النص المفهرس

صفحات 481-500

- غافر -
جملةٌ استِثْنافية. وقوله: ((عندَ الله)) متعلقٌ بـ ((كَبُرَ)، وكذلك قد تقدَّم أنَّه يجوزُ
أَنْ يكونَ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، وأنْ يكونَ فاعلاً وهما ضعيفان. والثالث - وهو
الصحيحُ - أنه معمولٌ لـ (يَطْبَعُ)) أي: مثلَ ذلك الطَّبْعِ يطبعُ اللَّهُ.
و ((يطبعُ اللَّهُ)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه مستأنفٌ. والثاني: أنه خبرٌ
للموصولٍ ، كما تقدَّم تقریرُ ذلك كلُّه.
قوله: ((قُلْبٍ متكِّرٍ)) قرأ(١) أبو عمروٍ وابن ذكوان بتنوين ((قلب))، وَصَّفا
القلبَ بالتكبِّر والجَبَروتِ؛ لأنهما ناشئان منه، وإنْ كان المرادُ الجملةَ، كما
وُصِف بالإِثمِ في قوله: ((فإنه آثُمٌ قلبُه))(٢). والباقون بإضافة ((قلب)) إلى ما بعدَه
أي: على كلِّ قَلْبٍ شخصٍ متكبِّرٍ. وقد قَدَّر الزمخشريُّ(٣) مضافاً في القراءةِ
الأولى أي: على كلِّ ذي قلب متكبر، تجعلُ الصفةً لصاحبِ القلب. قال
الشيخ (٤): ((ولا ضرورةَ تَدْعو إلى اعتقادِ الحذفِ)). قلت: بل ثَمَّ ضرورةٌ إلى
ذلك وهو توافُقُ القراءتَيْن، فإنه يَصيرُ الموصوفُ في القراءتَيْن واحداً، وهو
صاحبُ القلب، بخلافِ عَدَم التقديرِ، فإنه يَصيرُ الموصوفُ في إحداهما القلبَ
وفي الأخرى صاحبه.
آ. (٣٧) قوله: ﴿أسبابَ السمواتِ﴾: فيه وجهان، أحدهما:
أنه تابعٌ للأسبابِ قبله بدلاً أو عطفَ بيان. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار أَعْني،
والأولُ أَوْلَى؛ إذ الأصلُ عدُ الإِضمارِ.
(١) السبعة ٥٧٠، والحجة ٦٣٠، والبحر ٤٦٥/٧، والتيسير ١٩١، والقرطبي
٣١٤/١٥، والنشر ٣٦٥/٢.
(٢) الآية ٢٨٣ من البقرة.
(٣) الكشاف ٤٢٧/٣.
(٤) البحر ٤٦٥/٧ .
٤٨١

- غافر -
قوله: ((فَأَطَّلِعَ)) العامَّةُ على رفعِه عَطْفاً على ((أَبْلُغُ)) فهو داخِلٌ فِي حَيِّزٍ
الترجّي. وقرأ(١) حفصٌ في آخرين بنصبِه. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه جوابُ
الأمرِ في قولِه: ((ابْنِ لِي)) فنُصِبَ بأَنْ مضمرةً بعد الفاءِ في جوابٍه على قاعدة
البصريين كقوله(٢):
٣٩٣٣- يا ناقُ سِيْري عَنْقاً فَسِيحا
إلى سليمانَ فَنَسْتريحا /
[٧٧٥/ب]
وهذا أَوْفَقُ لمذهب البصريين. الثاني: أنه منصوبٌ. قال الشيخ(٣):
(عَطْفاً على التوهُّمِ لأَنَّ خبر ((لعلَّ)) كثيراً جاء مَقْروناً بـ ((أن))، كثيراً في النظم.
وقليلاً في النثر. فمَنْ نَصَبَ تَوَهَّم أنَّ الفعلَ المرفوعَ الواقعَ خبراً منصوبٌ
بـ ((أنْ))، والعطفُ على التوهُّمِ كثيرٌ، وإنْ كان لا ينقاسُ)) انتهى. الثالث: أن
يَنْتَصِبَ على جوابِ الْتَرجِّي في ((لعلَّ))، وهو مذهبٌ كوفي (٤) استشهد أصحابُه
بهذه القراءةِ وبقراءة عاصم (٥) ((وما يُدْريك لعله يَزَّكَّى أو يَذَّكَّرُ فتنفعَه))(٦) بنصب
((فتنفَعَه)) جواباً لقولِه: (لعلَّه)). وإلى هذا نحيا الزمخشري قال(٧): ((تشبيهاً.
للترجِّي بالتمني)) والبصرِيُّون يأَبُوْن ذلك، ويُخَرِّجُون القراءتَيْنِ على ما تقدَّم.
(١) السبعة ٥٧٠، والخجة ٦٣١، والنشر ٣٦٥/٢، والقرطبي ٣١٥/١٥، والبحر
٤٦٥/٧، والتيسير ١٩١.
:
(٢) البيت لأبي النجم. وهو في ديوانه ٨٢، والكتاب ٤٢١/١، والمقتضب ١٤/٢،
وابن يعيش ٢٦/٧، والهمع ١٨٢/١، والدرر ١٥٨/١. والعَنقُ: ضرب من السير.
(٣) البحر ٤٦٦/٧.
(٤) انظر: الارتشاف ٤١١/٢.
(٥) الأصل: ((نافع)) وهو سهو.
(٦) الآيتان ٣ - ٤ من غبس. وانظر: السبعة ٦٧٢ .
الکشاف ٤٢٨/٣.
(٧)
٤٨٢

