النص المفهرس

صفحات 401-420

- ص -
أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمونٍ قوله: ((لَأَمْلَانَّ)). قال الفراءِ (١): / ((هو على معنى [٧٦٣/أ]
قولك: حقاً لا شكُّ(٢)، ووجودُ الألفِ واللام وطَرْحُهما سواءٌ أي: لأملأن جهنم
حقاً) انتهى. وهذا لا يَتَمَشَّى على قولِ البصريين؛ فإنَّ شَرْطَ نَصْبِ المصدرِ
المؤكّد لمضمون الجملة أَنْ يكونَ بعد جملةٍ ابتدائية خبراها معرفتان جامدان
جموداً مَحْضاً (٣).
وجَوَّز ابنُ العِلْجِ أَنْ يكونَ الخبرُ نكرةً. وأيضاً فإنَّ المصدرَ المؤكِّدَ
لا يجوزُ تقديمُه على الجملةِ المؤكِّدِ هو لمضمونِها. وهذا قد تقدَّم. وأمَّا الثاني
فمنصوبٌ بـ((أقولُ)) بعدَه. والجملةُ معترضةٌ كما تقدَّم. وجَوَّزَ الزمخشري (٤) أَنْ
يكونَ منصوباً على التكرير، بمعنى أنَّ الأول والثاني كليهما منصوبان بـ أقولُ.
وسیأتي إيضاح ذلك في عبارته.
وقرأ(٥) عاصم وحمزةُ برفعِ الأولِ ونصبٍ الثاني. فَرَفْعُ الأولِ من أوجهٍ،
أحدها: أنه مبتدأ، وخبرُه مضمرٌ تقديرُه: فالحقُّ مني، أو فالحقُّ أنا. الثاني: أنه
مبتدأ، خبرُه (لأملأنَّ)) قاله ابن عطية(٦). قال: ((لأنَّ المعنى: أنْ أَمْلًا)). قال
الشيخ (٧): ((وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ لأملأنَّ جوابُ قسمٍ. ويجب أنْ يكونَ
جملةٌ فلا تتقدَّرُ بمفردٍ. وأيضاً ليس مصدراً مقدراً بحرفٍ مصدري والفعل حتى
(١) معاني القرآن ٤١٣/٢.
(٢) مطبوعة الفراء: لآتينك.
(٣) كقول الشاعر:
أنا ابنُ دارَة مَعْروفاً بها نَسَبِي
وهل بدارَة با للناس مِنْ عارٍ
(٤) الكشاف ٣٨٤/٣.
(٥) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٥٧، والحجة ٦١٨، والنشر ٣٦٢/٢، والقرطبي
٢٢٩/١٥، والبحر ٤١١/٧، والتيسير ١٨٨، والشواذ ١٣٠.
(٦) المحرر ٥٥/١٤.
(٧) البحر ٤١١/٧ .
٤٠١

- ص =
يُنْحَلَّ إليهما، ولكنه لَمَّا صَحَّ له إسنادُ ما قَدَّرَ إلى المبتدأ حَكَمَ أنه خبرٌ عنِهِ»
قلت: وتأويلُ ابنِ عطيةٌ صحيحٌ من حيث المعنى لا من حيث الصناعةُ .
الثالث: أنه مبتدأٌ، خبرُه مضمرٌ تقديرُهُ: فالحقُّ قَسَمِي، و ((لأملأنٌ))
جوابُ القسم كقوله: (لَعَمْرَك إنهم لفي سَكْرِهِم يَعْمهون))(١) ولكنَّ حَذْفَ
الخبرِ هنا ليسَ بواجبٍ، لأنه ليس نصاً في اليمين بخلافٍ لَعَمْرك. ومثلُه قولُ
امرىء القيس (٢):
٣٨٨٢- فقلت يمينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قاعداً
ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي
وأمَّا نصبُ الثاني فبالفعل بعدَه. وقرأ ابنُ عباس ومجاهد والأعمش
برفعهما. فرفْعُ الأولِ على ما تقدَّم، ورفعُ الثاني بالابتداءِ، وخبرُهُ الجملةُ
بعده، والعائد محذوفٌ كقولهِ تعالى في قراءةِ ابنِ عامر: «وكلٌ وعدَ اللَّهُ
الحسنى))(٣) وقول أبي النجم (٤):
٣٨٨٣- قد أصبَحَتْ أمُّ الخيارِ تَذَّعي
عليَّ ذَنباً كلُّه لم أَصْنَعِ
ويجوز أَنْ يرتفعَ على التكريرِ عند الزمخشري وسيأتي. وقرأ الحسنُ
وعيسى بجرِّهما. وتخريجُها: على أنَّ الأولَ مجرورٌ بواوِ القسم مقدرةً أي:
فوالحقٍ والحقِ عطفٌ عليه كقولك: واللَّهِ واللَّهِ لأقومَنَّ، و((أقول)) اعتراضٌ بين
القسم وجوابِه. ويجوز أَنْ يكونَ مجروراً على الحكايةِ. وهو منصوبُ المحل
(١) الآية ٧٢ من الحجر.
(٢) تقدم برقم ٨٤٢.
(٣) الآية ١٠ من الحديد، وانظر: السبعة ٦٢٥.
(٤) تقدم برقم ١٨٣٩.
٤٠٢

- ص =
بـ ((أقولُ)) بعده. قال الزمخشري(١): ((ومجرورَيْن - أي وقُرئا مجرورَيْن - على
أنَّ الأولَ مُقْسَمٌ به قد أُضْمِرَ حرفُ قَسَمِه كقولك: ((اللَّهِ لأفعَلَنَّ» والحقَّ أقول
أي: ولا أقول إلَّ الحقَّ على حكايةِ لفظ المقسمِ به، ومعناه التوكيدُ والتشديدُ.
وهذا الوجهُ جائزٌ في المرفوعِ والمنصوبِ أيضاً، وهو وجهٌ حسنٌ دقيق)) انتهى.
يعني أنه أعملَ القولَ في قوله: (والحق)) على سبيلِ الحكايةِ فيكونُ منصوباً
بـ ((أقول)) سواءً نُصِب أو رُفِعَ أو جُرَّ، كأنه قيل: وأقولُ هذا اللفظَ المتقدمَ مُقَّداً
بما لُفِظ به أولاً.
قوله: ((أجمعين)) فيه وجهان، أظهرهما: أنه توكيدٌ للضمير في ((منك))
و((لَمَنْ)) عطفٌ في قوله: ((ومِمَّنْ تَبِعك)) وجيْء بأجمعين دونَ ((كل))، وقد تقدَّم
أن الأكثرَ خلافُهُ. وجوَزَّ الزمخشريُّ(٢) أَنْ يكونَ تأكيداً للضمير في ((منهم)»
خاصةً فقدَّر (لَمْلَانَّ جهنم من الشياطين وممِّنْ تبعهم مِنْ جميع الناس لا تفاوتَ
في ذلك بین ناسٍ وناسٍ )).
آ. (٨٦) قوله: ﴿عليه﴾: متعلقٌ بـ ((أسْألكم)) لا بالأَجْر؛ لأنه
مصدرٌ، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً منه. والضمير: إمّا للقرآن، وإمّا للوحي، وإمَّا
للدعاء إلى الله. و((لتعلمُنَّ)) جواب قَسمٍ مقدرٍ معناه: ولَتَعْرِفُنَّ.
[تمَّت بعونه تعالی سورة ص]
(١) الكشاف ٣٨٤/٣.
(٢) الكشاف ٣٨٤/٣.
٤٠٣

