النص المفهرس

صفحات 601-620

- الزخرف -
مِن الصُّدود، وهو الإِعراضُ. وقد أنكر ابنُ عباسٍ الضمّ، وقد رُوِي له عن
علي رضي الله عنهما - والله أعلم - قبل بلوغِه تواتُرُه.
آ. (٥٨) قوله: ﴿وقالوا أآلهتُنا خيرٌ﴾: قرأ(١) أهلُ الكوفة(٢)
بتحقيق الهمزةِ الثانيةِ، والباقون بتسهيلِها بينَ بينَ، ولم يُدْخِلْ أحدٌ مِنْ القرّاء
الذين مِنْ قاعدتهم الفصلُ بين الهمزتين بألفٍ، ألفاً، كراهةً لتوالي أربعةٍ
مُتشابهات، وأَبْدل الجميعُ الهمزةَ الثالثة(٣) ألفاً. ولا بُدَّ مِنْ زيادةِ بيان: وذلك [٧٩٣/أ]
أن ((آلهة)) جمعُ إله كعِماد وأَعْمِدَة، فالأصلُ أَأْلِهَة بهمزتين: الأولى زائدةٌ،
والثانيةُ فاء الكلمة وقعتِ الثانيةُ ساكنةً بعد مفتوحةٍ وَجَبَ قْبُها ألفاً كأَمِنَ وبابِهِ،
ثم دَخَلَتْ همزةُ الاستفهامِ على الكلمةِ، فالتقى همزتان في اللفظ: الأولى
للاستفهامِ والثانيةُ همزةُ أَفْعِلة. والكوفيون (٤) لم يَعْتَدُّوا باجتماعِهما فَأَبْقَوْهما
على حالِهما. وغيرُهم استثقَل فخفَّفَ الثانيةَ بالتسهيلِ بينَ بينَ، والثالثةُ بألفٍ
محضةٍ لم تُغَيَّرْ البتةَ. وأكثرُ أهلِ العصرِ يُقِرُّوْنَ هذا الحرفَ بهمزةٍ واحدة بعدها
ألفُ على لفظِ الخبرِ ولم يقرأْ به أحدٌ من السبعة فيما قَرَأْتُ به، إلَّ أَنَّهِ رُوِي أنَّ
وَرْشاً قرأ كذلك في روايةٍ أبي الأزْهر(٥)، وهي تحتملُ الاستفهامَ كالعامّةِ،
وإنما حَذَفَ أداةَ الاستفهامِ لدلالة ((أم)) عليها وهو كثيرٌ. وتَحْتمل أنَّه قرأه خبراً
مَحْضاً وحينئذٍ تكون ((أم)) منقطعةً فتُقَدَّرُ بـ بل والهمزة.
(١) السبعة ٥٨٧، والبحر ٢٥/٨، والقرطبي ١٠٤/١٦، والحجة ٦٥٣، والنشر
٣٦٤/١ - ٣٦٥، والتيسير ١٩٧.
(٢) وهم عاصم وحمزة والكسائي.
(٤) أي من القراء عندما قرؤوا أآلهة بالتحقيق.
(٣)
وهي همزة أألهة الثانية .
(٥) عبد الصمد بن عبد الرحمن أبو الأزهر العتقي، أخذ عن ورش وروى عنه بكر
الدمياطي توفي سنة ٢٣١. طبقات القراء ٣٨٩/١.
٦٠١

- الزخرف : -
وأمَّا الجماعةُ فهي عندهم متصلةً. فقوله: ((أم هو)) على قراءةِ العامة
عطفٌ على ((آلهتنا)) وهو من عطفِ المفرداتِ. التقدير: أآلهتنا أم هو خيرٌ أي:
أيُّهما خيرٌ. وعلى قراءةٍ ورشٍ يكونُ ((هو)) مبتدأُ، وخبرُه محذوفٌ تقديرُه: بل
أهو خيرٌ، وليست ((أم)) حينئذٍ عاطفةً.
قوله: ((جَدّلاً)) مفعولٌ مِنْ أجله أي: لأجلِ الجدلِ والمِراءِ لا لإظهارِ
الحقِّ. وقيل: هو مصدرٌ في موضعِ الحال أي: إلَّ مُجادِلين.
وقرأ ابنُ مقسم (جِدالاً)) والوجهان جاريان فيه. والظاهر أنَّ ((هو)) لعيسى
كغيره من الضمائر. وقيل: هو للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
آ. (٦٠) قوله: ﴿لَجَعَلْنا منكم ملائكةً﴾: في ((مِنْ)) هذه
أقوالٌ، أحدها: أنها بمعنى بَدَل أي: لَجَعَلْنَا بَدَلكم. ومنه أيضاً ((أَرَضِيْتُمْ
بالحياة الدنيا من الآخرة»(١) أي بَدَلَها. وأنشد (٢):
٤٠٠٥- أَخَذُوا المَخَاضَ من الفَصيل غُلُبَّةً
فُلْماً ويُكْتَبُ للأمير إفالا
وقال آخر (٣).
٤٠٠٦ - جارِيَةٌ لم تَأْكُلِ المُرَقَّقَا
ولم تَذُقْ من البُقولِ الفُسْتقا
والثاني : - وهو المشهورُ - أنها تبعيضِيَّةٌ. وتأويلُ الآية عندهم: لَوَلَّدْنا
منکم یا رجالُ ملائکةً في الأرض یخْلُفونکم کما یخْلُفکم أولادكم، کما وَلَدْنا
(١) الآية ٣٨ من التوبة.
(٢) تقدم برقم ١١٨٣.
(٣) تقدم برقم ١١٨٢.
٦٠٢

