النص المفهرس

صفحات 621-640

- الدخان -
آ. (٢٠) قوله: ﴿أَنْ تَرْبُوْن﴾: أي: مِنْ أَنْ تَرْجُمون.
وقوله: ((إِنِّي عُذْتُ)) مستأنفُ. وأدغم الذالَ في التاء أبو عمروٍ (١)
والأخَوان. وقد مَضَى توجيهُه في طه عند قوله: ((فَنَبَذْتُها))(٢).
آ. (٢٢) قوله: ﴿أَنَّ هؤلاء﴾: العامّةُ على الفتحِ بإضمارٍ حرفٍ
الجرِّ أي: دعاه بأنَّ هؤلاء. وابنُ أبي إسحاق(٣) وعيسى والحسن بالكسرِ على
إضمارِ القول عند البَصْرِيين، وعلى إجراءِ ((دَعا)» مُجْرى القول عند الكوفيين.
آ. (٢٣) قوله: ﴿فَأُسْرِ بعبادي﴾: قد تقدَّم قراءتا الوصل
والقطع(٤). وقال الزمخشري(٥): ((وفيه وجهان: إضمارُ القولِ بعد الفاء: فقال
أَسْرِ بعبادي، وجوابُ شرطٍ مقدرٍ، كأنَّه قال: إن كان الأمرُ - كما تقول - فَأَسْرِ
بعبادي)). قال الشيخ(٦): ((وكثيراً ما يَدَّعي حَذْفَ الشرطِ(٧) ولا يجوزُ إلَّ لدليلِ
واضحٍ كَأَنْ يتقدَّمَه الأمرُ أو ما أشبهه)).
آ. (٢٤) قوله: ﴿رَهْواً﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً ثانياً على أنَّ
((تَرَكَ)) بمعنىْ صَيِّر، وأَنْ يكونَ حالاً على أنَّها ليسَتْ بمعناها. والرُّهْوُ قيل:
(١) النشر ١٦/٢، والقرطبي ١٣٥/١٦، والبحر ٣٥/٨، والإتحاف ٤٦٣/٢.
(٢) الآية ٩٦ من طه .
(٣) البحر ٣٥/٨.
(٤) انظر: الدر المصون ٣٦٤/٦.
(٥) الكشاف ٥٠٣/٣.
(٦) البحر ٣٥/٨.
(٧) وإبقاء جوابه .
٦٢١

- الدخان -
السكونُ، فالمعنى: اتْرُكْه ساكناً. يقال: رَهَا يَرْهُورَهْواً. ومنه جاءَتِ الخيلُ
رَهْواً. قال النابغة (١):
٤٠١٤- والخيلَ تَمْزَعُ رَهْواً في أَعِنَّتِها
كالطيرِ تَنْجُوْ مِنَ الشُّوبوب ذِي الْبَرْدِ
وَرَهَا يَرْهُو فِي سَيْرِهِ. أي: تَرَفَّقَ. قال القطامي(٢):
٤٠١٥ - يَمْشِيْنَ رَهْواً فلا الأَعْجازُ خاذِلَةٌ
ولا الصدورُ على الأعجازِ تَتَّكِلُ
عن أبي عبيدةً (٣): رَهْواً: أي اتركْه مُنْفَتحاً فُرَجاً على ما تركْتَه ،
وفي التفسير: أنَّه لَمَّا انْفَلَقِ البحرُ لموسى وطَلَعَ منه خاف أن يتبعَه فرعونُ
[٧٩٥ / ب] فأراد أَنْ يَضْرِبَه ليعودَ حتى لا يَلحقوه. فَأَمَرَ أَنْ يتركَه فُرَجاً. وأصلُه مِنْ قولهم: /
رَها الرجلُ يَرْهُو رَهْواً فتح ما بينَ رِجْلَيْه، والرَّهْوُ والرَّهْوَةُ: المكانُ المرتفعُ
والمنخفضُ يَجْتمع فيه فهو من الأضداد. والرَّهْوَةُ(٤) المرأةُ الواسعةُ الهَنِ.
والرَّهْوُ: طائر يقال هو الكُرْكِيّ. وقد تقدَّم الكلامُ في الشعراء(٥) على نظير ((كم
ترکوا من جنات)).
(١) ديوانه ١٨ ورواية صدره فيه:
والخيلَ تُنْزِعُ غَرْباً في أَعِنْتُها
ونصب الخيل عطفاً على ما قبلها. وتمزّع مَزْعاً: تُسرع. والشؤبوب: السحابة
العظيمة القطر.
(٢) اللسان (رها)، والبحر ٣١/٨.
(٣) لم يرد في ((المجاز)).
(٤) أثبتها في (اللسان) بحذف التاء: ((وامرأةٌ رَهْوٌ)).
(٥) انظر إعرابه للآية ٧ من الشعراء.
--
٦٢٢

- الدخان -
آ. (٢٦) قوله: ﴿ومَقامٍ﴾: العامَّةُ على فتح الميم وهو اسم
مكان القيام. وابن هرمز(١) وقتادة وابن السَّمَّيْفع ونافعٌ في روايةِ خارجةَ بضمُها
اسمُ مكانٍ مِنْ أقام.
آ. (٢٧) والنَّعْمَةُ بالفتح: نَضارةُ العيشِ وَلَذاذْتُه. والجمهور على
جَرِّها. ونَصَبَها أبو رجاءٍ(٢) عَطْفاً على ((كم)) أي: تركوا كثيراً مِنْ كذا، وتركوا
نَعْمة.
قوله: ((فاكِهين)) العامَّةُ على الألف أي: طَيِّبي الأنفسِ أو أصحابُ فاكهة
كـ لابنٍ وتامِر. وقيل: فاكهين لاهين. وقرأ(٣) الحسن وأبو رجاء ((فَكِهين)) أي:
مُسْتَخِفِّينِ مُسْتهزئين. قال الجوهري(٤): ((يُقال: فَكِهَ الرجلُ بالكسرِ فهو فَكِهٌ إذا
كان مَزَّاحاً والفَكِهُ أيضاً: الأشِرُ)).
آ. (٢٨) قوله: ﴿كذلك﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ الكافُ مرفوعةً
المحلِّ خبراً لمبتدأ مضمر أي: الأمرُ كذلك، وإليه نحا الزجَّاج(٥). ويجوزُ أَنْ
تكون منصوبةً المحلِّ، فقَدَّرها الحوفيُّ: أَهْلكنا إِهْلاكاً وانتقَمْنا انتقاماً كذلك.
وقال الكلبيُّ: ((كذلك أَفْعَلُ بمَنْ عَصائي)). وقيل: تقديرُه: يَفْعِل فِعْلًا كذلك.
وقال أبو البقاء (٦): ((تَرْكاً كذلك)) فجعله نعتاً للتركِ المحذوفِ. وعلى هذه
الأوجهِ كلِّها يُوْقَفُ على ((كذلك)) ويُبْتدأ ((وَأَوْرَتْناه)). وقال الزمخشري(٧):
(١) البحر ٣٦/٨.
(٢) البحر ٣٦/٨.
(٣) النشر ٣٥٤/٢، والإتحاف ٤٦٣/٢، والقرطبي ١٣٩/١٦، والبحر ٣٦/٨.
(٤) الصحاح (فكه) ٢٢٤٣/٦.
(٥) معاني القرآن ٤٢٦/٤.
(٦) الإِملاء ٢٣٠/٢.
(٧) الكشاف ٥٠٣/٣.
٦٢٣

