النص المفهرس

صفحات 501-520

- غافر -
بسالأنعامِ شيءٍ خاصٍّ، وهي الإِبل. قال الزجَّاج(١): ((لأنه لم يُعْهَدْ للركوب
غيرُها)). وأمَّا الثانيةُ فكالأولى. وقال ابنُ عطية(٢): (هي لبيانِ الجنسِ)) قال:
لأنَّ الخيلَ منها ولا تُؤْكَلُ».
آ. (٨٠) قوله: ﴿وعلى الفُلْكِ﴾: اخْتِير لفظُ ((على)) هنا على
لفظِ ((في)) كقولِه: ((قُلْنا احْمِلْ فيها))(٣) لمناسبةِ قوله: ((وعليها))، كذا أجابُوا.
ويظهر أنَّ ((في)) هناك أليقُ؛ لأنَّ سفينةَ نوحٍ عليه السلام على ما يقالُ كانَتْ
مُطْبِقَةً عليهم، وهي محيطةٌ بهم كالوعاءِ. وأمَّا غيرُها فالاستعلاءُ فيه واضحٌ؛
لأنَّ الناسَ على ظهرِها.
آ. (٨١) قوله: ﴿فأيَّ آياتِ اللهِ﴾: منصوبٌ بـ((تُنْكِرون)) وقُدِّمَ
وجوباً؛ لأنَّ له صَدْرَ الكلامِ. قال مكي (٤): ((ولو كان مع الفعلِ هاء لكان
الاختيارُ الرفعَ في ((أي)) بخلافٍ ألفِ الاستفهامِ تَدْخُلُ على الاسمِ، وبعدها
فعلٌ واقعٌ على ضميرِ الاسمِ، فالاختيارُ النصبُ نحو قولك: أزيداً ضَرَبْتُه، هذا
مذهبُ سيبويهِ(٥) فرَّقَ بين الألفِ وبين أيّ)) قلت: يعني أنَّك إذا قلتَ: ((أَيُّهم
ضربْتَه)) كان الاختيارُ الرفعَ لأنه لا يُحْوِجِ إلى إضمارٍ، مع أنَّ الاستفهامَ موجودٌ
في (أزيداً ضربْتُه)) يُختار النصبُ لأجلِ الاستفهامِ فكان مُقْتضاه اختيارَ النصبِ
أيضاً، فيما إذا كان الاستفهامُ بنفس الاسمِ. والفرقُ عَسِرٌ. وقال
(١) عبارته في معاني القرآن ٣٧٨/٤: ((الأنعام ههنا الإِبل)).
(٢) عبارة المطبوعة من المحرر ١٥٨/١٤: ((منها الثانية لبيان الجنس لأن الجمع منها
يؤكل)) ولعلها محرفة .
(٣) الآية ٤٠ من هود.
(٤) المشكل ٢٦٨/٢.
(٥) انظر: الكتاب ٥٢/١.
٥٠١

- غافر-
الزمخشري(١): ((فأيَّ آياتِ جاءتْ على اللغةِ المستفيضةِ. وقولك: ((فأيةَ آياتٍ
اللَّهِ» قليلٌ؛ لأنَّ التفرقةَ بين المذكرِ والمؤنثِ في الأسماءِ غير الصفاتِ نحو:
حمار وحِمارة غريبٌ، وهو في ((أَيّ)) أغربُ لإِبهامِه)). قال الشيخ(٢): ((ومِنْ قِلَّةِ
تأنيثِ ((أيّ)) قولُه(٣):
٣٩٤٥- بأيٌّ كتّابِ أم بأيةِ سُنَّةٍ
ترىُ حُبَّهم عاراً عليَّ وَتَحْسَبُ
قوله: ((وهو في أيّ أغربُ)) إنْ عنى ((أيًّا)) على الإطلاق فليس بصحيحٍ ،
لأنَّ المستفيضَ في النداء أَنْ يُؤَنَّثَ في نداء المؤنث كقوله تعالى: ((يا أيتها
النفسُ المطمئنةُ))(٤) ولا نعلَمُ أحداً ذكر تَذْكيرها فيه، فيقولُ: يا أيُّها المرأة، إلّ
صاحبَ (البديع في النحو))(٥)، وإنْ عنى غيرَ المناداةِ فکلامُه صحیحٌ يَقِلُّ تأنيثها
في الاستفهامِ وموصولةً وشرطيةً))(٦). قلت: وأمّا إذا وقعَتْ صفةً لنكرةٍ وحالاً
المعرفةٍ، فالذي ينبغي أَنْ يجوزَ الوجهان كالموصولةِ، ويكون التأنيثُ أقلَّ نحو:
(مررتُ بامرأةٍ أية امرأةٌ)) و ((جاءَتْ هندٌ أيةً امرأةٍ»، وكان ينبغي للشيخ أن ينبِّه
على هذين الفرعَيْنِ.
آ. (٨٢) قوله: ﴿فما أَغْنَ عنهم﴾: يجوزُ في ما أَنْ تكونَ
نافيةً، واستفهاميةً بمعنى النفي، ولا حاجةً إليه.
(١) الكشاف ٤٣٩/٣.
(٢) البحر ٤٧٨/٧ .
(٣) تقدم برقم ٧٢٤.
(٤) الآية ٢٧ من الفجر.
(٥) كتاب البديع في النحو للإمام أبي السعادات مبارك بن محمد المعروف بابن الأثير.
الجزري المتوفى سنة ٦٠٦، وللشيخ محمد بن مسعود الغزي المتوفى سنة ٤٢١.
انظر: كشف الظنون ٢٣٦/١.
(٦) سقط قوله: ((وشرطية)) في مطبوعة البحر.
٥٠٢

