ أو خبرٌ مستأنفٌ. وقرأ(١) الكلبيُّ بنصبٍ ((الكتابَ)) تقديرُه: وَأَنْزَلَ مِنْ قبلِه كتابَ موسى. وقُرِىء(٢) ((ومَنْ)) بفتح الميمِ ((كتابَ موسى)) بالنصبِ على أن ((مَنْ)) موصولةٌ، وهي مفعولٌ أولُ لاَتَّيْنا مقدَّراً. وكتابَ موسى مفعولُه الثاني. أي: وآَّيْنا الذي قبله کتاب موسی . قوله: ((إماماً ورَحْمَةً)) حالان مِنْ ((كتاب موسى)). وقيل: منصوبان بمقدرٍ أي: أَنْزَلْناه إماماً. ولا حاجةَ إليه. وعلى كَوْنِهما حالَيْن هما منصوبان بما نُصِبَ به «مِنْ قبل)» من الاستقرار. قوله: ((لِسانا) حالٌ مِن الضمير في ((مُصَدِّقٌ)). ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ ((كتاب)) والعاملُ التنبيهُ، أو معنى الإِشارةِ و ((عربيًًّ)) [صفةٌ](٣) لـ ((لساناً))، وهو المُسَوِّغُ لوقوع هذا الجامد حالاً. [وجَوَّز أبو البقاء](٤) أَنْ يكونَ مفعولاً به ناصبُهُ (١) البحر ٥٩/٨. (٢) وهي قراءة الكلبي، كما في البحر ٥٩/٨. (٣) ما بين معقوفين مخروم في الأصل أثبتناه من ش. (٤) الإملاء ٢٣٤/٢، وما بين معقوفين مخروم في الأصل أثبتناه من (ش). ٦٦٥ - الأحقاف - ((مُصَدِّقٌ)). وعلى هذا تكون الإِشارةُ إلى غيرِ القرآنِ؛ لأنَّ المرادَ باللسانِ العربيِّ القرآنُ وهو خلافُ الظاهر. وقيل: هو على حَذْفِ مضافٍ أي: مُصَدَّقٌ ذا لسانٍ عربي، وهو النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وقيل: هو على إسقاطٍ حرفِ الجرِّ أي: بلسانٍ. وهو ضعيفٌ. قوله: ((ليُنْذِرَ)) متعلِّقٌ بمصدِّق. و((بُشْرَى)) عطفٌ على محلّه. تقديره: للإِنذار وللبشرى، ولمَّا اختلف العلةُ والمعلولُ وَصَلَ العاملُ إليه باللامِ، [وهذا فيمَنْ قرأ(١) بتاء الخطابِ. فأمَّا مَنْ قرأ بياءِ الغَيْبة. وقد تقدَّم ذلك في يس(٢) فإنهما مُتَّحدان. وقيل: بُشْرى](٣) عطفٌ على لفظ ((لتنذِرَ)) أي: فيكونُ مجروراً فقط. وقيل: هي مرفوعةٌ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ. تقديرُه: هي بُشْرَى. وقيل: بل هي عطفٌ على ((مُصَدِّقٌ)) وقيل: هي منصوبةٌ بفعل مقدرٍ أي: وبَشِّر بُشْرى. ونقل الشيخُ(٤) وجهَ النصبِ عطفاً على محلِّ ((لتنذِرَ)) عن الزمخشري(٥) وأبي البقاء (٦). ثم قال: ((وهذا لا يَصِحُ على الصحيح من مذاهبِ النحويين لأنهم يَشْتَرِطون في الحَمْلِ على المَحَلِّ أَنْ يكونَ (٧) بحقِّ الأصالة، وأَنْ يكونَ للموضعِ مُحْرِزٌ، وهنا المحلُّ ليسَ بحقِّ الأصالة، إذ الأصلُ في المفعولِ [له](٨) الجُرُّ، والنصبُ ناشِىء عنه(٩)، لكن لَمَّا كَثُرَ بالشروط المذكورةِ وَصَلَ إليه الفعلُ فنصبه)) انتهى . (١) قرأ نافع وابن عامر بالتاء والباقون بالياء، واختلفوا في الرواية عن ابن كثير. انظر: السبعة ٥٩٦، والحجة ٦٦٢، والتيسير ١٩٩، والنشر ٣٧٢/٢، والقرطبي. ٠٠١٩١/١٦ (٢) انظر إعرابه للآية ٧٠ من يُس. (٣) ما بين معقوفين مخروم في الأصل أثبتناه من (ش). (٦) الإِملاء ٢٣٤/٢. (٤) البحر ٥٩/٨. (٥) الكشاف ٥٢٠/٣. (٧) أي: المحل. (٨) زيادة من البحر. (٩) البحر: ((عن إسقاط الخافض)). ٦٦٦ ۔۔ - الأحقاف - قوله: ((الأصلُ في المفعول له الجرُّ بالحرفِ)» ممنوعٌ بدليل قولِ النَّحْوِيِينِ: إِنَّه يَنْصِبُ بشروطٍ ذكروها. ثم يقولون: ويجوزُ جرُّه بلامٍ ، فقولُهم ((ويجوز)) ظاهرٌ في أنه فرعٌ لا أصلٌ. و (للمُحْسِنِين) متعلقٌ بـ((بُشْرَى)) أو بمحذوفٍ على أنَّه صفةٌ لها. آ. (١٣) قوله: ﴿فلا خوفٌ﴾: الفاءُ زائدةٌ في خبرِ الموصولِ لِما فيه من معنى الشرطِ، ولم تمنّعْ ((إنَّ)) من ذلك لبقاءِ معنى الابتداء بخلاف (ليت)) و ((لعلُ)) و((كان)). آ. (١٤) قوله: ﴿خالدين﴾: منصوبٌ على الحاليّةِ. و ((جزاءً)» منصوب على المصدرِ: إمَّا بعاملٍ مضمرٍ أي: يُجْزَوْن جزاءً، أو بما تقدَّم؛ لأنَّ معنى أولئك أصحاب الجنة معنی جازَیْناهم بذلك. آ. (١٥) قوله: ﴿إحساناً﴾: قرأ(١) الكوفيون ((إحساناً)) وباقي السبعةِ ((حُسْناً)) بضمُّ الحاءِ وسكونِ السينٍ، فالقراءةُ الأولى يكون ((إحساناً) فيها منصوباً بفعلٍ مقدَّرٍ أي: وَصَّيْناه أَنْ يُحْسِنَ إليهما إحساناً. وقيل: بل هو مفعولٌ به على تضمينٍ وصَّيْنا معنى أَلْزَمْنا، فيكونُ مفعولاً ثانياً. وقيل: بل هو منصوبٌ على المفعولِ به أي: وصَّيناه بهما إحساناً مِنَّا إليهما. وقيل: هو منصوبٌ على المصدرِ؛ لأنَّ معنى وَصَّيْنا: أَحْسَنَّا فهو مصدرٌ صريحٌ. والمفعولُ الثاني / هو [٨٠٢/أ] (١) السبعة ٥٩٦، والحجة ٦٦٣، والتيسير ١٩٩، والبحر ٦٠/٨، والنشر ٣٧٣/٢، والقرطبي ١٦ /١٩٢. ٦٦٧ - الأحقاف - : المجرورُ بالباء. وقال ابن عطية (١): ((إِنها(٢) تتعلَّق: إِمَّا بوَصَّيْنَا، وإمّا بإحساناً). ورَدَّ الشيخُ(٣): هذا الثاني بأنَّه مصدرٌ مُؤَوَّلٌ فلا يتقدَّم معمولُه عليهِ، ولأن ((أَحْسَنَ)) لا يتعدَّىْ بالباء، وإنما يتعدّى باللامِ. لا تقول: ((أحسَنْتُ بزيدٍ)) على معنى وصول الإِحسان إليه. وقد رَدَّ بعضُهم هذا بقولِه: ((وقد أَحْسَنَ بي إذ أَخْرَجَني))(٤) وقيل: هو بغير هذا المعنى. وقدَّر بعضُهم: ووَصَّيْنَا الإِنسانَ بوالدَيْه ذا إِحسانٍ، يعني فيكونُ حالاً. وأمَّا ((حُسْناً)) فقيل فيه ما تقدَّم في إحسان . وقرأ عيسى والسُّلَمي ((حَسَناً) بفتحِهما. وقد تقدَّمَ معنى القراءتَيْنِ في البقرة(٥) وفي لقمان(٦). قوله: (كُرْهَا) قد تَقَدَّمَ الخلافُ فيه في النساء(٧). وهل هما بمعنىَّ واحد أم لا؟ وقال أبو حاتم: ((الكَرْهُ بالفتح لا يَحْسُنُ لأَنَّه بالفتح الغَصْبُ وَالغَلَبَةُ)). ولا يُلْتَفَتُ لِما قاله لتواتُرِ هذه القراءةِ. وانتصابُها: إمّا على الحالِ من الفاعلِ أي: ذاتَ كُرْه، وإمَّا على النعت لمصدرٍ مقدرٍ أي: حَمْلَا كُرْهاً. قوله: ((وحَمْلُه)) أي: مدةُ حَمْلِه. وقرأ العامَّةُ ((فِصالُه)) مصدر فاصَلَ، كأنَّ الأمّ فاصَلَتْهُ وهو فإِصَلَها. والجحدري(٨) والحسن وقتادة ((فَصْلُه)). قيل: (١) المحرر ١٩/١٥. (٢) أي الباء في ((بوالديه)). (٣) البحر ٦٠/٨. (٤) الآية ١٠٠ من يوسف. (٥) الآية ٨٣. انظر: الذر ٤٦٦/١. (٦) لم ترد في لقمان. (٧) الآية ١٩. انظر: الذر ٦٢٧/٣. (٨) النشر ٣٧٣/٢، والإتحاف ٤٧٠/٢، والبحر ٦١/٨، والقرطبي ١٩٣/١٦. ٦٦٨ - الأحقاف - والفَصْلُ والفِصال بمعنىَّ كالْفَظْمِ والفِطام، والقَطْفِ والقِطاف. ولو نَصَب (ثلاثين)) على الظرفِ الواقعِ موقعَ الخبرِ جاز، وهو الأصلُ. هذا إذا لم نُقَدِّر مضافاً، فإنْ قَدَّرْنا أي: مدةُ حَمْلِه