- الدخان -
((الكافُ منصوبةٌ على مُعنى: مثلَ ذلك الإِخراجِ أَخْرَجْناهم منها وأَوْرَتْناها قوماً
آخرين ليسوا منهم)»، فعلى هذا يكون ((وأَوْرَثْناها)» معطوفاً على تلك الجملةِ
الناصبةِ للكاف، فلا يجوزُ الوقفُ على ((كذلك)) حينئذٍ.
آ. (٢٩) قوله: ﴿فما بَكَتْ عليهم السماءُ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ
استعارةٌ كقولِ الفرزدق(١):
٤٠١٦ - الشمسُ طالِعَةٌ ليسَتْ بكاسِفَةٍ
تَبْكي عليك نجومَ الليلِ والقمرا
وقال جرير(٢):
٤٠١٧- لَمَّا أتىْ خَبرُ الزُّبَيْرِ تواضَعَتْ
سُوْرُ المدينةِ والجبالُ الخُشْعُ
وقال النابغة(٣):
٤٠١٨- بكى حارِثُ الجَوْلانِ مِنْ فَقْدِ رَبِّهِ
وحَوْرانُ منهِ خَاشِعْ مُتَضَائِلُ
آ. (٣١) قوله: ﴿مِنْ فرعونَ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه بدلٌ
من العذاب: إمَّا على خَذْفِ مضافٍ أي: مِنْ عذابٍ فرعونَ، وإمَّا على المبالغةِ
جعلَه نفسَ العذابِ فأبدله منه. والثاني: أنه حالٌ من العذابِ تقديرُه: صادراً
مِنْ فرعونَ .
(١) البيت لجرير وليس للفرزدق، وهو في ديوانه ٧٣٦، وشرح شواهد الشافية ٢٦،
واللسان كسف والصحاح كسف. و((تبكي)) هنا للمغالبة فإن الشمس غلبت النجوم
بكثرة البكاء. وفي البيت أقوال كثيرة انظرها في: شرح شواهد الشافية ٢٦ ..
(٢) تقدم برقم ٥٥٢ .
(٣) ديوانه ١٢٠.
٦٢٤

- الدخان -
وقرأ(١) عبد الله ((مِنْ عذابِ المُهين)) وهي مِنْ إضافةِ الموصوفِ لصفتِه؛
إذ الأصلُ: العذابُ المُهين، كالقراءةِ المشهورةِ.
وقرأ(٢) ابن عباس ((مَنْ فرعونُ)) بفتح ميم ((مَنْ)) ورفع ((فرعونُ)) على
الابتداءِ والخبرِ، وهو استفهامُ تحقيرٍ كقولك: مَنْ أنتَ وزيداً. ثم بَيَّنَ حاله
بالجملة بعدُ في قوله: ((إنه كان عالِياً من المُسْرفين)).
آ. (٣٢) قوله: ﴿على عِلْمِ على العالمين): ((على)) الأولى
متعلّقةٌ بمحذوفٍ لأنَّها حالٌ من الفاعل في ((اخْتَرْناهم)). والثانية متعلقةٌ
بـ ((اخْتَرْناهم)). وفي عبارة الشيخ(٣): أنَّه لَمَّا اختلفَ مدلولُها جاز تعلُّقُهما
بـ ((اخْتَرْنا)). وأنشد الشيخُ نظيرَ ذلك(٤):
٤٠١٩- ويَوْماً على ظَهْرِ الكَثِيْبِ تَعَذَّرَتْ
عليٍّ وآلَتْ حَلْفَةٌ لم تَحَلِّلِ
ثم قال: ((فـ ((على عِلْم)) حالٌ: إمَّا من الفاعلِ أو من المفعول. و((على
ظَهْر)) حالٌ من الفاعل في ((تَعَذَّرَتْ)). والعاملُ في الحال هو العاملُ فِي
صاحبها)). وفيه نظرٌ؛ لأنَّ قولَه أولاً: ((ولذلك تَعَلَّقا بفعلٍ واحدٍ لَمَّا اختلف
المدلولُ)) ينافي جَعْلَ الأولى حالاً؛ لأنَّها لم تتعلَّقْ به. وقولُه: ((والعاملُ في
الحالِ هو العاملُ في صاحبِها)» لا يُنْفَعُ في ذلك.
(١) البحر ٣٧/٨، وتفسير الفخر الرازي ٢٤٨/٢٧.
(٢) البحر ٣٧/٨، والكشاف ٥٠٤/٣.
(٣) البحر ٣٨/٨.
(٤) البيت لامرىء القيس من معلقته، في ديوانه ١٢. الكثيب: رمل مرتفع. تعذّرت
تَصَعِّبت. لم تحلل: لم تَسْتَثْن من يمينها.
٦٢٥