- غافر -
قوله: ((ما كانوا)) يجوزُ أَنْ تكونَ ((ما)» مصدريةً، ويجوزُ أَنْ تكونَ بمعنی
الذي، فلا عائدَ على الأولِ، وعلى الثاني هو محذوفٌ أي: يَكْسِبونه، وهي
فاعلٌ بـ((أَغْنَى)) على التقديرَيْن.
آ. (٨٣) قوله: ﴿بما عندَهم مِنَ العِلْمِ﴾: فيه أوجهُ،
أحدُها: أنه تهكّمُ بهم. والمعنى: ليس عندهم علمٌ. الثاني: أنَّ ذلك جاء
على زَعْمِهم أنَّ عندهم عِلْماً يَنْتَفعون به. الثالث: أنَّ ((مِنْ)) بمعنى بَدَل أي: بما
عندهم من الدنيا بدلَ العلمِ. وعلى هذه الأوجه فالضميران للكفارِ. الرابع: / [٧٧٨/ب]
أَنْ يكونَ الضَميران للرسل أي: فَرِحَ الرسُل بما عندهم من العلم. الخامس:
أَنَّ الأولَ للكفارِ، والثاني للرسل، ومعناه: فَرِحَ الكفارُ فَرَحَ ضَحِكٍ واستهزاءٍ
بما عند الرسُلِ مِن العلمِ ، إذ لم يَأْخُذوه بقَبولٍ ويمتثلوا أوامرَ الوحيِ ونواهيه.
وقال الزمخشري(١): ((ومنها - أي من الوجوه - أَنْ يُوْضَعَ قولُه: ((فَرِحوا بما
عندَهم من العلم)) مبالغةً في نَفْيٍ فَرَحِهم بالوحيِ الموجِبِ لُأَقْصى الفرح.
والمَسَرَّةِ مع تهكّمٍ بفَرْطِ خُلُوُّهم من العلم وجَهْلِهِم)). قال الشيخ(٢): ((ولا يُعَبِّرُ
بالجملةِ الظاهرِ كونُها مُثْبتَةً عن الجملةِ المنفيةِ، إلاّ في قليلٍ من الكلام نحو:
((شَرِّ أَهرَّ ذا نابٍ))(٣)، على خلافٍ فيه، ولما آلَ أمرُه إلى الإثباتِ (٤) المحصورِ
جازَ. وأمَّا في الآيةِ فينبغي أَنْ لا يُحْمَلَ على القليلِ؛ لأن في ذلك تَخْليطاً
لمعاني الجملِ المتباينةِ.
آ. (٨٥) قوله: ﴿فلم يَكُ يَنْفَعُهم إِيمانُهم﴾: يجوزُ رفعُ
(١) الكشاف ٤٣٩/٣.
(٢) البحر ٤٧٩/٧ .
(٣) مثل عربي مجمع الأمثال ٣٧٠/١، والمستقصى ١٣٠/٢.
(٤) البحر: ((الإِيتاء)).
٥٠٣

- غافر -
((إيمانُهم) اسماً لـ((كان))، و ((يَنْفَعُهم)) جملةٌ خبراً مقدماً، ويجوزُ أَنْ يُرتفِعَ بأنِهِ
فاعلُ ((يَنْفَعُهم))، وفي ((كان)) ضمير الشأن. وقد تقدَّم لك هذا مُحَقَّقاً عند قولِه:
(ما كان يَصْنَعُ فرعونُ)) (١) وأنه لا يكونُ من بابِ التنازع فعليك بالالتفاتِ إليه،
ودخل حرفُ النفي على الكونِ لا على النفيِ؛ لأنه بمعنىّ لا يَصِحُ ولا ينبغي،
كقوله: ((ما كان للَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ)) (٢).
قوله: ((سُنَّةَ اللَّهِ) يجوزُ انتصابُها على المصدرِ المؤكَّدِ لمضمونِ الجملةِ،
يعني: أنَّ الذي فَعَلَ اللَّهُ بهم سُنَّةٌ سابقةٌ من الله. ويجوزُ انتصابُها على التحذيرِ
أي: احذروا سنةَ اللَّهِ في المكذِّبين التي قد خَلَتْ في عبادِه. و ((هنالك)» في
الأصل مكان. قيل: واسْتُعير هنا للزمانِ، ولا حاجةً له، فالمكانيَّةُ فيه ظاهرةٌ.
[تمّتِ بعونه تعالی سورة الطَّوْل]
(١) الآية ١٣٧ من الأعراف. وانظر: الدر المصون ٤٣٩/٥.
(٢) الآية ٣٥ من مريم.
٥٠٤

- فصلت -
سورة حم السجدة
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٢) قوله: ﴿تَنْزِيلٌ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ ((حم)) على القولِ
بأنها اسمٌ للسورةِ، أو خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هذا تنزيلٌ أو مبتدأٌ، وخبرُه ((كتابٌ
فُصِّلَتْ».
آ. (٣) قوله: ﴿كتابٌ﴾: قد تقدَّم أنه يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً
لـ (تْزِيل)) ويجوزُ أَنْ يكونَ خبراً ثانياً، وأَنْ يكونَ بدلاً مِنْ («تنزيل)»، وأَنْ يكونَ
فاعلاً بالمصدرِ، وهو ((تنزيلٌ)) أي: نَزَلَ كتابٌ، قاله أبو البقاء(١)، و((فُصِّلَتْ
آياتُه)» صفةٌ لكتاب.
قوله: ((قُرْآنً) في نصبِه ستةُ أوجٍ، أحدُها: هو حالٌ بنفسِه و ((عربيًا))
صفْتُه، أو هو حالٌ موطِّئَةٌ، والحالُ في الحقيقةِ ((عربيًّا))، وهي حالٌ غيرُ منتقلةٍ.
وصاحبُ الحال: إمَّا ((كتابٌ)) لوَصْفِه بـ((فُصِّلَتْ))، وإمَّا ((آياته))، أو منصوبٌ
على المصدرِ أي: تقرؤه قرآناً، أو على الاختصاصِ والمدحِ، أو مفعولٌ ثانٍ
لـ فُصِّلَتْ، أو منصوبٌ بتقديرٍ فعلٍ أي: فَصِّلْناه قرآناً.
قوله: ((لقومٍ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أَنْ يتعلَّقَ بـ فُصِّلَتْ أي: فُصُلَتْ
لهؤلاءٍ وبُيْنَتْ لهم؛ لأنهم هم المنتفعون بها، وإنْ كانَتْ مُفَصَّلةً في نفسِها
(١) الإملاء ٢٢٠/٢.
٥٠٥