- غافر -
وفي سورة عبس يجوز أن [يكون](١) جواباً للاستفهام في قوله: ((وما يُدْريك))
فإنه مترتبُ عليه معنىً. وقال ابن عطية(٢) وابن جُبارة(٣) الهُذلي: ((على جواب
التمني)) وفيه نظرً؛ إذليس في اللفظِ تَمَنَّ، إنَّما فيه تَرَجٌّ. وقد فَرَّقَ الناسُ بين
التمني والترجِّي: بأنَّ الترجِّيَ لا يكونُ إلَّ في الممكنِ عكسَ التمني، فإنه
يكونُ فيه وفي المستحيلِ كقولِه(٤):
٣٩٣٤- لَيْتَ الشبابَ هو الرَّجيعُ على الفتى
والشيبُ كان هو البَدِىءُ الأولُ
وقُرِىء (٥) ((زَيِّنَ لفرعونَ)) مبنياً للفاعلِ وهو الشيطانُ. وتقدَّم الخلافُ في
(وصُدَّ عن السبيلِ)) في الرعد(٦) فَمَنْ بناه للفاعلِ حَذَفَ المفعولَ أي: صَدِّ
قومَه عن السبيلِ . وابنُ وثَّاب (٧) (وصِدَّ)) بكسرِ الصادِ، كأنه نَقَل حركةُ الدالِ
الأولى إلى فاءِ الكلمة بعد توهُّمِ سَلْبِ حركتها. وقد تقدَّم ذلك في نحو ((رِدَّ)
وأنه يجوزُ فيه ثلاثُ اللغاتِ الجائزةِ في قيل وبِيع. وابن أبي إسحاق وعبد
الرحمن بن أبي بكرة ((وصَدٌّ) بفتح الصادِ ورفع الدالِ منونةً جعله مصدراً
منسوقاً على ((سوءُ عملِه)) أي: زَيِّن له الشيطانُ سوءَ العملِ والصدَّ. والتّباب:
الخَسارُ. وقد تقدَّم ذلك في قوله: ((غيرَ تْبيب))(٨). وتقدَّم الخِلافُ أيضاً في
(١) زيادة من (ش ) وسقطت سهواً من الأصل.
(٢) المحرر ١٤٠/١٤.
(٣) الكامل (خ) ٢٣٤.
(٤) تقدم برقم ١٨٣٩ .
(٥) البحر ٤٦٦/٧ .
(٦) انظر: الدر ٥٧/٧.
(٧) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٧١، والنشر ٢٩٨/٢، والبحر ٤٦٦/٧، والحجة ٦٣٢،
والتيسير ١٣٣، والقرطبي ٣١٥/١٥.
(٨) الآية ١٠١ من هود ((وما زادوهم غير تتبيب)). وانظر: الدر المصون ٣٨٥/٦.
٤٨٣

- غافر-
قوله: ((يَدْخلون الجنةَ))(١) في سورة النساء.
آ. (٤١) قوله: ﴿ويا قومٍ﴾: قال الزمخشري(٢): ((فإنْ قلتَ:
ولِمَ جاء بالواوِ في النداء الثالثِ دونَ الثاني؟ قلت: لأنَّ الثاني داخلٌ في كلامٍ
هو بيانٌ للمُجْمَلِ وتفسيرٌ له، فأُعْطِي الداخلُ عليه حكمَه في امتناعٍ دخولٍ
الواو. وأما الثالثُ فداخِلٌ على كلامٍ ليس بتلك المثابةِ)).
قوله: ((وتَدْعونني إلى النار)) هذه الجملةُ مستأنفةٌ أخبر عنهم بذلك بعد
استفهامِه عن دعاءِ نفسِهِ. ويجوز أن يكونَ التقديرُ: وما لكم تَدْعُونني إلى النارِ،
وهو الظاهرُ. ويَضْعُفُ أَنْ تكونَ الجملةُ حالاً أي: ما لكم أدعوكم إلى النجاةِ
حالَ دعائكم إياي إلى النار؟
آ. (٤٢) قوله: ﴿تَدْعُونِي﴾: هذه الجملةُ بدلٌ مِنْ («تَدْعوني)
الأولى على جهةِ البيان لها، وأتى في قولِه «تَدْعُونني)» بجملةٍ فعليةٍ ليدُلَّ على
أنَّ دعوتَهم باطلةٌ لا ثبوتَ لها، وفي قوله: ((وأنا أَدْعوكم)) بجملة اسميةٍ ليدُلِّ
على ثبوتٍ دعوتِه وتقويتها .
وقد تقدَّم الخلافُ في ((لا جرم))(٣). وقال الزمخشري (٤) هنا: ((ورُوي
عن العرب (لا جُرْمَ أنه يفعل كذا)) بضم الجيم وسكونِ الراء بمعنى لا بُدَّ(٥)،
وفُعْل وفَعَل أخوان كرُشْدِ ورَشَد وعُدْمِ وعَدَم)) .
(١) الواردة في الآية ٤٠ من هذه السورة. وانظر: الدر المصون ٩٧/٤ في إعرابه
للنساء.
(٢) الكشاف ٤٢٩/٣.
(٣) الواردة في الآية ٤٣ وانظر: الدر المصون ٣٠٣/٦.
(٤) الكشاف ٤٢٩/٣.
(٥) الكشاف: ((بزنة بدّ» ..
٤٨٤

- غافر -
آ. (٤٤) قوله: ﴿وَأُفَوِّضُ﴾: هذه مستأنفةٌ. وجَوَّز أبو البقاء(١)
أَنْ تكونَ حالاً مِنْ فاعل ((أَقول)».
آ. (٤٦) قوله: ﴿النارُ﴾: الجمهورُ على رفعِها. وفيه ثلاثة
أوجه، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ ((سوء العذاب)). الثاني: أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ
أي: هو أي سوءُ العذابِ النارُ؛ لأنه جوابٌ لسؤالٍ مقدرٍ و ((يُعْرَضُون)) على
هذين الوجهين: يجوز أَنْ يكون حالاً من ((النار)) ويجوز أن يكونَ حالاً من
((آل فرعون)). الثالث: أنه مبتدأٌ، وخبرُه ((يُعْرَضون)). وقُرىءٍ(٢) ((النار)) منصوباً.
وفيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ يُفْسِّره ((يُعْرَضون)) من حيث
المعنى أي: يَصْلَوْن النارَ يُعْرَضون عليها، كقوله: ((والظالمين أعدَّ لهم))(٣).
والثاني: أَنْ ينتصبَ على الاختصاص. قاله الزمخشري (٤)، فعلى الأولِ
لا مَحَلَّ لـ ((يُعْرَضُون)) لكونِهِ مفسِّراً، وعلى الثاني هو حالٌ كما تقدَّمَ.
قوله: ((ويوم تقومُ» فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرها: أنه معمولٌ لقولٍ مضمٍ،
وذلك القولُ المضمرُ محكيٍّ به الجملةُ الأمريَّةُ من قوله ((أدخِلوا)) والتقدير:
ويُقال له / يومَ تقومُ الساعةُ: أدْخِلوا. الثاني: أنه منصوبٌ بأَدخِلوا أي: أدْخِلوا [٧٧٦/أ]
يومَ تقومُ. وعلى هذين الوجهين فالوقفُ تامٌّ على قوله ((وعَشِيًّ)). والثالث: أنه
معطوفٌ على الظرفَيْنِ قبلَه، فيكونُ معمولاً لـ ((يُعْرَضُون)). فالوقفُ على هذا
على قولِه ((الساعة)) و((أَدْخِلوا)) معمولٌ لقولٍ مضمرٍ أي: يُقال لهم كذا وكذا.
(١) الإملاء ٢١٩/٢.
(٢) القرطبي ٣١٨/١٥، البحر ٤٦٨/٧.
(٣) الآية ٣١ من الإِنسان.
(٤) الكشاف ٤٣٠/٣.
٤٨٥