- الزخرف -
عيسى مِنْ أنثى دونَ ذكرٍ، ذكره الزمخشري(١). والثالث: أنها تبعيضيَّةٌ. قال أبو
البقاء(٢): ((وقيل: المعنى: لَحَوَّلْنا بعضَكم ملائكةً)). وقال ابن عطية(٣):
((لَجَعَلْنَا بَدَلاً مِنْكم)).
آ. (٦١) قوله: ﴿وإنه لعِلْمٌ﴾: المشهورُ أنَّ الضمير لعيسى،
يعني نزولَه آخر الزمان. وقيل الضميرُ للقرآن أي: فيه عِلْمُ الساعةِ وأهوالُها،
أو هو علامةٌ على قُرْبها. وفيه ((اقترب للناس حسابهم))(٤) (اقتربَتِ الساعةُ) (٥).
وقيل: للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم. ومنه ((بُعِثْتُ أنا والساعةُ كهاتَيْن))(٦).
والعامَّةُ على ((عِلْم)) مصدراً، جُعِل عِلْماً مبالغَةً لَمَّا كان به يَحْصُلُ العِلْمُ،
أو لَّمّا كان شَرْطاً يُعْلَم به ذلك أُطْلِقِ عليه عِلْم. وابن عباس (٧) وأبو هُرَيْرَة
وأبو مالكِ الغِفاري(٨) وزيد بن علي ((لَعَلَمْ)) بفتح الفاءِ والعينِ أي: لَشَرْطٌ
وعَلامةٌ، وقرأ أبو نضرة(٩) وعكرمةُ كذلك، إلَّ أنهما عَرَّفا باللام، فقرآ (للعَلَمُ))
أي: لَلْعلامةُ المعروفةُ.
(١) الكشاف ٤٩٤/٣.
(٢) الإِملاء ٢٢٨/٢.
(٣) المحرر ٢٧٠/١٤ .
(٤) الآية ١ من الأنبياء.
(٥) الآية ١ من القمر.
(٦) رواه البخاري. انظر: الفتح ٣٤٧/١١، ٣٩ باب قول النبي صلَّى الله عليه وسلّم،
٨١ كتاب الرقاق.
(٧) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٥٨/٢، والقرطبي ١٠٥/١٦، والبحر ٢٦/٨.
(٨) غروان أبو مالك الغفاري الكوفي. روى عن البراء بن عازب وعبد الله بن عباس،
وعنه إسماعيل بن سميع، ثقة، وروى له أبو داود وغيره. انظر: تهذيب الكمال
١٨٩/٢.
(٩) المنذر بن مالك العبدي البصري أدرك طلحة بن عبيد الله، وروى عن ابن عباس.
وعنه حميد الطويل. ثقة. توفي سنة ١٠٨. انظر: تهذيب الكمال ١٣٧٣/٣.
٦٠٣

- الزخرف -
آ. (٦٧) قوله: ﴿الأُخِلَّاءُ يومئذٍ﴾: مبتدأ، وخبرُهُ (عَدُوٌّ)).
والتنوين في ((يومئذٍ)) عِوَضٌ عن جملة تقديرُه: يومَ إذْ تَأْتيهم الساعةُ. والعامل
في ((يَوْمئذ)» لفظُ ((عَدُوٌّ) أي: عداوتُهم في ذلك اليوم.
آ. (٦٨) قوله: ﴿يا عبادِيْ﴾: قرأ(١) أبو بكرٍ عن عاصمٍ
(يا عبادِيَ، لا خَوْفٌ) بفتح الياء. والأخوانَ وابن كثير وحفصٌ بحَذْفِها وصلاً
ووقفاً. والباقون بإثباتها ساكنةٌ. وقرأ العامَّةُ ((لا خوفٌ)) بالرفع والتنوينِ: إِمَّا
مبتدأً، وإمَّا اسماً لها، وهو قليلٌ. وابن محيصن(٢) دونَ تنوينٍ على حَذْفٍ
مضافٍ وانتظارِهِ: لا خوفُ شيءٍ (٣). والحسنُ وابن أبي إسحاق بالفتح على
((لا)) التبرئةِ، وهي عندهم أَبْلَغُ.
آ. (٦٩) قوله: ﴿الذين آمنوا﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً
لـ «عبادي)) أو بدلاً منه، أو عطف بيانٍ له، أو مقطوعاً منصوباً أو مرفوعاً.
آ. (٧١) قوله: ﴿يُطافُ﴾: قبلَه محذوفٌ أي: يَدْخُلُونُ يُطاف.
والصِّحافُ: جمعُ صَحْفَة كَجَفْنَة وجِفان. قال الجوهري(٤): ((الصَّحْفَةُ
كالقَصْعَةِ. وقال الكسائيُّ: أعظمُ القِصاعِ الجَفْنةُ، ثم القَصْعَةُ تُشْبِعِ العَشَرَةَ،
[٧٩٣/ب] ثم الصَّحْفَةُ تُشْبِعُ الخمسةَ، ثم المِثْكَلَّة تُشْبِعُ / الرجلين والثلاثة»(٥).
والصَّحيفة: الكتابُ، والجمعُ: صُحُف وصَحَائف. وأمال(٦) الكسائيُّ في
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٨٨، والحجة ٦٥٣، والتيسير ١٩٧، والبحر ٢٦/٨،
والقرطبي ١٦ / ١١١.
(٢) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٥٩/٢، والبحر ٢٦/٨.
(٣) وتقدير ((لا)) نافية لغير الجنس.
(٤) الصحاح (صحف) ٤/ ١٣٨٤.
(٥) ((ثم الصحيفة تشبع الرجل)). اهـ .
(٦) البحر ٢٦/٨.
٦٠٤

- الزخرف ــ
روايةٍ(١) ((بِصحاف)». والأكْواب جمعٌ. فقيل: هو كالإِبْريق إلاّ أنه لا عُرْوَةً له.
وقيل: إلَّ أنه لا خُرْطومَ له. وقيل: إلّ أنه لا عُرْوَةً له ولا خُرْطُومَ معاً. قال
الجواليقي (٢): ((ليتمكّنَ الشاربُ مِنْ أين شاءَ، فإنَّ العُرْوَةَ تمنعُ من ذلك)).
وقال عَدِيّ(٣) :
٤٠٠٧ - مُتَّكِئاً تَصْفِقُ أَبْوابُه
يَسْعَى عليه العبدُ بالكُوبِ
والتقدير: وأكواب مِنْ ذَهَب أو لم يُرِدْ تَقِْيدَها.
قوله: ((ما تَشْتَهِيه الأنفسُ)) قرأ(٤) نافعٌ وابن عامٍ وحفصٌ ((تَشْتهيه)) بإثباتٍ
العائدِ على الموصول كقوله: ((الذي يتخبّطُه الشيطانُ))(٥) والباقون بحَذْفِه
كقوله: ((أهذا الذي بَعَثَ اللَّهُ رسولاً)(٦) وهذه القراءةُ شبيهةٌ بقوله: ((وما عَمِلَتْه
ایدیھم)»(٧) وتقدّم ذلك في یُس،
وهذه الهاءُ في هذه السورةِ رُسِمَتْ في مصاحفٍ المدينة والشام،
وحُذِفَتْ مِنْ غيرِها. وقد وقع لأبي عبد الله الفاسيِّ(٨) شارحِ القصيدِ وَهَمّ
فَسَبَقَ قلمُه فكتب: ((والهاءُ منه محذوفةٌ في مصاحفِ المدينةِ والشامِ ثابتةٌ في
(١) في رواية أبي الحارث.
(٢) انظر: البحر ٤/٨.
(٣) ديوانه ٦٧، والبحر ٤/٨، واللسان (كوب)، والقرطبي ١١٤/١٦.
(٤) السبعة ٥٨٨، والنشر ٣٧٠/٢، والحجة ٦٥٤، والبحر ٢٦/٨، والتيسير ١٩٧.
(٥) الآية ٢٧٥ من البقرة.
(٦) الآية ٤١ من الفرقان.
(٧) الآية ٣٥ من یُس.
(٨) شرح الشاطبية للفاسي (خ) ١٦٤/٣.
٦٠٥