- فصلت -
لجميعِ الناسِ. الثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ صفةً لـ ((قُرآناً)) أي: كائناً لهؤلاء
خاصةً لِما تقدَّم في المعنى. الثالث: أَنْ يتعلَّقَ بـ ((تَنْزِيلٌ) وهذا إذا لم يُجْعَلْ
((من الرحمنٍ)) صفةً له؛ لأنَّك إنْ جَعَلْتَ (من الرحمن)) صفةً له فقد أَعْمَلْتَ
المصدرَ الموصوفَ، وإذا لم يكن ((كتابٌ)) خبراً عنه ولا بَدَلاً منه؛ لئلا يَلْزَمَ
الإِخبارُ عن الموصولِ أو البدلِ منه قبلَ تمامٍ صلتِه. ومَنْ يَتَّسِعْ في الظرف
وعديلِه لم يُبالِ بشيءٍ من ذلك. وأمَّا إذا جَعَلْتَ ((من الرحمن)) متعلِّقاً به
و ((كتاب)) فاعلاً به فلا يَضُرُّ ذلك؛ لأنه مِنْ تتمَّاته وليس بأجنبيّ، وهذا الموضعُ
مِمَّا يُظْهِرُ حُسْنَ علمِ الإِعرابِ، ويُدَرِّبُكَ في كثيرٍ من أبوابِهِ .
آ. (٤) قوله: ﴿بَشيراً ونذيراً﴾: يجوزُ أَنْ يكونا نعتّيْن
لـ ((قُرْآنً»، وأَنْ يكونا حالَيْنِ: إِمَّا مِنْ ((كتاب))، وإمّا مِنْ ((آياته)»، وإمَّا من
الضميرِ المَنْوِيِّ في ((قُرْآنًا)). وقرأ(١) زيد بن علي برفعهما على النعتِ لـ ((كتاب))
أو على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هو بشیرُ ونذیرٌ.
آ. (٥) قوله: ﴿في أُكِنَّةٍ﴾: قال الزمخشري(٢): ((فإنْ قُلْتَ: هَلَّ
قيل: على قلوبِنا أكثَّةٌ كما قيل: وفي آذاننا وَقْرٌ، ليكونَ الكلامُ على نَمَطٍ واحدٍ.
قلت: هو على نَمَطٍ واحدٍ؛ لأنَّه لا فَرْقَ في المعنى بين قولِك: قلوبُنا في أكْثَّةٍ،
وعلى قلوبِنا أكثَّةٌ، والدليلُ عليه قوله تعالى: ﴿وجَعَلْنا على قلوبِهم أكنَّةً﴾(٣)،
ولو قيل: جَعَلْنا قلوبَهم في أكْثَّةٍ لم يختلفِ المعنى، وترى المطابينعَ منهم
لا يَرَوْن (٤) الطباقَ والملاحظةَ إلَّ في المعاني)). قال الشيخ(٥): ((و((في)) هنا
(١) القرطبي ٣٣٨/١٥، البحر ٤٨٣/٧.
(٢) الكشاف ٤٤٢/٣.
(٣) الآية ٢٥ من الأنعام.
(٤) الكشاف: ((لا يراعون)).
(٥) البحر ٧/ ٤٨٤
٥٠٦

- فصلت -
أَبْلَغُ مِنْ ((على)) لأنَّهم قَصَدوا الإِفراطَ في عَدَمِ القبول بحُصول قلوبِهِم في أكثَّةٍ
احتوَتْ عليها احتواءَ الظرفِ على المظروفٍ، فلا يمكنُ أَنْ يَصِلَ إليها شيءٌ،
كما تقول: ((المالُ في الكيس)) بخلافِ قولِك: ((على المالِ كيسٌ))، فإنَّه
لا يَدُلُّ على الحصر وعدمِ الوصولِ دلالةَ الوعاءِ، وأمَّا ((وجعلنا)) فهو من إخبار
اللَّهِ تعالى فلا يَحْتَاجُ إلى مبالغٍ)). وتقدَّمَ تفسيرُ الأكنَّة والوقر(١). /
[٧٧٩/ أ]
وقرأ طلحة (٢) بكسر الواوِ وتقدَّمَ الفرقُ بينهما.
قوله: ((ممَّا تَدْعُوْنا)) مِنْ في ((ممَّا)) وفي ((ومِنْ بَيْنِنا)» لابتداءِ الغايةِ
فالمعنى: أنَّ الحجابَ ابتدأ مِنَّ وابتدأ منك، فالمسافةُ المتوسطةُ لجهتِنا وجهتِك
مُسْتوعبةٌ لا فراغُ فيها، فلولم تَأْت ((مِنْ)) لكان المعنى: أنَّ حجاباً حاصلٌ وسطَ
الجهتين، والمقصودُ المبالغَةُ بالتباينِ المُفْرِط، فلذلك جيْءَ بـ ((مِنْ)) قاله
الزمخشري (٣). وقال أبو البقاءٍ(٤): ((هو محمولٌ على المعنى؛ لأنَّ المعنى: في
أكُنَّةٍ محجوبٍ عن سماعٍ ما تَدْعُوْنا إليه، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً لـ((أكثَّة))؛ لأنَّ
الأكَّةَ الأغشيةُ، وليسَتِ الأغشيةُ ممَّا يُدْعَوْنَ(٥) إليه)).
آ. (٦) قوله: ﴿قل﴾: قرأ(٦) ابنُ وَتَّاب والأعمش ((قال)) فعلاً
ماضياً خبراً عن الرسولِ. والرسمُ يَحْتَملهما، وقد تقدَّم مثلُ هذا في الأنبياءِ
وآخرِ المؤمنين. وقرأ(٧) الأعمشُ والنخعيُّ ((يُرْجِي)) بكسر الحاء أي: اللَّهُ
تعالى .
(١) انظر: الدر المصون ٥٧٦/٤.
(٢) البحر ٤٨٣/٧.
(٣) الكشاف ٤٤٢/٣.
(٤) الإملاء ٢٢٠/٢.
(٥) الإِملاء: تَذْعونا.
(٦) الإِتحاف ٤٤١/٢، البحر ٤٨٤/٧.
(٧) الإتحاف ٤٤١/٢، البحر ٤٨٤/٧.
٥٠٧

- فصلت -
قوله: ((فاسْتَقِيموا إليه)) عُدِّيَ بـ ((إلى)) لتضمُّنِه معنى تَوَجَّهوا، والمعنى:
وجهوا استقامتكم إليه.
آ. (٨) قوله: ﴿غيرُ مَمْنُون﴾: قيل: غيرُ منقوض، وأنشدوا لذي
الإصبع العدواني(١):
٣٩٤٦- إني لَعَمْرُكَ ما بابي بذي غَلقٍ
على الصديقٍ ولا خَيْرِي بمَمْنُونٍ
وقيل: مقطوعُ، مِنْ مَنْتُ الحَبْلَ أي: قطعْتُه، وأنشدوا(٢):
٣٩٤٧- فَضْلَ الجوادِ على الخيلِ البِطاءِ فلا
يُعِْي بسذلك مَمْنُوْناً ولا نَزِقا
وقيل: غيرُ ممنونٍ، مِنْ المَنَّ؛ لأنَّ عطاءَ اللَّهِ تعالى لا يَمُنُّ به، إنما يَمُنُّ
المخلوقُ.
آ. (٩) قوله: ﴿وَجْعلون﴾: عطفٌ على ((لَتَكْفُرون)) فهو داخلٌ
في حَيِّزِ الاستفهام.
آ. (١٠) قوله: ﴿وجَعَلَ﴾: مستأنف. ولا يجوز عَطْفُه على صلةٍ
الموصولِ للفصلِ بينهما بأجنبيّ، وهو قولُه: ((وتَجْعلون)) فإنه معطوفٌ على
(َتَكْفرون)) كما تقدَّم.
قوله : ((في أربعة أيامٍ)) تقديرُه: في تمامِ أربعة أيام باليومَيْن المتقدِّمين.
(١) المفضليات ١٦٠، والقرطبي ٣٤١/١٥، والبحر ٤٨٥/٧.
(٢) البيت لزهير، وهو في ديوانه ٤٩، والقرطبي ٣٤١/١٥، والبحر ٤٨٥/٧. أي:
فضله على الرجال كفضل الجواد على الخيل البطاء.
٥٠٨

