النص المفهرس
صفحات 461-480
- غافر - آ. (١٠) قوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْن﴾: منصوبٌ بمقدرٍ، يَدُلُّ عليه هذا الظاهرُ، تقديرُه: مَقْتِكم إذ تُدْعَوْن. وقَدَّره بعضُهم: اذكُروا إِذْ تُدْعَوْن. وجَوَّز الزمخشريُّ(١) أَنْ يكونَ منصوباً بالمَقْتِ الأول. ورَدَّ عليه الشيخُ(٢): بأنَّه يَلْزَمُ منه الفَصْلُ بين المصدرِ ومعمولِه بأجنبيّ وهو الخبرُ(٣). وقال: ((هذا مِنْ ظواهرِ علمِ النحوِ التي لا تكاد تَخْفَى على المبتَدِىء فَضْلاً عَمَّنْ يُدْعَى من العجم أنه شيخ العربِ والعَجَم)). قلت: مثلُ هذا لا يَخْفى على أبي القاسم، وإنما أراد أنه دالٌّ على ناصِهِ، وعلى تقديرِ ذلك فهو مذهبُ كوفيٌّ قال به، أو لأنَّ الظرفَ يُتْسَعُ فيه ما لا يُتْسَعُ في غيره. وأُّ غُموضٍ في هذا حتى يُنْجِي عليه هذا الإِنحاءَ؟ ولله القائلُ(٤): ٣٩١٥- حَسَدُوا الفتى إذ لم يَنالُوا سَعْيَه فالقومُ أعداءُ له وخُصومُ كضَرائرِ الحَسْناءِ قُلْنَ لِوَجْهِها كَذِباً وزُوْراً إنه لدَمِيْمُ وهذا الردُّ سبقه إليه أبو البقاء(٥)، فقال: ((ولا يجوزُ أن يَعْمَلَ فيه (مَقْتُ الله)) لأنه مصدرٌ أُخْبِرَ عنه، وهو قولُه: ((أكبرُ))). فمِنْ ثَمَّ أَخَذه الشيخُ. ولا يجوزُ أَنْ ينتصِبَ بالمَقْتِ الثاني؛ لأنهم لم يَمْقُتوا أنفسَهم وَقْتَ دعائهم إلى الإِيمان، إنما مَقْتُوها يومَ القيامةِ. والظاهرُ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ واقعٌ في الدنيا. وجَوَّزَ (١) الكشاف ٤١٧/٣. (٢) البحر ٤٥٢/٧ . (٣) قال: ((ولا يجوز أن يخبر عنه إلاّ بعد استيفائه صلته وقد أخبر عنه بقوله: ((أكبر)))). (٤) البيتان لأبي الأسود الدؤلي. وهما في ديوانه ١٢٩، والأشموني ٢١٨/٢، والهمع ٣٢/٢، والدرر ٣٢/٢، واللسان (دَمَم)، والخزانة ٦١٨/٣. (٥) الإملاء ٢١٧/٢. ٤٦١ - غافر- الحسنُ أَنْ يكون في الآخرة. وضَعَّفه الشيخُ(١): بأنه ((يَبْقى ((إِذْ تُدْعَوْن)» مُفْلَشاً من الكلامِ ؛ لكونه ليس له عاملٌ مقدمٌ ولا ما يُفَسِّر عاملاً. فإذا كان المَقْتُ في الدنيا أَمْكَنَ أَنْ يُضْمَرَ له عاملٌ تقديرُه: مَقْتِكم)). قلت: وهذا التجرُّؤُ على مثلِ الحسنِ يُهَوِّنُ عليك تَجَرُّؤَه على الزمخشريِّ ونحوهِ. واللامُ في ((لَمَقْتُ)) لامُ ابتداءٍ أو قسمٍ . ومفعولُه محذوفٌ أي: لمقتُ اللَّهِ إياكم أو أنفسَكم، فهو مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه كالثاني. ولا يجوزُ أَنْ تكون المسألةُ من بابِ التنازع في ((أنفسَكم)) بين المقتَّيْن لئلا يَلزمَ الفصلُ بالخبرِ بين المَقْتِ الأول ومعمولِه على تقديرٍ إعمالِه، لكنْ قد اختلف النحاةُ في مسألةٍ: وهي التنازعُ في فِعْلَيْ التعجب، فَمَنْ مَنَعَ اعْتَلَّ بما ذكرْتُه؛ لأنه لا يُفْضَلُ بَيْن فعلِ التعجبٍ ومعمولِه. ومَنْ جَوَّزَ قال: يُلتزم إعمالُ الثاني؛ حتى لا يَلْزَمَ الفَصْلُ، فليكُنْ هذا منه. والحقُّ عدمُ الجوازِ فإنَّه على خلافٍ قاعدة التنازع. آ. (١٢) قوله: ﴿وَحْدَه﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ في موضعِ الحالِ ، وجاز كونُه معرفة لفظاً لكونه في قوة النكرةِ كأنه قيل: منفرداً. والثاني : - وهو قولُ يونس - أنه منصوبٌ على الظرفِ، والتقدير: دُعِي على ۔۔ جِيالِه، وهو مصدرٌ محذوفُ الزوائدِ والأصلُ: أَوْحَدْتُه إيحاداً. آ. (١٥) قوله: ﴿رفيعُ﴾: فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ مبتدأ [٧٧٢/ب] والخبرُ (ذو العرشِ))، و ((يُلْقي الروحَ)) / يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً ثانياً، وأن يكونَ حالاً، ويجوزُ أَنْ تكونَ الثلاثةُ أخباراً لمبتدأ محذوفٍ. ويجوزُ أَنْ تكونَ الثلاثةُ أخباراً لقوله: ((هو الذي يُرِيكم آياتِه)). قال الزمخشري(٢): ((ثلاثةُ أخبارٍ يجوزُ (١) البحر ٤٥٢/٧. (٢) الكشاف ٤١٩/٣. ٤٦٢ - غافر - أنْ تكونَ مترتبةً على قوله: ((هو الذي يُریكم آیاتِه)»، أو أخبارَ مبتدأ محذوفٍ وهي مختلفةٌ تعريفاً وتنكيراً). قلت: أمَّا الأولُ ففيه طولُ الفَصْلِ وتعدُّدُ الأخبارِ، وليسَتْ في معنى خبرٍ واحدٍ. وأمَّا الثاني ففيه تَعدُّدُ الأخبارِ وليسَتْ في معنى خبرٍ واحدٍ، وهي مسألةُ خلافٍ. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ ((ذو العرش)) صفةٌ لـ «رفيعُ الدرجاتِ)» إنْ جَعَلْناه صفةً مشبهةً، أمَّا إذا جَعَلْناه مثالَ مبالغةٍ، أي : يرفع درجاتِ المؤمنين، فيجوزُ ذلك على أَنْ تُجْعَلَ إضافتُه مَحْضَةً، وكذلك عند مَنْ يُجَوّزُ تمخُّضَ إضافةِ الصفةِ المشبهة أيضاً، وقد تقدَّمَ. وقُرِىءٍ(١) (رفيعَ)) بالنصبِ على المدح، و ((مِنْ أَمْرِه)) متعلُّقٌ بـ((يُلْقِي)) و ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ متعلِّقاً بمحذوفٍ على أنه حالٌ من (الروح)). قوله: (لِيُنْذِرَ)) العامَّةُ على بنائه للفاعل، ونصبِ اليوم. والفاعلُ هو اللَّهُ تعالى أو الروح أو مَنْ يشاء أو الرسول. ونَصْبُ اليوم: إِمَّا على الظرفيَّةِ. والمُنْذَرُ به محذوفٌ تقديرُه: لِيُنْذِرَ بالعذابِ يومَ التَّلاق، وإمَّا على المفعول به اتِّساعاً في الظرفِ. وقرأ(٢) أُبَيُّ وجماعةٌ كذلك، إلاّ أنه رَفَع اليوم على الفاعليَّةِ مجازاً أي: لُنْذِرِ الناسَ العذابَ يومُ التلاق. وقرأ الحسن واليمانِيُّ ((لِنْذِرَ) بالتاءِ من فوقُ. وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّ الفاعلَ ضميرُ المخاطبِ، وهو الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم. والثاني: أنَّ الفاعلَ ضميرُ الروحِ فإنَّها مؤنثةٌ على رَأْيٍ. وقرأ اليمانيُّ أيضاً(لِيُنْذَرَ)) مبنياً للمفعول، ((يومُ)) بالرفعِ، وهي تُؤَيِّدُ نصبَه في قراءةِ الجمهورِ على المفعولِ به اتِّساعاً. (١) البحر ٤٥٤/٧. (٢) انظر في قراءاتها: البحر ٤٥٥/٧، القرطبى ٣٠٠/١٥، الإتحاف ٤٣٥/٢. ٤٦٣ - غافر- وأثبت ياءَ ((التلاقي)) وَصْلاً وَوَقْفاً ابن كثير (١) وأَثْبَتها في الوقف دونَ الوصل - مِنْ غير خِلافٍ - ورشٌ، وحَذَفها الباقون وَصْلاً ووقفاً، إلَّ قالونَ فإنه رُوِيّ عنه وجهان: وجه کورش، ووجه کالباقين، وكذلك هذا الخلافُ بعينه جارٍ في ((يوم التناد))(٢). وقد تقدَّم توجيهُ هذَيْن الوجهَيْن في الرعد في قوله: ((الكبيرُ المتعال)»(٣). آ. (١٦) قوله: ﴿يومَ هم بارزون﴾: في ((يوم)) أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه بدلٌ مِنْ ((يوم التلاق)) بدلُ كل مِنْ كل. الثاني: أَنْ ينتصِبَ بالتلاق أي: يقع التلاقي في يومِ بُروزِهم. الثالث: أنْ ينتصِبَ بقولِه: ((لا يَخْفى على اللَّهِ)، ذكره ابنُ عطيةً(٤)، وهذا على أحدِ الأقوالِ الثلاثةِ في ((لا)): هل يعملُ ما بعدَها فيما قبلها؟ ثالثها: التفصيلُ بين أَنْ تقعَ جوابَ قسمٍ فيمتنعَ، أو لا فيجوزَ. فيجوزُ هذا على قولين من هذه الأقوالِ. الرابع: أن ينتصِبَ بإضمار ((اذكُرْ)). و((يومَ)) ظرفٌ مستقبلٌ كـ ((إذا)). وسيبويه(٥) لا يرى إضافةً الظرفِ المستقبلِ إلى الجمل الاسمية، والأخفشُ يراه، ولذلك قدَّر سيبويه في قوله: ((إذا السَّماءُ انشقَّتْ))(٦) ونحوهِ فعلاً قبل الاسم، والأخفشُ لم يُقَدِّرْه، وعلى هذا فظاهرُ الآيةِ مع الأخفش. ويُجاب عن سيبويه: بأنَّ ((هم)) ليس مبتدأ بل مرفوعاً بفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرِه اسمُ الفاعل أي : يومَ برزوا، ويكون ((بارزون)» (١) انظر في أوجه وصلها ووقفها: السبعة ٥٦٨، التيسير ١٩٢، الحجة ٦٢٨، النشر ٣٦٦/٢، البحر ٤٥٥/٧. (٢) الآية ٣٢ من غافر. (٣) الآية ٩ من الرعد وانظر: الدر ٢٣/٧. (٤) المحرر ٠١٢٣/١٤ (٥) انظر: الكتاب ٥٤/١، والهمع ٢٠٦/١. (٦) الآية ١ من الانشقاق .. ٤٦٤ - غافر - خبرَ مبتدأ مضمر فلمّا حُذِف الفعلُ انفصل الضميرُ فبقي كما ترى، وهذا كما قالوا في قوله(١): ٣٩١٦- لو بغيرِ الماءِ حَلْقي شَرِقٌ كُنْتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعتصاري في أنَّ ((حَلْقِي)) مرفوعُ فعلٍ يُفَسِّره ((شَرِقٌ)) لأنَّ ((لو)) لا يَليها إلاّ الأفعالُ(٢)، وكذا قولُه (٣) : ٣٩١٧- فهَلَّا نَفْسُ لَيْلىْ شَفيعُها لأَنَّ ((هَلَّا)) لا يَليها إلَّ الأفعالُ، فالمُفَسِّرُ في هذه المواضعِ أسماءٌ مُسْبَقَّةٌ، وهو نظيرُ ((أنا زيداً ضاربُه)) من حيث التفسيرُ. وحركة «يومَ هم)) حركةُ إعرابٍ على المشهورِ. ومنهم مَنْ جَوَّزَ بناءَ الظرفِ، وإِنْ أضيف إلى فعلٍ مضارعٍ أو جملةٍ اسميةٍ، وهم الكوفيون (٤). وقد وَهِم / بعضُهم فحتّم بناءَ الظرفِ [٧٧٣/أ] المضافِ للجملِ الاسمية. وقد عَرَفْتَ ممَّا تقدَّمَ أنه لا يُبْنَى عند البصريين إلَّا ما أُضيف إلى فعلٍ ماض، كقوله (٥): ٣٩١٨- على حينَ عاتَّبْتَ المشيبَ على الصِّبا (١) تقدم برقم ٢٨٠١. (٢) قال سيبويه: ((لو بمنزلة إنْ)) لا يكون بعدها إلاّ الأفعال فإنْ سقط بعدها اسم ففيه فعل مضمر». الكتاب ١٣٦/١. (٣) تقدم برقم ٧٠٣. (٤) انظر: الارتشاف ٥٢٢/٢. (٥) تقدم برقم ١١٧٢ . ٤٦٥ - غافر - البيت. وقد تقدَّم هذا مستوفى في آخره المائدة(١). وكتبوا «يومَ هم)) هنا وفي الذاريات(٢) منفصلاً، وهو الأصلُ. قوله: ((لا يَخْفَى)) يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةً، وأَنْ تكونَ حالاً من ضميرٍ (بارِزون)) وأَنْ تكونَ خبراً ثانياً. آ. (١٧) قوله: ﴿اليومَ﴾: ظرفٌ لقولِه (لِمَن المُلْكُ))، و[يجوز] أَنْ يكونَ ظرفاً للجارِّ بعده؛ لأنَّ التقدير: المُلْكُ لله، فهو خبرُ مبتدأ مضمرٍ، واليومَ معمولٌ لـ ((تُجْزَى))، و ((اليومَ)) الأخير(٣) خبرُ («لا ظلمَ)). آ. (١٨) قوله: ﴿يوَمَ الآزِفَةِ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً به اتِّساعاً، وأَنْ يكونَ ظرفاً، والمفعولُ محذوفٌ. والآزِفَةُ: القريبةُ، مِنْ أَزِفَ الشيءُ، أي: قَرُبَ. قال النابغةُ (٤): ٣٩١٩- أَزِف التَّرَجُلُ غيرَ أنَّ رِكابَنا لَمَّا تَزَلْ برِحالِنا وكأنْ قَدِ وقال کعب بن زهير(٥) : ٣٩٢٠ - بان الشبابُ وهذا الشيبُ قد أَزِفا ولا أَرَىْ لشبابٍ بائنٍ خلفا وقال الراغب(٦): ((أَزِفَ وَأَفِدَ يتقارَبان، لكنَّ ((أَزِفَ)) يقال اعتباراً بضيقِ (١) انظر: الدر المصون ٥٢٠/٤. (٢) الآية ١٣ ﴿يوم هم على النار يُفْتنون﴾. (٣) في قوله: ((لا ظلم اليوم)). (٤) تقدم برقم ٥٢٧. (٥) ديوانه ٧٠ . (٦) المفردات ١٧ . ٤٦٦ - غافر - وقتها. ويقال: أَزِفَ الشُّخوصُ. والأُزَفُ: ضيقُ الوقت))، قلت: فَجَعَلَ بينهما فَرْقاً، ويُرْوَى بيتُ النابغة: أَفِذَ الترخُلُ. والأزِفَةُ: صفةٌ لمحذوفٍ، فيجوز أَنْ يكونَ التقديرُ: الساعة الآزِفَةُ أو الطامَّةُ الآزِفة. قوله: ((إذ القلوبُ)) بذلٌ من يومِ الآزِفةِ، أو مِنْ ((هم)) في ((أَنْذِرْهُمْ)) بدلُ اشتمالٍ . قوله: ((كاظِمين)) نصبٌ على الحالِ. واختلفوا في صاحبها والعاملِ فيها. وقال الحوفي: ((القلوبُ)) مبتدأ. و((لدى الحناجر)) خبرُه، و((كاظمين)) حالٌ من الضميرِ المستكنُّ فيه)). قلت: ولا بُدَّ مِنْ جوابٍ عن جمعِ القلوبِ جمعَ مَنْ يَعْقِل: وهو أنْ يكونَ لَمَّا أَسْند إليهم ما يُسْنَدُ للعقلاءِ جُمِعَتْ جَمْعَه، كقوله: ((رَأَيْتُهم لي ساجدين))(١)، ((فظلَّتْ أعناقُهم لها خاضِعين))(٢). الثاني: أنها حالٌ من ((القلوب)». وفيه السؤالُ والجوابُ المتقدِّمان. الثالث: أنه حالٌ من أصحاب القلوب. قال الزمخشري (٣): ((هو حالٌ مِنْ أصحاب القلوب على المعنى؛ إذ المعنى: إذْ قلوبُهم لدى الحناجر كاظمين عليها)». قلت: فكأنّه في قوةٍ أنْ جَعَلَ أل ◌ِوَضاً من الضمير في حناجرهم: الرابع: أَنْ يكونَ حالاً مِنْ (هم) في ((أَنْذِرْهم))، وتكونُ حالاً مقدرةً؛ لأنهم وقتَ الإِنذارِ غيرُ كاظمين. وقال ابن عطية(٤): ((كاظِمين حالٌ ممَّا أُبْدِلَ منه ((إذ القلوب)) أو ممَّا تُضاف القلوبُ إليه؛ إذ المرادُ: إذ قلوبُ الناس لدى حناجرِهم، وهذا كقوله: ((تَشْخَصُ فيه الأبصارُ مُهْطِعين))(٥) أراد: تَشْخَصُ فيه أبصارُهم)). قلت: ظاهرُ قوله أنه حال ممّا أُبْدِل منه. (١) الآية ٤ من يوسف. (٢) الآية ٤ من الشعراء. (٣) الكشاف ٤٢٠/٣. (٤) المحرر ١٢٥/١٤. (٥) الآية ٤٢ من إبراهيم. ٤٦٧ - غافر - قوله: ((إذ القلوبُ)) مُشْكِلٌ؛ لأنه أُبْدِل مِنْ قوله: ((يومَ الآزِفَة)) وهذا لا يَصِحُّ البتةَ، وإنما يريد بذلك على الوجه الثاني: وهو أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ ((هم)) في ((أَنْذِرْهُمْ)) بدلَ اشتمالٍ، وحينئذ يَصِحُ. وقد تقدَّم الكلامُ على الكَظْمِ(١)، والحناجر(٢)، في آل عمران والأحزاب. قوله: ((ولا شَفيعٍ يُطاعُ)) ((يُطاعُ)) يجوزُ أَنْ يُحْكَمَ على موضعِه بالجرِّ نعتاً على اللفظِ، وبالرفعِ نعتاً على المحلِّ؛ لأنه معطوفٌ على المجرور بمِنْ المزيدة . وقوله: ((ولا شفيعٍ يُطاعُ)) مِنْ باب(٣): ٣٩٢١- على لاحِبٍ لا يُهْتَدى بمَنارِه أي: لا شفيعَ فلا طاعةَ، أو ثَمَّ شفيعٌ ولكن لا يُطاعُ. آ. (١٩) قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾: فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها : - وهو الظاهر - أنه خبرٌ آخرُ عن ((هو)) في قوله: ((هو الذي يُريكم آياتِه)). قال الزمخشري (٤): ((فإنْ قلتَ: بِمَ اتَّصلَ قولُه: ((يَعْلَمُ خائنةَ الأعين))؟ قلت: هو خبرُ من أخبارٍ ((هو)) في قوله: ((هو الذي يُريكم)) مثل: ((يُلْقِي الرُّوْحَ مِنْ أَمْرِه))(٥) ولكنْ (يُلْقي الروحَ)) قد عُلِّلَ بقولِه: ((لِيُنْذِرَ)) ثم استطرد لذِكْرِ أحوالِ يومِ الَّلاقِ إلى قوله: ((ولا شَفيع يُطَاعُ)) فَبَعُدّ لذلك عن أخواته)). (١) انظر: الدر المصون ٣٩٥/٣. (٢) انظر: إعرابه للآية ١٠ من الأحزاب. (٣) تقدم برقم ١٠٨٨ . (٤) الكشاف ٤٢١/٣. (٥) الآية ١٥. ٤٦٨ - غافر - الثاني: أنه مُتَّصلٌ بقولِه: ((وأَنْذِرْهم)) لَمَّا أُمِرَ بإنذاره يوم الأزفة وما يَعْرِضُ فيه مِنْ شدَّة الغمِّ والكَرْبِ، وأنَّ الظالمَ لا يجدُ مَنْ يَحْميه، ولا شفیعَ له، ذَکَر اطلاعه على جميع ما يَصْدُر مِنَ الخلقِ سِرّاً وجَهْراً. وعلى هذا فهذه الجملةُ لا محلّ لها لأنها في قوة التعليلِ الأمرِ بالإنذار. الثالث: أنها متصلةٌ بقولِه ((سريعُ الحِساب))(١). الرابع: أنها متصلة بقولِه: ((لا يَخْفَى على الله منهم شيءٌ))(٢). وعلى هذين الوجهين فُيُحْتملِ أَنْ تكونَ جاريةً مَجْرَىْ العلةِ، وأنْ تكونَ في محلٌ نصبٍ على الحال. وخائنةُ الأَعْيُن فيه وجهان، أحدهما: أنه مصدرٌ كالعافيةِ، أي: يَعْلَمُ خيانةَ الأعينِ. / والثاني: أنها صفةٌ على بابِها، وهو مِنْ بابِ إضافةِ الصفةِ [٧٧٣/ب] للموصوفِ، والأصلُ: الأعين الخائنة، كقوله(٣): ٣٩٢٢- وإن سَقَيْتِ كِرامَ الناسِ فَاسْقِينا وقد رَدَّه الزمخشريُّ (٤) وقال: ((لا يَحْسُنُ أَنْ يُراد: الخائنة من الأعين؛ لأنَّ قولَه: (وما تُخْفي الصدورُ)) لا يُساعِدُ عليه)) يعني أنه لا يناسِبُ أن يقابلَ المعنى إلَّ بالمعنى. وفيه نظرٌ؛ إذ لقائلِ أَنْ يقول: لا نُسَلَّمُ أنَّ ((ما)) في ((وما (١) في الآية ١٧ . (٢) في الآية ١٦ . (٣) البيت لبشامة بن حزن النهشلي وصدره: إنَّا مُحَيُّوكٍ يا سلمى فحَيِّنا وهو في الحماسة ٧٧/١، والعيني ٣٧٠/٣. (٤) الكشاف ٤٢١/٣. ٤٦٩ ب غافر - تُخْفي الصدور)» مصدريةٌ حتى يَلْزَمَ ما ذكره، بل يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي، وهو عبارةٌ عن نفس ذلك الشيءِ المَخْفِيِّ، فيكونُ قد قابَلَ الاسمَ غير المصدرِ بمثله . آ. (٢٠) قوله: ﴿والذين يَدْعُون﴾: قرأ(١) نافع وهشام ((تَدْعُون)) بالخطاب للمشركين، والباقون بالغَيْبة إخباراً عنهم بذلك. آ. (٢١) قوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾: يجوز أَنْ يكونَ منصوباً في جواب الاستفهام، وأَنْ يكونَ مجزوماً نَسَقاً على ما قبله كقوله(٢): ٣٩٢٣ - ألم تَسْأَلْ فِتُخْبِرْكَ الرُّسومُ رواه بعضُهم بالجزمِ والنصب. قوله: ((منهم قوةٌ)) قرأ ابنُ عامٍ (٣) ((منكم)) على سبيلِ الالتفاتِ، والباقون بضميرِ الغَيْبةِ جَرْياً على ما سَبَقّ من الضمائرِ الغائبةِ. قوله: ((وآثاراً» عطفٌ على «قوةً»، وهو في قوة قوله: ((يُنْحِتون من الجبالِ بيوتاً آمنين)»(٤)، وجعله الزمخشريُّ(٥) منصوباً بمقدر قال: ((أو أراد: وأكثرَ آثاراً كقوله(٦): (١) السبعة ٥٦٨، الحجة ٦٢٨، النشر ٣٦٤/٢، التيسير ١٩٢، البحر ٤٥٧/٧، القرطبي ٣٠٣/١٥. (٢) تقدم برقم ٨٩. (٣) السبعة ٥٦٩، الحجة ٦٢٩، البحر ٤٥٧/٧، النشر ٣٦٥/٢، التيسير ١٩١. (٤) الآية ٨٢ من الحجر. (٥) الكشاف ٤٢٢/٣. (٦) تقدم برقم ١٤٩. ٤٧٠ - غافر - قد غدا ٣٩٢٤- مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحا يعني: ومُعْتَقِلاً رمحاً)). ولا حاجةً إلى هذا مع الاستغناء عنه. آ. (٢٦) قوله: ﴿أُو أَنْ﴾: قرأ الكوفيون(١) ((أو أَنْ)) بأو التي للإِبهام والباقون بواو النسق على تَسَلَّط الحرفِ على التبديل وظهور الفساد معاً. وقرأ(٢) نافعٌ وأبو عمرٍ وحفصٌ ((يُظْهِرَ) بضم الياءِ وكسرِ الهاء مِنْ أَظْهر، وفاعلُه ضميرُ موسى عليه السلام، ((الفسادَ)) نصباً على المفعول به. والباقون بفتح الياء والهاء مِنْ ظهر، ((الفسادُ)) رفعاً بالفاعلية وزيدُ بن علي ((يُظْهَرَ)) مبنياً للمفعول، ((الفسادُ)) مرفوعٌ لقيامِه مقامَ الفاعل. ومجاهد ((يَظَّهَّرَ)) بتشديد الظاء والهاء، وأصلها يَتَظَهَّر مِنْ تَظَهَّر بتشديد الهاء فأدغم التاء في الظاء. و((الفسادُ)) رفعٌ على الفاعلية. وفتح ابن كثير(٣) ياءَ ((ذَرونيَ أقتلْ موسى)) وسَكَّنها الباقون. آ. (٢٧) قوله: ﴿عُذْتُ﴾: أدغم(٤) أبو عمروٍ والأخَوان، وأظهروا الذال مع التاء، والباقون بالإِظهار فقط. و((لا يُؤْمِنُ)) صفةٌ لمتكبِّر. آ. (٢٨) قوله: ﴿مِنْ آلِ فرعونَ﴾: يُحتمل أنْ يكونَ متعلِّقاً بـ ((يَكْتُمُ)) بعده أي: يكتمه مِنْ آلِ فرعون. والثاني : - وهو الظاهرُ - أنَّه متعلقٌ بمحذوفٍ صفةً لرجل. وجاء هنا على أحسنٍ ترتيبٍ: حيث قَدَّمَ المفردَ، ثم 1 (١) السبعة ٥٦٩، البحر ٤٦٠/٧، التيسير ١٩١، القرطبي ٣٠٥/١٥، الحجة ٦٢٩، النشر ٣٦٥/٢. (٢) انظر في قراءاتها السبعة ٥٦٩، البحر ٤٦٠/٧، التيسير ١٩١، القرطبي ٣٠٥/١٥، الحجة ٦٣٠، النشر ٣٦٥/٢. (٣) النشر ٣٦٦/٢، التيسير ١٩٢، السبعة ٥٧٣. (٤) السبعة ٥٧٠، النشر ١٦/٢، الإتحاف ٤٣٧/٢. ٤٧١ - غافر - مَا يَقْرُبُ منه وهو حرفُ الجرِّ، ثم الجملةَ. وقد تقدم إيضاحُ هذه المسألةِ في المائدةِ وغيرِها. ويترتُّبُ على الوجهين: هل كان هذا الرجلُ مِنْ قَرابَةٍ فرعونَ؟ فعلى الأولِ لا دليلَ فِيه، وعلى الثاني فيه دليلٌ. وقد رَدَّ بعضُهم الأولَ: بأنه لا يُقال: كَتَمْتُ مِنْ فِلانٍ كذا، إنما يقال: كَتَمْتُ فلاناً كذا، فيتعدَّى لاثنين بنفسِه. قال تعالى: ﴿ولا يَكْتمون اللَّهَ حديثاً﴾(١). وقال الشاعر(٢): ٣٩٢٥- كَتَمْتُكَ هَمَّأَ بالجَمومَيْنِ ساهِراً وهَمِّيْنِ هَمَّاً مُسْتَكِنَّاً وظاهراً أحاديثَ نّفْسٍ تُشتكي ما برَبِّها ووِرْدَ هُمومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا أي: كتمتُك أحاديثَ نفسٍ وهَمَّيْن، فقدَّم المعطوفَ على المعطوفِ عليه، ومحلُّه الشعرُ. قوله: ((أَنْ يقولَ ربي)) أي: كراهةَ أَنْ يقولَ أو لأُنْ يقولَ. والعامَّةُ على ضَمِّ عين ((رَجُل)) وهي الفصحى. والأعمش(٣) وعبد الوارث(٤) على تسكينها، وهي لغةُ تميمٍ ونجد. وقال الزمخشري(٥): ((ولك أَنْ تُقَدِّرَ مضافاً محذوفاً أي: وقت أَنْ يقولَ. والمعنى: أتقتلونه ساعةً سَمِعْتم منه هذا القولَ من غير زَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ)). وهذا الذي أجازه رَدَّه الشيخ(٦): بأنَّ تقدير هذا الوقتِ لا يجوزُ إلَّ مع (١) الآية ٤٢ من النساء. (٢) البيتان للنابغة، وهما في ديوانه ١٣٠، واللسان (كتم) والجمومان: موضع بالبحرين. (٣) البحر ٤٦٠/٧، السبعة ٥٧٠. (٤) عن أبي عمرو. (٥) الكشاف ٤٢٤/٣. (٦) البحر ٧ /٤٦٠. ٤٧٢ - غافر - المصدرِ المُصَرَّحِ به تقول: جِئْتُكَ صياحَ الدِّيْكِ أي: وقتَ صِياحِه، ولو قلت: أجْيُك أنْ صاحَ الديكُ، أو أَنْ يصيحَ، لم يَصِحِّ. نصَّ عليه النحويون. قوله: ((وقد جاءَكم)) جملةٌ حالية يجوز أَنْ تكونَ من المفعول(١). فإنْ قيلَ: هو نكرةٌ. / فالجوابُ: أنه في حيِّزِ الاستفهام وكلَّ ما سَوَّع الابتداءَ بالنكرةِ [٧٧٤/أ] سَوَّعْ انتصابَ الحال عنها. ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الفاعل. قوله: ((بعضُ الذيَ يعِدُكم)) ((بعض)) على بابِها، وإنما قال ذلك ليهضِمَ موسى عليه السلام بعضَ حقه في ظاهرِ الكلامِ، فَيُرِيّهم أنه ليس بكلامٍ مَنْ أعطاه حقه وافياً فَضْلًا أَنْ يتعصَّبَ له، قاله الزمخشري(٢). وهذا أَحسنُ مِنْ قولٍ غيرِه: إنَّها بمعنى كل، وأنشدوا قولَ لبيد(٣): ٣٩٢٦ - تَرَّاكُ أَمْكنةٍ إذا لم يَرْضَها أو يَرْتَبِطْ بعضُ النفوسِ حِمامُها وأنشدوا قولَ عمرو بن شُيَيْم(٤): ٣٩٢٧- قد يُدْرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجتِه وقد يكونُ مع المستعجِلِ الزَّلَلُ وقول الآخر(٥): ٣٩٢٨- إنَّ الأمورَ إذا الأحداثُ دَبَّرها دون الشيوخِ ترىُ في بعضِها خَلْلا (١) وهو ((رجلا)). (٢) الكشاف ٤٢٥/٣. (٣) تقدم برقم ١٣٠٤. (٤) تقدم برقم ٨٩٢ وهو القطامي والمشهور أن اسمه عُمَّير. (٥) تقدم برقم ١٣٠٦. ٤٧٣ - غافر - ولا أدري كيف فَهِموا الكلَّ من البيتين الأخيرين؟ وأَمَّ الأولُ فِفيه بعضُ دليلٍ ؛ لأنَّ الموتَ يأتي على الكلِّ. ولَمَّا حكى هذا الزمخشريُّ عن أبي عبيدة(١)، وأنشد عنه بيتَ لبيدٍ قال(٢): ((إن صَحَّتِ الروايةُ عنه فقد حقَّ فيه قولُ المازني في مسألة العَلْقَى (٣): ((كان أَجْفَى مِنْ أن يفقهَ ما أَقُولُ له)). قلتُ: ومسألةُ المازني (٤) معه أنَّ أبا عبيدةً قال للمازني: ((ما أكذبَ النحويين !! يقولون: هاءُ التأنيثِ لا تدخل على ألفِ التأنيثِ وأن الألف في (عَلْقَى)) مُلْحقة(٥). قال: فقلت له: وما أنكرْتَ من ذلك؟ فقال: سَمِعْتُ رؤبةً يُنْشِد(٦): ٣٩٢٩- يَنْحَطُّ فِي عَلْقَىْ وفي مُكُوْرِ فلم يُنَوِّنْها. فقلتُ: ما واحدُ عَلْقى؟ قال: عَلْقاةٌ. قال المازني: فامتنعْتُ ولم أُفَسِّرْ له لأنه كان أَغْلظَ مِنْ أَنْ يفهمَ مثلَ هذا)» قلت: وإنما استغلظَه المازنيُّ؛ لأنَّ الألفَ التي للإِلحاق تَدْخُل عليها تاءُ التأنيثِ دالةٌ على الوَحْدة فيقال: أَرْطِى (٧) وأَرْطاة، وإنما الممتنعُ دخولُها على ألفِ التأنيثِ نحو: دَعْوى وصَرْعى. وأمَّا عدمُ تنوين ((عَلْقَى)) فلأنَّه سَمَّى بها شيئاً بعينه (١) مجاز القرآن ٢٠٥/٢. (٢) الکشاف ٤٢٥/٣ (٣) العلقى: ضرب من الشجر. (٤) انظر: مجالس العلماء ٥١، وإنباه الرواة ٢٥٣/١. (٥) المجالس: وليست للتأنيث. (٦) ليس في ديوانه وهو في المجالس ٥١، واللسان مكر. (٧) الأَرْطى: ضرب من الشجر. ٤٧٤ - غافر - [وألفُ الإِلحاقِ المقصورةُ حالَ العلميّة تَجْري مَجْرى تاءِ التأنيث فيمتنعُ الاسمُ الذي هي فيه، كما تمتنعُ فاطمة. وتَنْصَرِفُ قائمة](١). آ. (٢٩) قوله: ﴿ظاهِرِين﴾: حالٌ من الضميرِ في ((لكم))، والعاملُ فيها وفي ((اليومَ)) ما تَعَلِّقَ به ((لكم)). قوله: ((ما أُرِيْكُمْ)) هي مِنْ رؤيةِ الاعتقادِ، فتتعدَّى لمفعولَيْن، ثانيهما ((إلاّ ما أرى». قوله: ((الرَّشادِ)) العامَّةُ على تخفيفِ الشينِ مصدرَ رشّدَ يَرْشُدُ. وقرأ معاذ بن جبل(٢) بتشديدِها، وخَرَّجها أبو الفتح(٣) وغيرُه على أنه صفةُ مبالغةٍ نحو: ضَرَب فهو ضرَّاب، وقد قال(٤) النحاس: ((هو لحنٌ، وَتَوَهَّمه من الرباعي)) يعني أَرْشد. ورُدَّ على النحاس قولُه: بأنه يُحْتمل أَنْ يكونَ مِنْ رَشَدَ الثلاثي، وهو الظاهرُ. وقد جاء فَعَّال أيضاً مِنْ أَفْعَل وإنْ كان لا يَنْقاسُ. قالوا: أَدْرَك فهو دَرَّاك وأَجْبَرَ فهو جَبَّار، وأَقْصَر فهو قَصَّار، وأَسْأَر فهو سَأَر، ويَدُلُّ على أنه صفةُ مبالغةٍ أنَّ معاذاً كان يُفَسِّرها بسبيل الله. قال ابنُ عطية(٥): ((ويَبْعُدُ عندي على معاذ - رضي الله عنه - وهل كان فرعونُ يَدَّعي إلّ الإِلهِيَّةِ؟ وَيَقْلَقُ بناءُ اللفظِ على هذا التركيبِ))(٦). قلت: يعني (١) ما بين معقوفين مخروم أثبتناه مِنْ ش. (٢) البحر ٤٦٢/٧، والمحتسب ٢٤١/٢. (٣) المحتسب ٢٤١/٢. (٤) أورد النحاس في إعراب القرآن ١٢/٣ هذه القراءة عن معاذ، ولم يُشر إلى تَلْحينها هنا . (٥) المحرر ١٤ /١٣٥. (٦) المحرر: التأويل. ٤٧٥ - غافر : - ابنُ عطية أنه كيف يقول فرعونُ ذلك، فيُقِرُّ بأنَّ ثَمَّ مَنْ يهدي إلى الرشادِ غیرُه، مع أنه يَدَّعي أنه إِلَهٌ؟ وهذا الذي عَزاء ابنُ عطية(١) والزمخشري(٢) وابن جُبارة(٣) صاحب ((الكامل)) إلى معاذ بن جبل من القراءة المذكورة ليس في ((الرشاد)) الذي هو في كلامِ فرعونَ كما توهَّموا، وإنما هو في ((الرشاد)) الثاني الذي مِنْ قول المؤمنِ بعد ذلك. ويَدُلُّ على ذلك ما قاله أبو الفضل الرازي في كتابه ((اللوامح)): ((معاذ بن جبل («سبيل الرشاد)»، الحرف الثاني بالتشديد، وكذلك الحسنُ، وهو سبیلُ الله تعالی الذي أوضحه لعبادِه، كذلك فسَّره معاذ، وهو منقولٌ مِنْ مُرْشِد كدَرَّاك مِنْ مُدْرِك وجَبَّار مِنْ مُجْبر، وقَصَّار مِنْ مُقْصِر عِن الأمر، ولها نظائرُ معدودةٌ. فأمَّا ((قَصَّار الثوب)) مِنْ (٤) قَصَر الثوبَ قِصارةً)) فعلى هذا يزولُ إشكالُ ابنٍ عطية المتقدمُ، وتتضح القراءةُ والتفسيرُ. وقال أبو البقاء(٥): ((وهو الذي يَكْثُر منه الإِرشادُ أو الرُّشْدُ)) يعني يُحْتمِل أنه مِنْ أرشدَ الرباعيِّ أَو رَشَدِ الثلاثي. والأُوْلَى أَنْ يكونَ من الثلاثيِّ لِمَا عَرَفْتَ أنه يَنْقَاسُ دونَ الأول آ. (٣١) قوله: ﴿مثلَ دَأَبِ﴾: ((مثل)) يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً، وأَنْ یکون عطف بيانٍ . آ. (٣٢) قوله: ﴿يومَ التّناد﴾: قد تقدَّم الخلافُ(٦) / في یائِه: [٧٧٤/ب] (١) المحرر ١٣٥/١٤. (٢) الكشاف ٤٢٥/٣ وذكره من غيرِ عَزْوٍ. (٣) الكامل (خ) ٢٣٤ وعزاه إلى الحسن. (٤) الأفصح: فمِنْ. (٥) الإِملاء ٢١٨/٢. (٦) انظر إعرابه للآية ١٥. ٤٧٦ - غافر - كيف تُحذف وتُثْبَت(١)؟ وهو مصدرُ ((تَنادَى)) نحو: تقاتَلَ تقاتُلاً. والأصلُ: تَنَادُياً بضم الدالٍ ولكنهم كسروها لتصِحَّ الياءُ. وقرأت(٢) طائفةً بسكون الدالِ إجراءً للوصل مُجْرى الوقفِ. وتنادَى القومُ أي: نادى بعضُهم بعضاً. قال(٣): ٣٩٣٠- تنادوا فقالوا أَرْدَتِ الخيلُ فارساً فقُلْنا: عُبَيْدُ الله ذلكمُ الرَّدِي وقال آخر (٤) : ء غَداً بالرحيل ٣٩٣١- تنادوا تَرْحَالِهِم نَفْسي وفي وقرأ(٥) ابن عباس والضحاك والكلبي وأبو صالح وابن مقسم والزعفراني في آخرين بتشديدِها، مصدرُ ((تَنَادَّ) مِنْ نَذَّ البعيرُ إذا هَرَبَ ونَفَرَ، وهو في معنى قولِه تعالى: ((يوم يَفِرُ المرءُ مِنْ أخيه))(٦) الآية. وفي الحديث: ((إن للناسِ جَوْلَةً يندُّون، يظنُّون أنهم يَجِدُون مهرباً)). وقال أمية بن أبي الصلت(٧): ٣٩٣٢ - ويَثَّ الخَلْقَ فيها إذا دَحاها فهُمْ سُكَّانُها حتى التنادي (١) انظر في قراءاتها: التيسير ١٩٢، والقرطبي ٣١٢/١٥، والنشر ٣٦٦/٢، والبحر ٤٥٥/٧. (٢) وهي رواية علي بن نصر عن أبي عمرو. (٣) تقدم برقم ٣٢٨٣. (٤) لم أقف عليه. وهو من مجزوء الوافر. (٥) المحتسب ٢٤٣/٢، والبحر ٤٦٤/٧، والقرطبي ٣١١/١٥. (٦) الآية ٣٤ من عبس. (٧) ديوانه ٣٨٣، وتفسير الماوردي ٤٨٧/٣، والقرطبي ٣١٠/٣، والبيت شاهد على ((التنادٍ)) بالتخفيف. ٤٧٧ - غافر :- آ. (٣٣) قوله: ﴿يومَ تُوَلُون﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً من ((يوم التّناد))، وأن يكونَ منصوباً بإضمارِ أعني. ولا يجوزُ أَنْ يُعْطَفَ عطفَ بيان لأنه نكرةٌ، وما قبله معرفةٌ. وقد تقدَّم لك في قوله: ((فيه آياتٌ بَيِّنَاتٌ مَقامُ إبراهيم))(١) أنَّ الزمخشريَّ(٢) جعله بياناً مع تخالُفِهما تعريفاً وتنكيراً، وهو عكسُ ما نحن فيه، فإن الذي نحن فيه الثاني نكرةٌ، والأولُ معرفةٌ. قوله: ((ما لكم مِنَ الله مِنْ عاصم)) يجوزُ في ((مِنْ عاصِمٍ)) أَنْ يكونَ فاعلاً بالجارِّ لاعتمادِه على النفي، وأَنْ يكون مبتدأ، و((مِنْ)) مزيدةٌ على كلا التقديرَيْن. و((من الله)) متعلقٌ بـ ((عاصِم)). آ. (٣٤) قوله: ﴿حتى إذا﴾: غايةٌ لقوله: ((فما زِلْتُمْ)). وقُرىءِ(٣) (أَنْ يَبْعَثَ الله)) بإدخالِ همزةِ التقرير، يُقرِّر بعضُهم بعضاً. قوله: ((كذلك)) أي: الأمر كذلك. ((ويُضِلُّ الله)) مستأنفٌ أو نعتُ مصدرٍ أي: مثلَ إضلالِ اللَّهِ إياكم - حين لم يَقْبَلوا مِنْ يوسفَ عليه السلام - يُضِلَّ اللَّهُ مَنْ هو مُسْرِفٌ. آ. (٣٥) قوله: ﴿الذين يُجادِلون﴾: يجوز فيه عشرةُ أوجهٍ،، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ قولِهِ: (مَنْ هو مُسْرِفٌ)) وإنما جُمِع اعتباراً بمعنى ((مَنْ)) .. الثاني: أَنْ يكونَ بياناً له. الثالث: أَنْ يكونَ صفةً له. وجُمِع على معنى ((مَنْ)) أيضاً. الرابع: أَنْ ينتصِّبَ بإضمار أعني. الخامس: أَنْ يرتفعَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هم الذين. السادس: أَنْ يرتفعَ مبتدأَ، خبرُه ((يَطْبَعُ اللَّهُ)). و((كذلك)) خبرٌ مبتدأ مضمرٍ أيضاً، أي: الأمرُ كذلك. والعائدُ من الجملةِ وهي ((يَطْبَعُ)) على (١) الآية ٩٧ من آل عمران. (٢) الكشاف ٤٠٧/١. وانظر: الدر المصون ٣١٩/٣. (٣) البحر ٤٦٤/٧. ٤٧٨ ..