- غافر -
وقرأ الكسائي(١) وحمزة ونافع وحفص ((أدْخِلُوا)) بقطع الهمزةِ أمراً مِنْ أَدْخَلَ،
فآلَ فرعون مفعولٌ أولُ، و((أشدَّ العذاب)) مفعولٌ ثانٍ. والباقون ((ادْخُلوا)) بهمزةٍ
وصلٍ مِنْ دَخَلَ يَدْخُلُ. فَآلَ فرعونَ منادى حُذِف حرفُ النداءِ منه، و ((أشدَّ))
منصوبٌ به: إمَّا ظرفاً، وإمَّا مفعولاً به، أي: ادخلوا يا آل فرعونَ في أشدِّ
العذاب.
آ. (٤٧) قوله: ﴿وإذْ يَتحاجُّون﴾: في العاملِ في ((إذ)) ثلاثةٌ
أوجهٍ، أحدها: أنه معطوفٌ على ((غُدُوًّا) فيكونُ معمولاً لـ ((يُعْرَضون)) أي:
يُعْرَضُونَ على النار في هذه الأوقاتِ كلِّها، قاله أبو البقاء(٢). والثاني: أنه
معطوفٌ على قولِهِ ((إذ القلوبُ لدى الحَنَاجِرِ))(٣) قاله الطبري(٤). وفيه نظرٌ لُبُعْدٍ
ما بينهما، ولأنَّ الظاهرَ عَوْدُ الضميرِ مِنْ ((يَتَحاجُّون)) على آل فرعون. الثالث:
أنه منصوبٌ بإضمارٍ «اذكرْ» وهو واضحٌ .
قوله: (تَبَعاً)) فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه اسمُ جمعٍ لتابعٍ ، ونحوه(٥):
خادِمٍ وخَدَم، وغائِب، وغَيّبَ، وأَديم (٦) وَدَم. والثاني: أنه مصدرٌ واقع موقعَ
اسمِ الفاعلِ أي: تابعين. والثالث: أنه مصدرٌ أيضاً، ولكنْ على حَذْفٍ
مضاف أي : ذوي تبع .
قوله: ((نصيباً)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ ينتصبَ بفعلٍ مقدرٍ يَدُلُّ عليه
(١) السبعة ٥٧٢، والنشر ٣٦٥/٢، والتيسير ١٩٢، والقرطبي ٣٢٠/١٥، والبحر
٤٦٨/٧.
(٢) الإملاء ٢١٩/٢.
(٣) في الآية ١٨ .
(٤) تفسير الطبري ٧٣/٢٤.
(٥) انظر: الارتشاف ٢١٩/١، والمساعد ٤٧٤/٣.
(٦) الأديم: الجلد.
٤٨٦

- غافر -
قولُه ((مُغْنُون)) تقديرُه(١): هل أنتم دافِعون عنا نصيباً. الثاني: أَنْ يُضمَّنَ
((مُغْنون)) معنى حامِلين. الثالث: أَنْ ينتصبَ على المصدرِ. قال أبو البقاء(٢):
(ما كان ((شيءٌ) كذلك، ألا ترى إلى قولِه ((لن تُغْني عنهم أموالُهم ولا أولادُهم
مِن الله شيئاً)(٣) فـ((شيْئًا)) في موضعٍ غَناء، فكذلك (نصيباً). و((من النار)) صفةٌ
لـ «نصيباً).
آ. (٤٨) قوله: ﴿إِنَّا كلِّ﴾: العامَّةُ على رفع ((كلّ))، ورفعُه على
الابتداء و ((فيها)) خبرُه، والجملةُ خبرُ ((إنَّ»، وهذا كقوله في آل عمران: ((قُلْ إنَّ
الأمرَ كلُّه لله)» في قراءة أبي عمروٍ(٤). وقرأ(٥) ابن السَّمَّيْفع وعيسى بن عمر
بالنصب وفيه ثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يكونَ تأكيداً لاسم ((إنَّ». قال
الزمخشري (٦): (توكيدٌ لاسم إنَّ، وهو معرفةٌ. والتنوينٌ عوضٌ من المضافِ
إليه، يريد: إنَّ كلَّنا فيها)) انتهى. يعني فيكون ((فيها)) هو الخبر. وإلى كونه
تأكيداً ذهب ابنُ عطية(٧) أيضاً. وقد رَدَّ ابن مالكِ هذا المذهبَ فقال في
((تسهيله))(٨): ((ولا يُستغنى بنية إضافته خلافاً للزمخشري»: قلت: وليس هذا
مذهباً للزمخشري وحدَه بل هو منقول عن الكوفيين(٩) أيضاً. الثاني: أنْ تكونَ
(١) الأصل: تقدير.
(٢) الإملاء ٢١٩/٢.
(٣) الآية ١١٦ من آل عمران.
(٤) الآية ١٥٤ من آل عمران وانظر: الدر المصون ٤٤٩/٣.
(٥) القرطبي ٣٢١/١٥، والبحر ٤٦٩/٧.
(٦) الكشاف ٤٣٠/٣.
(٧) المحرر ١٤٥/١٤.
(٨) التسهيل ١٦٤.
(٩) انظر: معاني القرآن للفراء ١٠/٣.
٤٨٧