- فصلت -
وقال الزجاج(١): ((في تتمةِ أربعة أيام)) يريدُ بالتتمَّةِ اليومينِ. وقال
الزمخشري(٢): ((في أربعة أيام فَذْلَكَةً لمدةٍ خَلْقِ اللَّهِ الأرضَ وما فيها، كأنه
قال: كلُّ ذلك في أربعة أيامٍ كاملٍ مستويةٍ بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ)). قلت: وهذا
كقولِك: بَنَّيْتُ بيتي في يومٍ، وأَكْمَلْتُه في يومَيْن، أي: بالأول. وقال
أبو البقاء (٣): ((أي: في تمامِ أربعة أيامٍ، ولولا هذا التقديرُ لكانَتِ الأيامُ
ثمانيةً، يومان في الأول، وهو قوله: ((خَلَقَ الأرضَ في يومين))، ویومان في
الآخِر (٤)، وهو قوله: ((فقضاهُنَّ سبعَ سموات في يومَيْن)) [وأربعة في الوسط،
وهو قولُه ((في أربعة أيام)) ](٥).
قوله: ((سواءً)) العامَّةُ على النصبِ، وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه منصوبٌ على
المصدرِ بفعلٍ مقدرٍ أي: استوَتْ استواءً، قاله مكي(٦) وأبو البقاء(٧). والثاني:
أنه حالٌ مِنْ ((ها)) في ((أقواتها)) أو مِنْ ((ها)) في ((فيها)) العائدةِ على الأرض أو من
الأرض، قاله أبو البقاء(٨).
وفيه نظرً؛ لأنَّ المعنى: إنما هو وصفُ الأيامِ بأنها سواءٌ، لا وصفُ
الأرضِ بذلك، وعلى هذا جاء التفسيرُ. ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ (سَواءٍ)) بالجرِّ
صفةً للمضافِ أو المضافِ إليه. وقال السدي وقتادة: سواءً معناه: سواءً لمن
(١) معاني القرآن ٣٨١/٤.
(٢) الکشاف ٤٤٤/٣.
(٣) الإملاء ٢٢١/٢.
(٤) الإملاء: ((الآخرة)).
(٥) ما بين معقوفين لم يرد في «الإملاء)).
(٦) المشكل ٢٧٠/٢.
(٧) الإِملاء ٢٢١/٢.
(٨) الإِملاء ٢٢١/٢.
٥٠٩

- فصلت -
سألَ عن الأمرِ واستفهم عن حقيقةٍ وقوعِه، وأرادَ العِبْرَةَ فیه، فإنه يَجِدُه كما قال
تعالى، إلّا أنَّ ابنَ زيدٍ وجماعةً قالوا شيئاً يَقْرُبُ من المعنى الذي ذكره
أبو البقاء(١)، فإنهم قالوا: معناه مُسْتَرٍ مُهَيَّاً أمرُ هذه المخلوقاتِ ونَفْعُها
للمحتاجين إليها من البشر، فعبَّر بالسائلين عن الطالبين.
وقرأ(٢) زيد بن علي والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب
وعمرو بن عبيد ((سَواءٍ) بالخفضِ على ما تقدَّمَ، وأبو جعفرٍ بالرفع، وفيه
وجهان، أحدهما: أنه على خبرٍ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي سواءٌ لا تزيد ولا
تنقصُ. وقال مكي (٣): ((هو مرفوعٌ بالابتداء))، وخبرُه ((للسائلين)). وفيه نظرٌ:
من حيث الابتداءُ بنكرةٍ من غيرِ مُسَوِّغٍ، ثم قال: ((بمعنى مُسْتوياتٍ، لمن سأل
فقال: في كم خُلِقَتْ؟ وقيل: للسَّائلين لجميع الخَلْقِ لأنهم يَسْألون الرزقَ
وغيرَه مِنْ عند اللَّه تعالى)».
قوله: ((للسًّائلین)) فیه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه متعلقٌ بـ «سواء» بمعنى :
مُسْتويات للسائلين. الثاني: أنه متعلِّقٌ بـ((قَدَّر)) أي: قَدَّر فيها أقواتُها لأجلِ
الطالبين لها المحتاجين المُقتاتين. الثالث: أَنْ يتعلق بمحذوفٍ كأنه قيل: هذا
الحَصْرُ لأجلٍ مَنْ سأل: في كم خُلِقَتِ الأرضُ وما فيها؟
آ. (١١) والدُّخان: ما ارتفع مِنْ لَهَبِ النار، ويُسْتعار لِما يُرى مِنْ بخارٍ
الأرضِ عند جَدْبِها. وقياسُ جَمْعِه في القلةِ: أَدْخِنة، وفي الكثرة: دِخْنان نحو
(١) الإِملاء ٢٢١/٢، وعبارته: ((مصدر ويكون في موضع الحال من الضمير في أقواتها
أو فيها أو من الأرض)).
(٢) الإتحاف ٤٤٢/٢، النشر ٣٦٦/٢، القرطبي ٣٤٣/١٥، البحر ٤٨٦/٧.
(٣) المشكل ٢٧٠/٢
:
٥١٠
..-