- الدخان -
آ. (٣٧) قوله: ﴿والذين مِنْ قَبْلِهم﴾: يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ،
أحدها: أَنْ يكونَ معطوفاً على ((قومُ تُبّع)). الثاني: أَنْ يكونَ مبتدأُ، وخبرُه
ما بعده مِنْ (أَهْلَكْناهم))، وأمَّا على الأول فـ((أَهْلَكْناهم)): إمَّا مستأنفٌ، وإِمَّا
حالٌ من الضمير الذي أُسْتَكَنَّ في الصلة. الثالث: أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ مقدرٍ
يُفَسِّرِه ((أَهْلَكْناهم)). ولا مَحَلَّ لـ أَهْلكنا) حينئذٍ.
آ. (٣٨) قوله: ﴿لاعبين﴾: حال. وقرأ(١) عمرو بن عبيد «وما
بينَهُنَّ)) لأنَّ السمواتِ والأرضَ جمعٌ. والعامَّةُ (بينَهما)) باعتبار النوعَيْن.
آ. (٣٩) قوله: ﴿إِلَّ بالحقِّ﴾: حالٌ: إمَّا من الفاعلِ، وهو
[٧٩٦/أ] الظاهرُ، وإمَّا من المفعولِ أي: إلَّ مُحِقِّين أو مُلْتَبِسين/ بالحق.
آ. (٤٠) قوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيْقاتُهم﴾: العامّةُ على
رَفْعِ («ميقاتُهم)» خبراً لـ ((إِنَّ)). وقُرِىء(٢) بنصبِه على أنه اسمُ ((إنَّ)) و ((يومَ
الفصلِ)) خبرُه. و((أَجْمعين)) تأكيدٌ للضمير المجرور.
آ. (٤١) قوله: ﴿يومَ لا يُغْنِي﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً من «يومَ
الفصل)» أو بياناً عند مَنْ لا يَشْتَرِط المطابقةَ تعريفاً وتنكيراً، وأَنْ يكونَ منصوباً
بإضمار أَعْني، وأَنْ يكونَ صفةً لـ ((مِيقَاتُهم)) ولكنه بُنِي. قاله أبو البقاء (٣). وهذا
لا يتأتّى عند البَصْرِيين(٤) لإضافته إلى مُعْرَبٍ. وقد تقدَّمَ آخرَ المائدة(٥)، وأَنْ
(١) البحر ٣٩/٨.
(٢) وهي قراءة عبيد بن عمير. انظر: الكشاف ٥٠٥/٣، والبحر ٣٩/٨.
(٣) الإملاء ٢٣١/٢.
(٤) انظر: الارتشاف ٥٥٢/٢.
(٥) انظر: الدر المصون ٥٢٠/٤.
٦٢٦

- الدخان -
يَنْتَصِبَ بفعلٍ يَدُلُّ عليه ((يومَ الفَصْلِ)) أي: يَفْصِلُ بينهم يومَ لا يُغْني. ولا يجوزُ
أَنْ ينتصِبَ بالفصلِ نفسِه لِما يَلْزَمُ مِنْ الفَصْلِ بينهما بأجنبيّ وهو («ميقاتُهم))،
و ((الفَصْل)) مصدر لا يجوز فيه ذلك. وقال أبو البقاء(١): ((لأنّه قد أُخْبر عنه)»،
وفيه تَجَوُّزْ فإنَّ الإِخبارَ عَمَّا أُضِيْفَ إِلى الفَصْلِ لاغي الفَصْلِ .
قوله: ((ولا هم) جُمِع الضميرُ عائداً به على ((مَوْلَى))، وإنْ كان مفرداً لأنه
قَصَدَ معناه فجُمِعَ، وهو نكرةٌ في سِیاق النفيِ فَعَمَّ.
آ. (٤٢) قوله: ﴿إِلَّ مَنْ رَحِمَ الله﴾ يجوزُ فيه أربعةُ أوجهٍ،
أحدُها : - وهو قولُ الكسائيِّ - أنه منقطعٌ. الثاني: أنه متصِلٌ تقديرُه: لا يُغْني
قريبٌ عن قريبٍ إلَّ المؤمنين فإنَّهم يُؤْذَنُ لهم في الشفاعةِ فَيَشْفَعُون في
بعضِهم. الثالث: أَنْ يكونَ مرفوعاً على البدليةِ مِنْ ((مَوْلَى)» الأول، ويكونُ
(يُغْنِي) بمعنىْ يَنْفَعُ، قاله الحوفي. الرابع: أنه مرفوعُ المحلُّ أيضاً على البدلِ
مِنْ واو ((يُنْصَرُون)) أي: لا يمنعُ من العذابِ إلَّ مَنْ رحمه الله .
آ. (٤٥) قوله: ﴿كالمُهْلِ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً ثانياً، وأَنْ
يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هو كالمُهْلِ. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ ((طعام
الأثيم)). قال أبو البقاء(٢): ((لأنَّه لا عاملَ إذ ذاك))(٣). وفيه نظرً؛ لأنّه يجوزُ أَنْ
يكونَ حالاً، والعاملُ فيه معنى التشبيه، كقولك: زيدٌ أخوك شجاعاً.
والأثيم (٤) صفةُ مبالَغَةٍ. ويقال: الأَثُّوم كالصَّبورِ والشَّكور. والمُهْل: قيل
دُرْدِيُّ الزيت. وقيل عَكَرِ القَطِران. وقيل: ما أُذِيْبَ مِنْ ذَهَبٍ أو فضة. وقيل:
(١) الإملاء ٢٣١/٢.
(٢) الإملاء ٢٣١/٢.
(٣) قوله: ((إذ ذاك)) غير واضح في الأصل.
(٤) عاد إلى الآية ٤٤.
٦٢٧

- الدخان -
ما أُذِيْبَ منهما ومِنْ كلِّ ما في معناهما من المُنْطبعات كالحديدِ والنحاس
والرَّصاص. والمَهْلُ بالفتح: النُّؤَدَةُ والرِّفْقُ. ومنه ((فَمَهَّلِ الكافرين))(١). وقرأ(٢)
الحسن («كالمَهْل)» بفتح الميم فقط، وهي لغةٌ في المُهْلِ بالضم.
قوله: ((يَغْلِي)) قرأ(٣) ابن كثير وحفصٌ بالياءِ مِنْ تحتُ، والفاعلُ ضميرٌ
يعود على طعام. وجَوَّز أبو البقاء(٤) أَنْ يعودَ على الزَّقُّوم. وقيل: يعود على
المُهْلِ نفسِه، و((يَغْلِي)) حالٌ من الضميرِ المستترِ في الجارِّ أي: مُشْبهاً المُهْلَ
غالياً. ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنَ المُهْلِ نفسِه. وجَوَّزَ أبو البقاء(٥) أَنْ يكونَ خبرَ
مبتدأ محذوفٍ أي: هو يَغْلي أي: الزقُّوم أو الطعامُ. والباقون ((تَغْلِي)) بالتّاء مِنْ
فوقُ، على أنَّ الفاعلَ ضميرُ الشجرةِ، والجملةُ خبرٌ ثانٍ أو حالٌ على رَأْيٍ،
أو خبرُ مبتدأ مضمر أي : هي تَغْلي .
:
آ. (٤٦) قوله: ﴿كغَلْي الحَميم﴾: نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ،
أو حالٌ مِنْ ضميرٍه أي: تَغْلِي غَلْياً مَثْلَ غَلَّيِ الحميمِ أو يَغْلِيهِ مُشْبهاً غَلْيَّ
الحميم .
آ. (٤٧) قوله: ﴿فاعْتِلوه﴾: قرأ(٦) نافعٌ وابنُ كثير وابن عامر
بضمٌّ عين ((اعْتُلوه)». والباقون بكسرِها، وهما لغتان في مضارع عَتْله أي: ساقَه
بجفاءٍ وغِلْظَة كـ عَرَش يَعْرِشِ ويَعْرُش. والعُتُلُّ: الجافي الغليظُ.
(١) الآية ١٧ من الطارق.
(٢) الإتحاف ٤٦٣/٢، والبحر ٣٩/٨.
(٣) السبعة ٥٩٢، والبحر ٣٩/٨، والقرطبي ١٥٠/١٦، والحجة ٦٥٧، والنشبر:
٣٧١/٢.
(٤) الإِملاء ٢٣١/٢.
(٥) الإِملاء ٢٣١/٢.
(٦) السبعة ٥٩٢، والنشر ٣٧١/٢، والبحر ٤٠/٨، والتيسير ١٩٨، والقرطبي
٠١٥٠/١٦
٦٢٨