لم يَجُزْ ذلك وتعيَّن الرفعُ، لتصادُقِ الخبرِ والمُخبرِ عنه. قوله: ((حتى إذا بَلَغَ)) لا بُدَّ مِنْ جملةٍ محذوفٍ تكونُ ((حتى)» غايةً لها أي : عاش واستمرّتْ حیاتُه حتى إذا. قوله: ((أربعين)) أي: تمامَها فـ ((أربعين)) مفعولٌ به. قوله: ((وأَصْلِحْ لِي فِي ذَرِّيَّتِي)) أَصْلَحَ يتعدَّى بنفسِه لقوله: ((وأَصْلَحْنا له زوجَه))(١) وإنما تعدَّى بـ في لتضمُّنِه معنى الطُفْ بي في ذَرِّيَّتِي، أو لأنه جَعَلَ الذرِّيَّة ظرفاً للصَّلاح كقولِه(٢): ٤٠٤٠- ، يَجْرَحُ فِي عَراقيبها نَصْلي آ. (١٦) قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ﴾: قرأ الأخوان(٣) وحفص ((نَتَقَبَّلُ)) بفتح النون مبنيًّاً للفاعلِ ونصبٍ ((أَحْسَنَ)) على المفعول به، وكذلك ((ونتجاوزُ)). والباقون ببنائِهما للمفعولِ ورفع ((أحسنُ)) لقيامِه مقام الفاعل ومكانَ النونِ ياءٌ مضمومةٌ في الفعلَيْن(٤). والحسنُ والأعمش وعيسى بالياء مِنْ تحتُ، والفاعلُ الله تعالی. (١) الآية ٩٠ من الأنبياء. (٢) تقدم برقم ٣٠٦٨. (٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٩٧، والنشر ٣٧٣/٢، والبحر ٦١/٨، والقرطبي ١٩٦/١٦، والحجة ٦٦٤، والقرطبي ١٩٦/١٦. (٤) يُتَقَبَّلُ. ٦٦٩ - الأحقاف - قوله: ((في أصحاب الجنَّةِ)) فيه أوجه، أحدُها : - وهو الظاهر - أنَّه في محلِّ حالٍ أي: كائنين في جملةِ أصحابِ الجنة كقولك: أكرَمَني الأميرُ في أصحابِهِ، أي: في جملتهم. والثاني: أن ((في)) بمعنى ((مع)). والثالث: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هم في أصحاب الجنة . قوله: ((وَعْدَ الصدِقِ)» مصدرٌ مؤكِّد لمضمون الجملة السابقة؛ لأنَّ قولَه ((أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عنهم» في معنى الوعد. آ. (١٧) قوله: ﴿أَفِّ﴾: قد تقدَّم الكلامُ على (أُفّ)) مستوفى(١). و ((لكما)) بيانٌ أي: التأفيفُ لكما نحو: ((هَيْت لك))(٢). قوله: ((أَتَعِدانِني)) العامَّةُ على نونَّيْن مكسورتَيْن: الأولى للرفع والثانية للوقاية، وهشام(٣) بالإِدغام، ونافع في روايةٍ بنونٍ واحدة. وهذه مُشَبَّهةٌ بقوله: (تَأْمُرُونِّي أعبدُ))(٤). وقرأ الحسن وشيبة وأبو جعفر وعبد الوارث عن أبي عمروٍ بفتح النونِ الأولى، كأَنَّهِم فَرُّوا مِنْ توالي مِثْلَيْنِ مكسورَيْن بعدهما ياءٌ. وقال أبو البقاء(٥): ((وهي لغةٌ شاذّةٌ في فتح نون الاثنين)) قلت: إنْ عَنَّى نونَ الاثنين في الأسماءِ نحو قوله(٦): ٤٠٤١- على أَحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ (١) انظر: الدر المصون ٣٤١/٧. (٢) الآية ٢٣ من يوسف. (٣) انظر في قراءاتها: البحر ٦٢/٨، والتيسير ١٩٩، والقرطبي ١٩٧/١٦، والنشر ٠٣٧٣/٢ (٤) الآية ٦٤ من الزمر. (٥) الإملاء ٢٣٤/٢. (٦) تقدم برقم ٣٦٠٤. ٦٧٠ - الأحقاف - فليس هذا منه. وإن عَنَى في الفعلِ فلم يَثْبُتْ ذلك لغةً، وإنَّما الفتحُ هنا لِما ذکرْتُ. قوله: ((أَنْ أُخْرَجَ)) هو الموعودُ به، فيجوزُ أَنْ تُقُدِّرَ الباءَ قبل ((أَنْ)) وأَنْ لا تُقَدِّرَها. قوله: ((وقد خَلَتْ)) جملةً حاليةٌ. وكذلك ((وهما يَسْتَغيثان اللَّهَ)) أي: يَسْألان اللَّهَ. واستغاث يتعدَّى بنفسِه تارةً