- فصلت -
غُراب وأَغْرِبة وغِربان، وشذُّوا في جَمْعِه على دواخِن. قيل: هو جمعُ داخِنة
تقديراً على سبيلِ الإِسناد المجازيٌّ. ومثله: عُثان وعَوائِن(١).
قوله: ((وهي دُخانٌ)) من باب التشبيهِ الصُّوري؛ لأن صورتها صورةُ
الدخان في رأي العَيْنِ.
قوله: ((أَنَّيْنا)) قرأ العامَّةُ (احْتِيا)) أمراً من الإِنْيان، ((قالتا أَتَيْن)) منه أيضاً.
وقرأ(٢) ابنُ عباس وابنُ جبير ومجاهدٌ: ((آتِيا قالتا آتَيْنا)) بالمدِّ فيهما. وفيه
وجهان، أحدُهما: أنه من المُؤَاتاة، وهي الموافقّةُ أي : ليوافِقْ كلِّ منكما
الأخرى لِما يليقُ بها، وإليه ذهب الرازي (٣) والزمخشري (٤). فوزنُ ((آتِيا)) فاعِلا
كقائِلا، و((آتَيْنا)) وزنُه فاعَلْنا كقاتَلْنا. / والثاني: أنَّه من الإِيْتاء بمعنى الإِعطاء، [٧٧٩/ب]
فوزنُ آتِيَا أَفْعِلا كأَكْرِما، ووزن آتَيْنَا أَفْعَلْنَا كَأَكْرَمْنا. فعلى الأول يكونُ قد حَذَفَ
مفعولاً، وعلى الثاني يكونُ قد حَذَفَ مفعولَيْن إذ التقدير: أَعْطِيا الطاعةً مِنْ
أنفسكما مَنْ أَمَرَكما. قالتا: أَعْطَيْناه الطاعة.
وقد مَنَع أبو الفضل الرازيُّ الوجهَ الثاني. فقال: ((أَنّْنا» بالمَدِّ على فاعَلْنا
من المُؤاتاة، بمعنى سارَعْنا، على حَذْفِ المفعولِ به، ولا تكونُ من الإِيتاء
الذي هو الإِعطاءُ لُبُعْدِ حَذْفٍ مفعولَيْه)». قلت: وهذا هو الذي مَنَّعَ الزمخشريّ
أَنْ يَجْعَلَه من الإِيتَاءِ.
قوله ((طَوْعاً أو كَرْهاً)) مصدران في موضعِ الحال أي: طائِعتين
(١) العُثان: الدُّخان والغبار.
(٢) المحتسب ٢٤٥/٢، البحر ٤٨٧/٧، القرطبي ٣٤٤/١٥.
(٣) وهو أبو الفضل صاحب ((اللوامح)).
(٤) الكشاف ٤٤٦/٣.
٥١١

- فصلت -
أو مُكْرَهَتَيْن. وقرأ (١) الأعمشُ ((كُرْهاً)) بالضم. وقد تقدّم الکلامُ علی ذلك في
النساء(٢).
قوله: ((قالتا)) أي: قالَتِ السماء والأرض. وقال ابنُ عطية(٣): ((أراد
الفرقتَيْن المذكورتَيْن. جَعَلَ السمواتِ سماءً، والأرضين أرضاً، وهو نحوُ قولِ
الشاعر (٤):
٣٩٤٨- ألم يُحْزِّنْكَ أنَّ حبالَ قومي
وقومِك قد تبايَنْتا انْقِطاعا
عَبَّر عنهما بـ (تَبَاينتا)). قال الشيخ(٥): ((وليس كما ذَكَر؛ لأنه لم يتقدَّمْ إِلَّ
ذِكْرُ الأرضِ مفردةً والسماءِ مفردةً، فلذلك حَسُن التعبيرُ بالتثنيةِ. وأمَّا البيتُ
فكأنه قال: حَبْلَيْ قومي وقومِك، وأَنَّثَ في ((تباينتا)) على المعنى لأنه عنى
بالحبالِ المودّة».
قوله: ((طائِعِينَ)) في مجيئِه مجيءَ جَمْعِ المذكرِين العقلاءِ وجهان،
أحدهما: أنَّ المرادَ: أَتيا بمَنْ فيهما من العقلاء وغيرِهم، فلذلك غَلَّب العقلاء
على غيرِهم، وهو رَأْيُ الكسائيِّ. والثاني: أنه لمَّ عامَلهما معاملةَ العقلاء في
الإِخبارِ عنهما والأمرِ لهما جُمِعا كجَمْعِهم، كقوله: «رأيتُهم لي ساجدين)» (٦)
وهل هذه المحاوَرَةُ حقيقةٌ أو مجازٌ؟ وإذا كانت مجازاً فهل هو تمثيلٌ أو تُخِيلٌ؟
خلافٌ.
(١) البحر ٤٨٧/٧.
(٢) انظر: الدر ٦٢٧/٣:
(٣) المحرر ١٦٨/١٤.
(٤) تقدم برقم ٣٣٣٧.
(٥) البحر ٤٨٧/٧، ونَقْلُ السمين بالمعنى.
(٦) الآية ٤ من يوسف.
٥١٢

- فصلت -
آ. (١٢) قوله: ﴿سبعَ﴾: في نصبه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه
مفعولٌ ثانٍ لـ((قَضاهُنَّ))؛ لأنه ضُمِّن معنى صَيَّرَهُنَّ بقضائِه سبعَ سمواتٍ .
والثاني: أنَّه منصوبٌ على الحالِ مِنْ مفعولِ ((قَضاهُنَّ» أي: قضاهُنَّ
معدودةً، و ((قضی)» بمعنىُ صَنّع، كقولٍ أبي ذؤيب(١):
٣٩٤٩- وعليهما مَسْرُؤْدتان قَضاهما
داوُدُ أو صَنَعُ السَّوابغِ تُبِّعُ
أي: صَنْعهما. الثالث: أنه تمييزٌ. قال الزمخشري(٢): ((ويجوزُ أَنْ يكونَ
ضميراً مبهماً مُفَسَّراً بسبعٍ سموات [على التمييز))](٣) يعني بقوله ((مبهماً)) أنَّه
لا يعودُ على السماء لا من حيث اللفظُ ولا مِنْ حيث المعنى، بخلاف كونِه حالاً
أو مفعولاً ثانياً. الرابع: أنه بدلٌ مِنْ ((هُنَّ)) في ((فقَضَاهُنَّ)) قاله مكي (٤). وقال
أيضاً: ((السَّماء تذكَّرُ وتؤنَّثُ. وعلى التأنيثِ جاء القرآن، ولوجاء على التذكير
لقيل: سبعة سموات)). وقد تقدَّم تحقيقُ تذكيرِه وتأنيثِه في أوائل البقرة(٥) .
قوله: ((وحِفْظً)) في نصبه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ على المصدرِ
بفعلٍ مقدرٍ، أي: وحَفِظْناها بالتواقب من الكواكِبِ حِفْظاً. والثاني: أنه مَفْعولٌ
مِنْ أجله على المعنى، فإنَّ التقديرَ: خلقنا الكواكبُ زينةً وحِفْظً. قال
الشيخ(٦): ((وهو تكلُّفُ وعُدولٌ عن السَّهْلِ البَيِّنِ)).
(١) تقدم برقم ٦٩٣.
(٢) الكشاف ٤٤٦/٣.
(٣) لم يرد في ((الكشاف)) قوله: ((على التمييز)).
(٤) المشكل ٢٧٠/٢.
(٥) انظر: الدر المصون ١٦٩/١.
(٦) البحر ٤٨٨/٧.
٥١٣