- الدخان -
آ. (٤٩) قوله: ﴿إِنَّك أنت﴾: قرأه الكسائيُّ بالفتحِ على معنى
العلّةِ أي: لأنَّك. وقيل: تقديرُه: ثُقْ عذابَ أنَّك أنت العزيزُ. والباقون بالكسرِ
على الاستئنافِ المفيدِ للعلَّة، فتتحدُ القراءاتان معنىًّ. وهذا الكلامُ على سبيلِ
التهكم ، وهو أغيَظُ للمُسْتَهْزَأ به، ومثلُه قولُ جريٍ لشاعرٍ سَمِّى نفسه زهرةً
اليمن (١):
٤٠٢٠- أَلَمْ يَكُنْ فِي وُسُومٍ قد وَسَمْتُ بها
مَنْ كان موعظةً يا زهرةً اليَمَنِ
وكان هذا الشاعرُ قد قال(٢):
٤٠٢١- أَبْلِغْ كُلَيْباً وَأَبْلِغْ عَنْك شاعرَها
أَنِّي الْأَغَرُّ وأنِّي زهرةُ اليمنِ
آ. (٥٢) قوله: ﴿في جَنَّات﴾: / يجوز أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ قوله: [٧٩٦/ب]
((في مَقام)) بتكرير العاملِ ، ويجوزُ أَنْ يكونَ خبراً ثانياً.
آ. (٥٣) قوله: ﴿يَلْبَسُوْنَ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضمير
المستكِنُّ في الجارِّ، وأَنْ يكونَ خبراً لـ ((إِنَّ)) فيتعلَّقَ الجارُّبه، وأَنْ يكون
مُسْتأنفاً.
(١) ديوانه ٥٦٩، وروايته فيه:
ألم يكنْ في وُسومٍ قد وَسَمْتُ بها من حان موعظةً يا حارثَ اليمنِ
وهو في المحرر ٣٠٠/١٤.
(٢) البيت في الخصائص ٤٦١/٢، والمحرر ٣٠٠/١٤ والوسوم: ج وسم وهو أثر
الکيّ. ويعني أذی هجائه.
٦٢٩

- الدخان -
قوله: ((مُتقابلين)) حالٌ مِنْ فاعلِ ((يَلْبَسون)) وقد تقدَّم تفسيرُ هذه الألفاظِ:
السُّنْدُس(١) والإِستبرق(٢) والمقام(٣).
آ. (٥٤) قوله: ﴿كذلك﴾: في هذه الكاف وجهان، أحدُهما:
النصبُ نعتاً لمصدرٍ أي: نفعلُ بالمتقين فعلاً كذلك أي: مِثْلَ ذلك
الفعلِ . والثاني: الرفعُ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: الأمرُ كذلك. وقَدَّر أبو (٤)
البقاء قبلَه جملةً حاليةً فقال: ((تقديرُه: فَعَلْنا ذلك والأمرُ كذلك))، ولا حاجةً
إليه. والوقفُ على ((كذلك))، والابتداءُ بقولِه ((وزَوَّجْناهم)).
قوله: ((بِحُوْرٍ عِيْنٍ)) العامَّةُ على تنوين ((حور)) مَوْصُوفين بـ (عِيْن)).
وعكرمة (٥) لم يُنْوِّن، أضافهنَّ لأنهنَّ ينقِمْنَ إلى عِيْنٍ وغيرِ عِيْنٍ. وتقدَّم تفسيرُ
الحُورِ العين(٦).
آ. (٥٥) قوله: ﴿يَدْعُون﴾: حالٌ مِنْ مفعولِ ((زَوَّجْناهم))،
ومفعولُه محذوفٌ أي: يَدْعُوْنِ الخَدَمَ بكلِّ فاكهةٍ .
قوله: ((آمِنِين)) يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً ثانية، وأَنْ يكونَ حالاً من فاعلٍ
(يَدْعُون)) فتكونَ حالاً متداخلةً.
آ. (٥٦) قوله: ﴿لا يَذُوْقُون﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من
الضميرِ في ((آمِنين))، وأَنْ يكونَ حالاً ثالثةً أو ثانيةً مِنْ مفعولِ (زَوَّجْناهم)»
(١) انظر: الدر المصون ٤٨٤/٧.
(٢) انظر: الدر المصون ٤٨٤/٧.
(٣) انظر: الدر المصون ١٠٦/٢.
(٤) الإملاء ٢٣١/٢.
(٥) القرطبي ١٥٤/١٦، والمحتسب ٢٦١/٢.
(٦) انظر إعرابه للآية ٤٨ من الصافات.
٦٣٠