- - غافر - المبتدأ محذوفٌ، أي: على كلِّ قلبٍ متكبِّرٍ منهم. السابع: أنْ يكونَ مبتدأ، والخبر (كَبُرَ مَقْتًا))، ولكنْ لا بُدَّ مِنْ حَذْفٍ مُضاف ليعودَ الضميرُ مِنْ ((كبُرَ)) عليه. والتقديرُ: حالُ الذين يُجادلون كَبُرَ مَقتاً ويكون ((مَقْتاً) تمييزاً، وهو مَنْقولٌ مِنْ الفاعليةِ إذ التقديرُ: كَبُرَ مَقْتُ حالِهم أي: حالِ المجادلين. الثامن: أَنْ يكونَ (الذين)) مبتدأ أيضاً، ولكن لا يُقَدَّرُ حَذْفُ مضافٍ، ويكونُ فاعلُ ((كَبُرَ)) ضميراً عائداً على جدالِهم المفهومِ من قوله: ((ما يُجادِلُ)). والتقدير: كَبُرَ جِدالُهم مَقْتاً. و((مَقْتَ)) على ما تقدَّمَ أي: كَبْرَ مَقْتُ جدالِهم. التاسع: أَنْ يكونَ ((الذين)) مبتدأً أيضاً، والخبرُ ((بغير سُلطان أتاهم)). قاله الزمخشري(١): ورَدَّه الشيخ(٢): بأنَّ فيه تفكيكَ الكلامِ بعضِه من بعضٍ ؛ لأنَّ الظاهرَ تعلُّقُ ((بغير سُلْطان)» بـ ((يُجادلون))، ولا يُتَعَقِّلُ جَعْلُه خبراً لـ الذين لأنه جارٌّ ومجرورٌ، فيصيرُ التقديرُ: الذين يُجادلون كائنون أو مستقرون بغيرٍ سلطان، أي: في غير سلطان؛ لأنَّ الباءَ إِذ ذاك ظرفيةٌ خبرٌ عن الجُثَث. العاشر: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ أي: مُعانِدون ونحوه، قاله أبو البقاء(٣). قوله: ((كَبُرَ مَقْنَا)) يُحْتملِ أَنْ يُرادَ به التعجبُ والاستعظامُ، وأَنْ يُرادَ به الذمُّ كبْس؛ وذلك أنه يجوزُ أَنْ يُبْنَى فَعُل بضمُّ العَيْنِ مِمَّا يجوزُ التعجّبُ منه، ويَجْري مَجْرى نِعْم ويئس في جميعِ الأحكامِ . وفي فاعلِه ستةُ أوجهٍ، الأول: أنه ضميرٌ عائدٌ على حالِ المضافِ إلى الذين، كما تقدَّم تقريرُه. / الثاني: أنه [٧٧٥/أ] ضميرٌ يعودُ على جدالِهم المفهومِ مِنْ ((يُجادلون)) كما تقدَّم أيضاً. الثالث: أنه الكافُ في ((كذلك)). قال الزمخشري (٤): ((وفاعلُ ((كَبُرَ)) قولُه: ((كذلك)» أي : (١) الكشاف ٤٢٧/٣. (٢) البحر ٤٦٤/٧. (٣) الإملاء ٢١٨/٢ - ٢١٩. (٤) الكشاف ٤٢٧/٢. ٤٧٩ - غافر : - كَبُرَ مَقْتاً مثلُ ذلك الجدالِ، ويَطْبع اللَّهُ كلامٌ مستأنفُ)) ورَدَّه الشيخُ(١): بأنَّ فيه تُفْكيكاً للكلامِ وارتكابَ مذهبٍ ليس بصحيحٍ . أمَّا التفكيكُ فلأنَّ ما جاء في القرآن مِنْ ((كذلك نَطْبَعُ)) أو («يَطْبع)» إنما جاء مربوطاً بعضُه ببعض فكذلك هذا، وأمَّا ارتكابُ مذهبٍ غيرِ صحيح فإنه جَعَل الكافَ اسماً ولا تكونُ اسماً إلاّ في ضرورةٍ، خلافاً للأخفش(٢). الرابع: أنَّ الفاعِلَ محذوفٌ، نقله الزمخشري. قال(٣): ((ومَنْ قال: كَبُرَ مَقْتاً عند الله جِدالُهم، فقد حَذَفَ الفاعلَ، والفاعلُ لا يَصِحُّ حَذْفُه)). قلت: القائلُ بذلك الحوفيُّ، لكنه لا يريدُ بذلك تفسيرَ الإِعراب، إنما يريدُ به تفسير المعنى، وهو معنى ما قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّ الفاعلَ ضميرٌ يعودُ على جدالهم المفهومِ مِنْ فعلِه، فصَرَّحِ الحوفيُّ بالأصلِ، وهو الاسمُ الظاهرُ، ومرادُه ضميرٌ يعودُ عليه . الخامس: أنَّ الفاعلَ ضميرٌ يعودُ على ما بعدَه، وهو التمييزُ نحو: ((نِعْمَ رَجُلًا زيدٌ))، و((بئس غلاماً عمروٌ). السادس: أنه ضميرٌ يعودُ على ((مَنْ)) مِنْ قوله: ((مَنْ هو مُسْرِفٌ)). وأعاد الضميرَ مِنْ ((كَبُرَ) مفرداً اعتباراً بلفظِها، وحينئذٍ يكونُ قد راعَىْ لفظَ (مَنْ)) أولاً في ((مَنْ هو مُسْرِفٌ كَذَّاب))، ثم معناها ثانياً في قوله: ((الذين يُجادلون)) إلى آخره، ثم لفظَها ثالثاً في قوله: (كَبُر)). وهذا كلُّه إذا أَعْرَبْتَ ((الذين)» تابعاً لمَنْ هو مُسْرِفٌ نعتاً أو بياناً أو بدلاً . وَقد عَرَفْتَ أن الجملةَ مِنْ قولِه: ((كَبُرَ مَقْتً) فيها وجهان، أحدهما: الرفعُ إذا جَعلْناها خبراً لمبتدأ. والثاني: أنها لا محلّ لها إذا لم تجْعَلْها خبراً. بل هي (١) البحر ٤٦٤/٧ - ٤٦٥. (٢) انظر: المغني ٢٣٩ . (٣) الكشاف ٤٢٧/٢. ٤٨٠