- فصلت -
آ. (١٣) قوله: ﴿فإنْ أَعْرَضوا﴾: التفاتٌ مِنْ خطابِهِم بقولِه:
((قل أثِنَّكم)) إلى الغَيْبةُ لِفِعْلِهِم الإِعراضَ أعرضَ عن خطابِهم، وهو تناسُبُ
حَسَنٌ. وقرأ الجمهورُ ((صاعقَةً مثلَ صاعقةٍ)) بالألفِ فيهما. وابن الزبير(١)
والنخعي والسلمي وابن محيصن ((صَعْفَةً مثلَ صَعْقة)) بحَذْفِها وسكون العين.
وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك في أوائلِ البقرة(٢). يقال: صَعَقْه الصاعقةُ فصَعِقٌّ،
وهذا مما جاء فيه فَعَلْه - بالفتح - ففَعِل بالكسر، ومثله جَدَعْتُه فَجَدِعَ.
والصَّعْقَةُ المَرَّة.
آ. (١٤) قوله: ﴿إذا جاءتهم﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه ظرفٌ
لـ ((أَنْذَرْتُكم)) نحو: لَقِيْتُك إذ كان كذا. الثاني: أنه منصوبٌ بصاعقةٍ لأنّها
بمعنى العذاب أي: أنذرتُكم العذابَ الواقعَ في وقتٍ مجيْءٍ رسُلِهم. الثالث:
أنه صفةٌ لـ ((صاعِقَة)) الأولى. الرابع: أنه حالٌ من ((صاعقة)) الثانية، قالهما
أبو البقاء (٣) وفيهما نظرً؛ إذ الظاهرُ أنَّ الصَّاعقةَ جئةٌ وهي قطعةُ نارٍ تَنْزِلُ مِن
السماء فتحرِقُ، كما تُقدَّمَ في تفسيرِها أولَ هذا التصنيفِ (٤)؛ فلا يقعُ الزمانُ
صفةً لها ولا حالاً عنها، وتأويلُها بمعنى العذابِ إخراجٌ لها عن مدلولها مِنْ غيرٍ
ضرورةٍ، وإنما جعلَها وَصْفاً للأولى لأنها نكرةٌ، وحالاً مِن الثانية لأنها معرفةٌ
لإضافتها إلى عَلَم، ولو جعلها حالاً من الأولى؛ لأنها تخَصَّصَتْ بالإِضافةِ
[٧٨٠/ أ] لجاز/ فتعودُ الوجوهُ خمسةً .
قوله: ((مِنْ بينِ أيديهم ومِنْ خَلْفِهِم)) الظاهرُ أنَّ الضميرَيْن عائدان على
(١) البحر ٤٨٩/٧.
(٢) انظر: الدر١ /١٧٢.
(٣) الإِملاء ٢٢١/٢.
(٤) انظر: الدر ١٧٢/١.
٥١٤

- فصلت -
عادٍ وثمود. وقيل(١): الضميرُ في ((خَلْفِهِم)) يعودُ على الرسلِ. واسْتُبْعِد هذا من
حيث المعنى؛ إذ يصير التقديرُ: جاءتهم الرسلُ مِنْ خَلْفِ الرسلِ ، أي: مِنْ
خَلْفِ أنفسِهم. وقد يُجاب عنه: بأنَّه مِنْ باب (دِرْهمُ ونصفُه)) أي: ومن خَلْفٍ
رسُلٍ آخرين.
قوله: ((أَنْ لا تَعْبُدوا)) يجوزُ في ((أَنْ)) ثلاثةُ أوجٍ، أحدها: أَنْ تكونَ
المخففةً من الثقيلة، واسمها ضميرُ الشأن محذوفٌ، والجملةُ النَّهِْيةُ بعدها
خبرٌ، كذا أعربه الشيخُ(٢). وفيه نظرٌ مِنْ وجهين، أحدهما: أنَّ المخففةً لا تقع
بعد فِعْل إلَّ مِنْ أفعال اليقين. الثاني: أنَّ الخبرَ في بابِ ((إِنَّ)) وأخواتِها لا يكون
طلباً(٣)، فإنْ وَرَدَ منه شيءٌ أُوَّلَ ولذلك تأوَّلُوا [قولَ الشاعرِ: ](٤)
٣٩٥٠- إنَّ الذينَ قَتَلْتُمْ أمسٍ سَيِّدَهُمْ
لا تَحْسَبُوا ليلَهم عن لیلکم ناما
وقول الآخر(٥):
٣٩٥١- ولو أصابَتْ لقالَتْ وَهْيَ صادِقةٌ
إِنَّ الرِّياضَةَ لا تُنْصِبْكَ للشِّيْبِ
على إضمارِ القولِ . الثاني: أنها الناصبةُ للمضارعِ ، والجملةُ النَّهِْيةُ
بعدها صلتُها وُصِلَتْ بالنهي كما تُوْصَلُ بالأمر في ((كَتبتُ إليه بأنْ قُمْ))، وقد
مَرَّ فِي وَصْلِها بالأمرِ إشكالٌ يأتي مثلُه في النهي. الثالث: أَنْ تكونَ مفسِّرَةً
(١) وهو مذهب الطبري. انظر: تفسيره ١٠١/٢٤.
(٢) البحر ٤٨٩/٧ .
(٣) الشيخ أبو حيان لم يعربها خبراً بل منصوبة على نزع الخافض، أي: بأنه لا تعبدوا.
(٤) تقدم برقم ١٠٢١.
(٥) تقدم برقم ٢٥٦٠.
٥١٥