- الدخان -
و ((آمنين)) حالٌ مِنْ فاعلِ ((يَدْعُون)) كما تقدَّمَ، أو صفةٌ لـ ((آمِنِين)) أو مستأنفٌ.
وقرأ(١) عمرو بن عبيد ((لا يُذاقون)) مبنياً للمفعول.
قوله: ((إلّ الموتَةَ الأُوْلِى)» فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه منقطعٌ أي: لكنْ الموتَةُ
الأولى قد ذاقُوها. الثاني: أنه متصلٌ وتَأَوَّلُوه: بأنَّ المؤمنَ عند موتِه في الدنيا
بمنزلته في الجنة لمعاينة ما يُعْطاه منها، أو لِما يَتَيَقّتُه مِنْ نعيمِها. الثالث: أنَّ
(إلَّ)) بمعنى سِوى نقله الطبريُّ(٢) وضَعَّفَه. قال ابن عطية(٣): ((وليس تَضْعِيفُه
بصحيحٍ ، بل هو كونُها بمعنى سِوى مستقيمٌ مُتَِّقٌ)). الرابع: أن ((إلَّا)) بمعنى
بَعْد. واختاره الطبريُّ (٤)، وأباه الجمهورُ؛ لأنَّ(إلّ) بمعنى بعد لم يَثْبُتْ. وقال
الزمخشري(٥): ((فإنْ قلت: كيف اسْتُنْنَيَتِ الموتةُ الأولى المَذُوْقَةُ قبلَ دخول
الجنةِ مِنَ الموتِ المنفيِّ ذَوْقُه؟ قلت: أُرِيدَ أَنْ يُقالَ: لا يَذُوْقون فيها الموتَ
البتّةَ، فوضع قوله ((إلا الموتةَ الأولى)) مَوْضِعَ ذلك؛ لأنَّ الموتَةَ الماضيةَ مُحالٌ
ذَوْقُها في المستقبلِ فهو من بابِ التعليقِ بالمُحال: كأنَّ قيل: إنْ كانت الموتةُ
الأولى يَسْتقيم ذَوْقُها في المستقبلِ ؛ فإنَّهم يَذْوْقونها في الجنة)). قلت: وهذا
عند علماءِ البيانِ يُسَمِّى نَفْيَ الشيء بدليله. ومثلُه قولُ النابغةِ(٦):
٤٠٢٢ - لا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهُمْ
بهنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكتائبِ
يعني: إنْ كان أحدٌ يَعُدُّ فُلولَ السيوفِ مِنْ قِراع الكتائب عَيْباً فهذا
(١) البحر ٤٠/٨.
(٢) تفسير الطبري ١٣٧/٢٥.
(٣) المحرر ٣٠٢/١٤.
(٤) تفسير الطبري ١٣٧/٢٥.
(٥) الكشاف ٥٠٧/٣.
(٦) تقدم برقم ١٥٦١.
٦٣١

- الدخان -
عيبُهم، لكنَّ عَدَّهُ من العيوبِ مُحالٌ، فانتفى عنهم العيبُ بدليل تعلُّقِ الأمرِ على
مُحال. وقال ابن عطية(١) بعد ما قَدَّمْتُ حكايته عن الطبريِّ: ((فَبَّنَ أنه نَفَى
عنهم ذَوْقَ الموتِ، وأنه لا ينالُهم من ذلك غيرُ ما تقدَّم في الدنيا))، يعني أنه
كلامٌ محمولٌ على معناه .
قوله: ((ووَقاهم)) الجمهورُ على التخفيف. وقرأ(٢) أبو حيوةَ (ووقًّاهم))
بالتشديد على المبالغة، ولا يكونُ للتعدية فإنَّه متعدٍّ إلى اثنين قبلَ ذلك.
آ. (٥٧) قوله: ﴿فَضْلاً﴾: هذا مفعولٌ مِنْ أجلِه، وهو مُرادُ مكي
حيث قال(٣): ((مصدرٌ عَمِلَ فيه ((يَدْعُون)). وقيل: العاملُ فيه ((ووَقاهم)) وقيل:
آمِنِين)) فهذا إنما يظهر على كونِه مفعولاً مِنْ أجله. على أنَّه يجوزُ أن يكونَ
مصدراً لأنَّ يَدْعُون وما بعده من باب التفضُّلِ ، فهو مصدرٌ مُلاقٍ لعامله في
المعنى. وجَعَله أبو البقاء(٤) منصوباً بمقدر أي: تَفَضَّلْنا بذلك فَضْلًا أي:
تَفَضُّلاً.
آ. (٥٨) قوله: ﴿يَسَّرْنَاه﴾: أي: القرآن بلسانك أي بلغتك.
[٧٩٧/ أ] والباءُ للمصاحبة/.
آ. (٥٩) قوله: ﴿فارْتَقِبْ إنهم مُرْتقبون﴾: مفعولا الارتقاب
محذوفان أي: فارتقب النصرَ مِنْ رَبِّك إنهم مُرْتَقِبون بك ما يتمنُّوْنَه من الدوائرِ
والغوائل ولن يَضِيْرَك ذلك ..
[تمَّت بعونه تعالى سورة الدخان]
(١) المحرر ٣٠٢/١٤.
(٢) البحر ٤٠/٨، والفخر الرازي ٢٥٤/٢٧.
(٣) إعراب المشكل ٢٩٢/٢.
(٤) الإملاء ٢٣١/٢.
٦٣٢

- الجاثية -
سورة الجاثية
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٢) قوله: ﴿تنزيلُ﴾: قد تقدَّم مثلُه أولَ غافر(١). وقال أبو
عبدِ الله الرازيُّ: ((العزيزِ الحكيمِ إنْ كانا صفةً لله كان حقيقةٌ، وإنْ كانا صفةٌ
للكتاب كان مجازاً». وقد رَدَّ عليه الشيخ (٢) جَعْلَه إياهما صفةً للكتاب قال:
(إذ لو كان كذلك لَوَلِيَتِ الصفةُ موصوفَها فكان يُقال: تَنزِيلُ الكتابِ العزيزِ
الحكيمِ من الله)) قال: ((لأنَّ ((من الله)) إنْ تَعَلَّقَ بـ («تَنْزِيل)) وتنزيل خبرٌ لحم
أو لمبتدأ محذوفٍ لَزِمَ الفَصْلُ به بين الصفة والموصوف، ولا يجوزُ، كما
لا يجوزُ («أعجبني ضَرْبُ زيدٍ بسوط الفاضلِ؛ أو في موضع الخبر، و«تنزيلُ»
مبتدأ، فلا يجوز الفصْلُ به أيضاً لا يجوز: ضَرْبُ زيدٍ شديدٌ الفاضلِ)).
آ. (٤) قوله: ﴿وما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٌ﴾: فيه وجهان، أظهرهما:
أنه معطوفٌ على ((خَلْقِكم)) المجرورِ بـ ((في)) والتقديرُ: وفي ما يُّبُثُّ. والثاني:
أنه معطوفُ على الضميرِ المخفوضِ بالخَلْق، وذلك على مذهبٍ مَنْ يرى
العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ(٣) واستقبحه الزمخشريُّ (٤) وإنْ
(١) انظر إعرابه للآية ٢ من غافر.
(٢) البحر ٤٢/٨.
(٣) وهم الكوفيون. انظر: الإنصاف ٤٦٣ .
(٤) الكشاف ٥٠٨/٣.
٦٣٣