- الزمر -
/ سورة الزمر
[٧٦٣/ب]
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿تَنْزِيلُ﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه خبرُ مبتدأ
مضمرٍ تقديرُه: هذا تنزيلُ. وقال الشيخ(١): ((وأقولُ إنه خبرٌ، والمبتدأ (هو))
ليعودَ على قوله: ((إنْ هو إِلَّ ذِكْرٌ للعالمين))(٢) كأنه قيل: وهذا الذِّكرُ ما هو؟
فقيل: هو تنزيلُ الكتابِ)). الثاني: أنه مبتدأٌ، والجارُّ بعده خبرُه أي: تنزيلُ
الكتابِ كائنٌ من اللَّهِ. وإليه ذهب الزجاج(٣) والفراء (٤).
قوله: ((مِن اللَّهِ) يجوزُ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مرفوعُ المحلِّ خبراً لتنزيل،
كما تقدَّم تقريرُه. الثاني: أنه خبرٌ بعد خبرٍ إذا جَعَلْنا ((تنزيلُ)) خبرَ مبتدأ مضمرٍ
كقولك: ((هذا زيدٌ من أهل العراق)). الثالث: أنَّه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هذا
تنزيلٌ، هذا من الله. الرابع: أنَّه متعلُّقٌ بنفسِ ((تَنْزِيل)) إذا جَعَلْناه خبرَ مبتدأ
مضمرٍ. الخامس: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ ((تنزيل)) عَمِل فيه اسمُ
الإشارةِ المقدرُ، قاله الزمخشري(٥). قال الشيخ(٦): «ولا يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً
(١) البحر ٤١٤/٧.
(٢) الآية ٨٧ من ص.
(٣) معاني القرآن ٣٤٣/٤. وجوَّز كذلك: ((هذا تنزيل)).
(٤) معاني القرآن ٤١٤/٢. وجوَّز كذلك: ((هذا تنزيل)).
(٥) الكشاف ٣٨٥/٣.
(٦) البحر ٤١٤/٧.
٤٠٥

- الزمر -
عَمِلَ فيها معنى الإِشارةِ؛ لأنَّ معانيَ الأفعالِ لا تعمل إذا كان ما هي فيه
محذوفاً؛ ولذلك رَدُّوا على أبي العباس(١) قولَه في بيت الفرزدق(٢).
٣٨٨٤-
وإذ. ما مثلَهِمْ بَشْرُ
إن ((مثلهم)) منصوبٌ بالخبرِ المحذوف وهو مقدرٌ: وإذ ما(٣) في الوجود
في حالٍ مماثلتِهم بَشَرٌ. السادس: أنه حالٌ من ((الكتاب)) قاله أبو البقاء(٤).
وجاز مجيءُ الحالِ من المضاف إليه لكونِه مفعولاً للمضافِ؛ فإنَّ المضافَ
مصدرٌ مضافٌ لمفعولِهِ. والعامَّةُ على رَفْع ((تَنْزِيلُ)) على ما تقدَّم. وقرأ(٥) زيد ابن
علي وعيسى وابن أبي عبلة بنصبِهِ بإضمارٍ فِعْلٍ تقديرُه: الزَمْ أو اقْرَأْ ونحوهما.
آ. (٢) قوله: ﴿بالحقِّ﴾: يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بالإِنزال أي: بسبب
الحق، وأنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول وهو الكتاب،
أي: مُلْتبسين بالحق أو ملتبساً بالحقِّ. وفي قوله: ((إنَّ أَنْزَلْنا الكتابَ)) تكرِيرُ
تعظيمٍ بسبب إبرازِه في جملةٍ أخرى مضافاً إنزالُه إلى المعظّم نفسَه.
قوله: ((مُخْلِصاً)) حالٌ مِنْ فاعل ((اعبد))، و ((الدین) منصوبٌ باسمِ
الفاعلِ. والفاءُ في ((فاعبدِ)) للربطِ، كقولك: «أَحْسَنَ إليك فلانٌ فاشْكُرْه)).
والعامَّةُ على نصبٍ ((الدينَ)) كما تقدَّم. ورَفَعَه(٦) ابنُ أبي عبلة. وفيه وجهان،
(١) انظر: المقتضب ١٩١/٤ قال: ((ولكن نصبه يجوز على أن تجعله نعتاً مقدماً وتضمر
الخبر فتنصبه على الحال مثل قولك: فيها قائماً رجل)).
(٢) تقدم برقم ١٦٦٥.
. (٣) البحر: (وإن ما)).
(٤) الإملاء ٢/ ٢١٤.
(٥) القرطبي ٢٣٢/١٥، والبحر ٤١٤/٧، والمحرر ٥٧/١٤.
(٦) البحر ٤١٤/٧.
٤٠٦