- غافر :-
منصوبةً على الحال، قال ابن مالك(١): ((والقولُ المَرْضِيُّ عندي أنَّ((كلََّ)) في
القراءة المذكورة منصوبةٌ على الحال من الضمير المرفوع في ((فيها))، و ((فيها)) هو
العاملُ وقد قُدِّمَتْ عليه مع عَدَمِ تصرُّفه، كما قُدِّمَتْ في قراءةِ مَنْ قرأ:
((والسمواتُ مطوياتٍ بيمينه)»(٢). وكقول النابغة(٣):
٣٩٣٥- رَهْطُ ابنٍ كُوْزٍ مُحقِبيْ أَدْراعِهم
فيهمْ ورَهْطُ ربيعةً بنِ: حُذار
وقول بعض الطائيين (٤):
٣٩٣٦ - دعا فَأَجْتَبْنَا وَهْو بادِيَ ذَلَّةٍ
لديكمْ وكان النصرُ غيرَ بعيدٍ
يعني بنصب «باديَ)) وهذا هو مذهبُ الأخفش(٥)، إلاّ أنَّ الزمخشريَّ(٦)
مَنَعَ مِنْ ذلك قال: ((فَإنْ قلتَ: هل يجوزُ أَنْ يكونَ ((كلَّ)) حالاً قد عَمِل فيه
((فيها))؟ قلت: لا؛ لأنَّ الظرفَ لا يعملُ في الحال متقدمةً كما يعملُ فِي الظرفِ
متقدِّماً. تقول: كلَّ يوم لكِ ثوبٌ. ولا تقول: قائماً في الدار زيد)). قال
الشيخ (٧): ((وهذا الذي منعه أجازه الأخفشُ إذا توسَّطَتِ الحالُ نحو: ((زيدٌ قائماً
(١) بحث ابن مالك في ((شرح عمدة الحافظ)) ٥٥٦ المسألة بعبارة قريبة مما ينقل عنه
السمين هنا.
(٢) الآية ٦٧ من الزمر: وهي قراءة عيسى والجحدري، انظر: البحر ٤٤٠/٧، والدر
المصون ٤٢٨/٦ .
(٣) تقدم برقم ٢٧٣٢ .
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٦٩/٧.
(٥) انظر: الارتشاف ٣٥٥/٣.
(٦) الكشاف ٤٣١/٣.
(٧) البحر ٤٦٩/٧.
٤٨٨

- غافر -
في الدار)) و ((زيدٌ قائماً عندك))، والمثالُ الذي ذكره ليس مطابقاً لِما في الآية؛
لأنَّ الآيةَ تَقَدَّمَ فيها المسندُ إليه الحكمُ وهو اسمُ إِنَّ، وتوسَّطَتِ الحالُ إذا قلنا
إنها حالٌ، وتأخَّر العاملُ فيها. وأمَّا تمثيلُه بقولِه: ولا تقولُ: ((قائماً في الدار
زيد)»، فقد تأخّر فيه المسندُ والمسندُ إليه. وقد ذكر بعضُهم أنَّ المنعَ في ذلك
إجماعٌ من النحاة)».
قلت: الزمخشريُّ مَنْعُه صحيحٌ لأنه ماشٍ على مذهبِ الجمهور، وأمّا
تمثيلُه بما ذَكَر فلا يَضُرُّه لأنه في محلِّ المَنْعِ ، فعدمُ تجويزِه صحيحٌ .
الثالث أنَّ ((كلّا)) بدلٌ مِنْ ((نا)) في ((إِنَّا))، لأَنَّ ((كلََّ)) قد وَلِيَتْ العوامِل / [٧٧٦/ب]
فكأنه قيل: إنَّ كلَّ فيها. وإذا كانوا قد تأوَّلوا قولَه(١):
حَوْلاً أَكْتعاً
٢٩٣٧-
[ وقوله: ](٢).
٢٩٣٨-
وحوْلاً أَجْمعا
على البدلِ مع عدم تصرُّفٍ أكتع وأَجْمع فلُّنْ يجوز ذلك في ((كل)) أَوْلَى
(١) تمامه :
يا ليتني كنتُ صبياً مُرْضَعا تَحْملني الذُّلْفاءُ حولا أكتعا
ولا يُعرف قائل الأبيات. وهي في الخزانة ٣٥٧/٢، والعيني ٩٣/٤، واللسان
(كتع)، والهمع ١٢٣/٢، والدرر ١٥٦/٢.
(٢) تمامه :
أَوْفَتْ بِه حَوْلاً وحولاً أَجْمَعا
ولم أهتد إلى قائله. وهو في الهمع ١٢٤/٢، والدرر ١٥٨/٢ .
٤٨٩

- غافر :-
وأَحْرى. وأيضاً فإنَّ المشهورَ تعريفُ ((كل)» حالَ قَطْعها. حُكي في الكثير
الفاشي: ((مررتُ بكل قائماً وببعض جالساً)، وعزاه بعضُهم لسيبويه. وتنكيرُ
(كل)) ونصبها حالاً في غاية الشذوذ نحو: ((مررت بهم كلا)) أي: جميعاً. فإن
قيل: فيه بدلُ الكل من الكل في ضمير الحاضر، وهو لا يجوز. أجيب
بوجهين، أحدهما: أن الكوفيين(١) والأخفشَ يَرَوْن ذلك، وأنشدوا قولَه(٢):
٣٩٣٩- أنا سيفُ العشيرةِ فاعْرٍفوني
حُمَيْدَاً قد تَذَّرَّيْتُ السَّناما
فحميداً بدل من ياء ((اعرِفوني))، وقد تأوَّله البصريون على نصبه على
الاختصاص. والثاني: أن هذا الذي نحن فيه ليس محلَّ الخلافِ لأنه دالٌّ على
الإحاطة والشمول. وقد قالوا: إنه متى كان البدل دالاً على ذلك جاز،
وأنشدوا(٣):
٣٩٤٠- فما بَرِحَتْ أقدامنا في مكانِنا
ثلاثيِنا حتى أُزِيْرُوا المنائيا
ومثلُه قولُه تعالى: ((تكون لنا عِيْداً لأوَّلِنا وآخِرِ نا))(٤)، قالوا((ثلاثتنا)) بدلٌ
من (نا)) في ((مكاننا)) لدلالتها على الإِحاطة، وكذلك ((لأوَّلنا وآخِرنا)) بدلٌ من:
(نا) في (لنا»، فلاَنْ يجوزَ ذلك في ((كل)» التي هي أصلٌ في الشمولِ والإِحاطة
بطريق الأوْلَى. هذا كلامُ الشيخِ (٥) في الوجه الثالث وفيه نظرً؛ لأنَّ المبرد
(١) انظر: الارتشاف ٦٢٢/٢
(٢) تقدم برقم ١٨٥١.
(٣) تقدم برقم ١٥١٦.
(٤) الآية ١١٤ من المائدة.
(٥) البحر ٤٦٩/٧ - ٤٧٠.
٤٩٠