- الجاثية -
أُكِّد نحو: ((مررتُ بك أنت وزيدٍ)) يُشير بذلك إلى مذهب الجرميِّ فإنَّه يقول:
إِن أُكِّد جازَ، وإلّ فلا، فقولُه مذهبٌ ثالثٌ.
قوله: ((آياتٌ لقومٍ يُؤْقنون)) و((آياتٌ لقوم يعقلون))(١) قرأ(٢) (آياتٍ»
بالكسر في الموضعَيْن الأخوان، والباقون برفعهما. ولا خِلافَ في كسرِ الأولى
لأنها اسمُ ((إِنَّ)). فأمَّا ((آياتٍ لقومٍ يُؤْقنون)) بالكسر فیجوزُ فيها وجهان،
أحدهما: أنها معطوفةً على اسم ((إِنَّ))، والخبرُ قولُه: ((وفي خَلْقِكم)). كأنه
قيل: وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِنْ دابة آياتٍ. والثاني: أَنْ تكونَ كُرِّرَتْ تأكيداً
الآيات الأولى، ويكونُ ((في خَلْقكم)) معطوفاً على ((في السموات)» كُرِّر معه
حرفُ الجَرِّ توكيداً. ونظيرُهُ أَنْ تقولَ: ((إنَّ في بيتك زيداً وفي السوق زيداً))
فزيداً الثاني تأكيد للأول، كأنك قلت: إنَّ زيداً زيداً في بيتك وفي السوق،
وليس في هذه عطفٌ على معمولَيْ عاملَيْن البتةَ .
وقد وَهِم أبو البقاء(٣) فجعلها مِنْ ذلك فقال: (( ((آيات لقومٍ يُوقنون)) يُقرأ
بكسر التاءِ، وفيه وجهان، أحدهما: أنَّ((إنَّ) مضمرةٌ حُذِفَتْ لدلالةَ ((إنَّ)) الأولى
عليها، وليسَتْ ((آيات)) معطوفةً على ((آيات)) الأولى لِما فيه من العطف على
معمولَيْ (٤) عاملين. والثاني: أَنْ تكونَ كُرِّرَتْ للتأكيد لأنها مِنْ لفظ ((آيات)»
الأولى، وإعرابُها كقولك: ((إن بشوبك دماً وبثوبٍ زيد دماً)) فـ (دم)) الثاني
مكررٌ؛ لأنّك مُسْتغنٍ عِنْ ذِكْرِه)) انتهى.
(١) الآية ٥.
(٢) السبعة ٥٩٤، والبحر ٤٤/٨، والنشر ٣٧١/٢، والحجة ٦٥٨، والقرطبي
١٥٧/١٦، والتيسير ١٩٨.
(٣) الإملاء ٢٣٢/٢.
(٤) سقط ((معمولي)) من الإملاء.
٦٣٤

- الجاثية -
فقوله: ((وليسَتْ معطوفةً على آياتٍ الأولى لِما فيه من العطفِ على
عامِلَيْن)» وَهَمّ؛ أين معمولُ العاملِ الآخر؟ وكأنه توهَّمَ أنَّ ((في)) ساقطةٌ مِنْ
قوله: ((وفي خَلْقِكم)) أو اختلطَتْ عليه ((آياتٌ لقومٍ يَعْقِلون)) بهذه؛ لأنَّ تَيْكَ فيها
ما يُؤْهِمُ العطفَ على عامِلَيْن وقد ذكره هو أيضاً.
وأمّا الرفعُ(١) فمِنْ وجهَيْن أيضاً، أحدهما: أَنْ يكونَ ((في خَلْقِكم)) خبراً
مقدَّماً، و((آياتٌ)) مبتدأً مؤخراً، وهي جملةٌ معطوفةٌ على جملة مؤكدةٍ. بـ((إِنَّ).
والثاني: أَنْ تكون معطوفةً على ((آيات)) الأولى باعتبار المحلِّ عند مَنْ يُجيزُ
ذلك، لا سيما عند مَنْ يقولُ: إنه يجوز ذلك بعد الخبرِ بإجماعٍ .
وأمّا قولُه: ((واختلافِ الليلِ والنهارِ)) الآية فقد عَرَفْتَ أَنَّ الأخَوَيْن يقرآن
(آيات)) بالكسرِ، وهي تحتاج إلى إيضاحٍ، فإن الناسَ قد تكلَّموا فيها كلاماً
كثيراً، وخرَّجوها على أوجهٍ مختلفةٍ، وبها استدلَّ على جوازِ العطفٍ على
عاملين. قلت: والعطفُ على عامِلَيْن لا يختصُّ بقراءةِ الأخوّيْن بل يجوز أَنْ
يُسْتَدَلَّ عليه أيضاً بقراءة الباقين، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى. فأما قراءةُ
الأخوين ففيها أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ (اختلافِ الليلِ)) مجروراً بـ ((في)»
مضمرةً، وإنما حُذِفَتْ لتقدُّم ذكرِها مَرَّتَيْنِ، وحرفُ الجرِّ إذا دَلَّ عليه دليلٌ / جاز [٧٩٧ /ب]
خَذْفُه وإبقاءُ عملِه. وأنشَدَ سيبويه(٢):
٤٠٢٣ - الآن قَرَّبْتَ تَهْجُونا وتَشْتِمُنا
فاذهَبْ فما بك والأيامِ من عَجَبٍ
تقديرُه: وبالأيام لتقدُّم الباءِ في ((بك)) ولا يجوزُ عَطْفُه على الكاف لأنه
ليس مِنْ مذهبه - كما عَرَفْتَ - العطفُ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةٍ
(١) أي رفع آیات.
(٢) تقدم برقم ٩٣٨.
٦٣٥