- الزمر -
أحدُهما: أنَّه مرفوعٌ بالفاعليةِ رافعُه ((مُخْلِصًا))، وعلى هذا فلا بُدَّ مِنْ تجوٍُّ
وإضمارٍ. أمَّا التجوزُ فإسنادُ الإِخلاصِ للدين وهو لصاحبِه في الحقيقة. ونظيرُه
قولُهم: شعر شاعرٌ. وأمّا الإِضمارُ فهو إضمارٌ عائدٌ على ذي الحالِ أي:
مُخْلِصاً له الدينَ منك، هذا رَأْيُ البصريين في مثل هذا. وأمَّا الكوفيون(١)
فيجوزُ أَنْ يكونَ عندهم أل عوضاً مِن الضميرِ أي: مُخْلِصاً ديْنَك. قال
الزمخشري (٢): ((وحَقُّ لمَنْ رَفَعه أَنْ يَقرأ ((مُخْلَصاً)) بفتحِ اللامِ لقولِه تعالى:
((وَأَخْلصوا دينَهم الله))(٣) حتى يطابقَ قولَه: ((أَلا للَّهِ الدينُ الخالصُ))، والخالِصُ
والمُخْلَص واحدُ إلَّ أَنْ يصفَ الدينَ بصفةِ صاحبِه على الإِسنادِ المجازيِّ
كقولهم: شعرٌ شاعرٌ)). والثاني: أَنْ يَتِمَّ الكلامُ على ((مُخْلِصاً)) وهو حالٌ مِنْ
فاعلِ ((فاعبدْ)) و ((له الدينُ)) مبتدأُ وخبرٌ، وهذا قولُ الفراءِ(٤). وقد رَدَّه
الزمخشري (٥)، وقال: ((فقد جاء بإعرابٍ رَجَع به الكلامُ إلى قولِك: (الله الدينُ)»
((ألا لله الدينُ الخالص» قلت: وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ لا يظهرُ فيه رَدٌّ على
هذا الإِعرابِ.
آ. (٣) قوله: ﴿والذين اتخذوا﴾: يجوز فيه أوجهً، أحدها: أن
يكونَ («الدينُ)) مبتدأ، وخبرُه قولٌ مضمرٌ حُذِف وبقي معمولُه وهو قولُه
((ما نَعْبُدهم)). والتقديرُ: يقولون ما نعبدهم. الثاني: أن يكونَ الخبرُ قوله: ((إنَّ
اللّهَ يَحْكم)) / ويكونُ ذلك القولُ المضمرُ في محلِّ نصبٍ على الحال أي: [٧٦٤/أ]
(١) انظر: المغني ٧٧.
(٢) الكشاف ٣٨٦/٣.
(٣) الآية ١٤٦ من النساء.
(٤) معاني القرآن ٤١٤/٢ قال: ((ولو رفعت الدين بـ ((له)» وجَعَلْتْ الإِخلاصَ مكتفياً غير
واقع كأنك قلت: اعبد الله مطيعاً فله الدين)).
(٥) الكشاف ٣٨٦/٣.
٤٠٧

- الزمر -
والذين اتَّخذوا قائلين كذا، إنَّ اللَّهَ يحكمُ بينهم. الثالث: أَنْ يكونَ القُولُ
المضمرُ بدلا من الصلةِ التي هي ((اتَّخذوا)). والتقديرُ: والذين اتخذوا قالوا
ما نعبدُهم، والخبرُ أيضاً: ((إن اللَّهَ يَحْكُمُ بينهم)) و((الذين)) في هذه الأقوالِ
عبارةٌ عن المشركين المتَّخِذين غيرَهم أولياءَ. الرابع: أن يكونَ ((الذين)) عبارةٌ
عن الملائكةِ وما عُبِد من دونِ اللَّهِ كعُزَيْرٍ واللاتٍ والعُزَّى، ويكونُ فاعلُ ((اتَّخَذَ))
عائداً على المشركين. ومفعولُ الاتخاذِ الأولُ محذوفٌ، وهو عائدُ الموصولِ ،
والمفعولُ الثاني هو ((أولياء)). والتقديرُ: والذين اتَّخذهم المشركون أولياء. ثم
لك في خبرِ هذا المبتدأ وجهان، أحدهما: القولُ المضمرُ، التقدير: والذين
اتَّخذهم المشركون أَوْلِياء يقول فيهم المشركون: ما نعبدهم إلّ. والثاني: أنَّ
الخبرَ هي الجملةُ مِنْ قِولِه: ((إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بينهم)).
وقُرِىءٍ (١) «ما نُعْبُدُهم)) بضمِّ النونِ إتباعاً للباءِ، ولا يُعْتَدُّ بالساكن.
قوله: ((زُلْفَى)) مصدرٌ مؤكِّدٌ على غيرِ الصدرِ، ولكنه مُلاقٍ لعاملِه في
المعنى، والتقدير: لَيُزْ لِفُونا زُلْفِى، أو لِيُقَرِّبونا قُربى. وجَوَّز أبو البقاءِ(٢) أَنْ
تكون حالاً مؤكدة.
قوله: «کاذِب کفَّار» قرأ(٣) الحسنُ والأعرج ۔ ویُرْوی عن أنس -
(«كذَّابٌ كَفَّارٌ))، وزيد بن علي ((كَذُوْبٌ كفورٌ)).
آ. (٥) قوله: ﴿يُكَوِّرُ الليل): في هذه الجملةِ وجهان،
أظهرُهما: أنَّها مستأنفةٌ أخبر تعالى بذلك. الثاني: أنها حالٌ، قاله أبو البقاء (٤).
(١) البحر ٤١٥/٧.
(٢) الإملاء ٢١٤/٢.
(٣) انظر في قراءاتها: البحر ٤١٥/٧، والمحرر ٦٠/١٤.
(٤) الإملاء ٢/ ٢١٤.
٤٠٨