- غافر -
ومكّاً(١) نَصَّأَ على أن البدلَ في هذه الآيةِ لا يجوزُ، فكيف يُدَّعَى أنه لا خِلافَ
في البدلِ والحالةُ هذه؟ لا يُقال: إنَّ في الآية قولاً رابعاً: وهو أنَّ ((كلََّ)) نعتْ
لاسم «إنَّ» وقد صَرَّح الكسائيُّ والفراء(٢) بذلك فقالا: هو نعتٌ لاسمٍ ((إِنَّ) لأنَّ
الكوفيين يُطْلقون اسمَ النعتِ على التأكيدِ، ولا يريدون حقيقةَ النعتِ. وممن
نَصَّ على ما قلتُه من التأويلِ المذكورِ مكيٌّ رحمه الله تعالى، ولأنَّ الكسائيّ
إنما جَوَّز نعتَ ضميرِ الغائبِ فقط دونَ المتكلمِ والمخاطبِ.
آ. (٤٩) قوله: ﴿يوماً من العذاب﴾: في ((يوماً) وجهان،
أحدهما: أنه ظرفٌ لـ(يُخَفِّفْ)). ومفعولُ ((يُخَفِّفْ)) محذوفٌ أي: يُخَفِّف عنا
شيئاً من العذاب في يوم. ويجوز على رأي الأخفش أن تكون ((مِنْ)) مزيدةً(٣)،
فيكون ((العذاب)) هو المفعولَ، أي: يُخفف عنا في يوم العذاب. الثاني: أَنْ
يكونَ مفعولاً به، واليوم لا يُخَفِّف، وإنما يُخَفَّفُ مظروفُه فالتقديرُ: يُخَفِّف
عذابَ يومٍ. وهو قَلِقٌ لقولِه ((من العذاب))، والقولُ بأنّه صفةٌ مؤكِّدةٌ كالحالِ
أقلقُ منه. والظاهرُ أنَّ ((مِن العذاب)) هو المفعولُ لـ ((يُخَفِّف))، و ((مِنْ))
تبعيضيَّةٌ، و((يوماً)) ظرفٌ. سألوا أَنْ يخففَ عنهم بعضَ العذابِ لا كلَّه في
يومٍ ما، لا في كلَّ يومٍ ولا في يومٍ معين.
آ. (٥١) قوله: ﴿ويومَ يقومُ الأشهادُ﴾: قرأ الجمهور ((يقوم))
بالياءِ مِنْ أسفلَ. وأبو عَمْرٍو(٤) في روايةِ المنقريِّ عنه وابنُ هرمز وإسماعيل
بالتاء مِنْ فوقُ التأنيثِ الجماعةِ. والأشهادُ يجوزُ أَنْ يكونَ جمعَ شھید کـ شریف
(١) المشكل ٢٦٧/٢.
(٢) معاني القرآن ١٠/٣.
(٣) حيث لا يشترط دخولها على نكرة.
(٤) القرطبي ٣٢٣/١٥، والبحر ٤٧٠/٧.
٤٩١

- غافر -
وأَشْراف، وهو مطابِقٌ لقوله: ((فكيف إذا جِثْنا مِنْ كلِّ أمةٍ بِشَهيد)(١) وأَنْ يكونَ
جمعَ شاهِد كـ صاحِب وأصحاب، وهو مطابِقٌ لقوله: ((إنَّا أَرْسَلْناك شاهِدَا))(٢).
آ. (٢٥) قوله: ﴿يومَ﴾: بدلٌ مِنْ «یوم)» قبلَه أو بيانٌ له، أو نُصِب
بإضمار أَعْني. وقد تقدَّم الخلافُ في قولِه ((يَنْفَع الظالمين)) بالتاء والياء آخر
الروم(٣).
آ. (٥٤) قوله: ﴿هدىٍّ وذِكْرِى﴾: فيهما وجهان، أحدهما ::
أنهما مفعولٌ مِنْ أجلهما أي: لأجلِ الهدى والذُّكْر. والثاني: أنهما مصدران
في موضعِ الحالِ .
آ. (٥٥) قوله: ﴿لذَنْبِكَ﴾: قيل: المصدرُ مضافٌ للمفعولِ
أي: لذنب أمَّتِك في حَقِّك. والظاهرُ أنَّ اللَّهَ يقولُ ما أرادَ، وإنْ لم يَجُزْ لِنا نحن
أَنْ نُضِيفَ إليه صلَّى الله عليه وسلَّم ذنباً.
آ. (٥٧) قوله: ﴿لَخَلْقُ السمواتِ والأرض أكبرُ مِنْ خَلْقِ
الناس ﴾: المصدران مُضافان لمَفْعولِهما. والفاعلُ محذوفٌ وهو اللَّهُ.
تعالى. ويجوزُ أَنْ يكونَ الثاني مضافاً للفاعلِ أي: أكبرُ ممَّا يَخْلُقُه الناسُ أي ::
يَصْنَعونه. ويجوزُ أَنْ يكونا مصدرَيْن واقعَيْن موقعَ المخلوقِ أي: مَخلوقُهما أكبرُ
مِنْ مَخْلوقهم أي: جُرْمُها أكبرُ مِنْ جُرْمِهم.
آ. (٥٨) قوله: ﴿ولا المُسيْءُ﴾: ((ا)) زائدةٌ للتوكيدِ لأنه لَّمَّا
طالَ الكلامُ بالصلة بَعُدّ قَسِيْمُ المؤمنين، فأعاد معه ((لا)) توكيداً. وإنما قَدَّم
(١) الآية ٤١ من النساء.
(٢) الآية ٤٥ من الأحزاب.
(٣) انظر: إعرابه للآية ٥٧ من الروم.
٤٩٢

- غافر -
المؤمنين لمجاوَرَتهم / قولَه ((والبصير))، واعلَمْ أنَّ التقابلَ يجيْءُ على ثلاثٍ [٧٧٧/ أ]
طرقٍ، أحدُها: أَنْ يجاوِرَ المناسبُ ما يناسِبُه كهذه الآيةِ. والثانية: أَنْ يتأخّرَ
المتقابِلان كقولِه تعالى: ((مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير
والسَّميع)) (١). والثالثة: أن يُقَدِّمَ مقابلَ الأولِ، ويُؤَخِّرَ مقابلَ الآخر، كقوله
تعالى: ((وما يَسْتوي الأعمى والبصيرُ ولا الظلماتُ ولا النور))(٢) وكلُّ ذلك تَفْنُّنٌ
في البلاغة. وقَدَّم الأعمى في نَفْيِ التساوي لمجيئه بعد صفةِ الذم في قولِه
((ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون».
قوله: ((تَتَذَكَّرون)) قرأ الكوفيون بتاء الخطاب، والباقون(٣) بياءِ الغَيْبة.
فالخطابُ على الالتفاتِ للمذكورَيْن بعد الإِخبار عنهم، والغيبةُ نظراً لقوله: ((إنَّ
الذين يُجادِلون))(٤) وهم الذين التفت إليهم في قراءةِ الخطاب.
آ. (٦٢) قوله: ﴿خالِقُ كلّ شيءٍ﴾: العامَّةُ على الرفعِ،
وزيد بن علي (٥) نصبه، قال الزمخشري(٦): ((على الاختصاص)). وقرأ طلحة
بَيَاءِ الغيبة(٧).
آ. (٦٣) قوله: ﴿كذلك يُؤْفَكُ﴾: أي: مثلَ ذلك الإِفك.
(١) الآية ٢٤ من هود.
(٢) الآية ١٩ من فاطر.
(٣) السبعة ٥٧٢، والتيسير ١٩٢، والنشر ٣٦٥/٢، والحجة ٦٣٥، القرطبي
٣٢٥/١٥، والبحر ٤٧٢/٧.
(٤) في الآية ٥٦.
(٥) البحر ٤٧٣/٧.
(٦) الكشاف ٤٣٤/٣.
(٧) في قوله يؤفكون، انظر: البحر ٤٧٣/٧ .
٤٩٣