وبالباء أخرى، وإن كان ابنُ مالكٍ(١) زعم أنَّه متعدٍّ بنفسِه فقط، وعابَ قول النحاةِ «مستغاث به)» قلت: لكنه لم يُرِدْ في القرآن إلَّ متعدّياً بنفسِه: ((إِذْ تَسْتَغيثون ربّكم)(٢) ((فاستغاثه الذي))(٣) ((وإنْ يَسْتغيثوا يُغاثوا))(٤). قوله: ((وَيْلَكَ)) منصوبٌ على المصدرِ بفعلٍ مُلاقٍ له في المعنى دونَ الاشتقاقِ. ومثله: وَيْحَه وَوَيْسَه وَوَيْبَه، وإمّا على المفعولِ به بتقدير: ألزمَك الله وَيْلَكَ. وعلى كلا التقديرَيْن(٥) الجملةُ معمولةٌ لقولٍ مقدرٍ أي: يقولان وَيْلَكَ آمِنْ. والقولُ في محلٌّ نصب على الحال أي: يَسْتغيئان اللَّهَ قائلين ذلك. قوله: ((إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)» العامةُ على كسرٍ ((إنَّ» / استئنافاً أو تعليلاً. [٨٠٢/ب] وقرأ(٦) عمرو بن فائد والأعرج بفتحِها على أنها معمولةٌ لـ آمِنْ على حَذْفٍ الباءِ أي: آمِنْ بأنَّ وَعْدَ اللَّهِ حقٌّ. (١) انظر: عمدة الحفاظ له ص ٢٨٧. (٢) الآية ٩ من الأنفال. (٣) الآية ١٥ من القصص. (٤) الآية ٢٩ من الكهف. (٥) الأصل: ((التقدير)» وهو سهو. (٦) البحر ٦٢/٨. ٦٧١ - الأحقاف ـ آ. (١٨) قوله: ﴿في أُمَمٍ﴾: كقوله: ((في أصحاب الجنة))(١) آ. (١٩) قوله: ﴿وَلِيُوَفِّيَّهُمْ﴾: مُعَلَّلهُ محذوفٌ تقديرُه: جازاهم بذلك. وقرأ (٢) ابن كثير وأبو عمروٍ وعاصمٌ وهشامٌ بالياءُ مِنْ تحتُ. وباقي السبعة بالنون. والسُّلمي بالتاءِ مِنْ فوقُ أَسْنَدَ التوفيةَ للدرجات مجازاً. قوله: ((وهم لا يُظْلَمون)): إمَّا استئنافٌ، وإمَّا حالٌ مؤكِّدة. آ. (٢٠) قوله: ﴿ويومَ يُعْرَضُ﴾: اليومَ منصوبٌ بقولٍ مقدرٍ أي: يُقال لهم: أَذْهَبْتُمْ في يومٍ عَرْضِهم. وجَعَل الزمخشريُّ(٣) هذا مثل ((عَرَضْتُ الناقةَ على الحوضِ)) فيكونُ قَلْباً. ورَدَّه الشيخُ (٤): بأنه ضرورةٌ. وأيضاً العَرْضُ أمرٌ نسبيُّ فتصِحُّ نسبته إلى الناقةِ وإلى الحوضِ . وقد تقدَّم الكلامُ في القلبِ(٥)، وأنَّ فيه ثلاثةَ مذاهبَ. قوله: ((أَذْهَبْتُم) قرأ(٦) ابن كثير ((أَذْهَبْتُمْ)) بهمزتَّيْن: الأولى مخففةٌ، والثانيةُ مُسَهَّلَةٌ بينَ بينَ، ولم يُدْخِلْ بينهما ألفاً، وهذا على قاعدتِه في ((أَنْذَرْتهم))(٧) ونحوه. وابنُ عامٍ قرأ أيضاً بهمزتَيْن، لكن اختلفَ راوياه عنه: فهشام سَهَّل الثانيةَ وخَفَّفَها، وأدخل ألفاً في الوجهَيْن، وليس على أصلِه فإنه من (١) في الآية ١٦. (٢) التيسير ١٩٩، والسبعة ٥٩٨، والنشر ٣٧٣/٢، والحجة ٦٦٥، والقرطبي ١٩٩/١٦، والبحر ٦٢/٨. (٣) الکشاف ٥٢٣/٣. (٤) البحر ٦٣/٨. (٥) انظر: الدر المصون ٥٢٠/٣. (٦) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٩٨، والحجة ٦٦٥، والقرطبي ١٩٩/١٦، والنشر ٣٦٦/١، والتيسير ١٩٩، والبحر ٦٣/٨. (٧) الآية ٦ من البقرة. ٦٧٢ - الأحقاف - أهلِ التحقيق. وابنُ ذكوان بالتحقيقِ فقط دونَ إدخالٍ ألفٍ. والباقون بهمزةٍ واحدةٍ فيكونُ: إِمَّا خبراً، وإمَّا استفهاماً، فأُسْقِطَتْ أداتُه للدلالةِ عليها، والاستفهامُ معناه التقريعُ والتوبيخُ . قوله: ((في حياتِكم)) يجوزُ تَعَلُّقُه بـ ((أَذْهَبْتُمْ)) ويجوزُ تعلُّقُه بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنْ «طيباتكم)). آ. (٢١) قوله: ﴿إِذْ أَنْذَرَ﴾: بدلٌ مِنْ (أَخا) بدلُ اشتمالٍ، وتقدَّم تحقيقُه(١). والأحْقافُ: جمعُ حِقْف وهو الرَّمْلُ المستطيلُ المِعْوَجُ ومنه (احْقَوْقَفَ الهِلالُ)) قال امرؤ القيس(٢): ٤٠٤٢- فلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانتحى بنا بَطْنُ حِقْفٍ ذي قِفافٍ عَقْقَلِ قوله: ((وقد خَلَتْ)) يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِن الفاعل أو من المفعولِ، والرابطُ الواوُ. والنُّذُر جمعُ نَذِير. ويجوزُ أَنْ تكونَ معترضةً بين ((أَنْذَرَ)) وبين ((أن لا تعبدوا)) أي: أَنْذَرهم بأَنْ لا . آ. (٢٤) قوله: ﴿فَلَّا رَأَوْه عارِضاً﴾: في هاء ((رَأَوْه)) قولان، أحدهما: أنه عائدٌ على ((ما تَعِدُنا)). والثاني: أنه ضميرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُه ((عارضً»: إِمَّا تمييزاً أو حالاً، قالهما الزمخشريُّ(٣). ورَدَّه الشيخُ(٤): بأنَّ التمييزَ المفسَّرَ للضميرٍ محصورٌ في باب: رُبَّ وفي نِعْمَ وبِئْس، وبأنَّ الحالَ لم يَعْهَدُوها أَنْ تُوَضِّحَ الضميرَ قبلها، وأنَّ النَّحْويين لا يَعْرفون ذلك. (١) انظر: الدر المصون ٥٧٦/٧. (٢) تقدم برقم ٤٥٠. (٣) الكشاف ٥٢٤/٣. (٤) البحر ٦٤/٨. ٦٧٣ - الأحقاف - قوله: ((مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِم)) صفةٌ لـ ((عارِضاً)) وإضافتُه غيرُ مَحْضٍ، فَمِنْ ثَمَّ ساغ أَنْ يكونَ نعتاً لنكرةٍ وكذلك ((مُمْطِرُنا)) وقع نعتاً لـ ((عارِض)) ومثله(١): ٤٠٤٣- يا رُبَّ غابِطِنا لو كان يَطْلُبُكُمْ لاقىْ مباعَدَةً منكم وحِرْمانا والعارِضُ: المُعْتَرِضُ من السحاب في الجوِّ. قال(٢): ٤٠٤٤ - يا مَنْ رَأَىْ عارِضاً أَرِقْتُ له بين ذراعَيْ وجَبْهَةِ الأَسَدِ وقد تقدَّم: أَنَّ أَوْدِيَة جمعُ ((وادٍ»، وأنَّ أَفْعِلة شذَّتْ جمعاً لـ فاعِل فِي ألفاظٍ: كوادٍ وَأَوْدِيَة، ونادٍ وأَنْدِية، وجائز وأَجْوِزة(٣). قوله: ((ريحٌ)) يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هو ريحٌ. ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلًا مِنْ ((هو))(٤). وقُرِىء (٥) ((ما استُعْجِلْتُمْ)) مبنياً للمفعول ((وفيها عذابٌ)) صفةٌ لـ ((ريحٌ)) وكذلك ((تُدَمُِّ). وقُرِىءٍ(٦) ((يَدْمُرُ كلُّ شيءٍ» بالياءِ من تحتُ وسكونِ الدال وضمِّ الميم (كلُّ)) بالرفع على الفاعلية أي: يهلك كلُّ شيءٍ. وزيد بن علي كذلك إلاّ أنه بالتاءِ مِنْ فوقُ ونصبِ ((كلَّ))، والفاعلُ ضميرُ الريح، وعلى هذا فيكون ذَمَّر الثلاثي لازِماً ومتعدياً. (١) تقدم برقم ١٨١٠. (٢) تقدم برقم ٣٦٤٤. (٣) الجائز من البيت: الخشبة التي تحمل خشب البيت. وانظر: الدر المصون ٣٨/٧. (٤) الأصل ((هي)) وهو سهو. (٥) البحر ٦٤/٨. (٦) البحر ٦٤/٨، والقرطبي ٢٠٦/١٦. ٦٧٤ - الأحقاف - آ. (٢٥) قوله: ﴿((فأَصْبحوا لا يُرَى إِلَّ مساكنُهم): قرأ(١) حمزةُ وعاصم ((لا يُرَىْ)) بضمِّ الياءِ مِنْ تحتُ مبنياً للمفعولِ، ((مَسَاكُهم)) بالرفع لقيامِه مقامَ الفاعلِ . والباقون من السبعةِ بفتح تاءِ الخطاب (مَساكنَهم) بالنصب مفعولاً به. والجحدريُّ والأعمش وابنُ أبي إسحاقَ والسُّلميُّ وأبو رجاءٍ بضمِّ التاءِ مِنْ فوقُ مبنياً للمفعول. ((مساكنُهم)) بالرفعِ لقيامِه مقامَ الفاعل، إلَّ أنَّ هذا عند الجمهور لا يجوزُ، أعني إذا كان الفاصل (إلَّ) فإنه يمتنع لَحاقُ علامةِ التأنيثِ في الفعل إلَّ في ضرورةٍ كقولِه(٢): / ٤٠٤٥- ومسا بَقِيَتْ إلَّ الضلوعُ الجراشِعُ [٨٠٣/أ] وقول الآخر (٣): ٤٠٤٦- كأنه جَمَلٌ هَمِّ وما بَقِيَتْ إِلاَّ النَّجِيزةُ والألواحُ والعَصَبُ وعيسى الهمداني ((لا يُرى)) بالياءِ مِنْ تحتُ مبنياً للمفعول، ((مَسْكُنُهم)) بالتوحيد. ونصر بن عاصم بتاء الخطاب ((مَسْكَنَهم)) بالتوحيد أيضاً منصوباً، واجتُزِىء بالواحد عن الجمع. آ. (٢٦) قوله: ﴿ما إنْ مَكْتَّاكم فيه﴾: ((ما)) موصولةٌ أو موصوفةٌ. وفي ((إِنْ)) ثلاثةُ أوجهٍ: شرطية وجوابُها محذوفٌ. والجملةُ الشرطيةُ (١) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٩٨، والبحر ٦٥/٨، والتيسير ٢٠٠، والقرطبي ٢٠٧/١٦، والحجة ٦٦٦، والنشر ٣٥/٢، والشواذ ١٣٩. (٢) تقدم برقم ٣٤٣٣. (٣) البيت لذي الرمة وهو في ديوانه: ٤٣، برواية ((وَهْمٌ)) بدل ((هَمَّ)) وشرخ الوهم بالضخم. والنحيزة: الطبيعة. وألواحها عظامها. فما بقي من الناقة بقية حيث فنيت من السير والتعب. ٦٧٥ - الأحقاف - صلةُ ما والتقدير: في الذي إنْ مَكِّنَّاكم فيه طَغَيْتُم. والثاني: أنها مزيدةً تشبيهاً للموصولةِ بـ ((ما)) النافية والتوقيتيةِ. وهو كقوله(١): ٤٠٤٧- يُرَجِّي المرءُ ما إنْ لا يَراهُ وتَعْرِضُ دونَ أَدْناه الخُطوبُ والثالث : - وهو الصحيحُ - أنها نافيةٌ بمعنى: مَكِّنَّاهم في الذي ما مكّنَّكم فيه من القوةِ والْبَسْطَةِ وسَعَةِ الأرزاق. ويدلُّ له قوله تعالى في مواضعَ: ((كانوا أشَدَّ منهم قوةً))(٢) وأمثالِه. وإنما عَدَلَ عن لفظِ ((ما)» النافية إلى ((إنْ)) كراهيةً لاجتماعٍ متماثلَيْن لفظاً. قال الزمخشري (٣): ((وقد أَغَثَّ أبو الطيب في قوله(٤): ٤٠٤٨- لَعَمْرُك ماما بان منك لِضارب وما ضَرَّه لو اقتدى بعُذوبة لفظِ التنزيل فقال: ((ما إِنْ بانَ منك)). قوله: ((فما أَغْنَى)) يجوزُ أَنْ تكونَ ((ما)» نفياً، وهو الظاهرُ أو استفهاماً للتقرير. واستبعده الشيخ(٥) لأجْلِ قوله: ((مِنْ شيء)) قال: ((إذ يصيرُ التقديرُ: (١) البيت لجابر بن رالان أو إياس بن الأرت، وهو في نوادر أبي زيد ٦٠، والخزانة ٥٦٧/٣، والدرر ٩٧/٨، والهمع ١٢٥/١، والمغني ٣٨. (٢) الآية ٩ من الروم. (٣) الكشاف ٥٢٥/٣. (٤) ديوانه بشرح العكبري ١٥٨/١. برواية: بأقتلَ مما بان مِنك لغائب يرى أنَّ ما بانٍ منك لضاربٍ قال الشارح: يريد أنه ما الذي بان منك لضارب بأقتل من الذي بان لعائب يعيبك، يريد أن العيب أشد من القتل. (٥) البحر ٦٥/٨. ٦٧٦ - الأحقاف - أيُّ شيءٍ أغنى عنهم مِنْ شيءٍ، فزاد ((مِنْ)) في الواجب، وهو لا يجوزُ على الصحيح)». قلت: قالوا تجوزُ زيادتها في غيرِ الموجَبِ وفَسَّروا غيرَ الموجَبِ بالنفيِ والنهيٍ والاستفهام ، وهذا استفهامٌ. قوله: ((إذ كانوا)) معمولٌ لـ ((أَغْنِىْ)) وهي مُشْرَبَةٌ معنى التعليلِ أي: لأنهم کانوا یَجْحَدُون. آ. (٢٨) قوله: ﴿قُرْباناً آلهةً﴾: فيه أربعةُ أوجهٍ، أوجَهُها: أنَّ المفعولَ الأولَ لـ ((اتَّخذوا)) محذوفٌ هو عائدُ الموصولِ. و ((قُرْبانا)) نُصِبَ على الحال و(«آلهةً)) هو المفعولُ الثاني للاتخاذ. والتقدير: فَهَلَا نَصَرهم الذين اتَّخَذُوْهم مُتَقَرَّباً بهم آلهةً. الثاني: أنَّ المفعولَ الأولَ محذوفٌ، كما تقدَّم تقريرُه، و((قُرْباناً)) مفعولاً ثانياً و ((آلهةً)) بدلٌ منه. وإليه نحا ابنُ عطية(١) والحوفيُّ وأبو البقاء(٢). إلَّ أنَّ الزمخشريَّ(٣) مَنَعَ هذا الوجهَ قال: ((لفسادِ المعنى)»، ولم يُبيِّنْ جهةَ الفساد. قال الشيخ(٤): ((ويَظْهَرُ أنَّ المعنى صحيحٌ على ذلك الإِعراب)) قلت: ووجهُ الفسادِ - واللَّهُ أعلم - أنَّ القُرْبان اسمُ لِما يُتَقَرَّبُ به إلى الإِله، فلو جَعَلْناه مفعولاً ثانياً، وآلهةً بدلاً منه لَزِمَ أَنْ يكونَ الشيءُ المتقرَّبُ به آلهةً، والفَرَضُ أنه غيرُ الآلهةِ، بل هو شيءٌ يُتْقَرَّب به إليها فهو غيرُها، فكيف تكون الآلهةُ بدلاً منه؟ هذا ما لا يجوزُ. الثالثُ: أنَّ ((قُرْباناً) مفعولٌ مِنْ أجلِه، وعزاه الشيخُ(٥) للحوفيِّ. قلت: وإليه ذهب أبو البقاء(٦) (١) المحرر ٣٦/١٥. (٢) الإملاء ٢٣٥/٢. (٣) الكشاف ٥٢٦/٣. (٤) البحر ٦٦/٨. (٥) البحر ٦٦/٨. (٦) عبارته في الإملاء ٢٣٥/٢: ((مصدر)). ٦٧٧ - الأحقاف - أيضاً، وعلى هذا فـ((آلهةً)) مفعولٌ ثانٍ والأولُ محذوفٌ كما تقدَّم. الرابع: أَنْ يكون مصدراً، نقله مكيٌّ (١). ولولا أنَّه ذكر وجهاً ثانياً وهو المفعولُ مِنْ أجلِه لأوَّلْتُ كلامَه: أنَّه أراد بالمصدرِ المفعولَ مِنْ أجلِهِ لُبُعْدٍ معنى المصدر. قوله: ((إنْكُهم)) العامَّةُ على كسرِ الهمزةِ وسكونِ الفاءِ، مصدرُ أَفَكَ يَأْفِكِ. إِفْكاً أي: كَذِبُهم. وابن عباس(٢) بالفتح وهو مصدرٌ له أيضاً. وابنُ عباس أيضاً. وعكرمة والصياح بن العلاء(٣) ((أَفَكَهُمْ)) بثلاثٍ فتحات فعلاً ماضياً. أي: صَرَفَهم. وأبو عياض(٤) وعكرمةُ أيضاً، كذلك إلاّ أنَّه بتشديد الفاءِ للتكثير. وابن الزبير وابن عباس أيضاً ((آفَكَهم)) بالمدِّ فعلاً ماضياً أيضاً، وهو يحتملُ أَنْ يكونَ بزنةِ فَاعَلَ، فالهمزةُ أصليةٌ، وأَنْ يكونَ بزنةٍ أَفْعَل، فالهمزةُ زائدةٌ والثانيةُ بدلٌ مِنْ همزةٍ. وإذا قلنا: إنه أَفْعَلَ فهمزتُه تحتملُ أَنْ تكونَ للتعديةِ، وأَنْ يكونَ أَفْعَلَ بمعنى المجرد. وابنُ عباس أيضاً: ((آفِكُهم)) بالمدَّ وكسرِ الفاءِ وَرَفْعٍ الكافِ، جعله اسمَ فاعلٍ بمعنى صارِفهم. وقُرِىء ((أَفَكُهم)) بفتحتين ورفعٍ الكافِ على أنَّه مصدرٌ لَأَفَكَّ أيضاً فتكونُ له ثلاثةُ مَصادرَ: الأَفْكُ والإِفْكُ بفتح الهمزة وكسرها مع سكون الفاء، وفتح الهمزة والفاء(٥). وزاد أبو البقاء(٦) أنه (١). مشكل إعراب القرآن ٣٠٣/٢. (٢) انظر في قراءاتها: البحر ٦٦/٨، والمحتسب ٢٦٧/٢، والقرطبي ٢٠٩/١٦، والشواذ ١٣٩ . (٣) لم أقف على ترجمته. (٤) عمرو بن الأسود العنسي الشامي سكن داريا. روى عن عبد الله بن عباس وعبادة بن الصامت. مات في خلافة معاوية، روى له الجماعة سوى الترمذي. انظر: تهذيب الكمال ١٠٢٦/٢. (٥). الأَفَكَ. (٦) الإملاء ٢٣٥/٢. ٦٧٨ - الأحقاف - قُرِىء ((آفَكُهم)) بالمدَّ وفتحِ الفاءِ ورفعِ الكافِ. قال: ((بمعنى أَكْذَبُهم)) فجعله أَفْعَلَ تفضيلٍ . قوله: ((وما كانوا