- الزمر -
وفيه ضعفٌ؛ من حيث إن تكويرَ أحدِهما على الآخر، إنما كان بَعْدَ خَلْقٍ
السمواتِ والأرضِ ، إلَّ أَنْ يُقال: هي حالٌ مقدرةٌ، وهو خلافُ الأصلِ.
والتكويرُ: اللفُّ واللَّيُّ. يقال: كارَ العِمامةَ على رأسه وكَوَّرها. ومعنى
تكويرِ الليلِ على النهارِ وتكويرِ النهارِ على الليل على هذا المعنى: أنَّ الليلَ
والنهارَ خِلْفَةٌ يذهب هذا ويَغْشى مكانَه هذا، وإِذا غَشِيَ مكانه فكأنما لَفَّ عليه
وَأَلْبَسَه كما يُلَفُّ اللباسُ على اللابِسِ، أو أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُغَيِّب الآخر إذا
طرأَ عليه، فشُبِّه في تَغْيِيبه إياه بشيءٍ ظاهرٍ لَفَّ عليه ما غَيَّبه عن مطامحٍ
الأبصار، أو أنَّ هذا يَكُرُّ على هذا كُروراً متابِعاً، فَشُبِّه ذلك بتتابع أكوارِ العِمامة
بعضِها على بعضٍ . قاله الزمخشريُّ (١)، وهو أوفقُ للاشتقاقٍ من أشياء قد
ذُكِرَتْ. وقال الراغب(٢): ((كَوْرُ الشيءٍ إدارته وضَمُ بعضِه إلى بعضٍ ككّوْر
العِمامةِ. وقوله: (يُكَوِّرُ الليلَ على النهارِ))(٣) إشارةٌ إلى جَرَيانِ الشمسِ في
مطالعها وانتقاصِ الليل والنهار وازديادِهما، وكَوَّره إذا أَلْقاه مجتمعاً. واكتار
الفرسُ: إذا رَدَّ ذَنبَه في عَدْوِهِ. وكُوَّارَةُ النّحْلِ معروفةٌ. والكُوْر: الرَّحْلُ. وقيل:
لكل مِصْرٍ ((كُوْرَة))، وهي البُقْعَةُ التي يَجْتمع فيها قُرِئٍ ومَحالُّ)).
آ. (٦) قوله: ﴿ثم جَعَل مِنْها﴾: في «ثم)) هذه أوجه، أحدها:
أنها على بابها من الترتيب بمُهْلة، وذلك أنه يُرْوى أنه تعالى أخرجنا من ظهرِ آدمَ
كالذُّرِّ ثم خَلَق حواء بعد ذلك بزمانٍ. الثاني: أنها على بابها أيضاً ولكنْ لمَدْركٍ
آخرَ: وهو أن يُعْطَفَ بها ما بعدها على ما فُهِم من الصفة في قوله: ((واحدة)»
إذ التقدير: من نفسٍ وَحَدَتْ أي انفَرَدَتْ ثم جَعَلَ منها زَوْجَها. الثالث: أنَّها
(١) الكشاف ٣٨٧/٢.
(٢) المفردات ٤٤٣ .
(٣) المفردات: أدار.
٤٠٩

- الزمر -
للترتيب في الأخبار لا في الزمان الوجوديِّ كأنه قيل: کان مِنْ أمرها قبل ذلك أن
جعل منها زوجها. الرابع: أنها للترتيبٍ في الأحوالِ والرُّتَبِ. قال
الزمخشري(١): «فإن قلت: وما وجهُ قوله: «ثم جعل منها زوجها» وما يُعطیه من
التراخي؟ قلت: هما آيتان من جملةِ الآياتِ التي عَدَّدها دالاً على وحدانيَّتِه
وقُدْرَتِهِ بتشعيب هذا الخلقِ الفائتِ للحَصْرِ من نفسِ آدمَ عليه السلام وخَلْقٍ
حواء من قُصَيْراه(٢) ، إلَّ أَن إحداهما جعلها اللَّهُ عادةً مستمرةً، والأخرى لم تَجْرِ
بها العادةُ ولم تُخْلَقْ أنثى غيرُ حواءَ من قُصيرى رجلٍ ، فكانَتْ أَدخلَ في كَوْنِها
آيةً وَأَجْلَبَ لعَجَبِ السامعِ، فعطفَها بـ((ثم)) على الآية الأولى للدلالة على
مباينَتِها فضلاً ومزيةً، وتراخيها عنها فيما يرجِعُ إلى زيادةٍ كونها آيةٌ فهي من
التراخي في الحالِ والمنزلةِ لا من التراخي في الوجود.
قوله: ((وأَنْزَلَ لكم من الأنعام)) عطف على (خَلَقَكم))، والإِنزالُ يَحتمل
الحقيقةَ. يُرْوى أنه خَلَقِها في الجنةِ ثم أَنْزَلها، ويُحتملُ المجازُ، وله وجهان،
أحدهما: أنها لم تَعِشْ إلَّ بالنبات والماء، والنباتُ إنما يعيش بالماء، والماء
[٧٦٤/ب] يَنْزِلُ من السحاب أطلق الإِنزالَ / عليها وهو في الحقيقةِ يُطْلَقُ على سببٍ
السببٍ كقوله(٣):
٣٨٨٥- أَسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابَهْ
وقوله (٤) :
٣٨٨٦- صار الثريدُ في رُؤوسِ العِيْدانْ
(١) الكشاف ٣٨٨/٣.
(٢) القصيرى: أصل العنق. وأعلى الأضلاع وأسفلها.
(٣) تقدم برقم ٢١٧٩ .
(٤) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في البحر ٤١٦/٧.
٤١٠

- الزمر -
وقوله(١):
٣٨٨٧- إذا نَزَل السماءُ بأرضٍ قَوْمٍ
رَعَيْناه وإنْ كانوا غِضابا
والثاني: أنَّ قضاياه وأحكامَه مُنَزَّلَةٌ من السماءِ من حيث كَتْبُها في اللوحِ
المحفوظِ، وهو أيضاً سببٌ في إيجادِها.
قوله: ((يَخْلُقكم)» هذه الجملةُ استئنافيةٌ، ولا حاجةَ إلى جَعْلِها خبرَ مبتدأ
مضمٍ، بل اسُتُونفت للإِخبار بجملةٍ فعلية. وقد تقدَّم خلافُ القراءِ في كسرٍ
الهمزةِ وفتحِها وكذا الميمُ (٢).
قوله: ((خَلْقاً)) مصدرٌ لـ «يَخْلُق)» و «مِن بعد خَلْقٍ» صفةً له، فهو لبیانٍ
النوع من حيث إنه لَّمَّا وُصِفَ زاد معناه على معنى عاملِه. ويجوز أن يتعلَّقَ
(مِنْ بعد خَلْقٍ)) بالفعل قبلَه، فيكون ((خَلْقً» لمجرد التوكيد.
قوله: ((ظُلُمات)) متعلقٌ بخَلْق الذي قبله، ولا يجوز تعلُّقُه بـ((خَلْقاً))
المنصوبٍ؛ لأنه مصدرٌ مؤكِّدٌ، وإن كان أبو البقاء(٣) جَوَّزه، ثم مَنَعَه بما ذكرْتُ
فإنه قال: ((و((في)) متعلّقٌ به أي بـ ((خَلْقاً) أو بخلق الثاني؛ لأنَّ الأولَ مؤكِّدٌ
فلا يعملُ)) ولا يجوزُ تعلُّقُه بالفعلِ قبله؛ لأنه قد تعلَّقَ به حرفٌ مثلُه، ولا يتعلَّق
حرفان متحدان لفظاً ومعنىَّ إلَّ بالبدليةِ أو العطفِ. فإنْ جَعَلْتَ ((في ظلمات))
بدلاً مِنْ ((في بطونِ أَمَّهاتِكم)) بدلَ اشتمالٍ ؛ لأن البطونَ مشتملةٌ عليها، وتكونُ
بدلاً بإعادة العاملِ ، جاز ذلك، أعني تعلُّقَ الجارَّيْن بـ ((يَخْلُفكم)). ولا يَضُرُّ
الفصلُ بين البدلِ والمبدلِ منه بالمصدرِ لأنه مِنْ تتمةِ العاملٍ فليس بأجنبي .
(١) تقدم برقم ١٨٦٨.
(٢) في قوله: ((أمَّهاتكم)) وانظر في خلاف القراء: القرطبي ١٥١/١٠.
(٣) الإملاء ٢١٤/٢.
٤١١