- غافر :-
آ. (٦٤) قوله: ﴿فأحسنَ صُوَرَكم﴾: قرأ(١) أبو رزين
والأعمش: ((صِوَرَكم)) بكسر الصاد فِراراً من الضمة قبل الواوِ، وقرأَتْ فرقةٌ
بضم الصادِ وسكونِ الواو وجَعَلْه اسمَ جنسٍ لصورةٍ كُبُسْرٍ ويُسْرَة.
:
آ. (٧٠) قوله: ﴿الذين كَذَّبوا﴾: يجوز فيه أوجهُ: أَنْ يكونَ
بدلاً من الموصول قبلَه، أو بياناً له، أو نعتً، أو خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أو منصوباً
على الذمِّ. وعلى هذه الأوجهِ فقولُه ((فسوف يعلمونَ)) جملةٌ مستأنفةٌ سِيقَتْ
للتهديدِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأً، والخبرُ الجملةُ مِنْ قولِه («فسوف يَعْلَمون)»
ودخولُ الفاءِ فيه واضحٌ .
آ. (٧١) قوله: ﴿إِذ الأغلالُ﴾: جَوَّزوا في ((إذ» هذه أَنْ تكونَ
بمعنى ((إذا)) لأنَّ العاملَ فيها محقُّقُ الاستقبالِ، وهو ((فسوف يَعْلمون))، قالوا:
وكما تقع ((إذا)) موقعَ ((إذ)) في قوله تعالى: ((وإذا رَأَوْا تجارةً أو لَهْواً انفَضُّوا
إليها))(٢) كذلك تقع ((إذ)) مَوْقِعَها، وقد مضى نحوٌ من هذا في البقرة عند قوله
((ولو يَرَى الذين ظلموا إذ يَرَوْنَ العذابَ))(٣). قالوا: والذي حَسَّن هذا تَيَقَّنَّ
وقوعَ الفعلِ فَأُخْرِجَ في صورةِ الماضي. قلت: ولا حاجةَ إلى إخراجِ ((إذ)) عن
موضوعِها، بل هي باقيةٌ على دلالتهاعلى المضيِّ، وهي منصوبةً بقولِه ((فسوفَ
يَعْلَمون)» نَصْبَ المفعولِ به أي: فسوف يعلمونَ يومَ القيامة وَقْتَ الأغْلَالِ في
أعناقهم أي : وقتَ سببٍ الأغلالِ، وهي المعاصي التي كانوا يَفْعَلونها في الدنيا
كأَنَّه قيل: سيعرفون وقتّ معاصيهم التي تجعل الأغلال في أعناقهم. وهو وجهُ
واضحٌ ، غايةُ ما فيه التصرُّف في ((إذ)) بجَعْلِها مفعولاً بها، ولا يَضُرُّ ذلك؛ فإنَّ
(١) الإتحاف ٤٣٩/٢، والقرطبي ٣٢٨/١٥، والبحر ٤٧٣/٧.
(٢) الآية ١١ من الجمعة.
(٣) الآية ١٦٥ من البقرة
٤٩٤

- غافر -
المُعْرِبين غالِبُ أوقاتِهم يقولون: منصوبٌ بـ اذْكُرْ مقدراً ولا يكون حينئذٍ إِلاَّ
مفعولاً به لاستحالةِ عملِ المستقبل في الزمنِ الماضي. وجَوَّزوا أَنْ يكونَ
منصوباً بـ اذْكُرْ مقدَّراً أي: اذكُرْ لهم وقتَ الأغلالِ ليخافوا ويَنْزَجِروا. فهذه
ثلاثةُ أوجهٍ، خيرُها أوسطُها.
قوله: ((والسَّلامِلُ)) العامَّةُ على رَفْعِها. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه
معطوفٌ على الأغلال، وأخبر عن النوعَيْن بالجارِّ، فالجارّ في نية التأخير.
والتقديرُ: إذ الأغلالُ والسَّلاسلُ في أعناقهم. الثاني: أنه مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ
لدلالةِ خبر الأولِ عليه. الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبرُه الجملةُ مِنْ قولِه
(يُسْحَبُون)). ولا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ يعودُ عليه منها. والتقديرُ: والسَّلاسل يُسْحُبُون بها
حُذِفَ لقوةِ الدلالةِ عليه. فَيُسْحَبُون مرفوعُ المحلِّ على هذا الوجهِ. وأمّا في
الوجهَيْن المتقدِّمين فيجوز فيه النصبُ على الحالِ من الضمير المُنْوِيِّ في
الجارِّ، ويجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً.
وقرأ(١) ابن مسعود وابنُ عباس وزيد بن علي وابن وثاب والمسيبي في
اختيارِه ((والسلاسلَ)) نَصْباً ((يَسْحَبون)) بفتح الياءِ مبنياً للفاعلِ، فيكون
(السلاسلَ)) مفعولاً مقدماً، ويكونُ قد عَطَفَ جملةً فعليةٌ على جملةٍ اسميةٍ .
قال ابن عباس في معنى / هذه القراءة: ((إذ كانوا يَجُرُّوْنها، فهو أشدُّ عليهم [٧٧٧/ب]
يُكَلَّفون ذلك، ولا يُطيقونه)». وقرأ ابنُ عباس وجماعةٌ ((والسلاسلِ)) بالجرِّ،
((يُسْحَبون)» مبنياً للمفعولِ. وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ، أحدُها: الحَمْلُ على المعنى
تقديرُه: إذ أعناقُهم في الأغلالِ والسلاسلِ، فلمّا كان معنى الكلام ذلك
حُمِل عليه في العطف. قال الزمخشري(٢): ((ووجهُه أنه لو قيل: إذ أعناقُهم
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٤٧٥/٧، والمحتسب ٢٤٤/٢، والقرطبي ٣٣٢/١٥.
(٢) الكشاف ٤٣٦/٣.
٤٩٥