يَفْتَرُون)) / يجوزُ أَنْ تكونَ ((ما)» مصدريةٌ وهو الأحسنُ [٨٠٣/ب] لُعْطَفَ علىْ مثلِه، وأَنْ تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ أي: يَفْتَرُونه. والمصدرُ مِنْ قولِه: ((إنْكُهم) يجوزُ أَنْ يكونَ مضافاً إلى الفاعل بمعنی کَذِبھم، وإلى المفعول بمعنی صَرْفِهم. آ. (٢٩) قوله: ﴿وإذْ صَرَفْنا﴾: منصوبٌ بـ اذْكُرْ مقدَّراً. وقُرِىءٍ(١) ((صَرَّفْنا)) بالتشديدِ للتكثيرِ. (من الجنِّ)) صفةً لـ((نَفَرَأ))، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بـ ((صَرَفْنا))، و((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ. قوله: (يَسْتَمِعُون)) صفةٌ أيضاً لـ(نَفْراً)) أو حالٌ لتخصُّصِه بالصفةِ، إِنْ قلنا: إنَّ ((مِنَ الجنّ» صفةً له، وراعى معنى النَّفَر، فأعاد عليه الضميرَ جمعاً، ولو راعى لفظُه وقال: ((يَسْتمع)» آَجاز. قوله: ((فَلَّمَّا حَضَرُوْه)) يجوزُ أَنْ تكونَ الهاءُ للقرآنِ، وهو الظاهرُ، وأَنْ تكونَ للرسولِ عليه السلام، وحينئذٍ يكونُ في الكلام التفاتٌ مِنْ قوله: ((إليك)» إلى الغَيْبَةِ في قوله: ((حَضَرُوه)). قوله: ((قُضِي)) العامَّةُ على بنائِه للمفعولِ أي: فَرَغَ [مِنْ] قراءةِ القرآنِ، وهو يُؤَيِّدُ عَوْدَ هاء ((حَضَروه)) على القرآن. وأبو مجلز(٢). وحبيب بن عبد الله(٣) (١) البحر ٦٧/٨. (٢) البحر ٦٧/٨، والقرطبي ٢١٦/١٦. (٣) حبيب بن عبد الله الأزدي البصري، روى عنه ابنه عبد الصمد، روى له أبو داود حديثاً واحداً. انظر: تهذيب الكمال ٢٢٨/١. ٦٧٩ - الأحقاف - ((قَضَىْ) مبنياً للفاعلِ أي: أَتَمَّ الرسولُ قراءته، وهي تؤَيِّدُ عَوْدَها على الرسولِ عليه السلام . آ. (٣١) قوله: ﴿مِنْ ذُنوبكم﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ تبعيضيَّةً، وأن تکونَ مزیدةً عند مَنْ یری ذلك(١). آ. (٣٣) قوله: ﴿ولم يَعْيَ﴾: العامَّةُ على سكونِ العينِ وفتحٍ. الياءِ مضارعَ عَبِيَ بالكسْرِ يَعْيا بالفتحِ، فلمَّا دَخَلَ الجازمُ حَذَفَ الألفَ. وقرأ(٢). الحسن (يَعِيْ)) بكسر العين وسكون الياءِ. قالوا: وأصلُها عَبِيَ بالكسرِ، فجعل الكسرةَ فتحةً على لغةٍ طَيِّىء فصارَ ((عَيا)) كما قالوا في بَقِيَ: بَقًا. ولَمَّا بُنِي الماضي على فَعَلَ بالفتح جاء بمضارعِه على يَفْعِل بالكسرِ، فصار يَعْبِي مثل: يَرْمي. فلمَّا دَخَلَ الجازمُ حَذَفَ الياءَ الثانيةَ فصار ((لم يَغْيِ)) بعين ساكنة وياء مكسورة ثم نَقَلَ حركةَ الياءِ إلى العينِ فصار اللفظُ كما ترى. وقد تَقَدَّم أن عَبِيَ وحَبِي فيهما لغتان: الفُكُّ والإِدغامُ، فأمَّا (حَبِي)) فتقدَّمَ في الأنفال(٣). وعَيَّ فکقوله(٤) : ٤٠٤٩- عَيُّوا. عَيَّتْ بَبَيْضَتِها الحمَامَهْ بأَمْرِهِمُ كما والعِيُّ: عَدَمُ الاهتداءِ إلى جهةٍ. ومنه العِيُّ في الكلامِ، وعَبِيَ بِالأمرِ: إذا لم يَهْتَدِ لوجْهه . (١) وهو الأخفش حيث لا يشترط دخولها على نكرة. انظر: أمثلة من كتاب ((معاني القرآن)) ٩٨، ٢٠٩، ٢٥٤، ٢٧٤، ٢٩٠. (٢) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٧٣/٢، والقرطبي ٢١٩/١٦، والمحتسب ٢٦٩/٢، والشواذ ١٣٩ . (٣) انظر: الدر المصون ٦١٣/٥. (٤) تقدم برقم ٢٤٢٦. ٦٨٠