:
- الزمر -
قوله: ((ذلكم اللَّهُ ربُّكم)) يجوزُ أَنْ يكونَ ((الله)) خبراً لـ ((ذلكم)) و ((ربُّكم))
نعتٌ للَّهِ أو بدلٌ منه. ويجوز أَنْ يكونَ ((الله)) بدلاً مِنْ ((ذلكم)) و ((ربُّكم)) خبرُه.
قوله: ((له المُلْكُ)) يجوز أَنْ يكونَ مستأنفاً، ويجوزُ أَنْ يكونَ خبراً بعد
خبر، وأَنْ يكونَ ((الله)) بدلاً مِنْ ((ذلكم)) و ((ربُّكم)) نعتٌ لله أو بدلٌ منه، والخبرُ
الجملةُ مِنْ (له الملكُ)). ويجوزُ أَنْ يكون الخبرُ نفسَ الجارِّ والمجرور وحدّه
و ((المُلْكُ)) فاعلٌ به، فهو من بابِ الإِخبارِ بالمفرد.
قوله: ((لا إله إلاّ هو)) يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأَنْ يكونَ خبراً بعدٍ خبرٍ.
آ. (٧) قوله: ﴿يَرْضَهُ لكم﴾: قرأ(١) ((يَرْضَهُوْ)) بالصلة - وهي
الأصلُ مِنْ غيرِ خلافٍ - ابنُ كثيرٍ والكسائيُّ وابنُ ذكوان. وهي قراءةٌ واضحةٌ.
وقرأ ((يَرْضَهُ)) بضم الهاءِ مِنْ غيرٍ صلةٍ بلا خلافٍ نافعٌ وعاصمٌ وحمزةُ. وقرأ
(يَرْضَوْ)) بإسكانها وَصْلاً مِنْ غيرِ خلافٍ السوسيُّ عن أبي عمروٍ. وقرأ بالوجهين
- أعني الإِسكانَ والصلةَ - الدُّوْريُّ عن أبي عمروٍ، وقرأ بالوجهين - أعني
الإِسكانَ والتحريكَ مِنْ غيرِ صلة - هشامٌ عن ابنِ عامرٍ، فهذه خمسُ مراتبُ
للقُرَّاءِ، وقد عَرَفْتَ توجيهَ الإِسكانِ والقصرِ والإِشباعِ ممَّا تقدَّم في أوائلِ هذا
الموضوع(٢)، وما أَنْشَدْتُه عليه وأسْنَدْتُه لغةً إلى قائله. ولا يُلْتَفَتُ إلى
أبي حاتمٍ في تَغْلِيطِه راويَ السكونِ، فإنها لغةٌ ثابتةٌ عن بني عُقَيْل
وبني كلاب.
آ. (٨) قوله: ﴿مُنيباً﴾: حالٌ مِن فاعل ((دَعَا)) و ((إليه)) متعلق
بـ ((مُنِيباً)) أي راجِعاً إليه .
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٦٠، والبحر ٤١٧/٧، والتيسير ١٨٩، والقرطبي
٢٣٧/١٥، والحجة: ٦١٩، والنشر ٣٠٩/١.
(٢) انظر: الدر المصون ٥٦٣/٢، و٢٦١/٣.
٤١٢

- الزمر -
قوله: ((خَوِّله)) يُقال: خَوَّلَه نِعْمَةً أي: أعطاها إياه ابتداءً مِنْ غيرٍ مُقْتَضٍ .
ولا يُسْتَعْمَلُ في الجزاءِ بل في ابتداءِ العَطِيَّةِ. قال زهير (١):
٣٨٨٨- هنالِك إِنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخْوِلُوْا
ويُرْوَى ((يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلوا)). وقال أبو النجم(٢):
٣٨٨٩- أَعْطَىْ فلم يُبْخَلْ ولم يُبَخَّلِ
كُوْمُ الذُّرَىْ مِنْ خَوَلِ المُخَوِّلِ
وحقيقةُ (خَوَّل)) مِنْ أحدٍ معنيين: إمَّا مِنْ قولهم: ((هو خائلُ مالٍ)) إذا كان
متعهَّداً له حَسَنَ القيام عليه، وإمَّا مِنْ خال يَخُول إذا اختال وافتخر، ومنه
قولُه(٣): ((إِنَّ الغنيَّ طويلُ الذيلِ مَيَّاسُ))، وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه المادةِ مُسْتوفىٌ
في الأنعام(٤).
قوله: ((منه)) يجوز أَنْ يكونَ متعلقاً بـ ((خَوَّل)»، وأنْ يكونَ متعلقاً بمحذوفٍ
على أنه صفةٌ لـ ((نِعْمة)).
قوله: ((ما كان يَدْعُو)) يجوزُ في ((ما)) هذه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ تكونَ
موصولةً بمعنى الذي، مُراداً بها الضُّرُّ أي: نسي الضرِّ الذي يَدْعو إلى كَشْفِه.
الثاني: أنها بمعنى الذي / مُراداً بها الباري تعالى أي: نَسِي اللَّهَ الذي كان [٧٦٥/أ]
يَتَضِرَُّ إليه. وهذا عند مَنْ يُجيزُ ((ما)) على أُوْلِي العلمِ. الثالث: أَنْ تكونَ (ما))
(١) تقدم برقم ١٢٥١.
(٢) تقدم برقم ١٩٨٨ .
(٣) نسبه في البحر ٤١٨/٧ للعرب، وورد في الكشاف ٣٨٩/٣. وهو مثل عربي.
انظر: مجمع الأمثال ٣٤/١، وجمهرة الأمثال ١١/١.
(٤) انظر: الدر المصون ٤٦/٥.
٤١٣