- الزخرف
غيرِهما)). أراد أن يكتبَ ((ثابتةً في مصاحف المدينة والشام محذوفةٌ من غيرِهما))
فعكَسَ. وفي مصحفٍ عبد الله (١) ((تَشْتهيه الأنفسُ وتَلَذُّه الأعينُ)) بالهاء فيهما.
آ. (٧٣) قوله: ﴿منها تَأْكُلون﴾: (مِنْ)) تبعيضيةٌ أو ابتدائيةٌ،
وقُدِّم الجارُّ لأجلِ الفاصلةِ.
آ. (٧٥) قوله: ﴿لا يُفَتَّرُ عنهم﴾: جملةٌ حاليةٌ، وكذلك ((وهُمْ
فيه مُبْلِسُوْن)): وقرأ(٢) عبد الله ((وهُمْ فيها)) أي: في النار لدلالةِ العذاب عليها.
آ. (٧٦) قوله: ﴿ولكنْ كانوا هم الظالمين﴾: العامَّةُ على
الياء خبراً لـ ((كان))، و(هم)) إمَّا فَصْلٌ وإمَّا توكيدٌ. وقرأ(٣) عبد الله وأبو زيدٍ
النحويان ((الظالمون)) على أنَّ((هو)) مبتدأٌ، و ((الظالمون)» خبرُه. والجملةُ خبر
كان، وهي لغةُ تميم. قال أبو زيد: ((سَمِعْتُهم يَقْرِؤون ((تَجِدُوْه عند الله هو خيرٌ
وأعظمُ أجراً))(٤) بالرفع. وقال قيس بن ذُرَيح(٥):
٤٠٠٨- تَجِنُّ إلى ليلى وأنت تَرَكْتَها
وكنتَ عليها بالمَلا أنتَ أقدرُ
برفع ((أقدرُ)) و((أنت)) فصلٌ أو توكيدٌ. قال سيبويه(٦): ((بَلَغَنا أنَّ رؤيةً كان
يقولُ: أظنُّ زيداً هو خيرٌ منك)) يعني بالرفع.
(١) البحر ٢٦/٨.
(٢) البحر ٢٧/٨.
(٣) الشواذ ١٣٦، والقرطبي ١١٥/١٦، ٢٧/٨. ولعل الأول عبد الله ابن
أبي إسحاق، والثاني أبو زيد الأنصاري.
(٤) الآية ٢٠ من المزمّل وهي قراءة أبي السمال وابن السميفع. انظر: البحر ٣٦٧/٨.
(٥) تقدم برقم ١٨٥٧ .
(٦) الكتاب ٣٩٥/١.
٦٠٦

- الزخرف -
آ. (٧٧) قوله: ﴿يا مالِكُ﴾: العامَّةُ مِنْ غير ترخيمٍ.
وعلي (١) بن أبي طالب وعبدُ الله وابنُ وثَّاب والأعمش ((يا مالٍ)) مرخماً على
لغة مَنْ ينتظر. وأبو السِّوار الغَنَويُّ ((يا مالُ)) مبنياً على الضم على لغةٍ مَنْ
لا يَنوي .
آ. (٧٩) قوله: ﴿أُم أَبْرَموا﴾: أم منقطعةٌ. والإِبرام: الإِتقانُ،
وأصلُه في الفَتْلِ. يقال: أَبْرَمَ الحَبْلَ أي: أتقن فَتْلَه، وهو الفَتْلُ الثاني، والأولُ
يُقال له: سَجِيل. قال زهير(٢):
٤٠٠٩- لَعَمْرِي لَنِعْمَ السَّيِّدان وُجِدْتُما
على كل حالٍ مِنْ سَجِيلٍ ومُبرَمٍ
آ. (٨١) قوله: ﴿إِنْ كان للرَّحْمن﴾: قيل: هي شرطيةٌ على
بابِها. واخْتُلِفَ في تأويلِه فقيل: إنْ صَحَّ ذلك فأنا أولُ مَنْ يَعْبُده لكنه لم يَصِحُ
البتّةً بالدليلِ القاطعِ، وذلك أنَّه عَلَّق العبادةَ بكيْنونة الولدِ، وهي مُحالٌ في
نفسِها، فكان المُعَلَّقُ بها مُحالاً مثلَها، فهو في صورةِ إثباتِ الكينونةِ والعبادةِ،
وفي معنى نَفْيهِما على أَبْلِغِ الوجوهِ وأَقْواها، ذكره الزمخشريُّ (٣). وقيل: إن
كان له ولدٌ فِي زَعْمِكم. وقيل: العابدين بمعنى: الآنفين. مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ إذا
اشْتَدَّ أَنَفَةً فهو عَبِدُ وعاِدٌ. ويؤيِّدُه قراءةُ السُّلَميِّ(٤) واليماني ((العَبِدين)) دون ألفٍ.
وحكى الخليل قراءةً غريبةً وهي ((العَبْدِيْن)) بسكون الباءِ، وهي تخفيفُ قراءةٍ
(١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢٥٧/٢، والقرطبي ١١٦/١٦، والبحر ٢٨/٨.
(٢) تقدم برقم ٣٨١٦.
(٣) الكشاف ٤٩٧/٣.
(٤) انظر في قراءاتها: الشواذ ١٣٧، والمحتسب ٢٥٧/٢، والقرطبي ١٢٠/١٦،
والبحر ٢٨/٨.
٦٠٧

- الزخرف .
السُّلَمي فأصلها الكسرُ. قال ابنُ عرفة: ((يقال: عَبِدَ بالكسر يَعْبَد بالفتح فهو
عَبِد، وقلَّما يقال: عابِد، والقرآن لا يجيْءُ على القليلِ ولا الشاذُّ). قلتُ:
يعني فتخريج مَنْ قال: إنَّ العابدين بمعنى الآنفين لا يَصِحُّ، ثم قال(١) كقول
مجاهد(٢) . وقال الفرزدق(٣):
٤٠١٠- أولئك آبائي فجِثْني بمثْلِهِم
وأَعْبَدُ أنْ أَهْجُوْ كُلَيْباً بِدَارِمٍ
أي: آَنَفُ. وقال آخر (٤):
٤٠١١- متى ما يَشَأْ ذو الوُدِّ يَصْرِمْ خليلَه
ويَعْبَدْ عليه لا محالةٌ ظبالما
وقال أبو عبيدةٍ(٥): ((معناه الجاحدين)). يقال: عَبَدَني حَقِّي أي :
جَحَدنيه. وقال أبو حاتم: ((العَبِدُ بكسر الباءِ: الشديدُ الغَضَبِ»، وهو معنى
حسنّ أي: إنْ كان له ولدٌ على زَعْمِكم فأنا أولُ مَنْ يَغْضَبُ لذلك.
وقيل: ((إنْ)) نافيةٌ أي: ما كان، ثم أَخْبَرَ بقولِه: ((فأنا أولُ العابدين))
(١) أي قال ابن عرفة.
(٢) قول مجاهد ذكره في البحر ٢٨/٨، وهو تفسيره الآية: ((إن كان لله ولدٌ في
زعمکم».
ليس في ديوانه، وهو في البحر ٢٨/٨، واللسان (عبد) وصدره فيه:
(٣)
أولئك قومٌ إِنْ هَجَنُوْنِي هَجَوْتُهم
وتفسير غريب القرآن ٤٠١، ومجاز القرآن ٢٠٦/٢.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٢٩/٨، والمحرر ٢٧٨/١٤ ..
(٥) مجاز القرآن ٢٠٧/٢.
٦٠٨

- الزخرف -
وتكونُ الفاءُ سبيةً. ومنع مكي(١) أَنْ تكونَ نافيةً قال: ((لأنه يُوْهِمُ أنَّك إنما
نَفَيْتَ عن الله الولدَ فيما مضى دونَ ما هو آتٍ، وهذا مُحالٌ)).
وقد رَدّ الناسُ على مكيّ، وقالوا: كان قد تَدُلُّ على الدوامِ كقوله:
((وكان الله غفوراً رحيماً)(٢) إلى ما لا يُحْصَى، والصحيحُ من مذاهبِ النحاةِ:
أنها لا تدُلُّ على الانقطاع ، والقائلُ بذلك يقولُ: ما لم يكنْ قرينةٌ كالآياتِ
المذكورة. وتقدَّمَ الخلافُ في قراءَتَيْ: وَلَد وُلْد في مريم(٣).
آ. (٨٣) قوله: ﴿يُلاقُوا﴾: العامَّةُ من المُلاقاةِ. وابنُ محيصن(٤)
- وتُروى عن أبي عمروٍ - ((يَلْفَوا)) مِنْ لَقِيَ.
آ. (٨٤) قوله: ﴿وهو الذي في السماءِ إلهٌ﴾: ((في السماء))
متعلّقٌ بـ ((إله)) لأنه بمعنى معبودٌ أي: معبودٌ في السماء ومعبودٌ في الأرض،
وحينئذٍ فيقال: الصلة لا تكونُ إلَّ جملةً أو ما في تقديرِها وهو الظرفُ وعديلُه،
ولا شيءَ منها هنا. والجوابُ: أنَّ المبتدأُ حُذِفَ لدلالة المعنى عليه، وذلك
المحذوفُ هو العائدُ تقديرُه: وهو الذي هو في السماءِ إلهٌ، وهو في الأرض إلهٌ،
وإنما / حُذِف لطولِ الصلةِ بالمعمولِ فإنَّ الجارَّ متعلُّقٌ بـ إله. ومثلُه ((ما أنا [٧٩٤/أ]
بالذي قائلٌ لك سوءاً)(٥).
وقال الشيخ(٦): ((وحَسَّنه طولُه بالعطفِ عليه، كما حَسَّنَ في قولهم: قائل
(١) مذهبه في مشكل إعراب القرآن ٢٨٤/٢ أنها نافية بمعنى ما. وقد نقل أبو حيان عن
مكي في البحر ٢٩/٨ ما أثبته السمين هنا وردًّ عليه .
(٢) الآية ٩٦ من النساء.
(٣) انظر: الدر المصون ٦٣٥/٧.
(٤) البحر ٢٩/٨، والقرطبي ١٢١/١٦، والنشر ٣٧٠/٢.
(٥) انظر: الكتاب ٢٧٠/١، ٣٩٩.
(٦) البحر ٢٩/٨.
٦٠٩

- الزخرف -
[لك](١) شيئاً طولُه بالمعمولِ)). قلت: حصولُه في الآية وفيما حكاه سواءً؛ فإن
الصلةَ طَالَتْ بالمعمولِ في كلَيْهما، والعطفُ أمرٌ زائدٌ على ذلك فهو زيادةٌ فِي
تحسين الحَذْفِ. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ الجارُّ خبراً مقدماً، و «إلّه)» مبتدأٌ مؤخرً لئلا
تَعْرَى الجملةُ مِنْ رابطٍ، إِذ يصيرُ نظيرَ ((جاء الذي في الدار زيد)». فإِن جَعَلْتَ
الجارَّ صلةً وفيه ضميرٌ عائدٌ على الموصولِ وجَعَلْتَ ((إِله)) بدلاً منه. قال
أبو البقاء (٢): «جاز على ضَعْفٍ؛ لأن الغَرَض الكليّ إثباتُ الإلهيةِ لا کونُه في
السماء والأرض، فكان يَفْسُدُ أيضاً من وجهٍ آخرَ وهو قولُه: ((وفي الأرض إلهٌ))
لأنه معطوفٌ على ما قبلَه، وإذا لم تُقَدِّرْ ما ذكرْنا صار منقطعاً عنه وكان المعنى:
أنَّ في الأرض إلهاً)) انتهى. وقال الشيخ(٣): ((ويجوزُ أَنْ تكونَ الصلةُ الجارّ
والمجرورَ، والمعنى: أنه فيهما بألوهِيَّتِه وربُوِّتِه، إذ يَستحیل حَمْلُه على
الاستقرار)».
وقرأ(٤) عمرُ وعلي وعبد الله في جماعة ((وهو الذي في السماء الله)) ضُمِّن
العَلَمُ أيضاً معنى المشتقِّ، فيتعلَّقُ به الجارُّ. ومثله ((هو حاتمٌ فِي طَيِّىء)) أي:
الجوادُ فيهم. ومثلُه: فرعون العذاب.
آ. (٨٥) قوله: ﴿وإليه تُرْجَعُون﴾: الأخَوان(٥) وابن كثير
بالياء مِنْ تحتُ، والباقون بالتاءُ مِنْ فوقُ، وهو في كلَّيْهما مبني للمفعول.
وقُرىء بالخطاب مبنياً للفاعل.
(١) من البحر.
(٢) الإملاء ٢٢٩/٢.
(٣) البحر ٢٩/٨.
(٤) القرطبي ١٢١/١٦، والبحر ٢٩/٨.
(٥). السبعة ٥٨٩، والنشر ٣٧٠/٢، والحجة ٦٥٥، والتيسير ١٩٧، والبحر ٢٩/٨،.
والقرطبي ١١٢١/١٦.
٦١٠

- الزخرف -
وقرأ العامَّةُ أيضاً ((يَدْعُوْنَ)) بياء الغيْبة والضميرُ للموصول. والسلمي(١)
وابنُ وثابٍ بتاء الخطاب، والأسود بن يزيد(٢) بتشديد الدال (٣)، ونُقِل عنه
القراءةُ مع ذلك بالتاء والياء.
آ. (٨٦) قوله: ﴿إِلَّ مَنْ شهِدَ بالحقِّ﴾: فيه قولان، أحدهما:
أنه متصلٌ والمعنى: إلَّ مَنْ شهد بالحقِّ كعُزَيْرٍ والملائكةِ، فإنهم يملكون
الشفاعةَ بتمليك اللَّهِ إياهم لها. وقيل: هو منقطعٌ بمعنى: أنَّ هؤلاءٍ لا يَشْفَعُون
إلَّ فِيمَنْ شَهِد بالحقِّ، أي: لكن مَنْ شَهِدَ بالحق يَشْفَعُ فيه هؤلاء، كذا قَدَّروه.
وهذا التقديرُ يجوزُ فيه أَنْ يكونَ الاستثناءُ متصلاً على حَذْفِ المفعولِ، تقديرُه :
ولا يملكون الذين يَدْعُون مِنْ دونه الشفاعةَ في أحدٍ إلَّ فيمَنْ شَهِدَ.
آ. (٨٧) وقرأ العامَّة ((فَأَنَّى يُؤْفَكون)) بالغَيْبة. ورُوي(٤) عن أبي عمروٍ
بالخطاب .
آ. (٨٨) قوله: ﴿وقيلِه﴾: قرأ(٥) حمزةُ وعاصمٌ بالجرِّ. والباقون
بالنصب. فأمَّا الجرَّ فعلى وجهّيْن، أحدهما: أنَّه عطفُ على ((الساعة)) أي :
عنده عِلْمُ قيلِه، أي: قولِ محمدٍ أو عيسى عليهما السلام. والقَوْلُ والقالُ
والقِيْلُ بمعنى واحد جاءَتْ المصادرُ على هذه الأوزانِ. والثاني: أنَّ الواوَ
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٢٩/٨، والشواذ ١٣٦.
(٢) الأسود بن يزيد النخعي، أبو عبد الرحمن الكوفي، روى عن بلال بن رباح وحذيفة
وسلمان، وروى عنه إبراهيم النخعي، ثقة توفي سنة ٧٥. انظر: التهذيب ١١٢/١.
(٣) ((يَدُّعون)).
(٤) من رواية عبد الوارث عنه. انظر: البحر ٣٠/٨.
(٥) انظر في قراءات ((وقيله)): السبعة ٥٨٩، والنشر ٣٧٠/٢، والبحر ٣٠/٨،
والقرطبي ١٢٣/١٦، والحجة ٦٥٥، والمحتسب ٣٥٨/٢، والتيسير ١٩٧.
٦١١

- الزخرف-
للقسم. والجوابُ: إمَّا محذوفٌ تقديرُه: لتُنْصَرُنَّ أو لَّأَفْعَلَنَّ بهم ما أريد، وإمّا
مذكورٌ وهو قولُه: ((إن هؤلاءٍ قومٌ لا يُؤْمِنون» ذكره الزمخشريُّ(١).
وأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها ثمانيةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه منصوبٌ على مجلّ
((الساعة)). كأنَّه قيل: إنه يَعْلَمُ الساعةَ ويَعْلَمُ قِيْله كذا. الثاني: أَنَّه معطوفٌ على
((سِرَّهم ونجواهم)) أي: لا نعلم سِرَّهم ونجواهم ولا نعلمُ قِيْلَه. الثالث: عطفٌ
على مفعولِ ((يكتُبون)) المحذوفِ أي: يكتبون ذلك ويكتبون قيلَه كذا أيضاً:
الرابع: أنَّه معطوفٌ على مفعولِ ((يعلمون)» المحذوفِ أي: يَعْلمون ذلك
ویعلمون قیله. الخامس: أنه مصدرٌأي : قالَ قیله. السادس: أَنْ ينتصب بإضمارٍ
فعلٍ أي: اللَّهُ يعلمُ قيلَ رسولِه وهو محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم. السابع: أَنْ
ينتصِبَ على محلِّ ((بالحق)) أي: شَهِدَ بالحقِّ وبِقِيْلِه. الثامن: أَنْ ينتصِبَ على
حَذْفِ حرفِ القسمِ كقوله(٢) :
٤٠١٢-
فذاك أمانةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ
وقرأ الأعرجُ وأبوٍ قلابةَ ومجاهدٌ والحسنُ بالرفع، وفيه أوجه [أحدها: ]
الرفعُ عطفاً على ((علمُ الساعة)) بتقديرِ مضافٍ أي: وعنده عِلْمُ قِيْلِه، ثم حُذِفَ
وأقيم هذا مُقَامَه. الثاني: أنَّه مرفوعٌ بالابتداءِ، والجملةُ مِنْ قولِه: ((يا رب)) إلى
آخره هي الخبر. الثالث: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ تقديرِهِ: وقيلُه كيت وكيت
مَسْموعٌ أو مُتَقَبِّلٌ. الرابع: أنه مبتدأ وأصلُه القسمُ كقولِهِم: ((ايُمُنُ الله))
و ((لَعَمْرُ الله)) فيكونُ خبرُه محذوفاً. والجوابُ كما تقدَّم، ذَكرَه الزمخشري(٣)
أيضاً.
(١) الكشاف ٤٩٨/٣.
(٢) تقدم برقم ٩٣.
(٣) الكشاف ٤٩٨/٣.
٦١٢
-