- فصلت -
لمجيئهم لأنه يتضمَّنُّ قولاً، و((لا)) في هذه الأوجهِ كلِّها ناهيةٌ، ويجوزُ أَنْ
تكونَ نافيةً على الوجهِ الثاني، ويكون الفعلُ منصوباً بـ ((أنْ)) بعد ((لا)) النافيةِ،
فإِنَّ ((لا)) النافيةَ لا تمنعُ العاملَ أَنْ يعملَ فيما بعدها نحو: ((جئتُ بلا زيدٍ»،
ولم يذكرْ الحوفي غيره ..
قوله: ((لو شاءًا قدَّر الزمخشريُّ(١) مفعولَ ((شاء)»: لو شاءَ إرسالَ الرسلِ
لَأَنْزَلَ ملائكةً. قال الشيخ(٢): ((تَتَبَّعْتُ القرآنَ وكلامَ العربِ فلم أَجِدْ حَذْفَ
مفعولٍ ((شاء)) الواقع بعد ((لو)) إلَّ مِنْ جنسٍ جوابها نحو: ((ولو شاء الله
لجَمَعهم على الهدى)»(٣) أي: لو شاءَ جَمْعَهم على الهدى لجَمَعهم عليه،
(لونَشاء لَجَعَلْناه حُطامً))(٤) ((لو نَشاءُ جَعَلُناه أُجاجاً)(٥) ((ولو شاء ربّك
لاَمَنَ»(٦) ((ولو شاء ربُّك ما فعلوه)»(٧) «لو شاءُ اللَّهَ ما عَبَدْنا مِنْ دونِه)»(٨). وقال
الشاعر(٩) :
٣٩٥٢- فلو شاءَ ربِّي كنتُ قيسَ بنَ خالدٍ
ولو شاءَ ربي كنتُ قيسَ بنَ مَرْثِدٍ
وقال الراجز (١٠):
(١) الكشاف ٤٤٨/٣
(٢) البحر ٤٩٠/٧.
(٣) الآية ٣٥ من الأنعام.
(٤) الآية ٦٥ من الواقعة.
(٥) الآية ٧٠ من الواقعة.
(٦) الآية ٩٩ من يونس.
(٧) الآية ١١٢ من الأنغام.
(٨) الآية ٣٥ من النحل.
(٩) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في البحر ٤٩٠/٧.
(١٠) تقدم برقم ٢١٤.
٥١٦

- فصلت -
٣٩٥٣- واللذٍ لو شاءَ لكنْتُ صَخْراً
أو جَبَلاً أشمَّ مُشْمَخِرًا
قال: ((فعلَى ما تقرَّر لا يكونُ المحذوفُ ما قدَّره الزمخشريُّ، وإنما
التقديرُ: لو شاء ربُّنَا إنزالَ ملائكةٍ بالرسالةِ منه إلى الإِنسِ لأَنْزَلهم بها إليهم،
وهذا أَبْلَغُ في الامتناع من إرسالِ البشرِ، إذ عَلَّقوا ذلك بإنزال الملائكة، وهو
لم يَشَأُ ذلك فكيف يشاء ذلك في البشر؟)) قلت: وتقديرُ أبي القاسم أوقَعُ
معنىٌ وأخلصُ من إيقاع الظاهرِ موقعَ المضمرِ؛ إذ يَصيرُ التقديرُ: لو شاءَ إنزالَ
ملائكةٍ لأنزلَ ملائكةٌ.
قوله: ((بما أُرْسِلْتُم به)) هذا خطابٌ لهودٍ وصالحٍ وغيرِهم ◌ِن الأنبياءِ
عليهم السلام، وغَلَّب المخاطبَ على الغائبِ نحو: ((أنت وزيدٌ تقومان)).
و ((ما)» يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً بمعنى الذي وعائدُها به، وأنْ تكونَ مصدريةً
أي: بإرسالِكم، فعلى هذا يكون ((به)) [يعودُ](١) على ذلك المصدرِ المؤولِ،
ویکون من باب التأکید کأنه قیل: کافرون بإرسالِكم به.
آ. (١٦) قوله: ﴿صَرْصَراً﴾: الصَّرْصَرُ: الريحُ الشديدة فقيل:
هي الباردةُ مِن الصِّرِّ، وهو البردُ. وقيل: هي الشديدةُ السَّمومِ. وقيل هي
المُصَوَّتَةُ، مِنْ صَرَّ البابُ أي: سُمِع صريرُه. والصَّرَّة: الصَّيْحَةُ. ومنه: ((فأقبَلَتِ
امرأتُه فِي صَرَّة))(٢). قال ابن قتيبة (٣): ((صَرْصَر: يجوزُ أَنْ يكونَ من الصِّرِّ وهو
البردُ، وأَنْ يكونَ مِنْ صَرَّ البابُ، وأَنْ تكونَ من الصَّرَّة، وهي الصيحةُ، ومنه:
(١) زيادة من ش.
(٢) الآية ٢٩ من الذاريات.
(٣) لم يزد في كتابه تفسير الغريب ص ٣٨٧ على قوله: ((الصرصر: الشديدة)).
٥١٧

- فصلت -
((فَأَقْبَلَت امرأتُه فِي صَرَّة)). وقال الراغب(١): ((صَرْصَر لفظة من الصِّرِّ، وذلك
يرجِعُ إلى الشَّدِّ لِما في البرودة من التعقّدِ)).
قوله: (نَحِساتٍ)) قرأ(٢) الكوفيون وابن عامر بكسر الحاءِ، والباقون
بسكونها. فأمَّا الكسرُ فهو صفةً على فَعِل، وفعلُه فَعِل بكسرٍ العين أيضاً.
كَفِعْلِهِ(٣) يقال: نَحِس فهو نَحِسُ كَفَرِح فهو فَرِحُ، وأَشِرَ فهو أَشِرٌ. وأمال(٤):
[٧٨٠/ب] الليث / عن الكسائي ألفّه لأجل الكسرة، ولكنه غيرُ مشهورٍ عنه، حتى نسبه.
الدانيُّ لِلوَهْمِ.
وأمَّا قراءةُ الإِسكانِ فتحتملُ ثلاثةَ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يكونَ مخففاً مِنْ
فَعِل في القراءةِ المتقدمةِ، وفيه توافُقُ القراءتين. والثاني: أنَّه مصدرً وُصِفَ بِهِ
كرجلٍ عَدْلٍ. إلَّ أنَّ هذا يُضْعِفُه الجمعُ فإنَّ الفصيحَ في المصدرِ الموصوفِ
أَنْ يُؤَخَّدَ، وكأنَّ المُسَوِّغَ للجمع اختلافُ أنواعِه في الأصل. والثالث: أنه صفةٌ
مستقلةٌ على فَعْل بسكونِ العينِ. ولكن أهلَ التصريفٍ لم يذكروا في الصفةٍ
الجائيةِ مِنْ فَعِلَ بكسرٍ العين، إلَّ أوزاناً محصورةً ليس فيها فَعْل بالسكونِ
فذكروا: فَرِحَ فهو فَرِحْ، وحَوِرَ فهو أحورُ، وشَبِعَ فهو شبعانُ، وسَلِمَ فهو سالمٌ،
وبلي فهو بالٍ.
وفي معنى ((نَحِسَات)) قولان، أحدهما: أنها مِن الشُّوم(٥). قال السدِّي:
(١) المفردات ٢٧٩.
(٢) السبعة ٥٧٦، والنشر ٣٦٦/٢، والحجة ٦٣٥، والبحر ٤٩٠/٧، والقرطبي:
٣٤٨/١٥.
(٣) قوله: ((كفعله)) لعله مقحم.
(٤) الأصل ((وأما)) بسقوط اللام سهواً. وقال في الإتحاف ٤٤٢/٢: ((ولا حاجة إلى
حكاية إمالة فتحة السين من نحسات عن أبي الحارث كما فعل الشاطبي رحمه الله
تبعاً لأصله فإنه لو صَعَّ لم يكنْ من طرقهما ولا من طرقنا)).
(٥) وهو مذهب أبي عبيدة في ((المجاز)) ١٩٧/٢.
٠ ٥١٨