- الزمر -
مصدريةً أي: نَسِي كونَه داعياً. الرابع: أن تكونَ ((ما)) نافيةٌ، وعلى هذا فالكلامُ
تأمُّ على قولِه: (نَسِيَ)) ثم استأَنَفَ إخباراً بجملةٍ منفيةٍ، والتقدير: نَسِيَ ما كان
فيه. لم يكنْ دعاءُ هذا الكافرِ خالصاً لله تعالى. و((من قبلُ)) أي: من قبلِ
الضررِ، على القول الأخير، وأمَّا على الأقوالِ قبلَه فالتقديرُ: مِنْ قبل تخويلٍ
النعمة.
قوله: ((لِيُضِلَّ)) قرأ(١) ابنُ كثيرٍ وأبو عمروٍ ((لَيَضِلَّ)) بفتح الياء أي: ليفعلَ
الضلالَ بنفسه. والباقون بضمِّها أي: لم يقنع بضلالِه في نفسِه حتى يَحْمِلَ
غيرَه عليه، فمفعولُه محذوفٌ وله نظائرُ تقدَّمَتْ. واللامُ يجوز أن تكونَ للعلةِ،
وأن تكونَ للعاقبة .
آ. (٩) قوله: ﴿أَمَّنْ هو قانِتٌ﴾: قرأ(٢) الحَرمِيَّان: نافعٌ
وابنُ كثير بتخفيف الميم، والباقون بتشديدها. فأمَّا الأولى ففيها وجهان،
أحدهما: أنها همزةُ الاستفهامِ دَخَلَتْ على ((مَنْ)) بمعنى الذي، والاستفهامُ
للتقريرِ، ومقابلُه محذوفٌ، تقديرُه: أمَنْ هو قانتُ كمَنْ جعل للَّهِ تعالى أنداداً،
أو أَمَنْ هو قانِتُ كغيرِهِ، أو التقدير: أهذا القانِتُ خيرٌ أم الكافرُ المخاطبُ بقوله:
(قل تَمَتِّعْ بكفرِك قليلاً)) ويَدُلُّ عليه قولُه: ((قُلْ هل يَسْتوي الذين يعلمون والذين
لا يَعْلَمون)» فحذفَ خبزُ المبتدأ أو ما يعادِلُ المُسْتَفْهَم عنه. والتقديران الأوَّلانِ
أَوْلى لقلةِ الحَذْفِ. ومن حَذْفِ المعادِلِ للدلالةِ قولُ الشاعر (٣):
٣٨٩٠- دَعاني إليها القلبُ إِنِّي لأَمْرِها
سميعٌ فما أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلابُها
(١) التيسير ١٣٤، والحجة ٦١٩، والبحر ٤١٨/٧، والنشر ٢٩٩/٢.
(٢) السبعة ٥٦١، والنشر ٣٦٢/٢، والبحر ٤١٨/٧، والتيسير ١٨٩، والقرطبي
٢٣٨/١٥، والحجة : ٦٢٠.
(٣) تقدم برقم ٧٣٤.
٤١٤

- الزمر -
يريد: أم غَيُّ. والثاني : أَنْ تكونَ الهمزةُ للنداءِ، و ((مَنْ)) منادى، ويكون
المنادى هو النبيِّ صلَّى الله عليه وسلّم، وهو المأمورُ بقولِه: ((قل هل يَسْتوي
الذين يَعْلمون)» كأنه قال: يا مَنْ هو قانِتُ قل كَيْتَ وَكَيْتَ، كقولِ الآخرِ (١):
٣٨٩١- أزيدُ أخا وَرْقاءَ إنْ كنتَ ثائراً
وفيه بُعْدُ، ولم يَقَعْ في القرآن نداءٌ بغير يا حتى يُحْمَلَ هذا عليه. وقد
ضَعَّفَ الشيخُ(٢) هذا الوجهَ بأنه أيضاً أجنبيٍّ مِمَّا قبله وممّا بعده. قلت: قد
تقدَّمَ أنه ليس أجنبياً ممَّا بعدَه؛ إذ المنادَى هو المأمورُ بالقولِ. وقد ضَعَّفَه
الفارسي (٣) أيضاً بقريبٍ مِنْ هذا. وقد تَجَرَّأ على قارىءٍ هذه القراءةِ أبو حاتم
والأخفش (٤).
وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فهي (أم)) داخلةٌ على ((مَنْ)) الموصولةِ أيضاً فأُدْغِمَتْ
الميمُ. وفي (أم)) حينئذٍ قولان، أحدهما: أنها متصلةٌ، ومعادِلُها محذوفٌ
تقديرُه: الكافرُ خيرٌ أم الذي هو قانِتٌ. وهذا معنى قولِ الأخفشِ. قال
الشيخ (٥): ((ويحتاج حَذْفُ المعادِلِ إذا كان أولَ إلى سَماعٍ)). وقيل:
(١) عجزه:
فقد عَرَضَتْ أحْنَاءُ حَقِّ فخاصِمِ
ولا يُعرف قائله وهو في الكتاب ٣٠٣/١، والمساعد ٤٨١/٢، وابن يعيش ٤/٢،
واللسان (حنا). وورقاء: خَيَّ من قيس. والثائر: طالب الثأر. وأحناء الأمور:
أطرافها. أي: إن كنت طالباً لثأرِك فقد تيسّر لك فاطلبه .
(٢) البحر ٤١٨/٧.
الحجة (خ) ٤ /٢٣٠.
(٣)
(٤) لم يرد في كتابه ((المعاني)).
(٥) البحر ٤١٨/٧.
٤١٥