- غافر -
في الأغلال، مكانَ قوله: ((إذ الأغلالُ في أعناقهم) لكان صحيحاً مستقيماً،
فلمّا كانتا عبارتين مُعْتَقِبتين(١) حَمَلَ قوله: (والسلاسل)) على العبارةِ الأخرى.
ونظيرُه(٢):
٣٩٤١- مَشائيمُ ليسوا مُصْلِحِين عشيرةً
ولا ناعِبِ إِلَّ بِبَيْنِ غُرابُها
كأنه قيل: بِمُصْلحين)) وقُرِىء ((بالسلاسل)). وقال ابن عطية(٣).
((تقديرُه: إذ أعناقُهم في الأغلالِ والسلاسِل، فعُطِفَ على المرادِ من الكلام
لا على ترتيبِ اللفظِ، إذ ترتيبُه فيه قَلْبُ وهو على حَدِّ قولِ العرب ((أَدْخَلْتُ
القَلْسُوَةَ في رأسي)). وفي مصحف أُبَيّ ((وفي السلاسل يُسْحَبون)). قال
الشيخ (٤) بعد قولِ ابْنِ عطيةً والزمخشريِّ المتقدِّم: ((ويُسَمَّى هذا العطفَ
على التوهُّم، إلَّ أنَّ تَوَهُّمَ إدخالِ حرفِ الجرِّ على ((مُصْلِحِين)) أقربُ مِنْ
تغييرٍ تركيب الجملةِ بِأَسْرها، والقراءةُ مِنْ تغييرٍ تركيبِ الجملةِ السابقةِ
بأَسْرِها. ونظيرُ ذلك قولُه(٥) :.
٣٩٤٢ - أجِدَّكَ لنْ تَرَىُ بنُعَيْلِياتٍ
ناجيةً ذَمُوْلا
ولا بَيْداءَ
ولا متدارِكٍ والليلُ طَفْلٌ
ببعضٍ نواشِغِ الوادي حُمُوْلا
(١) الكشاف: «متعقبتین)).
(٢) تقدم برقم ١٣٥٣.
(٣) المحرر ١٥٥/١٤.
(٤) البحر ٤٧٥/٧.
(٥) تقدم برقم ١٠٤٥.
٤٩٦

- غافر -
التقدير: لستَ براءٍ ولا متدارك. وهذا الذي قالاه سَبَقهما إليه الفراء (١)
فإنه قال: ((مَنْ جَرَّ السلاسل حَمَله على المعنى، إذ المعنى: أعناقُهم في
الأغلال والسلاسل».
الوجه الثاني: أنه عطفُ على ((الحميم))، فقدَّم على المعطوف عليه،
وسيأتي تقريرُ هذا. الثالث: أن الجرِّ على تقدير إضمار الخافِضِ، ويؤيِّدُه
قراءةُ أُبيّ (وفي السلاسل)) وقرأه غيرُه ((وبالسلاسل)) وإلى هذا نحا
الزَجَّاج (٢). إلَّ أنَّ ابنَ الأنباري رَدَّه وقال: ((لو قلتَ: ((زيد في الدارِ))
لم يَحْسُنْ أَنْ تُضْمَر ((في) فتقول: ((زيدٌ الدارِ) ثم ذكر تأويلَ الفراء. وخَرَّج
القراءةَ عليه ثم قال: كما تقول: ((خاصَمَ عبدُ الله زيداً العاقلَيْن)) بنصب
((العاقلين)) ورفعِه؛ لأنَّ أحدَهما إذا خاصمه صاحبه، فقد خاصمه الآخرُ.
وهذه المسألةُ ليسَتْ جاريةً على أصول البصريين، ونَصُّوا على مَنْعها، وإنما
قال بها من الكوفيين ابنُ سعدان. وقال مكيُّ (٣): ((وقد قُرِىءَ والسلاسلِ،
بالخفضِ على العطف على ((الأَعْناق)) وهو غَلَطْ؛ لأنه يَصير: الأغلال في
الأعناق وفي السلاسل، ولا معنى الأغلال في السلاسل». قلت: وقوله على
العطفِ على ((الأعناقِ)) ممنوعٌ بل خَفْضُه على ما تقدَّم. وقال أيضاً: ((وقيل:
هو معطوفٌ على ((الحميم)) وهو أيضاً لا يجوزُ؛ لأنَّ المعطوفَ المخفوض
لا يتقدَّم على المعطوفِ عليه، لو قلت: ((مررتُ وزيدٍ بعمروٍ)» لم يَجُزْ، وفي
المرفوع يجوزُ نحو: ((قام وزيدُ عمرو)) ويَبْعُد في المنصوب، لا يَحْسُنُ:
(رأيتُ وزيداً عمراً) ولم يُجِزْه في المخفوض أحدٌ)).
قلت: وظاهرُ كلامِه أنه يجوزُ في المرفوع بعيدٌ، وقد نصُّوا أنه لا يجوزُ
(١) معاني القرآن ١١/٣.
(٢) معاني القرآن ٣٧٨/٤.
(٣) المشكل ٢٦٨/٢.
٤٩٧

- غافر -
إلّ ضرورةً بثلاثة شروطٍ: أن لا يقعَ حرفُ العطفِ صدراً، وأَنْ يكونَ العاملُ
متصرفاً، وأَنْ لا يكون المعطوفُ عليه مجروراً، وأنشدوا(١):
٣٩٤٣-
عليكٍ ورحمةُ اللَّهِ السَّلامُ
إلى غيرِ ذلك من الشواهدِ، مع تَنْصيصِهم على أنه مختصُّ بالضرورة.
والسِّلْسِلَةُ معروفةٌ. قال الراغب(٢): ((وَتَسَلَّسَلَ الشيءُ: اضطرَبَ كأنه
تُصُوِّرَ منه تَسَلُّلٌ مترددٌ، فَتَرَدُّدُ لفظِه تنبيهً على تردّد معناه. وماءٌ سَلسَلٌ متردد
في مقرِّه)). والسَّحْبُ: الجرّ بعنفٍ، والسَّحابُ من ذلك؛ لأنَّ الريحَ تجرُّه،
أو لأنه يجرُّ الماءَ. وسَجَرْتُ (٣) التُّورَ أي: ملأتُه ناراً وهَيَّجْتُها. ومنه البحر
المَسْجُور أي: المملوء. وقيل: المضطرِمُ ناراً. قال الشاعر (٤):
٣٩٤٤- إذا شاءَ طالعَ مَسْجُوْرَةً
تَرَىْ حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا
فمعنى قولِه تعالى هنا: ((ثُم في النارِ يُسْجَرون)) أي: يُؤْقَدُ لهم،
۔۔
كقوله: ((وَقودُها الناسُ))(٥) والسَّجِيْرُ: الخليلُ الذي يُسْجَرُ في مودَّةِ خلیلِه،
کقولهم: فلان یحترق في مودة فلان .
(١) تقدم برقم ١٨٥٤.
(٢) المفردات ٢٣٧.
(٣) في الآية ٧٢.
(٤) البيت للنمر بن تولب، وهو في ديوانه ٣٨٠، والمجاز ٢٣٠/٢، والقرطبي
٣٣٣/١٥، والمفردات ٢٢٤. والبيت في وصف وعل. النبع: شجر جبلي.
(٥) الآية ٢٤ من البقرة.
٤٩٨