- الزخرف -
واختار القراءةَ بالنصب جماعةً. قال النحاس(١): ((القراءةُ البَيِّنَةُ بالنصب
من جهتَيْن، إحداهما: أنَّ التفرقةَ بين المنصوبِ وما عُطِفَ عليه مُغْتَفَرَةً بخلافِها
بين المخفوضِ وما عُطِفَ عليه. والثانيةُ تفسيرُ أهلِ التأويل بمعنى النصب)).
قلت: وكأنَّه يُريدُ ما قال أبو عبيدة(٢) قال: ((إنما هي في التفسيرِ: أم يَحْسَبون أنَّا
لا نَسْمِع ◌ِرَّهم ونجواهم ولا نسمعُ قِيْلَه يا رب. ولم يَرْتَضِ الزمخشريُّ(٣) من
الأوجهِ المتقدمةِ شيئاً، وإنما اختار أَنْ تكونَ قَسَماً في القراءاتِ الثلاثِ، وتقدُّم
تحقیقُها.
وقرأ (٤) أبو قلابة ((يا رَبَّ)) بفتح الباءِ على قَلْب الياء ألفاً ثم حَذَفَها مُجْتَزِئاً
عنها بالفتحة كقوله(٥) :
٤٠١٣-
بلَهْفَ ولا بِلَيْتَ
والأخفشُ يَطَِّدُها.
آ. (٨٩) قوله: ﴿فسوف يَعْلَمون﴾: قرأ(٦) نافعٌ وابنُ عامر
(تَعْلمون)) بالخطاب التفاتاً، والباقون بالغَيْبة نظراً لِما تقدَّم.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الزخرف]
(١) إعراب القرآن ١٠٤/٣.
(٢) مجاز القرآن ٢٠٧/٢ .
(٣) الكشاف ٤٩٨/٣.
(٤) القرطبي ١٢٤/١٦، والبحر ٣٠/٨.
(٥) تقدم برقم ٤٦٨.
(٦) السبعة ٥٨٩، والبحر ٣٠/٨، والتيسير ١٩٧، والقرطبي ١٢٥/١٦، والحجة
٦٥٦.
٦١٣

- الدخان -
سورة الدخان /
[٧٩٤/ب]
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٣) قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ﴾: يجوزُ أن يكونَ جواب القسمِ،
وأَنْ يكونَ اعتراضاً، والجوابُ قولُه: ((إِنَّا كُنَّا مُنْذِرين)»، واختاره ابنُ عطية(١).
وقيل: ((إِنَّا كُنَّا)) مستأنفٌ، أو جوابٌ ثانٍ مِنْ غيرِ عاطِفٍ.
آ. (٤) قوله: ﴿فيها يُفْرَقُ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ مُسْتَأْنَفَةً، وأَنْ
تكونَ صفةً لـ ((ليلة)) وما بينهما اعتراضٌ. قال الزمخشري(٢): ((فإِنْ قلتَ: إِنَّا
كُنَّا مُنْذِرِين، فيها يُفْرَقُ، ما موقعُ هاتين الجملتين؟ قلت: هما جملتان
مستأنفتان مَلْفوفتان، فَسَّر بهما جوابَ القسمِ الذي هو ((أَنْزَلْناه)) كأنه قيل:
أَنْزَلْناه؛ لأنَّ مِنْ شَأْنِنا الإِنذارَ والتحذيرَ، وكان إنزالُنا إياه في هذه الليلةِ
خصوصاً؛ لأنَّ إنزالَ القرآنِ مِنَ الأمورِ الحكيمةِ، وهذه الليلةُ يُفْرَقُ فيها كلُّ أمرٍ
حكيم)). قلت: وهذا مِنْ محاسِنِ هذا الرجلِ .
وقرأ (٣) الحسن والأعرج والأعمش ((يَفْرُقُ)) بفتح الياء وضمِّ الراءِ، ((كلَّ))
بالنصب أي: يَقْرُقُ اللَّهُ كلَّ أَمْرٍ. وزيد بن علي ((نَفْرِقُ)) بنونِ العظمةِ، ((كلّ))
(١) المحرر ٢٨٣/١٤.
(٢) الكشاف ٥٠٠/٣ .
(٣) انظر في قراءاتها: البحر ٣٣/٨، والقرطبي ١٢٨/١٦، والشواذ ١٣٧.
٦١٥