- الزمر -
تقديرُه: أمُّنْ يَعْصي أَمَّن هو مطيعٌ فيستويان. وحُذِفَ الخبرُ لدلالةِ قوله: ((هل
يَسْتوي الذين يعلمون)). والثاني: أنَّها منقطعةٌ فتقدَّرُ بـ بل والهمزةِ أي: بل
أمَّن هو قانِتٌ كغيرِه أو كالكافر المقول له: تمتِّعْ بكفرِك. وقال أبو جعفر (١):
((هي بمعنى بل، و((مَنْ)) بمعنى الذي تقديرُه: بل الذي هو قانتٌ أفضلُ مِمِّنْ
ذُكِرَ قبله)). وانتُقِدَ عليه هذا التقديرُ: من حيث إنَّ مَنْ تَقَدَّم ليس له فضيلةٌ
البتّةً حتى يكونَ هذا أفضلَ منه. والذي ينبغي أَنْ يُقَدِّرَ: ((بل الذي هو قانِتُ
مِنْ أصحاب الجنة))؛ لدلالة ما لقسيمِه عليه مِنْ قولِه: ((إنَّك من أصحابٍ
النار)). و(آناء)) منصوبٌ على الظرفِ. وقد تقدَّم اشتقاقُه والكلامُ في
مفرده(٢).
قوله: ((ساجِداً وقائماً)) حالان. وفي صاحبهما وجهان، الظاهر منهما:
أنه الضميرُ المستترُ في ((قانِتْ)). والثاني: أنه الضميرُ المرفوعُ بـ «يَحْذَرُ)) قُدِّما
على عامِلهما. والعامَّةُ على نصبِهما. وقرأ(٣) الضحاك برفعهما على أحد
وجهين: إمَّا النعتِ لـ (قَانِتْ))، وإمَّا أنهما خبرٌ بعد خبر.
قوله: ((يَحْذَر)) يجوز أن يكونَ حالاً من الضمير في ((قانتٌ)) وأن يكونَ/
حالاً من الضمير في ((ساجداً وقائماً))، وأَنْ يكونَ مستأنفاً جواباً لسؤالٍ مقدرٍ
كأنه قيل: ما شأنُه يَقْنُتُ آناءَ الليل ويُنْعِبُ نفسَه ويَكُثُّها؟ فقيل: يَحْذَرُ الآخِرَة
ويَرْجو رحمةً ربِّه، أي: عذاب الآخرةِ. وقُرِىءٍ (٤) «إنما يَذَّكَّرُ أُولو)» بإدغامِ
التاءِ في الذَّال.
[٧٦٥/ب]
(١) إعراب القرآن ٨١٢/٢.
(٢) انظر: الدر المصون ٣٥٦/٣.
(٣) البحر ٤١٩/٧ .
(٤) البحر ٤١٩/٧.
٤١٦

- الزمر -
آ. (١٠) قوله: ﴿في هذه الدنيا﴾: يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بالفعل
قبله؛ وحُذِفَت صفةُ ((حسنةٌ))، إذ المعنى: حسنة عظيمة؛ لأنه لا يُؤْعَدُ مَنْ عمل
حسنةً في الدنيا، حسنةً مطلقاً بل مقيّدةً بالعِظَم، وأنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها
حالٌ مِنْ حسنة كانَتْ صفةً لها، فلمَّا تَقَدَّمَتْ بقيَتْ حالاً. و((بغيرٍ حسابٍ))
حالٌ: إِمَّا مِنْ (أَجْرَهم))، وإمَّا من ((الصابرون)) أي: غيرَ محاسَبٍ عليه، أو غيرَ
محاسبین.
آ. (١٢) قوله: ﴿وأُمِرْتُ لأِنْ أكونَ﴾: في هذه اللامِ
وجهان، أحدهما: أنها للتعليلِ تقديره: وأُمِرْتُ بما أُمِرْتُ به لَأَنْ أكونَ. قال
الزمخشري(١): ((فإن قلتَ: كيف عَطَفَ ((أُمِرْت)) على ((أُمِرت)) وهما واحدٌ؟
قلت: ليسا بواحدٍ لاختلافِ جهتيهما: وذلك أنَّ الأمرَ بالإِخلاصِ وتكليفَه
شيءٌ، والأمرَ به لُيُحْرِزِ (٢) به قَصَبَ السَّبْقِ في الدين شيءٌ آخرُ. وإذا اختلفَ
وجها الشيء وصفتاه يُنَزَّل بذلك مَنْزِلَةً شيئين مختلفين». والثاني: أن تكونَ اللامُ
مزيدةً في ((أَنْ)). قال الزمخشري (٣): ((ولك أن تَجْعَلَ اللامَ مزِيدَةً، مَثَلُها في
قولك: ((أَرَدْتُ لَأَنْ أفعلَ)) ولا تُزاد إلَّ مع ((أَنْ)) خاصةً دونَ الاسمِ الصريح،
كأنها زِيْدَتْ عوضاً من تَرْكِ الأصل إلى ما يقومُ مَقامَه، كما عُوَّض السينُ في
(اسطاع)) عوضاً من تَرْكِ الأصل الذي هو أَْوَعَ. والدليلُ على هذا الوجهِ مجيئُه
بغيرِ لامٍ في قولِه: ((وَأُمِرْتُ أَنْ أكون من المسلمين))(٤)) ((وأُمِرْتُ أَنْ أكونَ من
المؤمنين)»(٥) (أُمِرْتُ أَنْ أكونَ أُولَ مَنْ أَسْلَمْ))(٦) انتهى.
(١) الكشاف ٣٩١/٣.
(٢) الكشاف: ليحرز القائم به .
(٣) الكشاف ٣٩٢/٣.
(٤) الآية ٧٢ من يونس.
(٥) الآية ١٠٤ من يونس.
(٦) الآية ١٤ من الأنعام.
٤١٧

- الزمر -
قوله: (ولا تُزاد إلا مع أنْ)) فیہ نظرٌ، من حيث إنها تُزاد باطُرادٍ إذا كان
المعمولُ متقدماً(١)، أو كان العامل فرعاً(٢). وبغير اطِّادٍ في غيرِ الموضعين،
ولم يَذْكُرْ أحدٌ من النحويين هذا التفصيلَ (٣). وقوله: ((كما عُوِّض السينُ في
اسْطاع)) هذا على أحد القولين. والقول الآخر أنَّه استطاع(٤) فحُذِفَتْ تَاءُ
الاستفعال. وقوله: ((والدليلُ عليه مجيئُه بغير لامٍ)) قد يُقال: إنَّ أصلَه باللامِ،
وإنما حُذِفَتْ لأنَّ حَرْفُّ الجرِّ يَطَّرِدُ حَذْفُه مع ((أَنْ)) و((أنَّ))، ويكون المأمورُ به
محذوفاً تقديرُه: وأُمِرْتِ أن أعبدَ لأَنْ أكونَ.
آ. (١٤) قوله: ﴿قل اللَّهَ أَعْبُدُ﴾: قُدِّمَتِ الجلالةُ عند قومٍ
لإفادةِ الاختصاصِ. قال الزمخشريُّ (٥): ((ولدلالتِه على ذلك قَدَّمَ المعبودَ على
فِعْلِ العبادةِ هنا، وأَخَّرِه في الأول، فالكلامُ أولاً واقعٌ في الفعل نفسِه وإيجادِهِ،
وثانياً فيمن يفعلُ الفعلُ مِنْ أجلِه، فلذلك رَتَّبَ عَليه قولَه: ((فاعبدوا ما شِئْتُمْ مِنْ
دونه)) )).
آ. (١٦) قوله: ﴿لهم مِنْ فوقِهِم ظُلَلٌ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ
الخبرُ أحدَ الجارَّيْنِ المتقدِّمَيْنِ، وإن كان الظاهرُ جَعْلَ الأولِ هو الخبرَ، ويكون
(مِنْ فوقِهم) إمَّا حالاً مِنْ ((ظُلَل)) فيتعلُّقُ بمحذوفٍ، وإمَّا متعلقاً بما تعلُّق به
الخبرُ، و((مِن النار) صفةُ لـ ((ظُلَل)). وقوله: ((ومِنْ تَحْتِهم ظُلَل)) كما تقدَّم،
وسَمَّاها ظلالاً بالنسبة لمَنْ تَحْتهم.
(١) نحو: ((للذين هم لربهم يَرْهبون)).
(٢) نحو: ((فَعَّال لما يريد)».
(٣)
انظر: مغني اللبيب ٢٨٧ .
قال الزجاج في معاني القرآن ٣١٢/٣: ((ولكن التاء والطاء من مخرج واحد
فحُذِفت التاء لاجتماعهما ويخف اللفظ».
(٤)
(٥) الكشاف ٣٩٢/٣
٤١٨