-فصلت -
أي: مشائيم مِن النَّحْسِ المعروف. والثاني: أنها شديدةُ البردِ. وأنشدوا على
المعنى الأول قولَ الشاعرِ (١):
٣٩٥٤- يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ ويومساً شَمْسا
نَجْمَيْنِ سَعْدَيْنٍ ونجماً نَحْسا
وعلى المعنى الثاني قولَ الآخرِ (٢):
٣٩٥٥- كأنَّ سُلافَةً عُرِضَتْ لنَحْسٍ
يُحِيْلُ شَفيْفُها الماءَ الزُّلالا
ومنه(٣):
٣٩٥٦- قد أَغْتدي قبلَ طُلوعِ الشمسِ
للصيدِ في يومٍ قليلِ النَّحْسِ
وقيل: يُريدُ به في هذا البيت الغبارَ أي: قليلِ الغبار، وقد قيل بذلك في
الآيةِ أنها ذاتُ غُبارٍ. و((نَحِسات)) نعتٌ لاَيَّام، والجمعُ بالألفِ والتاءِ مُطَّرِدٌ في
صفةٍ ما لا يَعْقِلُ كأيامٍ معدوداتٍ. وقد تقدَّم تحقيقُه في البقرة(٤).
و (لِنُذِيْقَهُمْ)) متعلّقٌ بـ ((أَرْسَلْن). وقُرِىء (٥) (لِتُذِيقَهم)» بالتاءِ مِنْ فوقُ.
(١) لم أقف عليه.
(٢) البيت لابن أحمر، وهو في اللسان (نحس)، والمحرر ١٧٢/١٤، وفي اللسان:
((فسِّره الأصمعي فقال: ((لنحسٍ: أي وُضعت في ريح فبرَدَت)). وشفيفها: بَرْدُها
ومعنى يحيل: يَصُبُّ. يقول: بردها يصب الماء في الحلق ولولا بردها لم يشرب
الماء.
(٣) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في القرطبي ٣٤٨/١٥، والماوردي ٥٠٠/٣.
(٤) انظر: الدر المصون ٣٤٣/٢.
(٥) البحر ٤٩١/٧.
٥١٩

- فصلت سـ
وفي الضمير قولان، أحدهما: أنه الريحُ أي: لتذيقَهم الريحُ أو الأيَّامُ على
سبيل المجاز. وعذاب الخِزْيِ من إضافةِ الموصوفِ لصفتِه، ولذلك قال:
((لَعذابُ الآخرةِ أَخْزَىْ)) فإنه يَقْتضِي المشاركةَ وزيادةً. وإسنادُ الخِزْيِ إلى
العذاب مجازٌ لأنه سيُبه.
آ. (١٧) قوله: ﴿وأمَّا ثمودُ﴾: الجمهورُ على رَفْعِهِ ممنوعٌ
الصرفِ. والأعمشُ(١) وابنُ وثَّاب مصروفاً، وكذلك كلُّ ما في القرآن إلّ قولَهِ:
((وأنَّيْنا ثمودَ الناقةَ))(٢) قالوا: لأنَّ الرسم ثمود بغير ألفٍ. وقرأ ابنُ عباس وابنُ
أبي إسحاق والأعمش في روايةٍ، وعاصمٌ في رواية «ثمود)» منصوباً مصروفاً.
والحسن وابنُ هرمز وعاصمٌ أيضاً منصوباً غيرَ منصرفٍ. فأمَّا الصرفُ وعَدَمُه فقد
تقدَّمَ توجيهُهُما في هود. وأمَّ الرفعُ فعلى الابتداء، والجملةُ بعده الخبرُ، وهو
مُتَعَيِّنّ عند الجمهورِ؛ لأنَّ ((أمَّا)) لا يليها إلَّ المبتدأُ فلا يجوزُ فيما بعدها
الاشتغالُ إلَّ فِي قليلٍ كهذه القراءةِ، وإذا قَدِّرْتَ الفعلَ الناصبَ فقدِّرْه بعد
الاسمِ المنصوبِ أي: وأمَّ ثمودَ هَدَيْناهم فهَدَيْناهم قالوا: لأنها لا يَليها
الأفعال .
آ. (١٩) قوله: ﴿ويومَ يُحْشَرُ﴾: العاملُ في هذا الظرفِ فيه
وجهان، أحدُهما: محذوفٌ دَلَّ عليه ما بعدَه مِنْ قوله: ((فهم يُوْزَعُون)) تقديره:
يُسَاقُ الناسُ يومَ يُحْشَرِ. وَقَدَّرَه أبو البقاء(٣): يُمْنَعون يومَ الحَشْرِ. الثاني: أنه
منصوبٌ بــ اذْكُرْ أي: اذْكُرْ يومَ. وقرأ(٤) نافع ((نَحْشُرُ)) بنونِ العظمة وضمُّ الشين ..
(١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٤٢/٢، والبحر ٤٩١/٧، والقرطبي ٣٤٩/١٥.
(٢) الآية ٥٩ من الإِسراء.
(٣) الإملاء ٢٢١/٢.
(٤) السبعة ٥٧٦، والنشر ٣٦٦/٢، والقرطبي ٣٥٠/١٥، والحجة ٦٣٥، والتيسير
١٩٣، والبحر ٤٩٢/٧.
٥٢٠