- الدخان -
بالنصبِ، كذا نقله الزمخشريُّ (١)، ونَقَلَ عنه الأهوازي ((يَفْرِق)) بفتح الياء وکسرٍ
الراء، ((كلَّ)) بالنصب، ((حكيمٌ)) بالرفع على أنه فاعل ((يَفْرِق))، وعن الحسنِ
والأعمش أيضاً(يُفَرَّقُ)) كالعامَّةِ، إلاّ أنه بالتشديد.
آ. (٥) قوله: ﴿أَمْرَأَ﴾: فيه اثنا عشر (٢) وجهاً، أحدُها: أَنْ
ينتصِبَ حالاً مِنْ فاعل ((أَنْزَلْناه)). الثاني: أنه حالٌ مِنْ مفعولِه أي: أنزلناه
آمِرِيْن، أو مَأْموراً به. الثالث: أَنْ يكونَ مفعولاً له، وناصبُه: إمَّا (أَنْزَلْناء)) وإمَّا
(مُنْذِرِين)) وإمَّا (يُفْرَقُ)). الرابع: أنه مصدرٌ مِنْ معنى يُفْرَق أي: فَرْقاً.
الخامس (٣): أنه مصدرٌ لـ ((أَمَرْنا)) محذوفاً. السادس: أَنْ يكونَ ((يُفْرَقُ)) بمعنى
يَأْمُر. والفرقُ بين هذا وما تقدَّم: أَنَّك رَدَدْتَ في هذا بالعاملِ إلى المصدرِ وفيما
تقدَّم بالعكس. السابع: أنَّه حالٌ مِنْ ((كُلُّ)). الثامن: أنه حالٌ مِنْ (أَمْرِ)) وجاز
ذلك لأنه وُصِفَ. إلَّ أَنَّ فيه شيئين: مجيءَ الحالِ من المضاف إليه في غيرٍ
المواضع المذكورة. والثاني: أنها مؤكدةً. التاسع: أنه مصدرٌ لـ((أَنْزَل)) أي:
إِنَّا أَنْزَلْناه إنزالاً، قاله الأخفش (٤). العاشر: أنَّه مصدرٌ، لكن بتأويل العاملِ فيه
إلى معناه أي: أَمَرْنا به أَهْراً بسببِ الإِنزال، كما قالوا ذلك في وَجْهي فيها يُفْرَقُ
فَرْقاً أو يَنْزِل إنزالً. الحادي عشر: أنه منصوبٌ على الاختصاص، قاله
الزمخشري (٥)، ولا يَعْني بذلك الاختصاصَ الاصطلاحيَّ فإنه لا يكون نكرةً.
الثاني عشر: أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ في ((حكيم)). الثالث عشر: أَنْ ينتصِبَ
(١) الكشاف ٣/ ٥٠٠.
(٢) بل عدد ثلاثة عشر وجهاً.
(٣) كرر المصنف لفظة الرابع، والتصحيح من (ش).
(٤) لم يشر إلى هذا الإِعراب في كتابه («معاني القرآن)).
(٥) الكشاف ٥٠٠/٣، وعبارته ((أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا كائناً مِنْ لدنَّا)).
٦١٦

- الدخان -
مفعولاً به بـ (مُنْذِرين)) كقولِه: ((لِيُنْذِرَ بَأْساً شديداً)(١) ويكونُ المفعولُ الأول
محذوفاً أي: مُنْذِرين الناسَ أمراً. والحاصلُ أنَّ انتصابَه يَرْجِعُ إلى أربعة أشياء:
المفعولِ به، والمفعولٍ له، والمصدرية، والحاليةِ، وإنما التكثيرُ بحسبٍ
المحالِّ، وقد عَرَفْتَها بما قَدَّمْتُه لك.
وقرأ(٢) زيد بن علي (أَمْرٌ)) بالرفع. قال الزمخشري(٣): ((وهي تُقَوِّي
النصبَ على الاختصاصِ».
قوله: ((مِنْ عِنْدِنا)) يجوز أَنْ يتعلَّق بـ ((يُفْرَقُ)) أي: مِنْ جهيِنا، وهي
لابتداءِ الغاية مجازاً. ويجوز أَنْ يكونَ صفةً لـ أَمْراً.
قوله: ((إِنَّا كُنَّا مُرْسِلين)) جوابٌ ثالثٌ أو مستأنفٌ، أو بدلٌ من قوله: ((إنَّا
كُنَّا مُنْذِرین)».
آ. (٦) قوله: ﴿رَحْمَةً﴾: فيها خمسةُ أوجهٍ [أحدها]: المفعولُ
له. والعاملُ فيه: إِمَّا (أَنْزَلْناه) وإِمَّا (أَمْراً) وإمَّا ((يُفْرَقُ)) وإمَّا ((مُنْذِرين)). الثاني:
مصدرٌ بفعلٍ مقدرٍ أي: رَحِمْنا رَحْمَةً. الثالث: مفعولٌ بـ مُرْسِلين. الرابع:
حالٌ من ضمير (مُرْسِلين)) أي: ذوي رحمة. الخامس: أنها بدلٌ مِنْ ((أَمْراً)
فيجيءُ فيها ما تقدَّم، وتكثرُ الأوجهُ فيها حينئذٍ.
و ((مِنْ رَبِّك)) يتعلَّقُ برَحْمة، أو بمحذوفٍ على أنها صفةٌ. وفي ((مِنْ
ربِّك)) التفاتٌ من التكلُّم إلى الغَيْبة، ولو جَرَىْ على مِنْوالِ ما تقدَّمَ لقال: رحمةً
منا .
(١) الآية ٢ من الكهف.
(٢) القرطبي ١٢٩/١٦، والكشاف ٥٠١/٣.
(٣) الكشاف ٥٠١/٣.
٦١٧

- الدخان -
آ. (٧) قوله: ﴿رَبِّ السمواتِ﴾: قرأ(١) الکوفیون بخفض
((رَبّ))، والباقون برفعِه. فالجرُّ على البدلِ، أو البيانِ، أو النعتِ. والرفعُ على
إضمارٍ مبتدأ، أو على أنَّه مبتدأٌ، خبرُه ((لا إله إلاّ هو).
آ. (٨) قوله: ﴿ربُّكم ورَبُّ آبائِكم﴾: العامَّةُ على الرفع بدلاً
أو بياناً أو نعتاً لـ ((ربُّ السموات)) فيمَنْ رَفَعه، أو على أنَّه مبتدأٌ، والخبرُ ((لا إله
إلاّ هو)) أو خبرٌ بعد خيرٍ لقوله: (إنه هو السميعُ)) أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ عند
الجميعِ ، أعني قُرَّاءَ الجَرِّ والرفع(٢)، أو فاعلٌ لقولِه: ((يُميت)). وفي ((يُحْيِي))
ضميرٌ يَرْجِعُ إلى ما قبلَه أي: يُحْيي هو، أي: ربُّ السموات ويميتُ هو، فأوقَعَ
الظاهرَ مَوْقِعَ المضمرِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ ((يُحيي ويُميت)) من التنازع. ويجوزُ أَنْ
يُنْسَبَ الرفعُ إلى الأول أو الثاني نحو: يَقُوم ويَقْعد زيد، وهذا عَنَى أبو البقاءِ (٣)
بقوله: ((أو على شريطةِ التفسير)).
وقرأ(٤) ابنُّ محيصن وابنُ أبي إسحاق وأبو حيوة والحسن بالجرِّ/ على
البدلِ أو البيانِ أو النعتِ لـ ((رب السموات))، وهذا يُؤْجِبُ أَنْ يكونوا يَقْرؤون
(رَبِّ السموات)) بالجرِّ. والأنطاكي(٥) بالنصب على المدحِ .
[٧٩٥/أ]
(١) السبعة ٥٩٢، والبحر ٣٣/٨، والنشر ٣٧١/٢، والحجة ٦٥٦، والقرطبي.
١٢٩/١٦.
(٢) كَرَّر في الأصل ما قاله قبلُ ((أو خبر بعد خبر لقوله: إنَّه هو السميع)).
(٣) الإملاء ٢٣٠/٢.
(٤) والكسائي في رواية الحجازي. انظر: الشواذ ١٣٧، والإتحاف ٤٦٢/٢، والبحر
٣٣/٨.
(٥) وهو أحمد بن جبير، من أئمة القراء، أخذ من الكسائي واليزيدي وشعبة، ثقة.
ضابط. توفي سنة ٢٥٨. انظر: طبقات القراء ٤٢/١.
٦١٨