- الجالية -
الجارِّ، فالتقديرُ في هذه الآيةِ: ((وفي اختلافِ آيات)) فـ((آيات)) على ما تقدَّم
من الوجهين في ((آيات)) قبلَها: العطفِ أو التأكيدِ. قالوا: ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ
عبد الله (١) ((وفي اختلافٍ)) تصريحاً بـ ((في)». فهذان وجهان.
الثالث: أَنْ يُعْطَفَ ((اختلافٍ)) على المجرورِ بـ ((في)» وآياتٍ على
المنصوبِ بـ((إنَّ)). وهذا هو العطفُ على عاملَيْنٍ، وتحقيقُه على معمولَيْ
عاملين: وذلك أنَّك عَطَفْتَ ((اختلاف)) على خَلْق وهو مجرورٌ بـ ((فِي)) فهو
معمولُ عاملٍ، وعَطَفْتَ ((آياتٍ)) على اسمِ ((إنَّ) وهو معمولُ عاملٍ آخرَ، فقد
عطَفْتَ بحرفٍ واحدٍ وهو الواوُ معمولین وهما ((اختلاف)) و ((آیات)» على معمولَیْن
قبلَهما وهما: خَلْق وآيات. وبظاهرِها استدلَّ مَنْ جَوِّز ذلك کالأخفشِ . وفي
المسألة أربعةُ مذاهب(٢): المَنْعُ مطلقاً، وهو مذهبُ سيبويه(٣) وجمهورِ
البصريين. قالوا: لأنه يُؤَدِّي إلى إقامة حرفِ العطفِ مقامَ عاملين وهو لا يجوزُ؛
لأنه لو جاز في عامِلَيْن لجازّ في ثلاثةٍ، ولا قائل به، ولأنَّ حرفَ العطفِ ضعيفٌ
فلا يَقْوَى أَنْ ينوبَ عن عاملَيْنِ ولأنَّ القائلَ بجوازٍ ذلك يَسْتَضْعِفُه، والأحسنُ
عنده أن لا يجوزَ، فلا ينبغي أَنْ يُحْمَلَ عليه كتابُ اللَّهِ، ولأنه بمنزلةِ التعديتيْنِ
بُمُعَدٍّ واحد، وهو غيرُ جائٍ.
قال ابن السراج(٤): ((العطفُ على عاملَيْن خطأً في القياسِ، غيرُ مَسْموع
من العرب)) ثم حَمّل ما في هذه الآيةِ على التكرارِ للتأكيد. قال الرمَّاني: ((هُو
كقولك: ((إنَّ في الدارِ زيداً والبيتِ زيداً)) فهذا جائزٌ بإجماعٍ فتدبَّرْ هذا الوجهَ
(١) البحر ٤٣/٨.
(٢) انظر المسألة في: شرح التسهيل لابن مالك ٣٨٧/١، ٣٧٨/٣، والارتشاف
٦٥٩/٢، والمقتضب ١٩٥/٤.
(٣) الكتاب ٣١/١.
(٤) الأصول ٢/ ٧٥.
٦٣٦

- الجاثية -
الذي ذكره ابنُ السراجِ فإنه حسنٌ جداً، لا يجوزُ أَنْ يُحْمَلَ كتابُ اللَّهِ إِلاّ عليه.
وقد بَيِّنْتُ القراءةَ بالكسرِ ولا عيبَ فيها في القرآن على وجهٍ، والعطفُ على
عاملَيْن عيبٌ عند مَنْ أجازه ومَنْ لم يُجِزْه، فقد تناهى في العيب، فلا يجوزُ
حَمْلُ هذه الآيةِ إلَّ على ما ذكره ابنُ السَّراج دون ما ذهب إليه غيرُه)). قلت:
وهذا الحَصْرُ منه غيرُ مُسَلَّمٍ فإِنَّ في الآيةِ تخريجاتٍ أُخَرَ غيرَ ما ذكره
ابن السراج يجوزُ الحَمْلُ عليها. وقال الزجاج(١): ((ومثلُه في الشعر(٢):
٤٠٢٤- أكلَّ امرِىءٍ تَحْسَبين امْرَأْ
ونارٍ تَوَقِّدُ بالليلِ نارا
وأنشد الفارسيُّ للفرزدق(٣):
٤٠٢٥- وباشَرَ راعيها الصَّلا بلَبانِه
وجَنْبَيْه حَرَّ النارِ ما يتحرِّق
وقول الآخر(٤):
٤٠٢٦ - أَوْصَيْتُ مِنْ رُبْدَةَ قَلْباً حُرَّاً
بالكلبِ خيراً والحَمَاةِ شّرا
قلت: أمَّا البيتُ الأولُ فظاهرُه أنه عَطَفَ و ((نارٍ)) على ((امرىء)) المخفوض
بـ ((كل)) و((ناراً)) الثانية على ((امرأ)) الثاني. والتقدير: وتحسبين كلَّ نارٍ ناراً،
فقد عطف على معمولَيْ عاملَيْن. والبيتُ الثاني عَطَفَ فيه ((جَنْبَيْه)) على ((بلبانه))
وعَطَفَ ((حَرَّ النارِ)) على ((الصلا))، والتقدير: وباشر بجَنْبَيْه حرَّ النار، والبيتُ
(١) معاني القرآن للزجاج ٤٣١/٤.
(٢) تقدم برقم ٢٤٤٣.
(٣) الحجة للفارسي (خ) ٢٩٦/٤، ليس في ديوانه.
(٤) تقدم برقم ٢٥٨٦ .
٦٣٧

- الجاثية -
الثالث عَطَفَ فيه ((الحَماة)) على (الكلب)) و((شَرًّا)) على ((خيراً))، تقديرُه
وأَوْصَيْتُ بالحماة شراً. وسيبويه(١) في جميع ذلك یری الجرَّ بخافضٍ مقدٍ
لكنه عُورض: بأنَّ إعمال حرفِ الجرِّ مضمراً ضعيفٌ جداً، ألا ترى أنَّه لا يجوزُ
(مررتُ زيدٍ)) بخفضِ ((زيد)) إلَّ في ضرورةٍ كقوله(٢):
٤٠٢٧- إذا قيلَ أيُّ الناسِ شرٌّ قبيلةٍ
أشارَتْ كليبٍ بالأكفِّ الأصابعُ
يريد: إلى كليب، وقول الآخر(٣) :
٤٠٢٨-
حتى تَبَذَّخَ فارتقى الأعلامِ
أي إلى الأعلام، فقد فَرَّ مِنْ شيءٍ فوقَع في أضعفَ منه. وأُجيب عن
ذلك: بأنه لَمَّا تَقَدَّم ذِكْرُ الحرف في اللفظِ قَوِيَتِ الدلالةُ عليه، فكأنَّه ملفوظٌ به
بخلافٍ ما أَوْرَدْتموه في المثالِ والشعر.
والمذهب الثاني : التفصيلُ - وهو مذهب الأخفش - وذلك أنّه يجوز
بشرطَيْنٍ، أحدُهما: أَنْ يكونَ أحدُ العاملَيْن جارًّا. والثاني: أن يتصلَ المعطوفُ
بالعاطفِ أو يُفْصَلَ بلاء مثالُ الأولِ الآيةُ الكريمةُ والأبياتُ التي قَدَّمْتُها، ولذلك
استصوب المبردُ(٤) استشهادَه بالآية. ومثالُ الفَصْل بـ لا قولك: ((ما في الدار
(١) ليس في كتابه نص صريح يفيد ذلك، ولكنه في مسألة ((لبيك أن الحمد لك)) بفتح
أَنَّ قال: ((أنّ)) في موضع جر كما حذفوا ((ربّ)) في قولهم: ((وبلٍ)) انظر:
الكتاب / ص ٤٦٤ - ٤٦٥.
(٢) تقدم برقم ٢٩٢ .
(٣) تقدم برقم ٢٩٣.
(٤) أشار المبرد في ((المقتضب)) إلى هذه الآية في قراءة الأخوين، وإلى إجازة الأخفش
لهذا العطف ثم قال: ((فعطف على إنَّ وعلى في، وهذا عندنا غير جائز)» المقتضب
٤ / ١٩٥.
٦٣٨