- الزمر -
آ. (١٧) قوله: ﴿أَن يَعْبُدُوها﴾: الضميرُ عائدٌ على الطاغوتِ
لأنها تُؤَنَّثُ، وقد تقدَّم القولُ عليها مستوفىَ في البقرة(١). و((أَنْ يعبدوه)) في
محلِّ نصبٍ على البدل من الطاغوت بدلِ اشتمالٍ، كأنه قيل: اجْتَنِبُوا عبادةٌ
الطاغوتِ. والموصولُ مبتدأُ. والجملةُ مِنْ ((لهم البشرى)) الخبرُ. وقيل: ((لهم))
هو الخبرُ بنفسِه، و((الْبُشْرَى)) فاعلٌ به وهذا أَوْلَى لأنه مِنْ بابِ الإِخبار
بالمفرداتِ. وقوله: ((فَبَشِّرْ عبادي)) من إيقاع الظاهرِ مَوْقِعَ المضمرِ أي: فَبَشَرْهُمْ
أي: أولئك المجتَنبين، وإنما فُعِلَ ذلك تصريحاً بالوصفِ المذكور.
آ. (١٨) قوله: ﴿الذين يَسْتَمِعون﴾: الظاهرُ أنه نعتٌ
العبادي، أو بدلٌ منه، أو بيانٌ له. وقيل: يجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأً. وقوله: ((أولئك
الذين)) إلخ خبرُه. وعلى هذا فالوقفُ على قولِه: ((عبادي)) والابتداءُ بما بعدَه.
آ. (١٩) قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقِّ﴾: في ((مَنْ)) هذه وجهان،
أظهرهما: أنها موصولةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداء. وخبرُه محذوفٌ، فقدَّره
أبو البقاء (٢) ((كمَنْ نجا)). وقَدَّره الزمخشري (٣): ((فأنت تُخَلِّصُه)) قال: ((حُذِفَ
لدلالةِ ((أفأنت تُنْقِذُ)) عليه. وقَدَّره غيرُه ((تتأسَّفُ عليه)). وقدَّره آخرون ((يَتْخَلَّص
منه)) أي: من العذاب / وقدَّر الزمخشريُّ (٤) على عادته جملةٌ بين الهمزة [٧٦٦/أ]
والفاء. تقديرُه: أأنت مالِكُ أَمْرِهم، فَمَنْ حَقَّ عليه كلمةُ العذاب. وأمَّا غيرُه
فيدَّعي أن الأصلَ تقديمُ الفاءِ وإنما أُخَّرَتْ لِما تستحقُّه الهمزةُ من التصديرِ. وقد
(١) انظر: الدر المصون ٥٤٧/٢.
(٢) الإِملاء ٢١٤/٢.
(٣) الكشاف ٣٩٣/٣.
(٤) الكشاف ٣٩٣/٣.
٤١٩

- الزمر -
تقدَّمَ تحقيق هذين القولين غيرَ مرةٍ. والثاني: أَنْ تكون ((مَنْ)) شرطيةً،
وجوابُها: أفأنت. فالفاء فاءُ الجوابِ دَخَلَتْ على جملةِ الجزاءِ، وأُعيدتِ الهمزةُ
لتوكيد معنى الإِنكار، وأوقع الظاهرَ وهو ((مَنْ في النار)) موقعَ المضمرِ، إذ كان
الأصلُ: أفأنت تُنْقِذُه. وإنما وقع موقعه شهادة علیه بذلك. وإلى هذا نخا
الحوفيُّ والزمخشري(١). قال الحوفي: ((وجيْءَ بألف الاستفهام لَمَّا طَالَ الكلامُ
توكيداً، ولولا طولُه لم يَجُزْ الإِتيانُ بها؛ لأنه لا يَصْلُحُ في العربيةِ أَنْ يأتيَ بألف
الاستفهام في الاسمِ وألفٍ أخرى في الجزاء. ومعنى الكلام: أفأنت تُنْقِذُه.
وعلى القول بكونها شرطيةً يترتَّبُ على قولِ الزمخشري وقولِ الجمهور مسألةٌ:
وهو أنَّه على قولِ الجمهورِ يكونُ قد اجتمع شرطٌ واستفهامٌ. وفيه حينئذٍ خلافٌ
بين سيبويه(٢) ويونسَ : هل الجملةُ الأخيرةُ جواب الاستفهام وهو قولُ يونس،
أو جوابُ للشرط، وهو قولُ سيبويه؟ وأمَّا على قَوْلِ الزمخشريِّ فلم يَجْتمع
شرطٌ واستفهامٌ؛ إذ أداةُ الاستفهامِ عندَه داخلةٌ على جملةٍ محذوفٍ عُطِفَتْ عليها
جملةُ الشرط، ولم يَدْخُلْ على جملةِ الشرطِ. وقوله: ((أفأنت تُنْقِذُ)» استفهامُ
توقيفٍ وقُدِّم فيها الضميرُ إشعاراً بأنك لست قادراً على إنقاذِه إنَّما القادرُ عليه
اللَّهُ وحدَه.
آ. (٢٠) قوله: ﴿لكنِ الذين اتَّقَوْا﴾: استدراكٌ بين شيئين
نقيضَيْن أو ضِدَّيْن، وهما المؤمنون والكافرون.
وقوله: ((وَعْدَ اللَّهِ)) مصدرٌ مؤكّدٌ لمضمون الجملةِ، فهو منصوبٌ بواجبٍ
الإِضمار.
(١) الكشاف ٣٩٣/٣.
(٢) انظر: الكتاب ٤٤٤/١ .
٤٢٠