- الدخان -
آ. (١٠) قوله: ﴿يومَ تَأَتي﴾: منصوبٌ بـ((ارْتَقِبْ)) على الظرفِ.
والمفعولُ محذوفٌ أي: ارتقِبْ وَعْدَ الله في ذلك اليومِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ هو
المفعولَ المرتقبَ.
آ. (١١) قوله: ﴿يَغْشَىَ الناسَ﴾: صفةٌ ثانيةٌ أي: بدُخان مُبين
غاشٍ.
قوله: ((هذا عَذابٌ)) في محلَّ نصبٍ بالقول. وذلك القولُ حالٌ أي:
قائلين ذلك، ويجوزُ أَنْ لا يكونَ معمولاً لقولٍ البتةَ، بل هو مجرَّدُ إخبارٍ.
أ. (١٣) قوله: ﴿أَنَّ لهم الذِّكْرَى﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ «أنّی»
خبراً لـ((ذِكْرى)) و ((لهم)) تبيينٌ. ويجوزُ أَنْ يكونَ ((أَنَّى)) منصوباً على الظرفِ
بالاستقرار في ((لهم))، فإن ((لهم)) وَقَعَ خبراً لـ ((ذِكْریُ)) .
قوله: ((وقد جاءَهم)، حال مِنْ ((لهم)). وقرأ(١) زيد بن علي ((مُعَلَّم)) بكسر
اللام .
آ. (١٥) قوله: ﴿قليلاً﴾: نعتٌ لزمانٍ أو لمصدرٍ محذوف، أي:
کَثْفاً قليلاً أو زماناً قليلاً.
آ. (١٦) قوله: ﴿يوم نّبْطِشُ﴾ قيل: هو بدلٌ مِنْ ((يَومَ تأتي)).
وقيل: منصوبٌ بإضمارِ اذْكُر. وقيل: بـ مُنْتَقِمون. وقيل: بما دَلَّ عليه
(مُنْتَقِمون)) وهو يَنْتقم. ورُدَّ هذا: بأنَّ ما بعد ((إنَّ))(٢) لا يَعْمل فيما قبلها، وبأنه
لا يُفَسَّر إلَّ ما يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ.
(١) من الآية ١٤. ونسب أبو حيان هذه القراءة إلى زربن حبيش. البحر ٣٤/٨.
(٢) في قوله: ((إِنَّ منتقمون)).
٦١٩

- الدخان -
قوله: ((نَبْطِش)) العامَّةُ على فتح النونِ وكسرٍ الطاء أي: نَبْطِشُ بهم
وقرأ(١) الحسن وأبو جعفر بضم الطاء، وهي لغةً في مضارع بَطَشَ. والحسنِ
وأبو رجاء وطلحة بضمُّ النونِ وكسرِ الطاءِ، وهو منقولٌ مِنْ بَطَشَ أي: تَبْطِشُ
بهم الملائكةُ. والبَطْشَةُ على هذا يجوز أن تكونَ منصوبةً بـ نُبْطِشُ على حَذْفٍ
الزائد نحو: ((أَنْبَتَكم من الأرض نباتاً)(٢) وأَنْ يَنْتَصِبَ بفعلٍ مقدر أي: تَبْطِشُ
الملائكةُ بهم فَبْطِشُون البطشةَ.
آ. (١٧) قوله: ﴿ولقد فَتَنَّا﴾: قُرِىءٍ(٣) ((فَتَنَّا)) بالتشديدِ على:
المبالغة أو التكثيرِ لكثرةٍ متعلَّقِهِ. و((جاءهم رسولٌ)) يحتمل الاستئنافَ والحالَ.
آ. (١٨) قوله: ﴿أَنْ أُدُّوا﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ المفسّرَةَ؛ لتقدُّمِ
ما هو بمعنى القول، وأَنْ تكونَ المخفِّفَةَ، وأَنْ تكونَ الناصبةً للمضارعِ، وهي
تُوْصَلُ بالأمر. وفي جَعْلِها مخففةً إشكالٌ تَقَدَّم: وهو أنَّ الخبر في هذا البابِ
لا يقع طلباً، وعلى جَعْلِها مصدريَّةً تكون على حَذْفِ الجرِّ أي: جاءهم بأَنْ
أَدُّوا. و((عبادَ الله)) يُحتملِ أَنْ يكونَ مفعولاً به. وفي التفسير: أنَّه طلبَ منهم أَنْ
يُؤَدُّوا إليه بني إسرائيل، ويَدُلُّ عليه ((فأَرْسِلْ معي بني إسرائيل))، وأَنْ يكونَ
منادى، والمفعولُ محذوفٌ أي: أَعْطوني الطاعةً يا عبادَ الله .
آ. (١٩) قوله: ﴿وأَنْ لا تَعْلُوا﴾: عطفُ على ((أَنْ)) الأولى.
والعامَّةُ على كسرٍ الهمزةِ مِنْ قولِه: ((إنِّي آتِيْكم)) على الاستئنافِ. وَقُرِىء(٤)
بالفتح على تقديرِ اللامِ أي: وأَنْ لا تَعْلُوا لأَنِي آتْكم.
(١) انظر في قراءاتها: الإتخاف ٤٦٣/٢، والنشر ٢٧٤/٢، والبحر ٣٥/٨.
(٢) الآية ١٧ من نوح.
(٣) البحر ٣٥/٨.
(٤) البحر ٣٥/٨.
٦٢٠