- الجاثية -
زيدٌ ولا الحجرةِ عمروٌ))، فلو فُقِدَ الشرطانِ نحو: إنَّ/ زيداً شَتَمَ بِشْراً، وواللَّهِ [١/٧٩٨]
خالداً هنداً، أو فُقِدَ أحدُهما نحو: إِنَّ زيداً ضربَ بَكْراً، وخالداً بشراً. فقد نَقَلَ
ابنُ مالكٍ(١) الامتناعَ عند الجميعِ. وفيه نظرٌ لِما سَتَعْرِفُه من الخلافِ.
الثالث: أنَّه يجوزُ بشرطِ أَنْ يكونَ أحدُ العامِلَيْنِ جارَّاً، وأَنْ يكونَ
متقدماً، نحوَ الآيةِ الكريمةِ، فلو لم يتقدَّمْ نحوَ: ((إنَّ زيداً في الدار، وعمراً
السوقٍ)» لم يَجُزْ، وكذا لو لم يكنْ حرفَ جرِّ كما تقدَّمَ تمثلُه.
الرابع: الجوازُ، وَيُعْزَىْ للفَرَّاءِ.
الوجهُ الرابعِ من أوجهِ تخريجِ القراءةِ المذكورة: أَنْ تنتصِبَ ((آيات)»
على الاختصاصِ. قاله الزمخشريُّ(٢)، وسيأتي فيما أَحْكيه عنه.
وأمَّا قراءةُ الرفعِ ففيها أوجهٌ، أحدُها: أَنْ يكونَ الأولُ والثاني ما تقدَّم في
(آيات لقومٍ يُؤْقِنون)). الثالث: أَنْ تكونَ تأكيداً لآيات التي قبلها، كما كانَتْ
كذلك في قراءةِ النصبِ. الرابع: أَنْ تكونَ المسألةُ من بابِ العطفِ على
عامِلَيْن؛ وذلك أنَّ((اختلافِ)) عطفُ على ((خَلْقِكم)) وهو معمولٌ لـ ((في))
و «آيات)» معطوفةٌ على ((آيات)) قبلَها، وهي معمولةً للابتداءِ فقد عَطَفَ على
معمولَيْ عامِلَيْنِ في هذه القراءةِ أيضاً. قال الزمخشري(٣): ((قُرِىءَ ((آيات لقوم.
يُوقنون)» بالرفع والنصبِ على قولِك: ((إنَّ زيداً في الدار وعمراً في السوقِ،
أو وعمروٌ في السوق)). وأمَّا قولُه: ((آيات لقومٍ يَعْقِلون)) فمن العطفِ على
عامِلَيْنِ سواءً نَصَبْتَ أم رَفَعْتَ فالعاملان في النصبِ هما: ((إِنَّ)، و((في)) أُقيمت
الواوُ مُقَامَهما فَعَمِلَتْ الجرَّ في و((اختلافِ الليل والنهار)) والنصبَ في ((آياتٍ)).
(١) انظر: شرح التسهيل له ٣٧٨/٣.
(٢) الكشاف ٥٠٩/٣.
(٣) الكشاف ٥٠٨/٣.
٦٣٩

- الجاثية -
وإِذا رَفَعْتَ فالعاملانِ: الابتداءُ، و((في)) عملت الرفع في ((آيات)» والجرَّ فِي
((اختلاف)))). ثم قال في توجيهِ النصبِ: ((والثاني أَنْ ينتصِبَ على الاختصاصِ
بعد انقضاءِ المجرور».
الوجهُ الخامسُ أَنْ يرتفعَ ((آياتٌ)» على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي آياتٌ.
وناقَشَه الشيخُ(١) فقال: ((ونسبةُ الجرِّ والرفعِ، والجرِّ والنصبِ للواوِ ليس
بصحيحٍ ؛ لأنَّ الصحيحَ من المذاهبِ أنَّ حرفَ العطفِ لا يعملُ» قلت: وقد
ناقشه الشيخُ شهابُ الذِين أبو شامةً(٢) أيضاً فقال: ((فمنهم مَنْ يقولُ: هو على
هذه القراءةِ أيضاً - يعني قراءةً الرفعِ - عطفٌ على عاملَيْنِ وهما حرفُ ((في))،
والابتداءُ المقتضي للرفعِ . ومنهم مَنْ لا يُطْلِقُ هذه العبارةَ في هذه القراءةِ؛ لأنّ
الابتداءَ ليس بعاملٍ لفظي)).
وقُرىء ((واختلافُ))(٣) بالرفعِ ((آيةٌ)) بالرفعِ والتوحيدِ على الابتداء
والخبر، وكذلك قُرىءٍ(٤) ((وما يُبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آيةٌ)) بالتوحيد. وقرأ(٥) زيد بن علي
وطلحة وعيسى ((وتصريف الريح» كذا قال الشيخ (٦). قلت وقد قرأ بهذه القراءة
حمزةُ والكسائيُّ أيضاً، وقد تقدَّم ذلك في سورة البقرةِ(٧).
آ. (٦) قوله: ﴿نَتْلُوها﴾: يجوز أَنْ يكونَ خيراً لـ ((تلك))
و ((آيات الله)) بدلٌ أو عطفُ بيانٍ. ويجوزُ أَنْ تكونَ ((تلك آيات)) مبتدأً أو خبراً،
(١) البحر ٤٣/٨، وحدث سقط في مطبوعة البحر من هذا النص.
(٢) إبراز المعاني له ٦٨٣ .
(٣) القرطبي ١٥٨/١٦، والبحر ٤٣/٨.
(٤) وهي قراءة زيد بن علي، انظر: البحر ٤٢/٨.
--
(٥) الإتحاف ٤٦٦/٢، والتيسير ١٩٨، والنشر ٣٧١/٢.
(٦) البحر ٤٣/٨.
(٧) انظر: الدر المصون ٢٠٧/٢.
٦٤٠