- غافر -
آ. (٧٥) قوله: ﴿تَفْرَحون﴾، «تَمْرَحون)» مِنْ باب التجنيس
المحرِّفِ، وهو أن يقعَ الفرقُ بين اللفظَیْنِ بحرفٍ.
آ. (٧٦) قوله: ﴿فِئْسَ مَثْوَى المتكبِّين﴾: المخصوصُ
محذوفٌ أي: جهنم، أو مثواكم، ولم يَقُلْ فِئْسَ مَدْخَلُ؛ لأنَّ الدخولَ لا يَدوم
وإنما يَدُوْمُ الثَّواءُ؛ فلذلك خَصَّه بالذمِّ، وإنْ كان الدخولُ أيضاً مَذْموماً.
-
آ. (٧٧) قوله: ﴿فإمَّا نُرِيَنَّك﴾: قال الزمخشري(١): ((أصلُه:
فإنْ نَرَكَ و((ما)) مزيدةٌ لتأكيدِ معنى الشرطِ، ولذلك أُلْحِقَتِ النونُ بالفعل. ألا
تراك لا تقول: إنْ تُكْرِمَنْي أُكْرِمْك، ولكنْ إِمَّ تُكْرِمَنِّي أكرمْك)). قال الشيخ(٢):
((وما ذكره مِنْ تلازُمِ النونِ، و ((ما)) الزائدة ليس مذهبَ سيبويه، إنما هو مذهبُ
المبردِ والزجَّاجِ ، ونصَّ سيبويه على التخيير(٣))). / قلت: وهذه القواعدُ وإنُ [١/٧٧٨]
تقدَّمَتْ مُسْتَوْفَةً، إلَّ أَنِّي أذكُرها لِذِكْرِهم إياها، وفي ذلك تنبيهً أيضاً وتذكيرُ بما
تقدَّم.
قوله: ((فإلينا يُرْجَعُون)) ليس جواباً للشرطِ الأولِ، بل جواباً لِما عُطِفْ
عليه، وجوابُ الأولِ محذوفٌ. قال الزمخشري (٤): ((((فإلينا يُرْجَعُون)) متعلِّق
بقوله: ((نَتَوَفَيَنَّك)) وجوابُ ((نُرِيَنَّك)) محذوفٌ تقديرُه: فإنْ نُرِيَنَّك بعضَ الذي
نَعِدُهم مِنَ العذابِ وهو القَتْلُ(٥) يومَ بدرٍ فذاك، وإنْ نَتَوقَّنَّكَ قبلَ يومٍ بَدْرٍ فإلينا
(١) الكشاف ٤٣٧/٣.
(٢) البحر ٤٧٧/٧ .
(٣) أي: إن شئت أتيت بـ ((ما)) دون النون، وإن شئت أتيت بالنون دون ما. وانظر:
الكتاب ١٥٢/٢.
(٤) الكشاف ٤٣٨/٣.
(٥) الكشاف: والأسر.
٤٩٩

- غافر:ـ
يُرْجَعُون فنتقمُ منهم أشدَّ الانتقامَ)). قلت: قد تقدَّمَ مثلُ هذا في سورة يونس(١)
وبحثُ الشيخِ معه فَلْيُلْتَفَتْ إليه. وقال الشيخ(٢): ((وقال بعضُهم: جوابُ ((فإمّا
نُرِيَنَّك)» محذوفٌ لدلالةِ المعنى عليه أي: فَتَقُرُّ عَيْنِك. ولا يَصِحُّ أَنْ يكونَ «فإلينا
يُرْجَعُون)) جواباً للمعطوفِ عليه والمعطوفِ، لأنَّ تركيبَ ((فإمَّا نُرِيَّنَّكَ بعضَّ
الذين نَعِدُهم في حياتك فإلينا يُرْجَعون)) ليس بظاهرٍ، وهو يَصِحُّ أَنْ يكونَ جوابَ
(أو نَتَوَفَّك)) أي: فإليناِ يُرْجَعُون فننتقمُ منهم ونُعَذِّبُهم لكونهم لم يَتَّبِعوك. نظيرُ
هذه الآيةِ قولُه تعالى: ((فإمَّا نَذْهَبَنَّ بك فإِنَّا منهم مُنْتَقِمون، أو نُرِيَنَّك الذي
وَعَدْناهم فإنَّا عليهم مُقْتَّدِرونٍ))(٣) إلَّ أنه هنا صَرَّح بجوابِ الشرطَيْن)). قلت:
وهذا بعينِه هو قولُ الزمخشريِّ .
وقرأ(٤) السُّلميُّ ويعقوبُ ((يَرْجِعون)) بفتح ياءِ الغَيْبَةِ مبنياً للفاعلِ:
وابنُ مصرف ويعقوب أيضاً بفتح تاءِ الخطابِ.
آ. (٧٨) قوله: ﴿منهمْ مَنْ قَصَصْنا﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ ((منهم)»
صفةً لـ ((رُسُلَا))، فيكون ((مَنْ قَصَصْنا)) فاعِلا به لاعتمادِه، ويجوزُ أَنْ يكونَ خبراً
مقدماً، و((مَنْ)) مبتدأ مؤخر. ثم في الجملة وجهان: الوصفُ لـ (رُسُلَا)) وهو
الظاهرُ والاستئنافُ.
آ. (٧٩) قوله: ﴿مِنْها، ومِنْها﴾(٥): ((مِنْ)) الأولى يجوزُ أَنْ
تكونَ للتبعيضِ ، إذ ليس كلُّها تُرْكَبُ، ويجوزُ أَنْ تكونَ لابتداءِ الغايةِ إِذ المرادُ
(١) انظر: الدر المصون ٢١١/٦.
(٢) البحر ٧ /٤٧٧ .
(٣) الآية ٤٢ من الزخرف.
(٤) الإتحاف ٤٣٩/٢، والنشر ٢٠٨/٢، والبحر ٤٧٧/٧.
(٥) ((لتركبوا منها، ومنها تأكلون)).
٥٠٠